شرح مقدمة سنن ابن ماجه (08)

عنوان الدرس: 
شرح مقدمة سنن ابن ماجه (08)
عنوان السلسلة: 
شرح مقدمة سنن ابن ماجه
تاريخ النشر: 
جمعة 14/ شعبان/ 1435 4:45 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين.

قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه -رحمه الله تعالى-:

باب: اجتناب الرأي والقياس

حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ح وحدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر ومالك بن أنس وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو هانئ حُميد بن هانئ الخولاني عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)).

حدثنا محمد بن العلاء الهمداني قال: حدثني رشدين بن سعد وجعفر بن عون عن ابن أنعم هو الإفريقي عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العلم ثلاثة فما وراء ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة)).

حدثنا الحسن بن حماد سجادة قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قال: ((لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه)).

حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي الرجال عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا)).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: اجتناب الرأي والقياس

لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في الأصول السابقة السنة، والعناية بالسنة، والاهتمام بها، وطرح ما خالفها، واتقاء ما أحدث دونها، أردف ذلك بباب يذكر فيه أن الرأي المخالف للسنة يجب أن يجتنب، والأقيسة في مقابل السنن، وأنها فاسدة الاعتبار.

يقول -رحمه الله تعالى-:

باب: اجتناب الرأي والقياس

والمراد بالرأي المخالف للنص، وليس معناه الرأي الذي يستعان به على فهم النص، الرأي منه ما يؤيده النص، ومنه ما يعارض به النص، فما يؤيده النص لا شك أنه مقبول، أما ما يعارض النصوص فهو مردود، معارضة النصوص الثابتة عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام- بالآراء لا شك أنها علامة على الخذلان، وإفلاس المعارض من الحق الذي يؤيده الدليل، وأهل الرأي الذين اعتمدوا على الآراء والأقيسة وتركوا الاستدلال بالنصوص إنما سبب ذلك أنه أعجزهم وأعياهم حفظ النصوص، فالحفظ صعب، لا سيما من التفت إليه بعد الكبر، فإذا أعياهم وأعجزهم حفظ النصوص، ثم تعرضوا للسؤال، وتصدروا في المجالس والمنابر والمحافل وعرضوا أنفسهم لأسئلة الناس، وليس عندهم من النصوص ما يعتمدون عليه اضطروا إلى أن يفتوا بآرائهم، فهذه الآراء التي لا تعتمد على النصوص هي التي يجب اجتنابها، وأما من كان عنده من النصوص ما يعتمد عليه في مسائل الدين، واحتاج مع ذلك إلى الرأي الذي يتعامل به مع هذه النصوص؛ لأن النصوص تحتاج إلى مقدمات يستعان بها على فهم هذه النصوص، وكذلك الأقيسة إذا كان الأصل موجود عند العالم، والأصل موجود بدليله، واحتاج أن يقيس عليه فرعاً لا دليل عليه وإنما هو مشبه لذلك الأصل الذي دل عليه الدليل بعلة واحدة فإنه حينئذٍ يقيسه عليه، وهذا القياس صحيح ولا إشكال فيه؛ لأنه مرجعه إلى النص، أما من يقيس الأمور برأيه أقول: أما من يقيس الأمور برأيه في المسائل الأصلية التي فيها الأدلة، ويتوصل بقياسه إلى مخالفة ما دل عليه الدليل فهذا القياس كما يقول أهل العلم فاسد الاعتبار؛ لأنه قياس في مقابلة نص، فلنفرق بين الرأي الذي يجب اجتنابه، والرأي الذي لا بد من استعماله للتعامل مع النصوص، والقياس الصحيح الذي هو إلحاق فرع لا دليل عليه يخصه بأصل ثبت دليله من الكتاب أو السنة بعلة تجمع بينهما هذا لا إشكال فيه، وأما القياس الذي يعول عليه ابتداءً في تقرير مسألة فيها نص فهو فاسد الاعتبار؛ لأن العبرة بالنص، فلا بد أن نفرق؛ لئلا يسمع هذا الكلام أحد ويقول: باب اجتناب الرأي والقياس معناه أن المؤلف أو من يقول بهذا الكلام ظاهري، لا يرى الآراء ولا الأقيسة، فالأئمة كلهم جاء عنهم ذم الرأي والقياس، ومع ذلك كلهم استعملوا الأقيسة، وأفتوا بفتاوى دقيقة تدل على أنهم أعملوا آرائهم في هذه الفتاوى مع اعتمادهم ومعولهم على النص، وأظن الفرق ظاهر، فالمسألة ينبغي أن ينظر إليها باعتدال، مثل هذا على طالب العلم أن ينظر إليها باعتدال كما كان الأئمة ينظرون إلى مثل هذه المسائل، فلا يوغل طالب العلم في استعمال الآراء والأقيسة، بل يكون معوله على النصوص، ولا بد من استعمال الآراء والأقيسة للإفادة من هذه النصوص، كما أنه لا يوغل لا يهمل الآراء والأقيسة، ولا يعتمد عليها اعتماداً كلياً، بل يكون معوله واعتماده على النص، ويستعمل ما يحتاج إليه من الآراء كما كان الأئمة على هذا، فالقياس أصل عند جماهير أهل العلم، وأما الظاهرية الذين لا يرون الأقيسة فصار عندهم شيء من الخلل في الاستدلال لكثير من المسائل، يصير فيها عسر عليهم، إذ ليس كل مسألة أو نازلة أو حادثة يكون منصوصاً عليها في الكتاب والسنة، وإنما يكون منصوصاً على أصلها أو على أشباهها ونظائرها فتلحق بها، وهم لا يقولون بهذا، ولابن حزم كتاب اسمه: "إبطال القياس" ولذا وقع فيهم من وقع، يقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: "فلما جاء القوم الذين هم كالحمير يطلبون الدليل على كل صغير وكبير" فالذي يطلب الدليل يذم؟ لا يذم، بس أخطأ في التعبير، هو أخطأ في التعبير؛ لأن الذي يطلب الدليل في كل صغير وكبير هذا لا يذم، لكن كيف نتعامل مع هذا الدليل؟ هل معنى هذا أننا نعمل بالمسائل المنصوصة وما عداها من المسائل ماذا نصنع بها؟ جاءنا مسألة ما فيها نص، ولها نظير يمكن أن تلحق به مما نص عليه، على قياس قول الظاهرية أنها ما فيها حكم شرعي هذا، خالية عن حكم الله مقتضى قوله، يعني وبالمقابل قال ابن حزم في بعض الأئمة كلاماً شنيعاً أعظم مما قيل فيه من قبل ابن العربي، فلا هذا ولا هذا، يعني كون الشخص يذم بأنه يطلب الدليل، يذم بغيره ما يقتضي الذم، بل يذم بما يقتضي المدح، يعني نظير ذلك خطيب حصل مشكلة من فئة من الناس، وأخطئوا في تقديرهم واجتهادهم، أخطئوا بلا شك، ومع ذلك يذمون على المنبر بأي شيء؟ قال: ومن علامتهم تقصير الثياب وحمل كتب الحديث، يعني هذا ذم؟ يعني على المنبر قيل، يا أخي إذا أردت أن تذم فانظر إلى مذمة شرعية يمكن أن تذم بها شرعاً، أما أن تذم بما يمدح به الإنسان شرعاً هذا أبداً، فابن العربي حينما يقول: "جاء القوم الذين هم كالحمير يطلبون الدليل في كل صغير وكبير" جاء عن السلف أنك إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل، فطلب الدليل لا شك أنه محمدة للإنسان، ودليل على توفيقه، لكن الجمود على الدليل بحيث لا يتعدى منطوقه هذا هو الذي يورث الخلل في كيفية التفقه عند بعض الناس، فالدين والعلم ينبغي أن يتوسط فيه كسائر الأمور، يعني الرأي والقياس لا يلغى بالكلية ولا يعتمد عليه، إنما هو تابع وفرع عن النص، وكل ما جاء عن السلف في ذم الرأي فإنما يراد به الرأي الذي تعارض به النصوص، أو لا يستند إلى نص، أما ما يستند فيه صاحبه إلى النص فهذا لا يذم، وقد استعمله من ذم الرأي.

قال -رحمه الله-: "حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ح وحدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر ومالك بن أنس وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة" الآن الالتقاء على من؟ عندنا ابن ماجه يروي الحديث عن شيخين هما: أبو كريب وسويد بن سعيد، أبو كريب يرويه عن عبد الله بن إدريس وعبدة وأبو معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر، خمسة، وسويد بن سعيد يرويه عن علي بن مسهر ومالك وحفص بن ميسرة وشعيب، يعني تسعة، يروى الحديث من طريق تسعة كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص "عن أبيه -عروة بن الزبير- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال)) أو ((ينتزعه من الناس)) كما في هذه الرواية، وبعض الروايات: ((من صدور الرجال)) ليس معنى هذا أن الإنسان يمسي وهو عالم ثم يصبح جاهل ليس في صدره شيء من العلم، نعم قد يعاقب الإنسان بسبب معصية أو ذنب بنسيان بعض العلم، لكن يصبح الناس كلهم وقد نزع العلم من قلوبهم؟ لا، نعم قد يصبح الناس في يوم من الأيام والقرآن قد أسري به ورفع، وحينئذٍ لا علم، وهذا من علامات آخر الزمان، وعلى مر العصور العلم إنما يقبض بقبض العلماء، وهناك بعض السنين يقبض فيها جمع من أهل العلم فيبين الأثر، ففي سنة أربعة وتسعين من الهجرة يعني قبل تمام المائة بست سنين التي يسمونها سنة الفقهاء، مات فيها جمع غفير من أهل العلم، أكثر الفقهاء السبعة ماتوا سنة أربعة و تسعين، فبان الأثر في الأمة، وقل مثل هذا فيما حصل سنة عشرين وأربعمائة وألف حينما قبض علماء كبار، يعني لهم مستوى على مستوى الأمة وزن كبير، فبان الأثر والخلل.

فقبض العلم وانتزاعه إنما يكون بقبض العلماء ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس)) يعني بحيث يصبح الإنسان وليس في جوفه شيء من العلم إلا إذا كان عقاب بسبب ذنب، فقد ثبت أن بعض من ينتسب إلى العلم وعنده شيء من العلم لما عصى سلب بعض العلم الذي كان يحفظه، وأسرع ما يسلب من الإنسان القرآن، فقد يذنب الذنب ثم يصبح يتفلت عليه القرآن، أو يشغل بما ينسى بسببه القرآن، ولا شك أن هذه عقوبة.

((ولكن يقبض العلم بقبض العلماء)) ثم ما النتيجة إذا قبض العلماء؟ والعلماء بالنسبة للأمم لا سيما علماء هذه الأمة كما قال الآجري في أخلاق العلماء يقول: "إن حاجة الأمة إلى العلماء أشد من حاجة قوم في ليلة مظلمة في أرض مسبعة، في واد فيه السباع والهوام والشوك والأحجار وليس معهم نور، ولا يدرون ماذا يواجهون؟ ثم جاءهم من بيده مصباح يتقدمهم ويبصرون به الطريق، ويأمنون به مما يفاجئهم، مما يضرهم، ففضل هذا عليهم، فضل العالم في الأمة أفضل من فضل هذا الرجل الذي جاء بالمصباح في هذه الليلة المظلمة في الصحراء المهلكة، وذلكم لأن هؤلاء القوم الذين يمشون في الظلام خسارتهم في دينهم أو في دنياهم؟ في دنياهم، أما من عاش بدون عالم يهديه سواء السبيل، ويدله على الخير وإذا حصل له إشكال أو مشكلة في دينه، أو وقع في مخالفة يدله على الطريق هذا أعظم لأنه بهذا يحفظ الدين، هؤلاء العلماء الذين قبضهم الله -جل وعلا- فإذا تم ذلك بقبض العلماء كلهم ما النتيجة؟

((فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء)) أو ((رؤوساً)) كما في البخاري ((رؤساء)) وبعض الروايات: ((رؤوساً)) رؤساء جمع رئيس يتبعونه ويقتدون به، ويأتمرون بأوامره، وينتهون عما ينهاهم عنه، أو ((رؤوساً)) جمع رأس، والرأس والرئيس متقاربان، ولا بد من اتخاذ رأس يتبعه الناس، فإذا اتخذوا هذا الرأس وهو جاهل، أو الرؤوس اتخذوا مجموعة من الناس، أو كل فرقة تتخذ لها رأس أو رئيس لكنه جاهل، حصل لهم ما حصل فاحتاجوا إلى من يفتيهم، رجعوا إلى هذا الرأس، والمسألة مفترضة في رأس جاهل؛ لأن هؤلاء الرؤوس كلهم جهال، ((فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) ((فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) والمناسبة مناسبة هذا الحديث للترجمة أن هؤلاء الرؤوس الجهال إذا كانوا جهالاً لا علم لهم بالدين، ولا نصوص يعتمدون عليها، فإنهم سوف يضطرون إلى استعمال الرأي الفاسد، والقياس الفاسد، وعند ذلك يَضلون ويُضلون، يضلون بأنفسهم، ويضلون غيرهم، ومن هنا جاء ذم الرأي والقياس.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو هانئ" حميد بن هانئ الخولاني "عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه))" وهذا الحديث قطعة من حديث تقدم قبل عشرين حديثاً ((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) والضبط الثاني: ((من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) فمن أفتي إذا حصل للإنسان نازلة فسأل عنها من اشتهر في الناس أنه يُسأل، أو من تصدر للأسئلة لأسئلة الناس، والإجابة على إشكالاتهم، فالعامة لا يفرقون، وفرضه سؤال أهل العلم، لكن عليه العامي فرضه سؤال أهل العلم لكن عليه أن يتحرى فيمن يسأل، فإذا كان يتحرى في أمور دنياه ويسال، إذا أراد أن يذهب إلى طبيب احتاج إلى طبيب هل يذهب إلى أي طبيب أو يتحرى ويسأل أي الأطباء أمهر وأعرف وأخبر، ثم يذهب إليه؟ يسأل، هذا في أمور دنياه، فكيف لا يتحرى في أمور دينه؟ قد يقول قائل: إن العامي فرضه سؤال أهل العلم وهو لا يستطيع أن يوازن بين أهل العلم، لا ليست لديه أهلية أن يفاضل بين أهل العلم، لكن أهل العلم أهل التحقيق أهل التحري أهل الورع متميزون عن غيرهم، وكل إنسان حتى العامي يفرق ويميز وعليه في مثل هذه الحالة أن يستفتي قلبه، وإن أفتاه الناس وأفتوه، كيف؟ هذا العامي إذا كان يعرف أن هذا الشخص عنده شيء من التساهل في الفتوى، ثم ذهب إليه وأفتاه بأن هذه المعاملة جائزة، أو هذا العمل لا كفارة فيه، وهو يعرف أن هناك من أهل العلم من هو أشد تحري وأشد ورع من هذا، لا بد وأن يقع في نفسه شيء من هذه الفتوى، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس، فعليه أن يسأل أهل التحري والورع.

وليس في فتواه مفت متبع

 

ما لم يضف للعلم والدين الورع

الورع لا بد منه؛ لأن الإنسان إذا كان يتحرى في أمور دنياه هل هذه البضاعة مربحة أو غير مربحة؟ أراد أن يبتدئ أو ينشئ مشروعاً تجارياً، ينشئها ابتداءً وإلا يستشير الناس أهل الخبرة والمعرفة، ويطلب من يقدم له الاستشارات والدراسات، يحتاط لدنياه، ومثل هذا من احتاج إلى طبيب هل يذهب إلى أي طبيب يواجهه أو يصادفه؟ لا، لا بد أن يسأل ويتحرى ويتثبت، فكذلك الدين، والدين رأس المال، تجد الناس إذا احتاج إلى معاملة من المعاملات، أو وقع في شيء يخشى أن يلزم بتبعة عليه إما كفارة أو غيرها ذهب يسأل من اشتهر بين الناس أنه متساهل، وهذا لا يجدي شيء، هذا لا يجدي على صاحبه، بل لا بد أن يسأل أهل التحري، وحينئذٍ وإن أفتاه الناس وأفتوه لا بد أن يسأل، والناس ماجوا في أيام مضت خلال سنتين أو ثلاث صاروا يسألون فمن يفتيهم بأن هذه المعاملة صحيحة وليس فيها شيء يقتدون به، ويأخذون أقواله، والذي يقول لهم: لا، هذه المعاملة فيها نسبة، أو فيها شيء، أو مختلطة، أو ما أشبه ذلك، يقولون: هذا ما عنده خبرة بالاقتصاد، هذا ويش يدريه هذا؟ هذه مسائل حادثة ولا نظير لها في الفقه الإسلامي، وفلان على العين والرأس من أهل العلم، لكن هذه أمور مستجدة لا علم له بها، الخبرة عند هؤلاء الذين درسوا الاقتصاد، وبالمقابل لو قيل له من قبل هؤلاء الاقتصاديين: إن هذه المعاملة ليست صحيحة وفيها ما فيها، قال: هؤلاء ويش أدراهم؟ هؤلاء أحداث ما يعرفون من الفقه شيء، فتجد الإنسان يدور على هواه، حيثما أملى عليه هواه -نسأل الله السلامة والعافية-، لكن الدين رأس المال، يبقى أن الدين رأس المال، ودرهم من مصدر حلال أفضل من ألف درهم فيه ما فيه، فعلى الإنسان أن يحتاط ويتحرى لدينه، فهذا الذي سأل هذا الشخص الذي عُرف بتساهله، أو خفي أمره على أقل الأحوال لم يسأل عنه ولم يتثبت، ولا عرف ولا شُهر بعلم، وهذا يحصل كثيراً، أحياناً يجي يسأل يتوسم من فيه خير وفضل فيسأله، فإذا أفتاه سأله عن اسمه، قال: من أنت؟ من معي؟ يحصل هذا، فمثل هذا تبرأ ذمته بهذا الاستفتاء؟ هو ما يعرف أن هذا من أهل العلم أصلاً، ما يدري، لكن توسم فيه الخير فسأله، فإذا أفتاه سأله وأجابه قال: من أنت؟ هذا لا تبرأ ذمته بمثل هذا السؤال؛ لأنه أقدم على سؤال شخص مجهول لا يعرفه، ولا بد من المعرفة أن يعرف سواءً كان بنفسه أو بغيره، بقول ثقة: إن هذا من أهل العلم، أو بالاستفاضة بين الناس أن هذا الشخص من أهل العلم.

((من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) عليه كفارة؟ فقال المفتي: لا شيء عليك، الإثم على المفتي ما هو عليك، لكن لا بد أن يكون المفتي أنت تذهب إلى مفتي تبرأ الذمة بتقليده ليس أي مفتي، إنما إذا ذهبت إلى من تبرأ الذمة بتقليده خلاص الإثم عليه، إثمك على من أفتاك، وعلى الضبط الثاني: ((من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)) يعني من استفتاه، يعني شخص لا يحسن ولا يتقن وليس عنده علم، أو عنده شيء من العلم لا يؤهله لأن يتصدر للفتيا، لا يؤهله فجاء شخص ابتلاه، وسأله عن مسألة فأفتاه عن غير علم وعن غير ثبت، فالإثم على المستفتي؛ لأنه هو الذي جره إلى الإفتاء، لكن مع ذلك لا تبرأ ذمة المفتي؛ لأن من أفتى بغير علم وجاء في الخبر: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)) والفتيا توقيع عن الله -جل وعلا-، فلا يجوز أن يوقع عن الله إلا من عرف مراد الله -جل وعلا- بما أنزله على نبيه -عليه الصلاة والسلام- من الكتاب والسنة.

((فإنما إثمه على من أفتاه)) معنى هذا أنه تبرأ ذمة المستفتي إذا أفتاه ولو كانت الفتيا خطأ، إذا كان ممن تبرأ الذمة بتقليده، ذهب إلى عالم معروف الناس يقصدونه، واتفقت ألسنة الناس على أنه من أهل العلم، واستفاض أمره، ثم اجتهد هذا العالم فأفتاه بخطأ؛ لأنه ما هو مفترض في العالم أن يكون معصوماً، وأن أقواله صائبة كلها، لا بد أن يجتهد فيصيب، ويجتهد ويخطئ، فإن أصاب -وهو من أهل الاجتهاد- له أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا محمد بن العلاء الهمداني قال: حدثني رشدين بن سعد وجعفر بن عون عن ابن أنعم هو الإفريقي" عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي "عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العلم ثلاثة))" رشدين بن سعد ضعيف، وكذلك الإفريقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف، فالحديث ضعيف.

يقول فيه: ((العلم ثلاثة)) يعني ثلاثة أمور ((فما وراء ذلك فهو فضل)) يعني زيادة لا داعي له ((آية محكمة)) يعني غير منسوخة؛ لأن المحكم يقابل المنسوخ، وقد يقابل المتشابه، فالعلم في معرفة الآيات المحكمة من النسخ ومن التشابه التي يفهمها أهل العلم، ويستنبطون منها، وأما المتشابه فهو مما وراء ذلك، ولا يمكن أن يعرفه أهل العلم، لا سيما على قول من يقول: إن المتشابه لا يعلمه إلا الله، والوقف على لفظ الجلالة.

((ما وراء ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة)) قائمة يعني ثابتة صحيحة، فالآية المحكمة، يعني هل الآية المنسوخة ما فيها علم؟ الآيات المتشابهة ليس فيها؟ معنى هذا لو أن الإنسان عمل بهذا الحديث وهو ضعيف ويش يلزم عليه؟ يلزم عليه أنه يجرد الآيات من القرآن الناسخة، أما المنسوخ فيتركه، يجرد الآيات المحكمة التي ليس فيها شيء من التشابه، ويستنبط من هذا النوع، من هذه الآيات ويترك الباقي، ويأتي إلى السنن الصحيحة الثابتة ويترك غيرها.

((أو فريضة عادلة)) ويستدلون بهذا على فضل علم الفرائض الذي فيه العدل، والعدل بقسمة المواريث كما قسم الله -جل وعلا-، وهذا من أدلة تفضيل علم الفرائض، لكنه كما سمعنا علم...، والحديث ضعيف، لكن الحديث ضعيف، لا تقوم به حجة، ولا يتم الاستدلال به، وعلى هذا لو اقتصرنا على ما في هذا الحديث وقلنا: إن ما عداه فضل، واقتصرنا على الآيات المحكمة من التشابه والنسخ، والسنن الصحيحة الثابتة والفرائض فقط، ومنهم من يقول: إن الفرائض جمع فريضة، والفرائض يعني بها الأحكام من الحلال والحرام، وعلى كل حال الحديث ما دام ضعيف فلا يتكلف.

ثم قال بعد هذا: "حدثنا الحسن بن حماد سجادة قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان الأسدي" المصلوب، كذاب، وضاع "عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قال: ((لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم))" يعني لا تقدم على شيء إلا عندك فيه علم، إلا بما تعلم ((وإن أشكل عليك شيء)) يعني لم يترجح لك جانب الإصابة فيه ((فقف حتى تبينه)) يعني حتى تتبين وجه الإصابة ((أو تكتب إلي فيه)).

وعلى كل حال الحديث موضوع، آفته محمد بن سعيد المصلوب، اتهم بالزندقة، فقتل وصلب، والحديث موضوع، وهو معارض بحديث معاذ أيضاً لما بعثه النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى اليمن، قال له: ((بم تحكم؟)) قال: أحكم بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: فبسنة رسول الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أجتهد رأيي" ثم قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)) وهو أصح من هذا، أيهما....؟ نعم؟

طالب:.......

ويش عندك؟

طالب:.......

أُموي، نسبة إلى بني أمية، وأما ابن خير الأشبيلي صاحب الفهرست المعروف أَموي بالفتح، نسبة إلى جبل في الأندلس يقال له: أمو، أما هذا إلى أمية بالضم.

((فقف حتى تبينه)) يعني تتبينه أو تبينه ((أو تكتب إلي فيه)) عرفنا أن هذا الحديث لا يكلف اعتباره، وإن كان معناه، معناه صحيح، لا يفصل ولا يقضي إلا بما يعلم، وإن أشكل عليه شيء لم يترجح فيه جانب الإصابة ففرضه حينئذٍ الوقف، يقف، إذا أشكل عليه يقف، فقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، الذي ليس عندك فيه دليل ولا نص عليك أن تقف فيه حتى يترجح لك جانب الإصابة، أو تكتب إلى من هو أعلم منك ليفيدك، أو تبحث في كتب أهل العلم، المقصود أن المعنى وإن كان صحيحاً إلا أن الحديث موضوع، لا تجوز نسبته إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-.

ثم قال بعد ذلك: "حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا ابن أبي الرجال حارثة بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرجال" وأبو الرجال هو محمد بن عبد الرحمن سمي بذلك لأن له عشرة من الولد بلغوا مبلغ الرجال، فقيل له: أبو الرجال، أبو الرجال قد يتكنى الإنسان بمجموع لا بمفرد، الأصل أن الكنية تكون بمفرد، بواحد من ولده، أبو محمد، أبو سعيد، أبو زيد، أبو عمرو، لكن قد يتكنى..، هنا كني عُرف بأبي الرجال، والشيخ أحمد شاكر كنيته أبو الأشبال، فمثل هذا الأمر فيه سعة، لكن ابن أبي الرجال ضعيف، فإسناد الحديث ضعيف.

"عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي" الإمام المتبوع، الأوزاعي له مذهب متبوع، اتبع عليه، وقلد فيه، لكنه انقرض "عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص" وعلى كل حال الحديث مضعف لضعف ابن أبي الرجال "عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم))" المولدون وأبناء سبايا الأمم، وفي بعض النسخ: ((المولدون أبناء)) يعني بدل أو بيان ((أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)) ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً)) يعني مستقيماً على الجادة ((حتى نشأ فيهم المولدون)) الذين ليسوا منهم، أمهاتهم ليست منهم ((وأبناء سبايا الأمم)) والمراد بالسبايا هنا النساء اللواتي يسبين في الغزو، أو ينتهبن من أهليهن، ثم يعرضن في الأسواق ويبعن، وهذا كله حاصل، لكن السبي في الغزو هو الذي يتم به الملك الصحيح، وأما الانتهاب فلا، فلا يتم به ملك.

((فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)) لأن هؤلاء الدخلاء على المجتمعات لا يلتزمون بعادات هذه المجتمعات ولا أعرافها، وقد لا يلتزمون بما ساد فيها من دين، أو ما أشبه ذلك، فهم لا يرعون شيئاً، لا يراعون شيئاً؛ لأنهم دخيلون على المجتمع، وأنت تجد الإنسان في مجتمعه أقول: الإنسان في مجتمعه يمشي على الجادة لأنه شيء نشأ عليه، ثم إذا طرأ على مجتمع آخر، واختلفت عليه الأعراف ولو كان في مجتمعه من أمثل الناس، وذهب إلى مجتمع آخر بين المجتمعين من التفاوت ما بينهما، فتجده في مجتمعه يشدد في أمور يتساهل فيها أهل هذا المجتمع، ويتساهل في أمور من مجتمعه يتشدد فيها أهل هذا المجتمع، وكل إنسان وافد على أي بلد من البلدان يجد الفرق، يعني الإخوة الوافدون من الأقطار الإسلامية أهل الفضل والخير والاستقامة بينهم وبين من وفدوا عليهم بعض التفاوت، تجد أهل البلد يفعلون أفعال يتساهلون فيها هي عند هؤلاء الوافدين عظائم، والعكس تجد هؤلاء الوافدين يستعملون أشياء تعارفوا عليها في بلدانهم وهي عند أهل البلد الموفود عليه عظائم، هذا يدرك وإلا ما يدرك؟ لا، مدرك هذا، نشوف بعض إخواننا الأخيار الذين يأتون إلينا من الأقطار يتشددون في أمور نحن نتسامح فيها، والعكس، يتسامحون في أمور نحن نتشدد فيها، فهنا ينشأ مثل هذه الأمور، وتضيع الأمور بهذا السبب، لا سيما إذا كان المسئول عن البلد يريد الضياع، فتجده في المسائل التي يتساهل فيها أهل البلد يعتمد عليهم ويقربهم فيها، ويسألهم عنها، وإذا أراد التساهل في أمور أخرى يتشدد فيها أهل البلد يسأل هؤلاء الوافدين، وهذا ظاهر عند من يريد ألا يأطر الناس على الحق، وتجد في بعض البلدان إذا أراد أن يتخطى أمراً من أوامر الشرع تجده ينفس على الناس أحياناً في بعض الأمور، بينما سياسة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- إذا أراد أن يأطر الناس على الحق وسع عليهم في أمر الدنيا، لكي يقبل هذا الأطر، وهذا معروف عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.

يقول: ((فضلوا)) يعني بأنفسهم ((وأضلوا)) غيرهم، كما تقدم في الحديث الصحيح حينما يقبض العلم بقبض العلماء يتخذ الناس رؤوس جهال، فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، نعم.

باب: في الإيمان

حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان)).

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان ح وحدثنا عمرو بن رافع قال: حدثنا جرير عن سهيل جميعاً عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحوه.

حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يعظ أخاه في الحياء، فقال: ((إن الحياء شعبة من الإيمان)).

حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي قال: حدثنا سعيد بن مسلمة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)).

حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار! فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم، فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل)) قال أبو سعيد: فمن لم يصدق هذا فليقرأ: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [(40) سورة النساء].

حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا حماد بن نجيح وكان ثقة عن أبي عمران الجوني عن جندب بن عبد الله قال: "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً".

حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا علي بن نزار عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: في الإيمان

وبقية المؤلفين في السنة يجعلون الإيمان كتاب، كتاب مستقل، يفتتحون به الكتب، فالبخاري مفتتح بعد بدء الوحي الذي هو كالمقدمة للكتاب؛ لأن الكتاب موضوعه وحي السنة {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [(3-4) سورة النجم] ثم بعد ذلك بعد هذا الذي هو كالمقدمة لأنه ليس بكتاب، بدء الوحي ليس بكتاب، كالمقدمة للكتاب، ابتدأ البخاري بعد ذلك بكتاب الإيمان، ومسلم بعد المقدمة بدأ بكتاب الإيمان، وابن ماجه -رحمه الله- قال: باب في الإيمان، والمسألة اصطلاح، لكن الإيمان شأنه عظيم، ينبغي أن يفرد بكتاب تام لا يلحق بغيره، والإيمان مرتبة من مراتب الدين كما سيأتي في حديث جبريل حينما سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الإسلام والإيمان والإحسان، ويأتي بيانه وبيان أركانه -إن شاء الله تعالى-.

والأصل في الإيمان أنه التصديق {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [(17) سورة يوسف] أي مصدق، هذه حقيقته اللغوية، والشرع إذا جاء بحقيقة شرعية فإنه لا يلغي الحقيقة اللغوية وإنما يزيد عليها، يزيد عليها قيود تناسبه، كما هو الشأن في الصلاة والزكاة وغيرها، فالصلاة في اللغة: الدعاء، والصلاة في الشرع: دعاء وزيادة، الزكاة في اللغة: النماء، والزكاة الشرعية نماء وزيادة، وهكذا، والصوم في اللغة: الإمساك، وهو في الشرع إمساك من نوع مخصوص، ويأتي تعريفه في حديث جبريل -إن شاء الله تعالى-.

قال -رحمه الله-: "حدثنا علي بن محمد الطنافسي" الطنافسي الطنافس: جمع طنفسة، والنسبة إلى الجمع عند أهل العلم شاذة، يعني إذا أردت أن تنسب إلى جمع ترده إلى مفرده، اللهم إلا إذا كان الجمع أشهر من المفرد، كما في الأنصار، نعم تقول: أنصاري، الأنصار جمع ناصر، فلما كانت النسبة إلى الجمع أو كان الجمع أشهر من المفرد نسب إليه.

قال: "حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة" كم عدد الرواة؟ السند سباعي، فهو نازل "عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الإيمان بضع وستون أو سبعون))" على الشك؛ لأنه جاء في البخاري: ((بضع وستون)) وجاء في مسلم: ((بضع وسبعون)) فالبخاري من شدة تحريه واحتياطه أخذ بالأقل، وترجح عند مسلم: ((الإيمان بضع وسبعون)) وهنا جاء على التردد بين الستين والسبعين.

((باباً أدناها)) يعني الإيمان أبواب، تبلغ هذه العدة، أدناها وأقلها شأناً وأقلها مقداراً ((إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان)) أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد التي بها يعصم الدم والمال، وبها يدخل في الدين، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، من هذه الشعب، وهذه الأبواب وهذه الشعب التي تبلغ هذه العدة بضع ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى السبع كما قال بعضهم هذه الأبواب وهذه الشعب لم يأتِ بيانها بخبر ملزم، يعني بالتحديد، يعني ما ألحق بهذا الحديث من طريق صحيح حصر لهذه الشعب، وإن كان العلماء التمسوا وتحروا ما جاء وصفه بكونه من الإيمان في نصوص الكتاب والسنة، فجمعوا هذه العدة، وللبيهقي كتاب اسمه: شعب الإيمان، ولأبي عبد الله الحليمي قبل البيهقي كتاب اسمه: المنهاج في شعب الإيمان، يحرصون على أن يجمعوا مثل هذه التي جاءت الإشارة إليها، كما هو الشأن في الأسماء الحسنى مثلاً: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة)) ولم يأتِ في خبر صحيح إحصاء هذه التسعة والتسعين، مع أنها الأسماء الحسنى أكثر بدليل قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) فجمعوا الأسماء الحسنى اجتهدوا، فأثبتوا ما صح عن الله وعن نبيه -عليه الصلاة والسلام- فيما سمى الله به نفسه، فصنفوا في الأسماء الحسنى، وحرصوا أن تكون العدة موافقة لهذا العدد، وجاء عند الترمذي بيان هذه الأسماء ملحقة بالحديث الصحيح: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً)) في البخاري وغيره، لكن تعداد الأسماء ضعيف، وأبو حاتم ابن حبان له جزء مفرد جمع فيه شعب الإيمان التي معنا، وحرص أن تكون من الكتاب والسنة مما وصف بكونه من الإيمان، فبلغت هذه العدة التي جاءت في هذا الحديث بضع وستون أو بضع وسبعون، و(أو) هنا للشك، في البخاري: الستين، وفي مسلم: السبعين.

((باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق)) يعني أقلها شأناً ومقداراً وأقلها أجراً إماطة الأذى عن الطريق، يعني تجد في الطريق شيء يؤذي الناس إما غصن شجرة، أو زجاج أو أي شيء يؤذي الناس فتميطه، وإذا كانت إماطته من الإيمان فوضعه مجانب ومخالف للإيمان، قدح في إيمان الشخص، وبعض الناس يعمد إلى هذه القوارير من الزجاج فيكسرها في طريق الناس، لكن غالب من يفعل هذا السفهاء والجهال من الصغار فلو فعله كبير أثم، وقل مثل هذا فيما يؤذي الناس من البول في طريقهم مثلاً، لا يجوز، وقد جاء التنصيص عليه: ((اتقوا الملاعن الثلاثة)) وقل مثل هذا في كل ما يؤذي الناس، إذا كانت السيارة كما يوجد في السيارات القديمة ينزل منها شيء يؤذي الناس، يؤذي المارة زيت مثلاً، تجد كل يوم نازل بقعة عند بابه، وإذا قدم يمين تنزل بقعة، وإن أخر يسار، إن صار على الجهة اليمنى مثل، إن وقف على الجهة اليسرى مثل، هذا لا شك أنه أذى للناس، فهو قادح، وقل مثل هذا في الذي يترك البيارة بعد أن تفيض يتركها تسيل في الشارع في السوق بحيث يتنجس الناس ممن يمر بهذا السوق، هذا لا يجوز بحال، كالبول في الطريق الذي جاء اللعن عليه -نسأل الله السلامة والعافية-، فإماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، وهو صدقة يتصدق بها الإنسان على نفسه، فيصبح على كل سلامى منكم صدقة، السلامى المفاصل، وفي الإنسان ثلاثمائة وستون مفصل، يحتاج كل مفصل إلى صدقة، شكر على هذه النعمة، يعني يتصور الإنسان أن أصبعه لا ينثني الآن الأصبع هذه فيها ثلاث مفاصل، نعم ثلاث عقد، يعني ثلاث مفاصل، وينثني وتستفيد منه، لكن أنت افترض أن عندك هذا الإصبع الصغير لا ينثني، لتتبين نعم الله عليك، والله تتأذى به هذا ما تحسب له حساب، لو كان الإصبع ما ينثني واقف، فضلاً عن اليد كونها كلها واقفة، يعني نعم نتقلب بها لا نحسب لها حساب، وكل نعمة من هذه النعم تحتاج إلى شكر، وشكرها بعدد الصدقات التي تكون في مقابلها، على الإنسان ثلاثمائة وستين صدقة في كل يوم، لكن الله -جل وعلا- رؤوف رحيم، رحيم بخلقه، جعل كلمة سبحان الله عن صدقة، تقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة مائة صدقة، تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله خير عظيم، تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنتهي، فمن يكون يجعل مع ورده ما ثبت من الأذكار يكون قد أدى هذه الصدقات، يعني يكون مع ورده وأذكار الصباح والمساء مثلاً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، يحصل له الأجر الثابت في هذا الخبر، وأنها حرز من الشيطان، ويحط عنه مائة سيئة، ويرفع بها مائة درجة... إلى آخره، ومع ذلك تحسم من الصدقات، إذا قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، ونزل عنه مائة من الصدقات، وإذا استغفر الله مائة مرة وفعل وكذا، يعني يثبت ما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بحيث لا ينساه، أما أن يعرف أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حث على الاستغفار وعلى التسبيح وعلى التهليل ويتركه مطلقاً ينساه، بينما إذا ربطه بأذكار الصباح والمساء لا سيما من جاء فيه النص: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة)) حصل له ما حصل، فهذه إذا قيلت في أول النهار صارت حرز من الشيطان إلى آخره، فمثل هذه الأذكار يحرص عليها ليبرأ من عهدة هذه الصدقات، ويشكر هذه النعم، فهذه أمور لا بد منها، ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى، يعني يجزئ عن هذه الصدقات ركعتان تركعهما في الضحى، وجاء الحث على صلاة الضحى في أحاديث يوصي بها النبي -عليه الصلاة والسلام- أصحابه، ويقولون: أوصانا خليلنا -عليه الصلاة والسلام- يقول أبو هريرة وأبو الدرداء وأبو ذر: أوصاني خليلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاث، ما هذه الثلاث؟ هاه؟

طالب:.......

نعم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، نعم؟ وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، فهذه وصيته -عليه الصلاة والسلام- لأصحابه، وركعتا الضحى سنة، وإذا كانت تجزئ عن هذه الصدقات الكثيرة فعلى المسلم أن يحرص عليها.

((أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله)) فدل على أن في الإيمان الأعلى والأدنى، فمن كملت له هذه الخصال كمل إيمانه، ومن نقصت نقص بقدرها، فالإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة تبعاً لاستكمال شعبه وأجزائه يكمل، وتبعاً للإخلال بشيء منها ينقص.

((والحياء شعبة من الإيمان)) ((والحياء خير كله)) و((الحياء لا يأتي إلا بخير)) لكن المقصود به الحياء الخلق الذي يبعث على الانكفاف عما يذم به الإنسان، هذا هو الحياء النافع الذي يكف بسببه عما يعاب به، أما ما يسمى في العرف حياء مما يمنع من أداء ما أوجب الله -جل وعلا- من أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتعليم علم، وما أشبه ذلك، فإن هذا مذموم، ولا يسمى حياء، بل هو خور وخجل، وإن سماه بعضهم حياءً، والحياء شعبة من شعب الإيمان.

نقف على الحديث الثاني.

 

اللهم صل على محمد...