كتاب الطلاق من سبل السلام (2)

عنوان الدرس: 
كتاب الطلاق من سبل السلام (2)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا سؤال غير مفهوم يقول: هل المقتول... ما هو بواضح.

وهذا يريد الفرق بين أن يكون القرآن مخلوقًا أو مُنزَّلًا؟

معروف أنَّ كونه مخلوق أنَّه ذاتٌ قائمة منفصلة خلقها الله في غيره كما يقول المعتزلة، وهذا قول باطل، وكونه مُنزَّل يعني أنَّ الله- جلَّ وعلا- تكلم به، تكلم به بحرف وصوت، كما قرر أهل السُّنَّة والجماعة، ونزل به جبريل على نبينا محمد- عليه الصلاة والسلام-، فالقول بأنَّه مخلوق قولٌ باطل تبناه المعتزلة في عصر المأمون، وامتحن أهل السُّنَّة بسببه، ولا شك أنَّ هذه فتنة عظيمة، وصمد لها أهل العلم لا سيما الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-، فهو قولٌ باطل ردَّه أهل العلم من وجوه.

وأمَّا بالنسبة لكونه مُنَزَّل فهذا حق، القرآن كلام الله تكلم به بحرف وصوت، كما يُقرر أهل العلم، بصوت مسموع، سمعه جبريل من النبي- عليه الصلاة والسلام-، وألقاه على محمد- عليه الصلاة والسلام-. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [سورة الشعراء:193-194].

يقول: أنا شاب من موريتانيا وأدرس في الجامعة وعندما تعرَّفت على هذه الإذاعة التزمت بالإسلام، ولله الحمد، ولكن يوجد لدي أصدقاء يُزَهِّدون في العلماء، ويقولون لي: أنت لا تفهم، فما نصيحتكم؟

على كل حال إذا سمعت من أهل العلم شيئًا فاحرص على فهمه، وإذا أشكل عليك شيء فاسأل عنه، وحينئذٍ تتلذذ بالعلم؛ لأنَّ العلم إذا فُهِم على وجهه من أهله صارت له لذة، وفائدته في العلم به.

يقول: أنا لا أدرس في جامعة شريعة، ولكني متابع لكل ما تقدمه إذاعة القرآن، هل يكفيني ذلك؟

وأرجوا الدعاء حتى أدرس بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.

نسأل الله- جلَّ وعلا- أن ييسر له الأمر، لكن الدراسة النظامية على كل حال فيها خير، وفيها نفع، والقراءة على الشيوخ في المساجد هي الأصل والجادة وأنفع، فلو تفرغ لهذا حتى يتسنى له دراسة نظامية.

 

يقول: ما المقصود بإرضاع الكبير؟ أرض المحيط الهندي البريطانية، هذا من موريتانيا، وهذا من الولايات، وهذا من مصر، سبحان الله، يقول: ما المقصود بإرضاع الكبير؟

المقصود بإرضاع الكبير يُراد به من تجاوز الحولين؛ لأنَّه إذا تجاوز الحولين وفُطِم عن الرضاع صار حكمه حكم الكبير، وجمهور أهل العلم أنَّه لا يُحرِّم، إنَّما الرضاع المحرم ما كان في الحولين، وعائشة- رضي الله عنها- ترى أنَّه يُحرِّم؛ استدلالًا بقصة سالم مولى أبي حذيفة، لمَّا احتيج إليه أُرضع وهو كبير. شيخ الإسلام يخص تحريمه- أعني رضاع الكبير- بالحاجة، وهو جزء من مذهب عائشة- رضي الله عنها-، وعلى كل حال المقرر عند عامة أهل العلم أنَّه لا يُؤثر إذا كان بعد الحولين.

يقول: ظهر عندنا مقال بعنوان نصيحة أخوية لأحد الدعاة، يقرر فيه أنَّه يجوز التنازل عن أصول الدين لمصلحة الدعوة، وأيضًا يقرر فيه أنَّه إذا قيل: إنَّ تارك جنس العمل مؤمن ناقص الإيمان لا يُقال عنه أنَّه قد وافق المرجئة.

على كل حال جنس العمل كما يقرر شيخ الإسلام شرط صحة بالنسبة للإيمان. وأمَّا التنازل عن أصول الدين فلم يقله أحد من أهل العلم أنَّه يجوز التنازل عنه، فأصول الدين لا يُتنازل عن شيء منها، لا سيما المسائل الكبار المتفق عليها من سلف هذه الأُمَّة.

هذا يقول: توفي شخص مكتتب في بنك البلاد باسمه واسم زوجته وأبنائه أثناء حياته، فكيف توزع الأسهم علمًا أنَّ له ولدين؟

كلٌّ له ما يخصه من هذه الأسهم إذا كان قد دفع قيمة هذه الأسهم. أمَّا إذا كان الذي دفعها الأب واكتتبها باسمه؛ لتكثر هذه الأسهم، وهي في الحقيقة له، وهم متفقون، بل موافقون على ذلك أنَّه ليس لهم منها شيء، وإنَّما سمحوا لأبيهم أن يكتب بأسمائهم لتكثر هذه الأسهم، فهي ضمن تركته تُقسم كما تُقسم التركة.

يقول: جبل عمر للاكتتاب قريبًا، ما الحكم بها حلال أم حرام؟

هذه لابد من معرفة نظامها، ومعرفة القائمين عليها، ومدى الثقة بهم، ومدى معرفتهم بما يصحح العقود وما يبطلها؛ لأنَّ ثقة القائم على المشروع مهمة جدًّا؛ لأنَّه قبل بدء المشروع قد يعد الناس، ثم بعد ذلك إذا رأى المكاسب، وأراد أن يُخرج بعض الناس من الاكتتاب أدخل شيئًا من الأموال في البنوك، وأخذ عليها فوائد؛ من أجل أن يتركها الأخيار، ويتفرد بها هو وأمثاله، فلابد من معرفة ثقة القائم على المشروع، وهذا أمر- مع الأسف- مُجرَّب في بلاد المسلمين.

يقول: وكذلك شراء السيارة من البنك والتوقيع على السندات قبل تملك البنك السيارة ولم أعلم بذلك إلا في الأخير. ما الحكم؟

لا يجوز شراء مثل هذه السيارة التي لا يملكها البائع ملكًا تامًّا مستقرًا، لا يجوز أن يوقع على أي عقد قبل أن يملك البائع ملكًا تامًّا. أمَّا مجرد الوعد بكونه يشتري لك سيارة بمبلغ كذا، ويبيعها عليك وأنت لم توقع على شيء، ولم يثبت العقد، ولم يتم الإيجاب والقبول إلا بعد المِلك فهذا لا يؤثر، إن شاء الله تعالى.

يقول: نأمل أن تحدثونا عن المحبة في الله، هل يُستحب لمن أحب شخصًا في الله لصلاحه أن يخبره؟ وما الحكمة من إخباره؟ وما صحة الحديث الذي معناه أنَّه يحث على ذلك ولكن لابد أن تكون المحبة من الطرفين لينالوا أجر المتحابين في الله، المذكور الحديث الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أم يكفي محبة الطرف الأول للطرف الثاني، والثاني لا يكون في قلبه محبة للأول؟

أولًا: من أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، فإذا رأيت رجلًا صالحًا تحبه في الله، وإذا كان غير صالح تبغضه في الله، وإذا كان مخلِّطًا تحبه لما عنده من إيمان وصلاح، وتكرهه وتبغضه لما عنده من خلل، ثم بعد ذلك تخبره بذلك، وقد جاء الخبر بذلك عن النبي-صلى الله عليه وسلم-: «من أحب شخصًا فليخبره»، ومعلوم هذا، والحكمة من إخباره أنَّ هذه المحبة تكون حينئذٍ متبادلة إذا أخبرته أنَّك تحبه صارت هذه المحبة متبادلة؛ ليكون من المتحابين في الله. أمَّا بعض الناس ممن رانت الذنوب على قلوبهم، وغُطِّيت قلوبهم بطبقات من الغل والحقد والحسد علمنا أنَّ شخصًا قيل له، قال له شخص: أنا أحبك في الله، قال له: أنا أبغضك في الله، مع أنَّه خير منه، والله المستعان.

ليست هذه طريقة المسلم، والشرع إنَّما يحث على الائتلاف والمحبة والمودة بين الإخوة، وقد قال النبي- عليه الصلاة والسلام-: «لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا» يعني تكون بين الطرفين، المحبة يعني المفاعلة بين الطرفين، «ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، وبعض الناس لا يحتمل مثل هذه الأمور، ويظل تتراكم على قلبه هذه الأحقاد إلى أن يُطبع على قلبه وهو لا يشعر.

 

وهل لابد أن تكون المحبة بين الطرفين؛ لينالوا أجر المتحابين في الله؟

أمَّا دخولهم في حديث السبعة فلا يُمكن إلا أن توجد بين الطرفين، ووجودها من طرف دون آخر قد يكون وجودها من طرف دون آخر لجهل الطرف الآخر بمن يحبه- أعني الطرف الأول-، هنا يجهل حقيقته، فلا تقع محبته في قلبه الموقع المناسب، بينما الآخر يعرفه معرفة تامة، وتكون المحبة على أصلها المطلوب.

يقول: ما حكم إذا وضعت ورقة داخل القرآن الكريم؟

هذه الورقة إذا كانت نظيفة، وليس فيها كلام فيه فُحش أو بذاءة أو كلام سيئ لا يجيزه الشرع فلا مانع من وضعها لا سيما إذا كانت علامة لمحل الوقوف. أمَّا كون المصحف أو غير المصحف يُجعل صندوقًا تُحفظ فيه الأوراق فهذا ابتذال وامتهان، وبعض الناس يضع الريالات في المصحف، ويضع الدراهم، ويضع الصكوك صك البيت في المصحف حتى ما يضيع، لا لا، يقول بعضهم: لا تجعل كتابك بوقًا ولا صندوقًا، كيف بوق؟ كيف يجعل الكتاب بوقًا؟

طالب: .......

نعم مثل ما يقول الأخ، يعني يجعله على هيئة البوق ... هكذا، وهذا كثير يفعلها الإخوان لا سيما إذا كان الكتاب ما جلد وصغيرًا يفعله هكذا، وهذا يؤثر على الكتاب، وكذلك لا تجعله صندوقًا تحفظ فيه أوراقك ومستنداتك.

يقول: ما الحكم لو سلَّمت على واحد جُنب؟

لا شيء في ذلك، المؤمن لا ينجس.

نحن طالبات في المدرسة، كيف نقضي حصص الفراغ، والوقت الذي لا نشاط فيه؟

يُقضى هذا الوقت فيما ينفع، فيما ينفع من بذل النصيحة للأخوات، والدعوة إلى الله- جلَّ وعلا- والتنبيه على بعض المخالفات الموجودة، وشَغْل اللسان بالذكر، والقلب بالفكر. المقصود أنَّ قضاء الوقت بهذه الطريقة.

هذا من إيطاليا يقول: أنا أجد صعوبة كاملة في التقاط الدروس على موجة الراديو، وأرجو أن تكلم إذاعة القرآن أن يقووا الإرسال.

هذا من إيطاليا، أدري أنَّ بعض جهات المملكة ما يسمعون إذاعة القرآن، وهذا في إيطاليا يقول: فيه صعوبة، الله المستعان.

 

وهذا من جزيرة بوفيت. فيه جزيرة بهذا الاسم؟

طالب: .........

 يقول: هل الاستعانة بجني حرام؟

أمَّا الاستعانة بهم مع تقديم شيء لهم وتقريبه فهذا الشرك بعينه، والاستعانة بهم فيما يقدرون عليه من غير مقابل يقول بعض أهل العلم بجوازه، ويستدلون بكلام متشابه ليس بصريح من قول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-، والذي أميل إليه المنع بالكلية، لا يستفيد أحد من الجن، ولو أبدوا له الصلاح، ولو قدَّموا له الخدمة دون مقابل، ولو كانت هذه الخدمة للقضاء على فساد، يعني يُستفاد من جني يقال له: أخبرنا عن محل دعارة، أو محل مخدرات، أو محل كذا، أبدًا. المتجه عندي المنع المطلق، لماذا؟

أولًا: الاستفادة منهم من خصائص سليمان- عليه السلام-، والنبي- عليه الصلاة والسلام- لمَّا أراد أن يربط الجني ليراه صبيان المدينة تذكر دعوة سليمان- عليه الصلاة والسلام-.

الأمر الثاني: أنَّ في هذا سدًا لذريعة الشرك، وقطعًا لدابره؛ لأنَّ الإنسان قد يتورط ويشرك ويستدرجونه وهو لا يشعر، كثير ممن زاول هذه المهنة، واستعان بهم، واستفاد منهم، لمَّا توسط في الطريق تخلوا عنه وقد تعلق الناس به إلا أن يقدم لهم شيئًا يسيرًا، ثم شيئًا أعظم منه، وهكذا، فإذا عُرف عن هذا الإنسان أنَّه يستفيد من الجن، وبواسطتهم- كما يزعم هو- مشى على يديه سبعين مُقعدًا، هو لا يُقدِّم شيئًا، ما يُقدِم للجن شيئًا، وإذا رقى إنسانًا برئ، بإذن الله، وهو لا يُقدم شيئًا، ويخبرونه عن أمور يستفيد منها هو وغيره، فهذا في منتصف الطريق إذا كان بهذه المثابة لن يتحول إلى لا شيء، فقد يطلبون منه أن يقرِّب لهم شيئًا، ويتساهل في هذا الأمر إلى أن يصل إلى حد الشرك الأكبر، هم أعيان مجهولة، لا يُدرى ما حقيقتهم، ودعواهم للإسلام والصلاح هذه دعوى لا يُمكن الوصول إلى حقيقتها؛ لأنَّهم مجاهيل.

كيف تعرف ثقة شخص وهو يدَّعي أنَّه ثقة، وأنَّه صالح؟ وأنت لا تعرف عليه أمارات الصلاح، ولا دلالته؛ لأنَّ الدعاوى كلٌّ يدَّعي أنَّه صالح لا سيما إذا كنت لا تراه. أمَّا إذا كنت تراه وظهرت عليه العلامات، والدلائل تدل على صدقه والقرائن تؤيد دعواه، فهذا معروف في بني آدم بعضهم مع بعض. أمَّا مع عالم غيبي مجهول لا يُدرى ما حقيقته فمثل هذا لا شك أنَّه يجر إلى الشرك، فالذي عندي أنَّه لا يُستعان بهم مطلقًا.

 

هذا يطلب الدعاء بالخير من مصر، ثم يقول: التيمم هل هو ضربة واحدة أم ضربتين؟

هو ضربة واحدة للوجه والكفين.

يقول: نريد أن نسأل في حكم الأخذ من اللحية لظروف أمنية للبلاد.

أولًا: الأخذ من اللحية لا يجوز، والأمر بإعفائها وإكرامها وتوفيرها من قوله- عليه الصلاة والسلام- معروف، والاستدلال بأفعال بعض الصحابة لا يُقاوم المرفوع، وإذا خالف فعل الصحابي ما يرويه عن النبي- عليه الصلاة والسلام- فالعبرة بما يروي، لا بما يرى، العبرة بما يروي، لا بما يرى، وابن عمر- رضي الله تعالى عنه- لمَّا أخذ من لحيته ما زاد على القبضة أخذ ذلك مجتهدًا؛ لأنَّه لا يُمكن تحقيق هذه الشعيرة- أعني حلق الرأس- مع التقصير؛ لأنَّه يرى أنَّ (الواو) واو الجمع، وليست بمعنى (أو) التي للتقسيم في آية الفتح، ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [سورة الفتح:27]، فإذا حلق رأسه فما الذي يقصره؟ لأنَّ (الواو) عنده واو جمع، وليست بمعنى (أو) التي هي للتقسيم، قسم يفعل هذا، وقسم يفعل هذا. فإذا أُرِيدَ جمع هذين الأمرين لشخص واحد، فماذا يصنع؟

 هل يحلق بعض رأسه، ويُقصِّر بعضه؟ لا، ابن عمر فهم أنه يقصر، يحلق رأسه، ويقصر لحيته؛ ليتم الامتثال، وهذا اجتهاد ما وافقه عليه أحد من أهل العلم، الاجتهاد في هذه الآية. يعني كونه ذُكر عن بعض الصحابة أنَّهم يأخذون ما زاد عن القبضة ذُكِر.

المقصود أنَّ العبرة بما يُنسب إلى القدوة والأسوة، وهو النبي- عليه الصلاة والسلام-، فالأخذ من اللحية لا يجوز مطلقًا.

كون الإنسان يخاف على نفسه فإذا وصل هذا الخوف إلى حد مؤكّد، يعني ما هو بمجرد ظنون، أو مسارعة ومسابقة في التنازل قبل أن تظهر علامات الضغط عليه الدالة على تنفيذ ما يثار، لا، أنت انتظر حتى تؤذى في الله، فإذا أُوذيت ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [سورة النحل:106]، والله المستعان؛ لأنَّ بعض الناس يخيل إليه أنَّ اللحية تجر له شيئًا، يخيل إليه تخيلًا، فمثل هذا لا يجوز له أن يأخذ من لحيته شيئًا.

نعم، صاحب الموافقات ليس حاضرًا، فنقرأ في سُبل السلام.

 نعم.    

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال في كتاب الطلاق من سُبل السلام:

"الحديث الثالث: عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ: "إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ". رواه مسلم.

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب: "إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ" بفتح الهمزة أي مهلة، "فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ". رواه مسلم.

 الحديث ثابت من طرق عن ابن عباس- رضي الله عنه-، وقد استُشكل أنَّه كيف يصح من عمر مخالفة ما كان في عصره- صلى الله عليه وسلم-، ثم في عصر أبي بكر، ثم في أول أيامه؟ وظاهر كلام ابن عباس أنَّه كان الإجماع على ذلك. وأجيب عنه بستة أجوبة:

الأول: أنَّه كان الحكم كذلك ثم نسخ في عصره- صلى الله عليه وسلم-، فقد أخرج أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كان الرجل إذا طلق امرأته، فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك" اهـ. إلا أنَّه لم يشتهر النسخ فبقي الحكم المنسوخ معمولًا به إلى أن أنكره عمر.

قلت: إن ثبتت رواية النسخ فذاك وإلا فإنَّه يضعف هذا قول عمر: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.." إلخ، فإنَّه واضح في أنَّه رأي محض لا سُنَّة فيه، وما في بعض ألفاظه عند مسلم أنَّه قال ابن عباس لأبي الصهباء: "لما تتابع الناس في الطلاق في عهد عمر فأجازه عليهم".

ثانيها: أنَّ حديث ابن عباس هذا مضطرب قال القرطبي في شرح مسلم: وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه، فظاهر سياقه أنَّ هذا الحكم منقول عن جميع أهل ذلك العصر، والعادة تقتضي أن يظهر ذلك وينتشر، ولا ينفرد به ابن عباس، فهذا يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إذا لم يقتضِ القطع ببطلانه اهـ.

قلت: وهذا مجرد استبعاد، فإنَّه كم من سُنَّة وحادثة انفرد بها راوٍ، ولا يضر سيما مثل ابن عباس بحر الأُمَّة ويؤيد ما قاله ابن عباس من أنها كانت الثلاث واحدة ما يأتي من حديث أبي ركانة، وإن كان فيه كلام، وسيأتي."

أمَّا القول بالنسخ، وأنَّ الأمر نُسِخَ في عهده- عليه الصلاة والسلام- فجهله كثيرٌ من الناس، وعمر- رضي الله تعالى عنه- شَهر هذا الناسخ، والإجابة عن هذا بقول عمر: "أنَّ الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة"، مما يدل على أنَّه مجرد رأي له، لا أنَّه اعتمد على ناسخ، لكن لا يمنع أن يكون الناسخ قد خَفِيَ على عمر- رضي الله عنه-، يعني يوجد ناسخ وخَفِيَ على عمر-رضي الله تعالى عنه-، كما خَفِيَ على غيره وأمضى الطلاق عليهم تعزيرًا لهم، ثم وافق اجتهاده في هذا التعزير ما كان في عهده- عليه الصلاة والسلام- من النسخ، وكم لعمر من موافقات!

يعني قد يخفى عليه، ثم أمضاه تعزيرًا، تعزيرًا لهم؛ لأنَّهم خالفوا حكم الله- جلَّ وعلا-، وخَفِيَ عليه الناسخ، وإلا فالحكم موافق لما أدَّاه إليه اجتهاده- رضي الله عنه-، وهذا لا شك أنَّه جارٍ على ما عُرِفَ عن عمر- رضي الله تعالى عنه- من موافقة الأحكام الشرعية.

الثاني: دعوى الاضطراب، وأنَّ هذه مسألة تخص عامة يحتاجها الناس كلهم، فكيف يتفرد بها ابن عباس؟ نقول: الجواب عنها أنَّ كثيرًا من الأحاديث التي تكون الأُمَّة بأمس الحاجة إليها يتفرد بها صحابي واحد، وحينئذٍ تُقبل، الصحابة كلهم عدول، فإذا رواها من تقوم بروايته الحجة يكفي، وهذا حديث عمر- رضي الله تعالى عنه- حديث الأعمال بالنيات، ما ثبت عن أحد من الصحابة غير عمر، مع أنَّ مضمونه ومدلوله شرط لكل عبادة، الذي هو النية.

"الثالث: أنَّ هذا الحديث ورد في صورة خاصة، وهي قول المطلق: أنت طالق أنت طالق أنت طالق"

يعني ثلاثًا يفرقها ولا يجمعها، يعني يقول: هي طالق ثلاثًا، إنَّما يقول: أنت طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، فإذا فرَّقها يُمضى عليه، أمَّا إذا جمعها فقال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا فهذا لا يُمضى عليه، وهو الذي كان في عهد النبي- عليه الصلاة والسلام-، وعهد أبي بكر وصدر خلافة عمر، أمَّا إذا كرر اللفظ ثلاثًا، فمقصود المطلق وقوع الثلاث، وقوع الثلاث اللهم إلا إذا كان يريد بالثانية والثالثة التأكيد فقط، ولا يريد حقيقة الطلاق فهذا له حكم آخر.

"وذلك أنهَّ كان في عصر النبوة وما بعده وكان حال الناس محمولًا على السلامة والصدق، فيُقبل قول من ادعى أنَّ اللفظ الثاني تأكيد للأول لا تأسيس طلاقٍ أخر يَصُدقُ في دعواه".

يُصدَّقُ.

"يُصدَّقُ في دعواه فلما رأى عمر تغير أحوال الناس وغلبة الدعاوى الباطلة، رأى من المصلحة أن يجرى المتكلم على ظاهر كلامه، ولا يُصدَّقُ في دعوى ضميره، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي قال النووي: وهو أصح الأجوبة.

قلت: ولا يخفى أنَّه تقرير؛ لكون نهي عمر رأيًا محضًا، ومع ذلك فالناس مختلفون في كل عصر، فيهم الصادق والكاذب، وما يعرف ما في ضمير الإنسان إلا من كلامه، فيقبل قوله".

مثل هذه المسائل التي فيها أكثر من طرف، وتؤدي إلى خصومة ونزاع يُحاسب الإنسان على ما يظهر منه من قول أو فعل، ويُدَيَّن فيما بينه وبين الله تعالى، إنَّما إذا طلَّق ثلاثًا يُحاسب عليها. نعم إذا لم تقع المرافعة ولا الخصومة، فإنَّه يُدَيَّن، ولو لَفَظَ ثلاثًا. أمَّا إذا وقعت الخصومة ونطق بالطلقات الثلاث، فجمهور أهل العلم يوقعونها عليه، ولو لم يقصد؛ لأنَّ مسألة القصد لا يُمكن الاطلاع على حقيقته، فقد يقول: إنَّه لم يقصد وهو قاصد، فالقاضي ليس له إلا ما ظهر من قوله، ومسألة كون الطلاق غير مرغوب في الشريعة، وأنَّ له آثارًا على الأسرة، وآثارًا على الأولاد، وآثارًا على الزوجة، وآثارًا على الزوج، آثارًا على الجميع، وآثارًا على المجتمع، كل هذا لا يُغيِّر من حدود الله شيئًا، فالطلاق نعم غير مرَّغب فيه في الشرع، لكن مع ذلك إذا وقع لا يُمكن الاحتياط فيه، لا يُمكن الاحتياط فيه؛ لأنَّك إن احتطت إلى وقوعه فرَّقت بين هذه الأسرة المجتمعة، وإن احتطت لعدم وقوعه جعلت الرجل يُعاشر زوجته وهي في الحقيقة لا تحل له، فلا بد من حكم حاسم جازم، وقد فعله عمر- رضي الله عنه-، ووافقه عموم الصحابة فأجراه على ما يظهر به، وعاقبهم بها، وعزَّرهم بمثل هذا، وأمضاه ووافقه الصحابة، حينئذٍ اختار هذا القول عامة أهل العلم، وأمضوه، وجعلوه من باب الإجماع، من باب الإجماع في عهد عمر- رضي الله تعالى عنه-.

"وإن كان مبطلًا في نفس الأمر فيحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، مع أنَّ ظاهر قول ابن عباس: "طلاق الثلاث واحدة" أنَّه كان ذلك بأية عبارة وقعت.

الرابع: أنَّ معنى قوله: "كان طلاق الثلاث واحدة" أنَّ الطلاق الذي كان يوقع في عهده- صلى الله عليه وسلم- وعهد أبي بكر إنَّما كان يوقع في الغالب واحدة لا يوقع ثلاثًا، فمراده أنَّ هذا الطلاق الذي يوقعون ثلاثًا كان يوقع في ذلك العهد واحدة، ويكون قوله: "فلو أمضيناه عليهم" بمعنى لو أجريناه على حكم ما شرع من وقوع الثلاث".

يقول: هذا الطلاق ما كان يقع في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- إلا واحدة، يعني ما كان الناس يُطلِّقون إلا واحدة في عهد النبي- عليه الصلاة والسلام-، وفي عهد أبي بكر، وفي عهد عمر، وفي صدر خلافة عمر، ثم بعد ذلك طلَّقوا ثلاثًا فأمضيناه عليهم، يعني لو طلَّقوا ثلاثًا في عهده- عليه الصلاة والسلام- أمضاه عليهم، لو طلَّقوا ثلاثًا في عهد أبي بكر أمضاه عليهم كما أمضاه عمر، لكنَّهم ما كانوا في السابق يوقعونه ثلاثًا، ما يُطلِّقون إلا واحدة، ثم بعد ذلك في أثناء خلافة عمر صاروا يُطلِّقون ثلاثًا فأوقعه عليهم، وقل مثل هذا لو أوقعوا ثلاثًا في عهد النبي- عليه الصلاة والسلام-، لأوقعه عليهم، فهو يحكي الواقع، ولا يقرر حكمًا، هذا من الأجوبة.

"وهذا الجواب يتنزل على قوله: "استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" تنزلًا قريبًا من غير تكلف، ويكون معناه الإخبار عن اختلاف عادات الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه فالحكم متقرر، وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة، وكذا البيهقي أخرجه عنه قال: معناه أن ما تطلقون أنتم ثلاثًا كانوا يطلقون واحدة.

قلت: وهذا يتم إن اتفق على أنَّه لم يقع في عصر النبوة إرسال ثلاث تطليقات دفعة واحدة، وحديث أبي ركانة وغيره يدفعه، وينبو عنه قول عمر فلو أمضيناه، فإنَّه ظاهر في أنَّه لم يكن مضى في ذلك العصر حتى رأى إمضاءه، وهو دليل وقوعه في عصر النبوة، لكنه لم يمض فليس فيه أنَّه كان وقوع الثلاث دفعة نادرًا في ذلك العصر.

الخامس: أنَّ قول ابن عباس: "كان طلاق الثلاث ليس له حكم الرفع" فهو موقوف عليه، وهذا الجواب ضعيف لما تقرر في أصول الحديث وأصول الفقه إن كنا نفعل.."

أنَّا، أنَّا كنا نفعل، يعني أنَّ قول الصحابي: كنا نفعل.

"أنَّا كنا نفعل وكانوا يفعلون له حكم الرفع.

السادس: إن أريد بقوله: " طلاق الثلاث.."".

أنَّه، أنَّه أُريد.

"أنَّه أُريد بقوله: "طلاق الثلاث واحدة" هو لفظ ألبتة إذا قال: أنتِ طالق ألبتة، كما سيأتي في حديث ركانة فكان إذا قال القائل ذلك قَبل تفسيره بالواحدة..".

قُبِل تفسيره.

"قُبِل تفسيره بالواحدة وبالثلاث فلمَّا كان في عصر لم يقبل منه التفسير بالواحدة، قيل: وأشار إلى هذا البخاري، فإنه أدخل في هذا الباب الآثار التي فيها ألبتة والأحاديث فيها التصريح بالثلاث كأنَّه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأنَّ ألبتة إذا أطلقت حملت على الثلاث إلا إذا أراد المطلق واحدة فيُقبل، فروى بعض الرواة ألبتة بلفظ الثلاث يريد أنَّ أصل حديث ابن عباس- رضي الله عنهما-: "كان طلاق ألبتة على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعهد أبي بكر.." إلى آخره.

قلت: ولا يخفى بَعد هذا التأويل.."

بُعد بُعد.

"ولا يخفى بُعد هذا التأويل وتوهيم الراوي في التبديل ويبعده.."

يعني أنَّ الراوي رواه بالمعنى، الأصل ألبتة، وألبتة فهم منها الراوي أنَّها الثلاث، ثم رواه بالمعنى.

"ويُبعده أنَّ الطلاق بلفظ ألبتة في غاية الندور، فلا يحمل عليه ما وقع كيف وقول عمر: "قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" يدل أنَّ ذلك واقع أيضًا في عصر النبوة، والأقرب أنَّ هذا رأي من عمر ترُجح له.."

تَرَجَّح له.

"والأقرب أنَّ هذا رأي من عمر ترَجَّح له كما منع من عمرة الحج وغيرها.."

متعة، متعة الحج.

"كما منع من متعة الحج وغيرها، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وكونه خالف ما كان على عهده- صلى الله عليه وسلم-، فهو نظير متعة الحج بلا ريب، والتكلفات في الأجوبة؛ ليوافق ما ثبت في عصر النبوة لا يليق، فقد ثبت عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك، نعم إذا أمكن التطبيق على وجه صحيح، فهو المراد."

أمَّا هذه الأجوبة وغير هذه الأجوبة فلا بد منها، فلا بد منها؛ صيانة لعمر- رضي الله تعالى عنه-، الصحابي الجليل الذي أُمِرنا بالاقتداء به، أُمِرنا بالاقتداء به، فقد يقول قائل: نعم، نحن مأمورون بالاقتداء بعمر- رضي الله تعالى عنه-، لكن كيف يخالف الرسول- عليه الصلاة والسلام-؟

نقول: عمر لا يُخالف الرسول- عليه الصلاة والسلام-، ولعل عنده في ذلك سُنَّة تؤيد قوله: لم تبلغنا، ولم تبلغ هذا المنتقد، ومعلوم أن الصنعاني في مثل هذه المضايق، قد يخرج عن الأدب مع هؤلاء الكبار أمثال عمر- رضي الله تعالى عنه-، فقد قال في قوله: نعمت البدعة" قال: بدعة ضلالة وسيئة ولو كانت من عمر. هذا سوء أدب بلا شك، والنبي- عليه الصلاة والسلام- يقول: «اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر»، «عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، فكيف يُقال مثل هذا، وأنَّا لا نحتاج أن نتكلف تكلفات في الأجوبة؛ ليوافق ما ثبت في عصر النبوة؟ لا يليق، يعني لو كان العمل من غير عمر- رضي الله تعالى عنه- المؤيد الملهم، مثل هذا نعم سهل، لا نتكلف اعتباره مع المرفوع كما قلنا آنفًا في صنيع ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- مع قوله- عليه الصلاة والسلام-، لكن عمر لا بد أن نتكلف هذا أو نتكلف الإجابة عن حديث: «اقتدوا باللذين من بعدي».

"الحديث الرابع: وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: أُخْبِرَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟»، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْتُلُهُ؟"

أَلَا أَقْتُلُهُ.

"أَلَا أَقْتُلُهُ. رواه النسائي، ورواته موثقون.

قوله: وعن محمود بن لبيد- رضي الله عنه-، ابن أبي رافع الأنصاري الأشهلي ولد على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحدَّث عنه أحاديث، قال البخاري: له صحبة، وقال أبو حاتم: لا تُعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين، وكان من العلماء، مات سنة ست وتسعين، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له أحاديث ليس فيها شيء صرَّح فيه بالسماع.

قال: أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟»، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله. رواه النسائي، ورواته موثقون.

الحديث دليل على أنَّ جمع الثلاث التطليقات بدعة، واختلف العلماء.."

إذا كان جمع ثلاث تطليقات بدعة، وليس عليه أمر النبي- عليه الصلاة والسلام- «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وحينئذٍ لا يقع طلاق الثلاث؛ لأنَّه بدعة. الطلاق البدعي لا يقع عند جمع من أهل العلم، ومنهم من يرى إيقاعه، وهو قول الجمهور.

"واختلف العلماء في ذلك فذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك إلى أنَّه بدعة، وذهب الشافعي وأحمد والإمام يحيى إلى أنَّه ليس ببدعة، ولا مكروه واستدل الأولون بغضبه- صلى الله عليه وسلم- وقوله: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ»، وبما أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس أنَّ عمر كان إذا أتي برجل.."

ابن عباس عن أنس.

طالب: أنا عندي عن أنس، الصحيح عن أنس.

نعم، صح، قلت: عن ابن عباس.

"وبما أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن أنس أنَّ عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره ضربًا، وكأنَّه أخذ عمر تحريمه من قوله- صلى الله عليه وسلم-: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ؟».

استدل الآخرون بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [سورة الطلاق:1]، وبقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [سورة البقرة:229] وبما يأتي في حديث اللعان أنَّه طلقها الزوج ثلاثًا بحضرته- صلى الله عليه وسلم- ولم ينكر عليه. وأجيب بأنَّ الآيتين مطلقتان، والحديث صريح بتحريم الثلاث فتقيد به الآيتان، وبأنَّ طلاق المُلاعن لزوجته ليس طلاقًا في محله؛ لأنَّها بانت بمجرد اللعان كما سيأتي. واعلم أن حديث محمود.."

لأنَّ مقتضى اللعان الفُرقة المؤبدة ولو لم يُطلِّق، إذا تم اللعان ترتبت آثاره وأحكامه عليه، سقوط الحد عن المرأة، وانتفاء الولد عن الزوج، والفُرقة المؤبدة، هذه آثار اللعان على ما سيأتي.

"واعلم أنَّ حديث محمود لم يكن فيه دليل على أنَّه- صلى الله عليه وسلم- أمضى عليه الثلاث أو جعلها واحدة، وإنَّما ذكره المصنف إخبارًا بأنَّها قد وقعت التطليقات الثلاث في عصره- صلى الله عليه وسلم-.

الحديث الخامس: وَعَنْ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- قَالَ: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «رَاجِعْ امْرَأَتَك»، فَقَالَ: إنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «قَدْ عَلِمْت، رَاجِعْهَا» رواه أبو داود.

وفي لفظ لأحمد: طَلَّقَ رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «راجعها؛ فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ». وفي سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال. وقد رواه أبو داود من وجه آخر أحسن منه: أنَّ ركانة طلق امرأته سُهيمة ألبتة.."

أنَّ أبا.

القارئ: نعم يا شيخ؟

أنَّ أبا ركانة.

القارئ: عندي ركانة يا شيخ، أحسن الله إليك.

"أنَّ أبا ركانة طلق امرأته سُهيمة ألبتة، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه النبي- صلى الله عليه وسلم-. وعن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: طلق أبو ركانة بضم (الراء) وبعد (الألف) (نون)، أم ركانة، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «رَاجِعْ امْرَأَتَك»، فقال: إنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «قَدْ عَلِمْت، رَاجِعْهَا». رواه أبو داود.

وفي لفظ لأحمد أي عن ابن عباس: طَلَّقَ رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ». وفي سندهما أي حديث أبي داود وحديث أحمد بن إسحاق أي محمد صاحب السيرة، وفيه مقال. قد حققنا في ثمرات النظر في علم الأثر وفي إرشاد النقاد عدم صحة القدح بما يجرح روايته.

وقد رواه أبو داود من وجه آخر أحسن منه "أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ".."

عندك ركانة أم أبا ركانة؟

القارئ: عندي يا شيخ كذلك ركانة. أبا ركانة يا شيخ؟

عندنا كذلك.

"سُهَيْمَةَ بـ (السين) المهملة تصغير سهمة "ألبتة، فقال: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه النبي- صلى الله عليه وسلم-". وأخرجه أبو يعلى وصححه وطرقه كلها من رواية محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وقد عمل العلماء بمثل هذا الإسناد في عدة من الأحكام مثل حديث "أنَّه- صلى الله عليه وسلم- رد ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول" تقدم".

وهي سبقته بالإسلام، أسلمت قبله ثم انتظر إلى أن أسلم مادامت في العدة، إذا أسلم وهي لم تخرج من العدة تعود إليه بالنكاح الأول.

"وقد صححه أبو داود؛ لأنَّه أخرجه أيضًا من طريق أخرى، وهي التي أشار إليها المصنف بقوله: أحسن منه، وهي أنَّه أخرجه من حديث نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة، أنَّ ركانة.. الحديث. وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وفيه خلاف للعلماء بين مصحح ومضعف.

والحديث دليل على أنَّ إرسال الثلاث التطليقات في مجلس واحد يكون تطليقة واحدة. وقد اختلف العلماء في المسألة على أربعة أقوال:

الأول: إنَّه لا يقع بها شيء؛ لأنَّها طلاق بدعة، وهذا للنافين وقوع طلاق البدعة، وتقدم ذكرهم وأدلتهم."

يعني تقدم في طلاق الحائض.

"الثاني: أنَّه يقع به الثلاث، وإليه ذهب عمر وابن عباس وعائشة، ورواية عن علي- رضي الله عنه-، والفقهاء الأربعة وجمهور السلف والخلف، واستدلوا بآيات الطلاق، وأنَّها لم تفرق بين واحدة، ولا ثلاث. وأجيب بما سلف أنَّها مُطلَقات تحتمل التقييد بالأحاديث، واستدلوا بما في الصحيحين: "أنَّ عويمرًا العجلاني طلق امرأته ثلاثًا بحضرته- صلى الله عليه وسلم-، ولم ينكر عليه"، فدل على إباحة جمع الثلاث، وعلى وقوعها.

 وأجيب بأنَّ هذا التقرير لا يدل على الجواز، ولا على وقوع الطلاق؛ لأنَّ النهي إنَّما هو في طلاقٍ رافع لنكاح كان مطلوب الدوام، والملاعن أوقع الطلاق على ظن أنَّه بقي له إمساكها ولم يعلم أنَّه باللعان حصلت فرقة الأبد سواء فراقه بنفس اللعان، أو بتفريق الحاكم، فلا يدل على المطلوب.

واستدلوا بما في المتفق عليه أيضًا في حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَالَ: «لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ».

 وأجيب عنه بأنَّه ليس في الحديث تصريح بأنَّه أوقع الثلاث في مجلس واحد، فلا يدل على المطلوب.

 قالوا: عدم استفصاله- صلى الله عليه وسلم- هل كان في مجلس، أو مجالس؟ دال على أنَّه لا فرق في ذلك.

 ويجاب عنه بأنَّه لم يستفصل؛ لأنَّه كان الواقع في ذلك العصر غالبًا عدم إرسال الثلاث كما تقدم، وقولنا: غالبًا؛ لئلا يقال قد أسلفنا أنَّها وقعت الثلاث في عصر النبوة؛ لأنَّا نقول: نعم لكن نادرًا، ومثل هذا ما استدلوا به.."

ووقعت الثلاث في حديث أبي ركانة وغيره، لكنه نادر.

"ومثل هذا ما استدل به.."

استدلوا، يعني الجمهور.

"ومثل هذا ما استدلوا به من حديث عائشة، أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ، فَطَلَّقَ الْآخَرُ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ قَالَ: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ هُوَ مَا سَلَفَ، وَلَهُمْ أَدِلَّةٌ مِنْ السُّنَّةِ فِيهَا ضَعْفٌ، فَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ."

يعني طلَّق امرأته ثلاثًا يعني هذا يحتمل أنَّها بلفظ واحد أو بألفاظ ثلاثة، أو في مجالس، أو تخللها رجعة، أو لم يتخللها، فالاحتمالات قائمة.

"وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا سَلَفَ، وَلَهُمْ أَدِلَّةٌ مِنْ السُّنَّةِ فِيهَا ضَعْفٌ، فَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ، فَلَا نُعَظِّمُ بِهَا حَجْمَ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ أَقْوَالُ أَفْرَادٍ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وإلَيْهِ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالصَّادِقُ وَالْبَاقِرُ، وَنَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ تِلْمِيذُهُ عَلَى نَصْرِتهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الْمَطْلُوبِ، وَبِأَنَّ أَدِلَّةَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ غَيْرُ نَاهِضَةٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَلِمَا عَرَفْت وَيَأْتِي مَا فِي غَيْرِهِمَا.

الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا فَتَقَعُ الثَّلَاثُ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، اسْتَدَلُّوا بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: "أَمَا عَلِمْت أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟.. الْحَدِيثَ"".

ذلك لأنَّها تبين بالواحدة، غير المدخول بها تبين بالواحدة، ويكون حينئذٍ لا سلطان له عليها؛ لأنَّها لا عدة عليها، لا عدة عليها كأنَّها خرجت من العدة، أو كأنَّها طُلِّقت ثلاثًا، لا سلطان له عليها إذا طلَّقها قبل الدخول ولو واحدة.

"وَبِالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَانَتْ مِنْهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا أَعَادَ اللَّفْظَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَكَانَ لَغْوًا. وَأُجِيبَ بِمَا مَرَّ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَدْخُولَةِ وَغَيْرِهَا، فَمَفْهُومُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد لَا يُقَاوِمُ عُمُومَ أَحَادِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

 وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ:أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ يُكَرِّرَ هَذَا اللَّفْظَ ثَلَاثًا.

وَفِي كُتُبِ الْفُرُوعِ أَقْوَالٌ وَخِلَافٌ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ هذه الْأَلْفَاظِ لَمْ تَسْتَنِدْ إلَى دَلِيلٍ وَاضِحٍ، وَقَدْ أَطَالَ الْبَاحِثُونَ فِي الْفُرُوعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَقْوَالَ، وَأَطْبَقَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ مُتَتَابعَةً لِإِمْضَاءِ عُمَرَ لَهَا..".

مُتَابَعَةً.

"وَأَطْبَقَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ مُتَابَعَةً لِإِمْضَاءِ عُمَرَ لَهَا، وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، وَصَارَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَمًا عِنْدَهُمْ لِلرَّافِضَةِ وَالْمُخَالِفِينَ، وَعُوقِبَ ابن تيمية بِسَبَبِ الْفُتْيَا بِهَا، وَطِيفَ بِتِلْمِيذِهِ ابْنِ الْقَيِّمِ عَلَى جَمَلٍ بِسَبَبِ الْفَتْوَى بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ مَحْضُ عَصَبِيَّةٍ شَدِيدَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ، قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخَلَفُهَا، فَلَا نَكِيرَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى أي قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَهَاهُنَا يَتَمَيَّزُ المنصف مِنْ غَيْرِهِ مِنْ فُحُولِ النُّظَّارِ وَالْأَتْقِيَاءِ مِنْ الرِّجَالِ.

الحديث السادس: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: «الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَفِي رِوَايَةٍ عن أبي هريرة لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: «الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ». وَقَدْ بَيَّنَ مَعْنَاهَا الحديث السابع لِلْحَارِثِ بن أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ..".

ابن أبي أسامة.

"لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: «لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِي ثَلَاثٍ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعَتَاقُ، فَمَنْ قَالَهُنَّ، فَقَدْ وَجَبْنَ». وسنده ضعيف.

وهو قوله: وَلِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ.."

إدخال المتن مع أنَّ الأصل أنَّ الكتاب مجرد عن المتن يوقع في مثل هذه الركة التي تسمعونها من القارئ، أن يقع الحديث كاملًا، ثم يعود إليه ثانية، وأحيانًا يُسبق الحديث بقوله: يبينه قوله ثم بعد ذلك توضع في غير موضعها، لا شك أنَّ هذا من شؤم التصرف في كتب أهل العلم، وإلا فالأصل أنَّ الكتاب ما فيه متن يقرأ بالراحة من دون هذا الإرباك.

"وهو قوله: وَلِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رْفَعُهُ: «لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِي ثَلَاثٍ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالْعَتَاقُ، فَمَنْ قَالَهُنَّ، فَقَدْ وَجَبْنَ». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ ابْنَ لَهِيعَةَ. وَفِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ دَلَّتْ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْ الْهَازِلِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي الصَّرِيحِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالنَّاصِرُ وَالصَّادِقُ وَالْبَاقِرُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَامٌّ خَصَّهُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْعِتْقِ.

والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.