شرح كتاب التوحيد - 59

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التوحيد - 59
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التوحيد
تاريخ النشر: 
السبت, 24 فبراير, 2018 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد....

ففي الحديث السابق قصة الثلاثة من بني إسرائيل الذين أُرسل إليهم ملك؛ لابتلائهم وامتحانهم الأبرص، والأقرع، والأعمى في الصحيحين وغيرهما، "وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن ثلاثةً من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أي شيءٍ أحب إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر-شك إسحاق»، وهذا من ورع الرواة، وإلا فسيأتي في بقية الحديث ما يُبين أنه اختار الإبل.

«فأُعطي ناقةً عُشراء، وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه، وأُعطي شعرًا حسنًا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل» هو على الشك الماضي، وإلا فسيأتي في سياق الحديث ما يدل على أنه اختار البقر.

«فأُعطي بقرةً حاملاً»، هناك «فأُعطي ناقةً عُشراء»، والثاني أُعطي بقرةً حاملًا، هذه أمنيته، أمنية الأول الإبل، وأمنية الثاني البقر.

«قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيءٍ أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأُبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأُعطي شاةً والدًا، فأُنتج هذان، وولَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم» وقفنا على هذا.

«قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيأته» جاءه الملك في صورته التي كان عليها قبل أن يُمسح ويذهب عنه اللون الذي قذره به الناس، على هيئة رجلٍ أبرص جاءه الملك «في صورته وهيأته» الصورة للخلقة والهيئة، لما زاد عليها من لباس أو تخلُّق، يعني قد يأتي مستكينًا متواضعًا، وقد يأتي متجبرًا متعاليًا، هذا تابع للهيئة، وكذلك اللباس للهيئة، فما كان ثابتًا من أصل الخلقة يكون صورة، وما كان طارئًا متغيرًا يكون للهيئة.

«ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيأته فقال: رجلٌ مسكينٌ» خبر، والمبتدأ محذوف تقديره أنا رجلٌ مسكين.

«قد انقطعت بي الحبال في سفري» الحبال المراد بها: الأسباب التي تُبلغه وتُعينه على سفره، الحبال هي: الأسباب، والحبل سبب يُتوصَّل به إلى المراد، والرِّشاء في رشاء ورشى ورُشى كما في مثلث قطرب، الرِّشاء: الحبال الذي يُربط به الدلو؛ لاستخراج الماء من البئر.

والرشى: ولد الغزال، إذا أردنا أن نتأكد نبحث في أي كتاب؟ في فقه اللغة، وأي كتابٍ ينفع في هذا؟ الثعالبي له كتاب في فقه اللغة، و(المُخصِّص) لابن سيده كذلك ينفع، وهو أوسع كتاب في الباب.

والرُّشى: جمع رِشوة.

ما فيه أحد يحفظ مثلث قطرب؟ أنا أذكر صبيانًا صغارًا ما دخلوا المدرسة يحفظونه.   

طالب:........

ما هو معروف مثلث قطرب.

طالب:........

يعني أبيات يسيرة تحفظ لك المثلث بالألفاظ التي تُقرأ بالحركات الثلاث، ومع ذلك مقرونة بمعانيها.

«فقال: رجلٌ مسكينٌ قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» يعني لو لم يُعطه شيئًا يمكن أن يهلك في سفره، والمعطي هو الله –جلَّ وعلا-، ولكن ابن آدم سبب وواسطة.

«أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن» يسأله بالله؛ لأنه هو الذي أعطاه اللون الحسن.

«والجلد الحسن والمال» سأله بالذي أعطاه اللون الحسن، ولم يقل: أسألك بالله، لماذا؟ ليُذكره بماضيه؛ ليرق قلبه، ويستحضر ما كان عليه سابقًا.

«بعيرًا أتبلَّغ به في سفري» ولكن هل رق قلبه أم جُبل على الشُّح والغلظة، والشِّدة والبخل؟ فكان رده.

«فقال: الحقوق كثيرة» ما ورائي إلا أنت؟ لو أعطتيك بعيرًا، والثاني بعيرًا، والثالث بعيرًا الحقوق كثيرة جدًّا لا تنتهي، ما يبقى لي شيء.

«الحقوق كثيرةٌ، فقال: كأني أعرفك؟ ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟ فقيرًا فأعطاك الله المال» وأذهب عنك السبب الذي يقذرك به الناس، كنت فقيرًا فأغناك الله، لو وُفِّق لعرف أن الذي أعطاه الله، وهو الذي يستطيع أن يسلبه منه بلحظة، وأن يُعيده كما كان، ولكن من طغيانه وجبروته أنكر نعمة الله عليه ولم يشكر.

«فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر» عن أبي الذي يكبرني، عن أبيه الذي يكبره كابرًا عن كابر، متوارثين المال من متى؟ يعني من آدم أو ينقطع أبوك وجدك وأنت على الإشكال ومن فوقه فقير، لا بُد أن يعترف، لا بُد أن تنتهي هذه الدعوة. 

«إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر» فهذا فيه كفر للنعمة، وتنكُّر للمُنعم، ولم يوجد عند هذا المسكين أي نوع من أنواع الشكر لا بالقلب لم يعترف، ولا باللسان، لم يعترف بالنِّعمة ظاهرًا، ولا باطنًا، ولا استعملها فيما يُرضي المُنعم الذي هو الشُّكر العملي، فطرد هذا الذي ظاهره المسكنة، وهو ملك من الملائكة.

«فقال: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت» هو يعرف أنه كاذب، وأنه كان أبرص فقيرًا، «ألم تكن أبرص؟» يعرفه، يقذرك الناس، فقيرًا، فأعطاك الله المال، وهنا قال: «إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت» وهذا أسلوبٌ فيه تنزُّل مع الخصم «إن كنت كاذبًا» وإلا هو في حقيقته كاذب والملك يعرف ذلك. 

«قال: وأتى الأقرع في صورته» في صورة أقرع.

طالب:........

كفر النِّعمة بأنواعها.

طالب:........

لا، في الجميع ما ندري لو قال: الحقوق كثيرة وأعطاه ناقة يتبلَّغ بها يكفي هذا لعقوبته؟ الأصل في الجميع، الأصل كُفر النِّعمة {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7].

طالب:........

ماذا؟

طالب:........

هذا على سبيل التنزُّل، يعرف أنه كاذب {إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24] هل فيه شك أن الرسول ومن معه على هدى؟ نرجع إلى ما... نسيتنا بعض الشيء، الله يهديك. 

«وأتى الأقرع في صورته»، وفي روايةٍ مثل ما تقدم «وهيئته»، «في صورته وهيئته».

وعندنا «وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا» رجلٌ مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك أسألك بالذي أعطاك الشعر، وأزال عنك ما يقذرك به الناس، يعني مثل ما تقدم، لكنه ما يُناسب الحال  

«فقال له مثل ما قال لهذا وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا» يعني الأبرص، فقال: الحقوق كثيرة، «فقال: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت».

طالب:........

يعني تمام الكلام في الروايات الأخرى.

«فقال: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت» يعني أقرع وفقيرًا.

«قال: وأتى الأعمى في صورته» «وهيئته» تُوجد في بعض النُّسخ دون بعض.

«وأتى الأعمى في صورته وهيئته» تعليق: وهو ساقط من بعض النُّسخ «هيئته» كما هو الشأن في سابقه، وهو موجودٌ في رواية مسلم، يعني موجود في صحيح مسلم المُخرَّج منه هذا الحديث بلفظه، وأما في صحيح البخاري فبالمعنى.

«فقال: رجلٌ مسكينٌ وابن سبيلٍ» ما قال: وقال له مثل ما قال لهذين، هو في الأصل في كلام الملك هو موجود بالتفصيل في الثلاثة، لكنه اختُصر في الرواية بالنسبة للأقرع، ولم يُختصر بالنسبة للأعمى، والسبب؟

طالب:........

نعم؛ لأن الجواب يختلف، فلا بُد أن يُذكر السؤال؛ لأن الجواب يختلف عن جوابهما.

«فقال: رجلٌ مسكينٌ وابن سبيلٍ قد انقطعت بي الحبال في سفري» تقدم هذا.

«فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» لأنه لو قال: وبك كان شركًا.

قال: « ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاةً أتبلَّغ بها في سفري» كيف يتبلغ بشاة يذبحها ويأكلها توقيتًا حتى يصل؟ لكن الثاني البقرة كيف يتبلَّغ بها؟ معروف أسألك بعيرًا أتبلَّغ به واضح أنه يركب البعير ويتبلَّغ، لكن بقرة؟ يبيعها ويستفيد من ثمنها في سفره وإلا البقر يُركب أم ما يُركب؟ ما يُركب؛ لأنها في الصحيح لما ركبها الرجل التفتت إليه، وقالت: ما خُلقنا لهذا.

طالب:........

ما خُلقنا لهذا، هذا في الصحيح، قال النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك: «آمنت بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمر» لئلا يأتي من يأتي من يقول: هذا مُحال، وهذا كما سمعت من طالب علم، يقول: هذا من الأخبار الإسرائيلية، قلت له: تدري أين الحديث مُخرَّج؟ قال: ما أدري، قلت له: في البخاري؟ تدري ماذا قال النبي –عليه الصلاة والسلام- بعد سياقه؟ قال: «آمنت بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمر» وأنت تقول: إسرائيلي لا يثبت، ما هذه الجرئة؟!

شاةً يتبلَّغ بها في سفره بقيمتها، بلحمها، بدرها ونسلها، وإلا في السفر التنقل من مكان إلى مكان هي عبء، لكن يتبلَّغ بها من الوجوه الممكنة في الانتفاع. 

«أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاةً أتبلَّغ بها في سفري» عرفنا جواب الأول والثاني الحقوق كثيرة، ومفهومه أني لو أعطيتك بعيرًا، والثاني يقول: لو أعطيتك بقرةً الحقوق كثيرة ما تنتهي، جواب من لم يُوفَّق.

 وكان جواب الموفَّق «فقال: قد كنت أعمى» اعترف بنعمة الله عليه.

«قد كنت أعمى فردّ الله إِلَيَّ بصري، فخُذ ما شئت ودع ما شئت» من هذا الوادي من الغنم خُذ ما شئت، هو يقول: شاة، وقال لذاك: بعير، وقال للثاني: بقرة.

فقال: «فخُذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيءٍ أخذته لله» هو يعرف أنه إذا تصدق على مسكين فإنما تقع الصدقة بيد الله قبل المسكين، هذا أخذته لله وصرت سببًا في تيسير الخير لي على يديك، يعني الشخص الذي يأتي يقترح مشروعًا خيريًّا، ويجمع له فهذا مُحسن على أصحاب البذل، يفتح لهم الأبواب، ويُيسر لهم الولوج في هذه الأبواب معروف عليه.

فوالله لا أجهدك» أي: لا أمنعك.

«اليوم بشيءٍ أخذته لله» أو لا يلحقك الجهد والتعب والعناء بسبب منعي إياك ما طلبته مني.

«أخذته لله» هو أخذه لنفسه ليتبلَّغ به، لكن في حقيقة الأمر {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [الحديد:11] ما معنى يُقرض الله؟ يتصدق، والمستفيد من الصدقة المتصدَّق عليه {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [الحديد:11] فلا شك أن هذه الصدقة قرضٌ لله –جلَّ وعلا-، وهل يستفيد منها؟ الله –جلَّ وعلا- لا ينتفع بالطاعة، ولا يتضرر بمعصية.

الصوفية في حديث «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى» اليد العليا أي اليدان؟ الآخذة أو المعطية؟

طالب:........

المُنفقة العليا؟

طالب:........

ماذا؟

طالب:........

هو في الصورة أن المعطي يده فوق، والآخذ يتلقى العطية، هذا ما فيه أدنى إشكال في المعنى، لكن الصوفية أهل الكسل والدعة الذين يعيشون على أزواد الناس وأُعطيات الناس، يقولون: اليد العليا يد الآخذ؛ لأنها نائبة عن الله، هذا الغني يُقرض الله، والفقير يأخذ نيابةً عن الله، هذا كلامهم، من أجل ماذا؟ تبرير كسلهم، من أجل تبرير كسلهم؛ لأنهم يأخذون ويعيشون على أقوات الناس، ولا يتسبَّبون.

طالب:........

ماذا يقول؟

طالب:........

الصدقة مثل ما قلنا في قوله –جلَّ وعلا-: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [الحديد:11] فالآخذ أخذ لله، هو أخذها في الحقيقة لنفسه، وهو لله باعتباره نائبًا عن الله في أخذ هذه الصدقة، وإلا فالأصل القرض لله {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [الحديد:11]، إذا تصوَّرت هذا مع هذا تبيَّن كأنه أخذه لله، وإن كان كثيرٌ من الناس لا يتنبه لمثل هذا، يأخذ لنفسه، ولا يتصور أو يستحضر المعنى الحقيقي في الصدقة، والمعطي كأنه يُعطي من ماله، وهذا هو في حقيقة الحال لما ملكه صحت إضافته إليه، وإلا فهو في الحقيقة من مال الله؛ ولذا يقول: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33].

طالب:........

هو من مسألة كذب كذب؛ لأنهم ما هم مُعطون أحدًا، ظهر هذا من نتيجة الامتحان، وإلا فكل إنسان له أقارب لهم حقوق عليه، ويصل رحمه، ولو أعطى هذا وهذا وذاك صحيح الحقوق كثيرة، لكن يبقى أن هذه دعوى ما هو مُعطٍ لأحدٍ شيئًا، ولو كان يعطي أحدًا شيئًا لأعطاها المسكين الذي جاءه في صورته.

طالب:........

اللهم صلَّ على محمد.

 «إنما تُنصرون وترزقون بضعفائكم» معروف هذا، والواقع يشهد بهذا، أكثر من قصة يكون أخوان يرثان مالاً، ويستمران شركاء، ثم يأتي من يأتي -أحدهما يعمل، والثاني لا يعمل- يأتي للذي يعمل سواءً من أولاده أو من الناس يقول له: أنت تتعب، وأخوك جالس، قصة حصلت لبعض المشايخ.

شيخ جالس في المسجد النبوي يُعلم الناس الخير، وأخوه يشتغل بالمال ليل نهار، وهم شركاء، فجاء من جاء إلى الأخ العامل، وقال له: انظر، أخوك في المسجد يكسب حسنات، وأنت من ديرة إلى ديرة، من بلدٍ إلى بلد، فلو قسمت يصير شغلك خالصًا لك، ففعل، قال: اقسم المال وضع نصيبي عند فلان -تاجر في السوق-، ضعه عن فلان يُضارب به، فوضعه عند فلان، وما حال الحول إلا ومال الشيخ الذي يُعلِّم الناس في المسجد النبوي أضعاف مضاعفة، والثاني الذي يظن أن هذا الرزق من أجله، ومن أجل كدِّه مُفلس، فرجع إلى أخيه، وشكا له الحال وذكَّره، قال: المال عند فلان، ما صار شيء، اذهب فخُذه.

 توجد أكثر من قصة.          

«فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُليتم» اختُبرتم، هذا اختبار.

 «فقد رضي الله عنك»؛ لأنه شكر.

«فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك»؛ لأنهما كفرا النِّعمة، والشكر ما فيه شك يقتضي الزيادة، وكفر النعمة يقتضي المحق.

وفي كتاب (الجليس الصالح) للمعافى النهرواني مطبوع، وهذا ذكرته في أكثر من مناسبة، بسندٍ صحيح عن الحسن البصري، قال: كان قومٌ فُتح عليهم في الدنيا وطغوا، حتى استنجوا بالخبز، فما لبثوا إلا يسيرًا حتى أكلوا العذيرة، نعوذ بالله من غضبه.

"«فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه". يعني: البخاري ومسلم في صحيحهما.

يقول: "فيه مسائل".

طالب:........

نعم.

طالب:........

«كأني أعرفك».

طالب:........

يعني المسألة واضح التوفيق وعدمه، وواضح التذكير بنعمة الله، وواضحٌ من الاثنين كفر النِّعمة، ومن الثالث شُكر النِّعمة.

طالب:........

يعرف؛ لأن مثل هذا يشتهر وينتشر، رجل أبرص ردَّ الله عليه اللون، وأقرع في قوم يعرفون ذلك، شاع بين الناس "«فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه" يعني في الصحيحين البخاري ومسلم، وهذا السياق المذكور سياق مسلم، وأما البخاري فرواه في مواضع، لكنها بالمعنى.

طالب:........

نعم، هذا من جوده وكرمه، وطيب نفسه.

"فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية" التي تُرجم بها، وقد تقدم.

"الثانية: ما معنى: {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت:50]؟" وقد ذُكر في تفسير السلف "هذا بعملي وأنا محقوقٌ به" مجاهد، "قال ابن عباس يُريد من عندي".

"الثالثة: ما معنى قوله: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78]؟" قد جاء هذا أيضًا تفسيره عن السلف عن قتادة وغيره في غير هذا الموضع.

{عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] كثير من الناس في مشاريعهم التجارية، وقبل دخولهم التجارة والتخطيط والدراسات التي يسمونها دراسات الجدوى، كثيرٌ منهم يغفُل عن الحاجة إلى الله في البداية والنهاية، ويجزم بأن النتيجة مضمونة، ولا يلتفت إلى أنه ضعيف ومسكين.

إن لم يكن عونٌ من الله للفتى

 

فأول ما يقضي عليه اجتهاده

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى

 

فأول ما يقضي عليه اجتهاده

إذا لم يُعنك الله –جلَّ وعلا-، وسمعنا في أول بدايات ما يُسمونها الطفرة، ناس من الشباب ولجوا في التجارات، وجزموا بأن التجارة قادمة، ولا محالة، فالنتيجة لا شيء.

فعلى الإنسان أن يرتبط بربه، وأن يثق بالله –جلَّ وعلا-، وأن يكل أمره إلى الله، هناك دراسات تُدرس على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وعلى مستوى الدول، الآن يخبرونك عن الأسهم مثلاً، والشركات، وهذه الشركة سوف يصل سهمها إلى كذا، ويوقعون الناس، يُغرونهم بهذا الكلام، وهم لا يدرون عمَّا يكون في غدٍ، لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، وتحصل الكوارث أكثر من مرة، ثم يعودون؛ لأن المحللين الاقتصاديين يغرونهم ويغرونهم بهذه الشركات، وفي النهاية لا شيء.

كون الإنسان لا يتأمل ولا يُفكر هذا شيء، ولا ينظر في العواقب هذا لا شك أنه خلل ونقص، على الإنسان أن ينظر في العواقب، ويدرس ويتأنى، ويستشير ويستخير، لكن يرتبط بالله –جلَّ وعلا-، لا يجزم بأن هذه الأمور مضمونة النتيجة، لا يجزم بأنه... لو اجتهد فله التوفيق على الله، فالإشكال كون بعض الناس يدرس جدوى، ولا يلتفت إلى أن المُعين والموفِّق والمُسدد هو الله- جلَّ وعلا-.          

يقول: "الرابعة" يعني من المسائل.

"ما في هذه القصة العجيبة من العِبر العظيمة" وفي بعض النُّسخ: ما في هذه القصة العظيمة من العبر، فالعظمة هل هي للقصة أو للعبر المستنبطة من هذه القصة؟ لما اشتملت عليه من العبر العظيمة صارت عظيمة، تكون عظيمة لِما اشتملت عليه من العبر العظيمة.

هذه القصة، وهذا الابتلاء من الله –جلَّ وعلا- لهؤلاء الثلاثة ليست خاصةً بهم، وهي لهم في الأصل، ولمن جاء بعدهم لمن كان له قلب، وكما جاء عن عمر في القصص، قصص القرآن: مضى القوم ولم يُرَد به سوانا، ما هي مجرد قصص تُقرأ للتسلية، وما فيها فرقٌ بينها وبين ما يُذكر في التواريخ، بل في التواريخ ما يُثير العجب لغرابته، وغرابة سياقه ما يجلب الناس ويشدهم الشيء الكثير؛ ولذا صار الرواج بعد القرون المفضلة للقُصاص، صار يجتمع عليهم الناس، يجتمع عليهم الفئام؛ لأنهم يأتون بالعجائب، ولكن العبرة بما صح عن الله وعن رسوله، وهذه القصة في شرع من قبلنا وسيقت هذا السياق دلالةً على إقرارها، وأننا لا بُد أن نعتبر بما حصل وإلا ففي كتاب الله وسُنَّة نبينا –عليه الصلاة والسلام- ما يُغنينا.

كفى بالقرآن واعظًا

 

فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد

لكن مثل هذه الأمور تُفيد وتُعين، وقد جاء «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» في الصحيح، وفي البزار: «فإن فيهم الأعاجيب»، فمثل هذه الأمور لا شك أنها تُفيد المسلم الذي له قلبٌ يقظ، قلبٌ حي ينظر فيها نظرًا صحيحًا، يأتي بها على أنها قصة كأنها من كلام فلان وعلان أو منسوبة إلى ما فُتن الناس به من القصص الغربية، القصص الغربي منتشر بين الناس فيما يُسمَّى بأدبهم الأدب الفرنسي، والأدب الإنجليزي وهكذا، ومع الأسف أنه يُدرس ويُتخصص به في جامعات المسلمين، ثم ماذا؟ إلى الله المشتكى، يعني ما عندنا ما يُغنينا من تُراثنا على ما يقولون؟ انصرف الناس عن قصص القرآن، وانشغلوا بما يُسمى شكسبير أو غيره يقرؤون له ليل نهار.

ولا شك أن التواريخ وكُتب الأدب مما يُعين طالب العلم، الأصل اهتمام طالب العلم بالوحيين: الكتاب والسُّنَّة، وما يُعين على فهم الكتاب والسُّنَّة، وسِير المُصلحين، وسادات الأمة، وعلى رأسهم النبي –عليه الصلاة والسلام- وخلفاؤه، ومن جاء بعدهم من الأئمة الصالحين المصلحين، هذا لا شك أنه يُعين طالب العلم، ويقوي من همته، يزيد في همته، ويقوي عزيمته، وإذا قرأ في التواريخ بعد ذلك لا شك أن التواريخ فيها العبر والعظة، وفيها نوع متعة، يستمتع بها طالب العلم، ويستجم، إذا تعب من القراءة في العلوم الجادة القوية يستجم بمثل هذه الأمور، ويعتبر ويتعظ.

 وأيضًا كُتب الأدب فيها متعة وتسلية، وفيها ما يُفيد من نواحٍ كثيرة، لكن لا تكون هي الأصل؛ لأن بعض الناس يتخصص في هذه العلوم، ولا يعرف شيئًا بعدها، حتى المتخصص في هذه العلوم، المتخصص في التاريخ مثلاً أو المتخصص في الأدب يجد في الكتاب والسُّنَّة ما يُعينه في تخصصه أكثر مما كُتِب فيها من أهلها، وتفاسير وشروح الأحاديث فيها ما يُعين الأديب على أدبه، يعني سُجِّلت رسائل كثيرة وأُلِّفت في الأدب في القرآن، والقصص في القرآن، والتواريخ عمدتها ومعولها في كثيرٍ من أمورها على القرآن؛ لأنه ضُبط من أحوال الأمم السابقة في القرآن ما لا يُوجد في غيره، قد يُوجد إشارات، يُوجد أشياء لا يُضمن صدقها، أما ما جاء في كتاب الله –جلَّ وعلا- فهو مضمون صدقه أنه حق {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف:111] ما هو بحكابات ألف ليلة وليلة وغيرها التي فُتن الناس بها.

 ولو تعلمون ما بيعت به الطبعة الأولى في بولاق من ألف ليلة وليلة، مبالغ خيالية؛ من أجل ماذا؟ وأغلى ما يُباع في السوق الآن أقل الكتب فائدة، كتب الذكريات، كتب الرحلات، صحيح فيها شيء من المتعة والاستجمام وكذا، لكن ما هو متين العلم، ليس هذا متين العلم الذي ينبغي أن تتجه وتنصرف إليه همة طلاب العلم، والله المستعان.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه.

طالب:.......

آخر الدروس اليوم، غدًا ليس فيه درس، والموعد الأسبوع الثاني من الفصل الثاني، إن شاء الله.

طالب:.......

بعض العلماء أشار إلى أن في الحديث إشارة إلى جواز التمثيل إذا ترتب عليه المصلحة، لكن التمثيل بقدر ما جاء في النص، أما الاسترسال والتوسع فيه فهذا فيه نظر.