شرح منتهى الإرادات (02)

عنوان الدرس: 
شرح منتهى الإرادات (02)
عنوان السلسلة: 
منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات
تاريخ النشر: 
أحد 28/ شعبان/ 1437 6:00 م

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا خطاب من بعض الإخوة: يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقول: فإن شرح منتهى الإرادات أمركتاب عظيم، قد وفقكم الله إلى البدء به، وهو على اسمه "منتهى" ، يحتاج إلى شرح منتهٍ، وبما أنكم قد وفقتم قبل أن تطعنوا في السن فما الداعي إلى عدم البسط؟ نعم هو يحتاج إلى مدد وإلى وقت، لكن يصبر على هذا من أجل الثمرة، خاصة إذا حل محل الواسطية بعد الانتهاء منها، والموطأ إن نقص منه من أجل المنتهى فياحبذا، وطلاب هذا الزمن لاشك أن السآمة تعلو محياهم، ولهذا سيكون من هذا الجمع الغفير من الطلاب العالِم الذي قد تمكن، ولابد أن يصبر الشيخ نفسه وطلابه.

وقد شرح شيخنا الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- متن الزاد ما يقارب سبع عشرة سنة، ولهذا كم انتفع طلابه خاصة والناس بعامة من شرحه كما لا يخفى، وأصبح حاويًا وجامعًا مع سهولة العبارة، قل أن تجد شرحًا يقاربه، وهذا الشيخ عبد الله بن جبرين أخص طلابه يقول: قد استمر الشيخ في شرح الروض المربع أكثر من عشرين سنة، ولهذا لو اطلع الناس على شرحه لوجدوه مثمرًا، والمرء يتحرك على عدم تسجيله، ويرجو أن يجد خلفًا، وسمعنا الشيخ ابن جبرين حفظه الله نفسه يقول: قد شرحنا منار السبيل في خلال ثلاث عشرة سنة، في كل أسبوع درسان بعد صلاة العشاء، وينبغي على كل شيخ أن يدفع طلابه، ولا يمشي على رغباتهم، وكما قيل في فوائد ثني الركب عند العلماء، أنهم يجمعون لك العلم ويقربونه، أما نقل الأقوال في الكتب التي تنقل الأقوال فما أكثرها، ما أكثرها وليس المرء هذه غايته، إنما ما كان مختبئًا في بطون الكتب ما تباعد منها، بل حتى ما تقارب واشتهر من أمهات الكتب كالمغني، ففيه من النكت الشيء الذي قل أن تجد شارحًا يتعرض له، فكم تُكلم عن الاستعاذة بكلام كثير، ثم نجد ابن مفلح يقول في كتابه  "الفروع": وقد استحب شيخنا التعوذ عند كل قربة، فهذه درة من قول شيخ الإسلام في كتاب هو أساس، لكن من أتى بها وبين وجهها؟ والتسميع على كل حال نص عليه البخاري، وابن كثير وابن باز وعللوا، وخالفهم ابن عثيمين وغير واحد وعللوا، وذكر ابن عبد البر أن حديث ثوبان-رضي الله عنه- ..... النبي -صلى الله عليه وسلم- من ال ..... أنه لا يصح وأن العلماء بالحديث والمغني نقله عن الأثرم عن الإمام أحمد قوله ثبت وفي المطبوع من السنن... إلى آخر ما قال.

مفاده أنه يطلب البسط، واستفتينا في الدرس الماضي على البسط والاختصار، فأكثر الإخوان يرون الاختصار، وهل معنى الاختصار أنه كلمة تساوي كلمة؟ يعني الاختصار الذي استفتي عليه وأجيب به وطلب، هل معنى هذا أنه كلمة تساوي كلمة أو جملة تساوي جملة؟ مكثنا في الروض المربع أحد عشر عامًا، وهو على طريق الاختصار، ولو بسط لاحتاج الأمر إلى شيء كثير جدًّا، وأما كوننا نحل المنتهى محل الواسطية إذا انتهت، فهذا جدول مضى عليه مدة طويلة، وأن يوم الثلاثاء بعد صلاة المغرب للمتون، كالورقات والأجرومية والواسطية والطحاوية وغيرها من المتون الصغيرة التي تنهى خلال فصل أو فصلين، هذا جرينا عليه، وأما كون المنتهى أيضًا يحل محل بعض دروس الموطأ، فهذا ليس بوارد؛ لأننا عانينا طويلًا من أصول كتب السنة التي نبدأ بها وتمضي السنون ونحن في أبواب يسيرة؛ لأنه درس واحد في الأسبوع، وكان يوم السبت للبخاري، وأخذنا فيه سبع سنوات في العبادات أو ثمانٍ، ومسلم، ما تجاوزنا كتاب الصلاة. المقصود أن هذا التضييع للأوقات بمثل هذه الطريقة، نعم قد يقول قائل: كلها خير، كل كتاب يعد علمًا مستقلًّا برأسه؛ لأن في مسلم ما ليس في البخاري والعكس، والموطأ فيه ما ليس فيهما، فبعد نظر طويل واستشارة وبعد تردد طويل أوقفنا الجدول الأول بما في ذلك البخاري ومسلم، وقلنا نبدأ بالموطأ الذي يعتبر أصل أصيل لكتب السنة، حتى قال بعضهم: إن جميع الكتب مستخرجات عليه، لكن هذه مبالغة، فبدأنا به؛ لأنه ينتهي، كنت أتصور أنه ينتهي في سنتين، وأخشى أن يأتي على الثالثة، والشرح متوسط جدًا ما فيه توسع، وثلاثة دروس في الأسبوع، وأحيانًا يكثف ويكون جميع الأسبوع له في المواسم، والنية أننا إذا انتهينا يحل محله البخاري إن شاء الله تعالى في ثلاثة أيام، ثم مسلم، وهكذا إن كان في العمر بقية. وأما الاقتراح الذي ذكره فإن كان مراده بالبسط الاستطرادات التي يذكرها العلماء ويقتنصونها من الكتب التي ليست هي مظان للبحوث المطروقة في الدرس، فهذه لا يخلو درس منها، وإن كان قصده بالبسط الإفاضة في تصوير المسألة على أكثر من وجه، وجمع جميع ما يدل عليها، وما يعلل به لها، وذكر جميع من وافق وذكر جميع من خالف فهذا دونه خرط القتاد، فهذا لن ينتهي، وأما ما أشرنا إليه سابقًا من أننا نكتفي بتصوير المسألة بحيث يفهمها الطالب، وهذا الكتاب كما سمعتم وكما ترون فيه عسر، فنكتفي بتصوير المسألة وتوضيحها، قدر الاستطاعة وقدر الطاقة، وإلا قد يوجد مسائل لأن المؤلف قصد وعورة الكتاب، قد يوجد مسائل قد نفهم منها غير ما فهمه الشراح، وقد نخطأ وقد نصيب، وهذا شأن البشر، والكمال لا يُطلب في مثل هذه الدروس. فالمقصود أننا نمشي على طريقة متوسطة، ليس معنى أننا نمشي على طريقة مختصرة أن الكلمة تساوي كلمة! لا، أو الجملة تساوي الجملة، نحتاج إلى تصوير المسألة والاستدلال لها، ثم بعد ذلك ذكر من وافق أو خالف على سبيل الإجمال، فيما يسمى عند الفقهاء بالخلاف العالي فقط.

وهذا أيضًا يقترح، يقول:

لا يخفى على فضيلتكم أهمية المعاملات المالية في هذا الزمن، وتنوع أشكال طرق البيع والشراء والتجارة في العموم، ومدى الجهل المنتشر لدى كثير من الناس فيها، وحيث إن مناسك الحج يحتاجها المسلم مرة واحدة في السنة ومرتبطة بزمن معين، وحيث إن كتاب الحج الذي تشرحونه طويل، فأقترح بأن تبدأ بكتاب البيوع ثم القراض، وتجعل كتاب الحج قبل موسم الحج بشهرين أو ثلاثة؛ لتعم الفائدة أكثر، حيث تكثر أسئلة الناس وبحوث طلبة العلم في هذا الوقت، واعلم أن بعض الطلاب يرغب في الاستمرار بكتاب الحج، ولكن فيما يغلب على ظني بأن الفائدة ستعم أكثر لو شرعت في كتاب البيوع.

هذا سؤال من الإنترنت يقول بارك الله فيه، يقول وسؤالي: هو أنني طالب مبتدئ، وقد تبت من بعض المعاصي، إلا أنني أعاني من وساوس كثيرة بعضها خطير على العقيدة، هل تضرني أم أنها دالة في ضمن الحديث الوارد عن الصحابي حينما قالوا لهم وقال لهم النبي- عليه الصلاة والسلام-: «ذلك صريح بالإيمان»

إن لم تتكلم بها، ولم تؤثر عليك في كفك عن طاعة الله -جل وعلا- على مراده فلا تؤثر إن شاء الله تعالى.

الكتاب الذي سُئل عنه الدرس الماضي وهو "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" هذا موضوعه نفس موضوع المنتهى، وهو للشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد الشويكي المقدسي، مطبوع طبعة قديمة ثم حقق، وهنا أشاروا إلى أنه قال الحافظ ابن طولون: وسبقه الشهاب العسكري- يعني للجمع بينهما- لكنه قد مات قبل إتمامه، فإنه وصل فيه إلى الوصايا، وكذلك عصريه أبو الفضل بن النجار، ولكنه عقَّد عباراته، ولو قارنا بين ما سيأتي قريبًا، وفي الكتابين ظهر لنا أن المنتهى كتاب معقد، ولكن مع ذلك على مثل هذا الكتاب يتربى طالب العلم، على مثل هذا الكتاب يتربى طالب العلم أما الكتب السهلة فتناسب أرباب التخصصات الأخرى غير العلم الشرعي يستفيدون منها، ولا تتعبهم، ولا تكلفهم كثيرًا، أما طالب العلم الذي يريد أن يطلب العلم الشرعي، ويتربى على أساليب أهل العلم، ويعرف الكتاب وما دونه، فمثل هذا الكتاب، يعني بعد الفراغ من الزاد من خير ما يربى عليه طالب العلم.


أحسن الله إليك، جاء النظر في اقتراح  في نقل الدرس ....

المسجد؟

طالب: إي نعم،

والله نقول لعلنا نصبر...

طالب: أخشى يضيق المسجد على الإخوان.

صحيح.

والله ما أدري ضاق الظهر.

الإخوة يقترحون أن ينقل الدرس من المسجد هذا إلى الجامع القريب هذا جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي فيه بقية الدروس، فإذا رأيتم ذلك فالأمر إليكم، حتى يكون من بعض الناس ما وجدوا مكانًا ورجعوا، وأيضًا في مكان مكتوم مثل هذا كثرة الإخوان قد يكون فيها شيء من التضايق لبعض الناس، فإن رأيتموه ينقل ينقل، وكان الاقتراح من الدرس الماضي لكن قلت أنا: إن بعض الإخوان يعني يمكن ما يستمر كعادة الدروس أول ما تبدأ يكثر فيها الطلاب ثم ينقصون، على كل حال النقل أمره سهل، فهل ترون نقله؟ ينقل يا إخوان؟ المسجد هناك فيه مواقف، وفيه سعة، طيب لا بأس إذًا من الأسبوع القادم إن شاء الله الدرس هناك.

يعني من الأسبوع القادم نكون هناك؟

إن شاء الله.

طالب: نبدأ بمقدمته يا شيخ؟

نعم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد.

قال -رحمه الله- تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي. قال شيخنا وأستاذنا، بل عين أستاذينا، الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر البحر الفهامة عمدة المحققين وبغية المدققين، تقي الدين مفتي المسلمين وعالمهم، أبو البقاء محمد بن سيدنا ومولانا قاضي القضاة شيخ الإسلام محيي السنة خير الأنام شهاب الدين أوحد المجتهدين أبي العباس أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن النجار، المصري الفتوحي الحنبلي، تغمدهما الله تعالى برحمته، وأدام النفع بعلومهما وبركاتهما، وأحيا بهما سنة الإمام المبجل أبي عبد الله وصالح أحمد بن حنبل -رضي الله عنه وأرضاه- ومتعه بالنظر على وجهه الكريم، آمين.    

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد..

فالكلام هذا ظاهر في أنه ليس من كلام المؤلف، وجرت عادة الطلاب أن يكتبوا مثل هذا بين يدي كلام المؤلفين للإشادة بشيوخهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وتضمن هذا الكلام ما فيه بعض الإشكال:

يقول: قال شيخنا وأستاذنا، بل عين أستاذينا هذا لا إشكال فيه، الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر البحر الفهامة هذه لاشك أنه في فنه يعني في فقه الحنابلة يمكن أن يطلق عليه مثل هذه الأشياء في فنه، أما في العلوم الأخرى فهو له مشاركة فيما يذكر، لكن لا يستحق مثل هذه الأوصاف التي لا يستحقها إلا مَن قدمه راسخ في علوم الشرع كلها وفي أبواب الدين كلها، كشيخ الإسلام ابن تيمية فضلًا عن سادة الأمة وأئمتها الأئمة الكبار. الحبر البحر، الحَبر: المحدثون يفتحون الحاء، وأهل اللغة يرجحون الكسر. البحر الفهامة، عمدة المحققين وبغية المدققين: تقي الدين، تقي الدين: وهذه من الألقاب التي طرأت في الإسلام، وحدث إطلاقها على أهل العلم.

مفتي المسلمين وعالمهم، أبو البقاء يقول: محمد بن سيدنا ومولانا هذا أيضًا فيه ما فيه.

قاضي القضاة إذا ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بترجمة ما جاء في التسمية بقاضي القضاة ونحوه، وأورد من الأدلة ما يمنع هذه التسمية، وهي موجودة في المذاهب نادرة عند الحنابلة، فهي موجودة في المذاهب الأخرى ويريدون بذلك رئيس القضاة، رئيسهم، وعلى كل حال يجتنب مثل هذا اللفظ.

شيخ الإسلام محيي السنة خير الأنام، خير الأنام محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام-.

شهابُ الدين، شهابِ كسرها المحقق؟

طالب: نعم شهابِ.

قاضي القضاة شيخ الإسلام، الشيخ الإمام العلامة، نعم، هي مضمومة.

طالب: هي الصحيح مضمومة شهابُ الدين.

شيخ الإسلام محيي السنة خير الأنام شهابُ الدين أوحد المجتهدين.

طالب: لكن عفوًا يا شيخ ابن.

ابن

طالب: نعم.

ابن سيدنا، إذًا هي مجرورة، ابن سيدنا ومولانا قاضي القضاة شيخ الإسلام إلى آخره، أبي العباس أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن النجار المصريُ، رجع إلى الولد، الفتوحي الحنبلي، تغمدهما الله تعالى برحمته، وأدام النفع بعلومهما وبركاتهما، كان المقصود بالبركات العلم المتعدي إلى الغير، وإلا فلا بركة ترجى من ذوات المخلوقين إلا من جعل الله -جل وعلا- فيه البركة، وهو النبي -عليه الصلاة والسلام-.

وأحيا بهما سنة الإمام المبجل، سنة الإمام المبجل: يعني مذهب الإمام المبجل وطريقته، وأما السنة فإذا أطلقت فالمراد بها سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.

سنة الإمام المبجل، يعني المعظم. أبي عبد الله وصالح، ومعروف أن صالح أكبر من عبد الله، صالح في السن أكبر من عبد الله، والإمام يكنى أبا عبد الله، والسبب في هذا أن صالحًا دخل في القضاء وعبد الله لازم أباه وأخذ عنه العلم وورث عنه علمه، أما صالح فقد دخل القضاء، ومعروف أن الذي يدخل القضاء غير مرغوب فيه عند سلف هذه الأمة، وإن كان دخله مكرهًا عليه ملزمًا به، وأخلص في ذلك وحرص فإنه مأجور، وأن أجره وثوابه عظيم؛ لأن فصل الخصومات وحل النزاعات والقضاء على المشكلات من أفضل الأعمال، لكن هي في الغالب مزلة قدم، ولذا يتقونه.  

أحمد بن حنبل -رضي الله عنه وأرضاه- العرف عند أهل العلم أن الترضي للصحابة، والترحم على من دونهم، هذا عرف عند أهل العلم اتبعوه، الترضي للصحابة خاصة، والترحم بمن دونهم، كما أن الصلاة والسلام خاصة بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، وقولنا: -عز وجل- خاص بالله -جل وعلا-، فلا يقال محمد -عز وجل-، وإن كان عزيزًا جليلًا.

ومتعه بالنظر على وجهه الكريم، آمين.

طالب: عفوًا يا شيخ أحسن الله إليك جمع أستاذ ...

تجمع على هذا، وتجمع على أساتيذ أيضًا ( أستاذين، وأساتيذ، وأساتذة ).

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. أحمد الله، وحق لي أن أحمد، وأصلي وأسلم على خير خلقه أحمد وعلى آله وصحبه وتابعيهم على المذهب الأحمد. وبعد،

فالتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع في الفقه على مذهب الإمام المبجل أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -رضي الله تعالى عنه-، قد كان المذهب محتاجًا إلى مثله إلا أنه غير مستغنٍ عن أصله، فاستخرت الله تعالى أن أجمع مسائلهما في واحد مع ضم ما تيسر عقله من الفوائد الشوارد، ولا أحذف منهما إلا المستغنى عنه والمرجوح وما بني عليه، ولا أذكر قولًا غير ما قدَّم أو صحَّح في التنقيح إلا إذا كان عليه العمل أو شهر أو قوي الخلاف، فربما أشير إليه، وحيث قلت، قيل، وقيل، ويندر ذلك، فلعدم الوقوف على تصحيح، وإن كانا لواحد فلإطلاق احتماليه، وسميته منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، وأسأل الله سبحانه وتعالى العصمة والنفع به، وأن يرحمني وسائر الأمة.      

نعم، يقول الشيخ -رحمه الله تعالى- وهذا بداية كلامه بعد البسملة اقتداءً بالقرآن الكريم، حيث افتتح بها، والكلام بالبسملة يطول من جهات في البداءة بها، وما ورد فيها، وفي معناها، وفي إعرابها، وفي كونها آية من القرآن أو ليست بآية من القرآن على الخلاف المعروف عند أهل العلم، فالبداءة بها اقتداءً بالكتاب الكريم القرآن العظيم، حيث افتتح بها، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يفتتح الرسائل بها، وإن كان لا يفتتح الخطب بها، لا، إنما يفتتح الرسائل، والفرق بينهما وإلحاق الكتب بأحدهما يعني هل الكتب ملحقة بالرسائل أو ملحقة بالخطب؟ أحيانًا يقولون خطبة الكتاب يعني مقدمة الكتاب، الخطب لا تفتتح بالبسملة، إنما تفتتح بالحمدلة، نعم الكتب مؤلفوها يستفتحونها بالحمدلة بعد البسملة فيجمعون بينهما، البخاري -رحمه الله تعالى- اقتصر على البسملة، ولم يأت بالحمدلة اكتفاءً بما كان يصنعه -عليه الصلاة والسلام- في مراسلاته، فكأن الكتاب رسالة إلى أهل العلم وطلابه، فاكتفى بافتتاحه بالبسملة، وأما هنا فقد جمع بينهما، والقرآن الكريم فيه الجمع بينهما {بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1-2]، وجاء في هذه المسألة أحاديث منها: «كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر»، ومنها أيضًا التنصيص على الحمدلة: «كل أمر» لا يُبدا فيه أو «لا يفتتح بذكر الله فهو أجزم»، وفي بعض الروايات الجمع بينهما ببسم الله والحمد الله، وفي بعض الروايات: إضافة الصلاة والسلام على النبي -عليه الصلاة والسلام-. فهو أجزم أبتر أقطع عديم البركة، والأمر ذو الشأن الذي يهتم به شرعًا. والحديث، أما لفظ الحمدلة والاقتصار عليها فقد حسنه النووي وغيره، وهو مروي بسنن أبي داود، وبقية الألفاظ عند الحافظ عبد القاهر الرهاوي بأسانيد ضعيفة، والشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- حكم على الحديث بجميع طرقه وألفاظه بالضعف، ويبقى هنا المعول على الاقتداء بالقرآن وفعل النبي -عليه الصلاة والسلام-.

والبسملة، بسم الله الرحمن الرحيم، يختلف أهل العلم في كونها آية من القرآن من كل سورة أو آية واحدة نزلت للفصل بين السور، أو ليست بآية مطلقًا، بعد إجماعهم على أنها بعض آية من سورة النمل {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[النمل:30] ، وبعد اتفاقهم على أنها ليست بآية من سورة التوبة، وما عدا ذلك هو محل الخلاف، فهل تعد البسملة مائة وثلاث عشرة آية من القرآن، أو آية واحدة نزلت للفصل بين السور، أو ليست بقرآن؟ هذا محل الخلاف بين أهل العلم والأدلة كثيرة على الأطراف الثلاثة، والذي يرجحه شيخ الإسلام بن تيمية أنها آية واحدة أنزلت للفصل بين السور، مما يستدل به على أنها ليست بآية، الخلاف فيها، ومما يستدل به على أنها آية، الاتفاق على كتابتها في المصاحف. يعني المسألة من عُضل المسائل، يعني ليست بالمسألة السهلة، الاختلاف فيها يدل على أنها ليست بقرآن؛ إذ لا يجوز الخلاف في القرآن؛ لأنه قطعي، ومما استدل به على أنها قرآن اتفاق الصحابة على كتابتها، وقد جردوا القرآن عن كل شيء سواها، وجاء في الحديث الصحيح عن مسلم وغيره من قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث القدسي الذي يضيفه إلى الله -جل وعلا-: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين»، ما فيها بسملة، هذا يرجح كونها ليست بآية، ولا يعارض ما يختاره شيخ الإسلام أنها ليست بآية من الفاتحة، وإن كانت آية في جملة القرآن للفصل بين السور، لكن يبقى أن مثل هذا قد يرد على قول شيخ الإسلام إن الفاتحة مبتدأ القرآن لا شيء قبلها يفصل بينها وبينه بالبسملة، يرد أم ما يرد؟ يعني من يقول أنها آية للفصل بين السور، ما فيه سورة قبل الفاتحة ليفصل بينهما، فالمسألة لاشك أنها من عضل المسائل، ولابد من قراءتها وإن لم يكن على سبيل الوجوب والإلزام فللخلاف فيها، فتقرأ قبل كل سورة إلا في سورة التوبة، وتقرأ في الصلاة والخلاف في الجهر والإسرار، وهذا قول جمهور أهل العلم قراءته في الصلاة خلافًا لمالك، وجاء في الحديث الصحيح: «صليت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين»، بهذا أخذ من أخذ أنها لا تقرأ في الصلاة، كقول الإمام مالك، والذين يقولون بقراءتها يقولون: يستفتحون القراءة بهذه السورة، بما تطلبه هذه السورة من بسملة، وفهم بعض الرواة أنه كونهم يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فصرح بذلك بناءً على فهمه قال: «كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين»، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول القراءة ولا في آخرها وهذا بناءً على فهمه واستنباطه من الحديث. وهل يجهر بها أو لا يجهر؟ مسألة خلافية بين أهل العلم ، وقوله: «يستفتحون القراءة» يدل على عدم الجهر بها. على عدم الجهر بها.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: أحمد الله، بسم الله الرحمن الرحيم، هذه الباء للاستعانة أو للتبرك كما يقولون، والاسم يختلفون في اشتقاقه، هل هو من السمو أو من السمة، من العلو أو من العلامة. وكونه من السمو هذا مذهب البصريين، ومن السمة من العلامة هذا مذهب الكوفيين، فيجعلون الاسم علامة على المسمى، وذلكم قالوا: الاسم أشرف أقسام الكلام، فلسموّه ولعلوه قيل له: اسم، وهل هو المسمى، عين المسمى أو غيره؟ مسائل يطول بنا البحث إذا تطرقنا بها، والمقصود بهذا: التبرك باسم الله، ومنهم من يقول: التبرك بالله -جل وعلا- وإقحام الاسم بين الحرف وبين لفظ الجلالة للتفريق بين التيمن واليمين. ما الفرق بينهما؟

قالوا: لو قلنا بالله ما قلنا باسم الله، صار قسمًا، اشتبه بالقسم، فأقحموا الاسم بين الحرف وبين لفظ الجلالة للتفريق بين التيمن وهو التبرك، واليمين الذي هو القسم. ولفظ الجلالة أعرف المعارف عند سيبويه وجمع من أهل العلم، وإن كان النحاة على أن أعرف المعارف الضمير، ويذكرون في ترجمة سيبويه أنه رؤي في المنام فقيل له: ماذا فعل الله بك؟ فقال غفر لي. قيل بمَ؟ قال بقولي: إن الله أعرف المعارف. وقوله هو المتعين، نقول مثل هذا القول هو المتعين؛ لأن العارف هو من حقه أن يعرف، فالخالق أحق وأولى أن يُعرف، فهو أعرف المعارف، ويختلفون في هذا اللفظ هل هو مشتق أو جامد، مشتق من الألوهة والألوهية والتأله الذي هو بمعنى التعبد، فالله هو المعبود، قالوا: أله يأله إلهة يعني عبد يعبد عبادة، فالله -جل وعلا- مألوه أي: معبود، وينكر بعضهم أن يكون مشتقًّا؛ لأن المشتق لابد أن يوجد ما يشتق منه، والأصل المشتق منه يكون متقدمًا على المشتق؛ لأن المشتق منه أصل، والمشتق فرع، والمصدر هو المشتق منه وهو الأصل والفعل واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبه وغيرها من المشتقات كلها فروع مع الفعل، وكونه أصلًا يعني المصدر لهذين انتخب، يعني رجح، هذا كلام ابن مالك فعلى هذا يكون هناك مصدر أصل لهذه الكلمة، ولابد أن يكون الأصل متقدمًا على الفرع الذي هو مشتق، ولا شيء قبله -جل وعلا-، لكن يجيب من يقول بأنه مشتق، يقول: بأن هذه الكلمة وزانها في لغة العرب من وزن المشتقات، يعني وزنها في لغة العرب وزن المشتقات، على كل حال هذه مسألة خلافية، خلافٌ طويل بين أهل العلم، والرحمن اسم من الأسماء الحسنى لا يطلق إلا على الله -جل وعلا-، ومنه صفة الرحمة الثابتة لله -جل وعلا- بالنصوص القطعية، نصوص الكتاب والسنة، ومثله الرحيم، فعلان من الرحمة وفعيل منها، وكلاهما دليل على أن الله -جل وعلا- موصوف بالرحمة، ويقولون: الرحمن أبلغ من الرحيم؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا غالبًا، وإلا فحذر أبلغ من حاذر، وما جاء على هذه الصيغة لأنها صيغة مبالغة، الله -جل وعلا- تفرد بهذه التسمية ومثله الرحمن، وأما من كابر فلا عبرة به. من تبع مسيلمة وسماه رحمن اليمامة! أولًا هذه لابد من تقييدها؛ إذ لا يقال الرحمن عليه من بدون تقييد، وكونه رحمن اليمامة على حد زعمهم لا يعني أن هذا الاسم سمي به، أو يسمى به غير الرب -جل وعلا-.

والرحيم يشترك فيه، هو من الأسماء المشتركة بين الخالق والمخلوق، فالله -جل وعلا- رحيم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- رحيم، وكثير من الخلق فيهم هذه الصفة وإن تفاوتوا فيها، لكنها لا تنزع الرحمة إلا من شقي، نسأل الله السلامة والعافية، والراحمون يرحمهم الرحمن، المقصود أن هذه الأسماء من الأسماء الحسنى اتفاقًا، وتقديم لفظ الجلالة؛ لاستقلاله، وتقديم لفظ الجلالة واستقلاله بالإبدال منه أو وصفه بالأسماء الأخرى أمر مقرر عند أهل العلم، فهل يقال: باسم الرحمن الله الرحيم؟ نعم، يقول ابن القيم: إنه لم يأت تابعاً لغيره يعني لفظ الجلالة، وما جاء في سورة إبراهيم، نعم من يقرأ؟!

{صراط الله العزيز الحميد الله، هذا يرد على قول ابن القيم -رحمه الله-: أنه لم يأت تابعًا لغيره بل متبوع لغيره من الأسماء، فهذا وارد عليه وإن أجابوا بأجوبة لا يخلو شيء منها من مقال. 

أحمد الله جاء بصيغة الفعل؛ لأنه يدل على التجدد وعلى التكرار، وجاء به بالفعل المضارع؛ ليشمل الزمن المستقبل: أحمد الله، فلم يقل حمدت الله. وحمده على أمر مستقبل، وهو تأليف هذا الكتاب، أو على جميع نعمه التي منها تأليف هذا الكتاب، ولو جاء به بلفظ الحمد لله الموافق للقرآن لكان أولى؛ لأن الحمد (ال) هذه للجنس، لاستغراق جميع أنواع المحامد لله-جل وعلا-، والاسم دليل على الثبوت، وهو أبلغ في مقامه من الفعل، وإن اقتضى التجدد والتكرار، ولذا يقولون: سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة {فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ}[الذاريات:25] لماذا سلام؟ اسم أم فعل؟

طالب: اسم،

اسم، وسلامٌ اسم أم فعل؟ مثله لكن قالوا: إن سلام إبراهيم مرفوع، وسلام الملائكة منصوب، فكونه مرفوع يدل على أنه اسم لم ينب عن فعل، أما كونه منصوبًا على المصدرية يدل على أنه منصوب نائب عن فعله، والاسم أبلغ من الفعل، فلاشك أن اتباع اللفظ القرآني الحمد لله أبلغ من أحمد الله، وإن كان الجميع يدل على الناطق بهذا اللفظ يخلص الحمد لله -جل وعلا- الذي لا يحمد غيره، لا على السراء و لا على الضراء فلا يحمد على مكروه سوى الله -جل وعلا-، فهو المحمود على كل حال، في مقابل النعم وفي غير مقابل النعم، بخلاف الشكر الذي يكون بإزاء النعم. الشكر بإزاء النعم، والحمد يكون في مقابل النعم وغيرها، وهذا من باب التقسيم، وإلا فالشكر، كما أن الحمد لا ينقطع؛ لأنه على كل حال فالشكر في مقابل نعم الله -جل وعلا- التي لا تعد، ولا تحصى، ولا تنقطع، ينبغي أن يكون دائمًا كالحمد، إلا أنه من باب التقسيم، يعني قولهم أن الحمد لا ينقطع لأنه لا يلزم منه اقترانه بالنعم، والشكر يقترن بالنعم، يعني لو وقع في مصيبة، نعم، وقعت في شخص مصيبة فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، الحمد لله على كل حال، نعم، إنا لله وإنا إليه راجعون، أتى بالمطلوب شرعًا، لكن لو قال: أشكر الله. هذا في مقابل نعمة أم في مقابل نقمة؟ في مقابل على كلامهم، على تقسيمهم: في مقابل نقمة، يعني لا يناسب على تقسيمهم، لكن هل هذه نقمة بالفعل نقمة أو هي في طيها نعمة وإن كان في ظاهرها نقمة؟ ولذا قالوا: لا يُقبل التسلسل في شيء إلا في الشكر. لماذا؟ لأنك تتقلب بنعم الله -جل وعلا- أينما كنت وحيثما كنت {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا }[إبراهيم:34]، فإذا حصلت لك نعمة حمدت الله وشكرته عليها، ثم هذا الشكر الذي وفقك الله -جل وعلا- له نعمة تحتاج إلى شكر، ثم الشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر وهكذا، فيقبل التسلسل في مثل هذا بل مطلوب، فقولهم: إن الشكر لا يكون إلا في مقابل نعمة، هذا لو تصور انفكاك الشاكر عن نعم الله -جل وعلا-، لكنه لا يتصور، فهو يتقلب في النعم، حيثما كان حتى الأشياء التي في ظاهرها النقم باستثناء الكفر والفسوق والمعاصي هذه نقم، ولو ذهبنا نسترسل لقلنا: إنه قد ينشأ عن هذه أيضًا؛ لأنه يتوب منها وتبدل سيئاته حسنات فتكون نعمًا، لكن الاسترسال إلى ما لا نهاية ممنوع؛ لأنه يلزم عليه التسلسل.             

وحق لي أن أحمد، أحمد الله، وحق لي أن أحمد: أن أحمده على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشكره باستعمال جميع جوارحي فيما يرضيه؛ لأن هذه حقيقة الشكر، الحمد هذا باللسان، والشكر أعم متعلق، فهو باللسان والجنان والجوارح، فاستعمال هذه النعم فيما يرضي الله -جل وعلا- هو الشكر.

وحق لي لأنني مدين له بجلائل النعم التي من أعظمها أن هداني للإسلام ووفقني للعلم النافع. الكلام على لسان المؤلف، وحق لي أن أحمد يعني ما الذي يمنعني من أن أحمده -جل وعلا- وأن خلقني في أحسن تقويم، وجعلني من أمة أشرف الأنبياء والمرسلين، وفقني للإسلام والعمل به والعمل له ولخدمته بالعلم والتعليم والتأليف المقرون بالإخلاص.

وأصلي وأسلم على خير خلقه أحمد، وأصلي وأسلم كذلك جاء بهما بصيغة الفعل: أصلي وأسلم، وبهما كالاسم. والصلاة والسلام على خير خلقه أحمد، يتم امتثال الأمر في قوله -جل وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:56] فيتم الامتثال بمثل هذا بأي صيغة تؤدي، وإن كان الاسم أبلغ. والصلاة والسلام على خير خلقه، والتنويع والتفنن في العبارات لأنه يمكن في كتبه الأخرى أو إذا ابتدأ مجالسه ودروسه جاء بصيغة الحمد لله والصلاة والسلام، وهذا من التفنن في العبارة، وهم يسلكونه كثيرًا، تفننوا في العبارة، أحيانًا يبدءون بالاسم وأحيانًا بمثل هذا، ولاشك أن هذا أحمد الله وحق لي، يعني يلفت نظر الطالب وينشطه، وإن كان الاسم أبلغ منه.

وأصلي وأسلم، جمع بينهما لأن امتثال الأمر في الآية لا يتم إلا بالجمع بينهما، وأما الاقتصار على أحدهما فأطلق النووي الكراهة، أطلق النووي الكراهة قال: يكره أن يفرد الصلاة دون السلام والعكس، وانتقد مسلمًا صاحب الصحيح في اقتصاره على الصلاة، كثيرًا ما يقتصر على الصلاة إذا طال الكلام، ولم يؤت بالسلام مباشرة، إذا طال الكلام ينسى السلام، فالإمام مسلم ترك الكلام، فصرح النووي بكراهة ذلك، ولاشك أنه لا يتم الامتثال إلا بالجمع بينهما والحافظ ابن حجر -رحمه الله- خص الكراهة بمن كان ديدنه ذلك، خص الكراهة بمن كان ديدنه ذلك يعني باستمرار يصلي ولا يسلم أو يسلم ولا يصلي، من كان ديدنه ذلك يكره في حقه، أما من جمع بينهما أحيانًا وأفرد الصلاة أحيانًا وأفرد السلام أحيانًا، فإن الكراهة لا تتجه في حقه، وقد وقع النووي في أكثر من كتاب من كتبه في إفراد الصلاة عن السلام، في ثلاثة كتب أو أربعة من كتبه أفرد الصلاة دون السلام، ولاشك أن الغفلة والنسيان من طبع الإنسان مما جُبل عليه الإنسان. الإمام الشافعي -رحمه الله تعال أيضًا أفرد الصلاة دون السلام، وأبو إسحاق الشيرازي أفرد الصلاة دون السلام، ولا يعني هذا أنه ينبغي أن يسلك مثل هذا اقتداءً بهؤلاء العلماء، لا، الأصل امتثال الأمر وتركهم للسلام لا شك أنه غفلة. وأصلي وأسلم، فيه شيء؟  

طالب:.............

{صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} يعني جاء التقديم في الآية فيقدم.

وأصلي وأسلم على خير خلقه اتفاقًا خير الخلق محمد -عليه الصلاة والسلام-، وهو أشرفهم ومقدمهم وإمامهم. خير خلقه بما في ذلك الملائكة، بل بما في ذلك سادة الملائكة كجبريل، محمد -عليه الصلاة والسلام- أفضل منه، وهو القول المعتمد عند أهل السنة، وعندهم أيضًا بل عند كثير منهم تفضيل خواص البشر وصالحيهم على خواص الملائكة، والمسألة طويلة وأدلتها كثيرة تحتاج إلى وقت آخر.

قال: على خير خلقه أحمد، وأحمد اسم من أسماء النبي -عليه الصلاة والسلام- بشر به الأنبياء قبل بعثته -عليه الصلاة والسلام- {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[الصف:6]، فهل معنى هذا أن عيسى هو الذي سماه، أو أنه بشر بهذا الاسم والذي سماه هو ا لله -جل وعلا- ؟ وأمر نبيه عيسى أن يبشر به، وأن هذا مما يبلغه عن الله -جل وعلا.  محمد وأحمد ومحمود كلها مأخوذة من الحمد،  فمحمد، كثير الحمد لله -جل وعلا-، أو كثير أن يحمد على لسان الناس لاتصافه بصفات الكمال البشري. وأحمد: جاء على صيغة الفعل، أحمد الله على خير خلقه أحمد، فالصيغة واحدة إلا أن الأولى فعل والثانية اسم، ومنعت من الصرف للعلمية ووزن الفعل، جاءت على زنة الفعل. وعلى آله وصحبه، (آله) يختلفون فيهم، وفي كل نص يحمل على قول من أقوال أهل العلم، فآله في الأصل أتباعه على دينه، وقد يطلق الآل ويراد به أزواجه وذريته، ويطلق الآل ويراد بهم من تحرم عليهم الصدقة، بنو هاشم وبنو المطلب وأصل الآل الأهل، بدليل أنه يصغر على أهيل. وعلى آله وصحبه وعرفنا أن الآل إن قلنا: إنهم هم أتباعه على دينه، فعطف الصحب عليهم من باب عطف الخاص على العام، وإذا قلنا: إن العطف يقتضي المغايرة قلنا إن آله أقاربه وأهله -عليه الصلاة والسلام-. والصحب جمع صاحب كركب جمع راكب. والصاحب والصحابي: من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، ومات على ذلك. يقول أهل العلم: ولو تخلل ذلك ردة، لكن شريطة أن يموت على الإسلام؛ لأن الصحبة لا شك أنها مما يثاب عليه الصاحب، وما يثاب عليه الصاحب، لا يحبط بمجرد الردة حتى يموت على الكفر، نسأل الله السلامة والعافية، {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}[البقرة:217]، هذه هي الردة المحبطة للعمل إذا مات وهو كافر، أما إذا رجع عادت إليه أعماله الصالحة بهذا  القيد وبهذا النص، ولذا يختلف أهل العلم فيمن حج ثم ارتد، هل يلزمه أن يعيد الحج؟ على هذا لا يعيد الحج، وإن كان القول بإلزامه وإحباط عمله للآية الأخرى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[الزمر:65]، قول آخر لأهل العلم، لكن الأصل عندهم حمل المطلق على المقيد.

 وعلى آله وصحبه، جمع بينهما فلم يقتصر على الآل؛ لأنه صار شعارًا للرافضة، كما أنه لم يقتصر على الصحب؛ لأنه صار شعارًا للنواصب، فجمع بينهما ردًّا على الطائفتين، وإلا فالأصل أن الأمر يتم امتثاله بقوله -صلى الله عليه وسلم-، يتم امتثال الأمر، وإذا صلينا على أحد تبعًا له، فلنصل على آله الذين هم وصيته -عليه الصلاة والسلام-، والمراد به من استقام على الجادة منهم؛ إذ لا يشمل مثل هذا من انحرف عن الجادة، والصحب الذين هم من الآل بالمعنى الأعم، لكن تخصيصهم بهذا لما لهم على من جاء بعدهم من هذه الأمة من الحق، فبواستطهم وصل إلينا الدين، وهم حملوا إلينا الشرع، ولولا أن الله -جل وعلا- قيَّضهم لنا ما وصلنا شيء، يمكن أن يوصل إلى حديث من غير طريق صحابي؟ ما يمكن، ما يمكن أن يوصل إلى حديث من غير طريق صحابي، قد يقول قائل: إنه وصل أحاديث مراسيل: عن سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقبلها أبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلسنا بحاجة، نقول سعيد من أين تلقى هذا الخبر؟ هل تلقاه من النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة! مستحيل، إنما لابد من وجود الواسطة؛ لأننا إذا قلنا مثلًا إن الصحابة حملوا لنا الأحاديث، فقد يقول قائل: هذه المراسيل ليس فيها ذكر لصحابي ووصلتنا، ويعمل بها الحنفية والمالكية،

واحتج مالك كذا النعمان   

به وتابعوهما ودانوا

قد يقول قائل هذا الكلام، فلماذا نحتاج، قد يقول قائل هذا شخص حنفي ما يحتاج إلى صحابي، يحتج بالمرسل، أو مالكي، يا أخي هذا تابعي نقل إلينا الخبر عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومن المستحيل أن يتلقى التابعي هذا الخبر عن النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة، فلابد من وجود واسطة هو الصحابي، وقد ضلت طائفة ضلالاً مبينًا حيث حكموا على جماهير الصحابة بالردة. كيف ينقل إلينا الدين الذي كتب له البقاء إلى قيام الساعة عن طريق أناس مرتدين! وعامة أهل الأهواء إذا أرادوا نقد أمر مبرم عند أهل الخير والفضل من أهل السنة عمدوا إلى ما يريحهم في النقد، فتجد من يريد أن يرد الحديث مثلاً ليبطل السنة؛ لأنه متبع لهواه منحرف عن الجادة، هل يقتنع بالطعن بأبيض بن حمال، أو ما أشبهه من المقلين، أو يتجه إلى أبي هريرة ونظرائه من المكثرين؛ لأنه إذا طعن في أبي هريرة ارتاح، وإن كان هذا هو الشقاء بعينه، على حد زعمه أنه ارتاح من جل السنة بكلمة واحدة يطعن في هذا الصحابي ويرتاح، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- دعا لأبي هريرة أن يحببه الله إلى الناس، ويحبب الناس إليه، ولاشك أن أبا هريرة الذي حمل لنا هذا الدين هو من أحب الناس إلى قلوبنا، فحفظ الله به الدين، وهو حافظ الأمة على الإطلاق، ويتناقل أهل العلم بالأسانيد الصحيحة أن جماعة في مجلس، طعن أحدهم في أبي هريرة، فنزلت حية من السقف فلدغته فمات؛ لأن الذي يطعن في أبي هريرة ليس له شأن بأبي هريرة لذاته، فهو يريد أن يطعن في الدين، وهكذا من طعن في الصحابة لازم قولهم بطلان الدين بالكلية؛ لأنه إنما جاءنا عن طريقهم، فلهم علينا من الحق أن نترضى عنهم، وأن نصلي عليهم ولا نهملهم تبعًا لإمامهم وقدوتهم وأسوتهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالجمع بين اللفظين ردٌّ على طرفي نقيض من أهل البدع، وتوسط بين هذين المذهبين، وهو ما وفق الله له أهل السنة. الصنعاني والشوكاني وصديق حسن خان يقولون أبدًا، يصلى على الآل دون الصحب، لم يصرحوا بأنه يصلى على الآل دون الصحب، لكن صنيعهم يدل على هذا يعني باستمرار صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويستدلون بالأمر في التشهد في الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- الصلاة الإبراهيمية المعروفة وفيها الآل دون الصحب. ولاشك أن هذا الأمر جاء تفسيرًا للأمر في الآية، وهو تفسير للفظ العام ببعض أفراده، ومثل هذا لا يقتضي الحصر، يعني حينما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «ألا إن القوة الرمي»، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ }[الأنفال:60]، «ألا إن القوة الرمي»، هل يعني هذا أن غير الرمي ليس بقوة؟ تفسير للعام ببعض أفراده للاهتمام به ولا يقتضي الحصر ولا القصر.

 ثم بعد ذلك أخذوا يتطاولون على خيار الأمة وقالوا: إن الموجود في كتب أهل العلم قاطبة- صلى الله عليه وسلم-ما يقولون وآله، لماذا؟ خوفًا من الحكام، تواطئوا على هذا وتركوه وإن كان واجبًا من وجهة نظرهم، خوفًا من الحكام. طيب الأئمة كلهم الذين دونت وحفظت كتبهم ويقتصرون على -صلى الله عليه وسلم- كلهم في زمن بني العباس وهم من الآل، فكيف يُخشى من شخص هو من الآل أن يقال: (وآله)‍! يقولون أيضًا يجيبون على هذه الشبهة: بأنهم وإن كانوا في زمن بني العباس وهم من الآل إلا أن عداء بني العباس على حد زعمهم، للعلويين عمومًا يقولون إنه معروف، دخولهم في الآل ألا يقتضي أن يحثوا الناس على أن يصرحوا بالآل؛ لتشملهم هذه الصلاة والسلام؟! قالوا: لا، هذا من باب اقتلني ومالكًا واقتل مالكًا معي. خصم فقط ولا يصير له ولو .... تضررت، هذا كلامهم، لكنه كلام لا حظ له من النظر، يعني المعول على أمره بالصلاة على الآل، بالصلاة الإبراهيمية، وهي تفسير أو بيان تفسير للأمر العام في الآية ببعض أفراده، وهذا لا يقتضي التخصيص، بل يخص في مكانه، ما يقال: وصحبه، في الصلاة، لا؛ لأن هذه ألفاظ تعبدية لا نزيد عليها، فيقتصر عليه في موضعه، وأما خارج الصلاة فيجمع بينهما؛ لما للفريقين من حق، فالآل هم وصية النبي -عليه الصلاة والسلام-، والصحب هم الذين لهم المعروف الكبير على الأمة.

يقول بعضهم: إن شخصًا جاء إلى مخيم واحد من المشايخ ممن أثار هذه المسألة، وهو إمام من أئمة المسلمين نفع الله به نفعًا عظيمًا، وانتفع به طلاب العلم، بل العلماء انتفعوا به.

 وهو الذي أثار هذه المسألة وقلده الناس عليها، وجاءه شخص في مخيمه في الحج وهو من الشيعة بل من الزيدية، وقال: إننا نعرف عنكم يا أهل السنة أنكم لا تحبون الآل، بل تبغضون الآل، ولذا عرفنا أنكم أناس منصفون، فاستروحوا على أن الاقتصار على الآل فيه تأليف لهؤلاء، لكن الشخص الذي لا يتألف إلا أن يترك الصحب لا يتألف أبدًا. الشخص الذي لا يمكن تأليفه إلا بترك الصحابة لا يتألف، تبين الحجة له وتقام عليه، إن اهتدى، وإلا فالله -جل وعلا- يتولاه. نعم المعاندة في المناقشة الخاصة بينك وبين شخص تقصد أن تثيره بما يثير حفيظته هذا ما هو بوارد، لكن كونك أيضًا ديدنك ألا تذكر الصحب؛ لئلا يثور، دعه يثور ما المانع؟ الذي يثيره الحق الذي يغضبه الحق لا يرضى أبدًا، فهذه المسألة حقيقة عمت بين طلاب العلم بأنه أثارها إمام تبرأ الذمة بتقليده، لكنه ليس بمعصوم.

يُتهم أئمة الإسلام كالإمام مالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث قاطبة يتهمون أنهم يتركون الصلاة على الآل ممالأة للولاة والخلفاء، ويصلون -صلى الله عليه وسلم-  ويقتصرون على هذا، لماذا ؟ لأن به يتم الامتثال، لكن من حق الآل والأصحاب أن نصلي عليهم تبعًا لقدوتهم وأسوتهم وأسوة الجميع -عليه الصلاة والسلام-.

 وعلى آله وصحبه وتابعيهم على المذهب الأحمد التابع والتابعي في الاصطلاح من لقي الصحابة مسلمًا فهو تابع، فإن كان مقتديًا مؤتسيًا فهو تابع بإحسان، وإن كان على خلاف ذلك فلا يستحق هذا الوصف، ويشمل أيضًا بالمعنى الأعم من تبعهم إلى يوم القيامة، وإن كان العرف الخاص في الاصطلاح الخاص أنه يخص اللفظ بمن لقي الصحابي، فهو التابعي، وأما من جاء بعدهم فلا يقال له تابعي، هذا اصطلاح خاص، لكن من تبعهم واقتدى بهم، والكل يقتضي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- فهذا تابع بإحسان إلى يوم القيامة، ويشمله مثل هذا الدعاء، وتابعيهم على المذهب الأحمد، هل يريد به مذهب الإمام أحمد؟ أو مذهب الأكثر حمدًا أي الأرجح أو الأحق، فيخرج بهذا من تبع الصحابة لا بإحسان بل بإساءة ويخص الصلاة والسلام تبعًا، على من تبع النبي -عليه الصلاة والسلام- والصحابة على الطريقة الشرعية والمذهب الأحمد الأحق، أو يريد أن يخصص بذلك مذهب أحمد؟ أولًا التركيب على المذهب الأحمدي، الأحمد وصف أم مضاف إليه؟ إذا قلنا على مذهب أحمد انتهى الإشكال يعني على مذهب الإمام أحمد، مضاف ومضاف إليه، لكن إذا قلنا على المذهب الأحمد، وصف ولاّ مضاف إليه؟ هنا جر لأن فيه على، فهو مجرور سواء قلنا إنه وصف أو مضاف إليه، هل تصح الإضافة في مثل هذا؟ أولًا هل الإضافة لفظية أو معنوية؟ لفظية والإضافية اللفظية يجوز أن يقترن بها المضاف بأل {وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ} [الحج:35]

ووصل أل إذا المضاف مغتفر

إن وصلت بالثاني كالجعد الشعر

أو بالذي له أضيف الثانــــــــــــي

كزيد ضــــــــــــارب رأس الجـــــانـــــي

يجوز أن تقترن بأل، لكن في الإضافة المحضة المعنوية لا تجوز بحال، وأسوأها ما يضاف إلى الله -جل وعلا-، كعبد الرحمن أو عبد العزيز، لا يجوز بحال أن تقول: العبد الرحمن، أو العبد العزيز؛ لأنها إضافة محضة معنوية، وهنا كأنه يريد الأحمد: الأفعل، تفضيل من بين المذاهب، يعني أحقها بالاتباع.

(وبعد) الواو هذه حادثة، ويقول في شرح المواهب أنها تقوم مقام أما، وإلا فالأصل أما بعد، ولا يتم الاقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- إلا بالإتيان بلفظه (أما بعد)، وقد ثبتت عنه من أكثر من ثلاثين طريقًا، يستعملها -عليه الصلاة والسلام- في خطبه وفي مراسلاته، يستعملها للانتقال من أسلوب الحمد والثناء إلى ما يورده من موضوع يتصدى له.

يقولون: الواو هذه قائمة مقام أما، وبعد: ظرف مبني على الضم لقطعه عن الإضافة مع نية المضاف إليه، كما في قوله -جل وعلا-: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ}[الروم:4]، لكن لو أضيف أعرب، ولو قطع عن الإضافة مع عدم نية المضاف إليه أعرب أيضًا مع التنوين.

فساغ لي الشراب وكنت قبلًا،

 وهنا قطع عن الإضافة ونوي المضاف: أما بعد ما تقدم، وبعد هذا، فالمضاف إليه منوي فبني على الضم. (وأما بعد) أسلوب نبوي يؤتى به اقتداءً به -عليه الصلاة والسلام- وتداوله أتباعه.

 (وأما بعد) هذه اختلفوا في أول من بدأ بها، أو أول من قالها.

جرى الخلف وأما بعد من كان بادئًا  

بها عد أقوال وداود أقرب

ويعقوب أيوب الصبور وآدم

وقس وسحبان وكعب ويعرب

ثمانية. (أما بعد) أما: حرف شرط وتفصيل، وبعد: قائم مقام الشرط. (فالتنقيح) الفاء ما دخلت عليه: جواب الشرط، ولابد من الإتيان بها؛ لأن جواب الشرط لابد أن يقترن بالفاء.

(فالتنقيح المشبع) يريد الكتاب المسمى بهذا الاسم لعلاء الدين المرداوي، أصله: "المقنع" للإمام الموفق أبي محمد عبد الله محمد بن قدامة المقدسي الإمام الشهير صاحب العمدة والكافي والمغني، إضافة إلى الكتاب الذي هو أصل أصول هذا الكتاب. "التنقيح" هذا فرع أصله المقنع، ثم المرداوي هذا شرح المقنع بكتاب مطول اسمه "الإنصاف" جمع فيه جميع ما وقف عليه من روايات المذهب، ثم إنه بعد ذلك نقح هذا الكتاب وحرره وحرر أحكامه، وانتقى من هذه الروايات التي ضمنها كتاب الإنصاف ما يراه هو المذهب من أحكام المقنع. (تنقيح) يعني تحرير لأحكام المقنع؛ لأن أحكام المقنع غير محررة. لماذا؟ لأن المؤلف جعله على روايتين وأطلق، فجاء المرداوي فأكمل، وتمم الروايات بالإنصاف، ثم حرر ونقح في هذا الكتاب المختصر "التنقيح المشبع" مشبع: يعني يشبع طالب العلم الذي يقتصر عليه، ومؤلف الكتاب (المنتهى) يرى أنه لابد من الجمع بينه وبين أصله، فعلى هذا مع كونه محررًا منقحًا متقنًا مضبوطًا لا يشبع؛ لأن الإنسان إذا شبع لا يحتاج إلى شيء، فلو قلنا إن هذا الوصف مطابق لقلنا إننا لا نحتاج إلى غيره، والمؤلف (مؤلف المنتهى) يرى أننا بحاجة إلى الأصل، على ما سيأتي، فهو مشبع، بعض الناس لا يعني شبعه أن يملأ بطنه، يكفيه مثل هذا ويشبع، والناس يتفاوتون في الأكل، لكن كما قيل: « منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال»، العلم لا يشبع منه، وإن قال المؤلف إنه تنقيح مشبع؛ ليغري طلاب العلم بكتابه، لكن في الحقيقة طالب العلم في حاجة إلى كتب، لا يحتاج إلى كتاب واحد، لكن هذا من باب الإغراء بالكتاب؛ ليعظم نفعه ويستمر ويستفيد منه الطلاب لينال أجرهم؛ لأنه هو الذي دلهم على هذا العلم. (في تحرير أحكام المقنع)، وعرفنا أنه تصنيف علاء الدين المرداوي صاحب الإنصاف. (في الفقه على مذهب الإمام المبجل المعظم أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني)، الإمام المبجل المعظم أبي عبد الله، وعرفنا أن صالحًا أكبر من عبد الله، وعرفنا السبب في كنيته بأبي عبد الله. (أحمد بن محمد) هذا اسمه واسم أبيه. (بن حنبل الشيباني) نسبة إلى جد له بعيد، وليس منسوبًا إلى بني شيبان الذين هم فخذ من عتيبة الآن، لا. (الشيباني -رضي الله تعالى عنه-) وهذا مثل ما قلنا: إن العرف يخص الترضي بالصحابة. الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وهو آخر الأئمة الأربعة، أولهم أبو حنيفة ثم مالك ثم الشافعي ثم أحمد، كثير من أهل العلم لا أقول أكثرهم اختاروا مذهب الإمام أحمد؛ لأنه يجمع بين الفقه والحديث. فهو إمام من أئمة السنة، يعني جمعه للأحاديث لا يدانيه فيه أحد من الأئمة، وإن كان الإمام مالك نجم السنن، والشافعي محدثًا، وأبو حنيفة يشاركهم مشاركة معروفة، لكن يبقى أنه لا مقارب له في هذا الباب، حتى غلا بعضهم فأخرجه عن دائرة الفقهاء وجعله محدثًا، ولذا ألف ابن عبد البر كتابه الاكتفاء في تراجم الأئمة الثلاثة الفقهاء، ولم يترجم لأحمد من هذا الباب، وكثير من شراح الحديث الذين ينقلون أقوال فقهاء الأمصار لا يذكرون قول الإمام أحمد، وإن ذكروه فلعدم عنايتهم به، قد يذكرون روايات استصحبوا قاعدة عامة في نظرهم إلى الإمام أحمد، وأنه محدث، وأن أهل الحديث يقربون من الظاهرية، فتجدهم يقرنون دائمًا أو كثيرًا بين الإمام أحمد وأهل الظاهر، وقد يوجد في المذهب رواية توافق مذهبًا على الظاهر، لكن هل هي المذهب أم غير المذهب؟ وهذه مما يؤخذ على من يعتمد على غير كتب أرباب المذاهب أنفسهم، يعني تأخذ مذهب الإمام أحمد من شرح البخاري مثلاً أو تأخذه من تفسير القرآن، لا يا أخي ارجع إلى كتب الحنابلة، وتأكد من أن هذه الرواية معتمدة في المذهب أو ليست معتمدة، فالذي جعل هؤلاء الجلة من الحنابلة يتبعون هذا الإمام؛ لعنايته بالسنة، وإن كان متأخرًا. (قد كان المذهب محتاجًا إلى مثله) محتاج إلى مثل هذا الكتاب الذي فيه التحرير والتنقيح، إذا كان محتاجًا إلى مثله ألا يحتاجه من باب أولى؟ يحتاج هذا الكتاب، وتكون هذه من باب المبالغة من باب قولهم: مثلك لا يجهل، مثلك لا يبخل، يعني هل معنى هذا أنك تبخل أنت، لكن مثلك لا يبخل؟ لا، يعني أنت أولى بهذا الوصف، فإذا كان المذهب محتاج إلى مثله فهو محتاج إليه بطريق الأولى.

لا شك أن مثل الشيء ليس هو الشيء نفسه، لكنه من باب المبالغة يقال مثل هذا. وقد رأى شخص مع آخر ثوبًا، فقال له اشتر لي مثل هذا الثوب. فاشترى الثوب نفسه، فلما جاءه به قال له: هذا مثل الذي معك؟ قال لا، هو نفسه. قال: لا أريده. فرده عليه وتحاكما إلى شُريح، فادعي المدعي ودفع المنكر المدعى عليه، فألزمه بأخذ الثوب، ألزم المشتري بأخذ الثوب، وقال: لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه. يعني لما يقول لك: اشتر لي مثل هذا الثوب، أنت تحرص على تنفيذ المثلية التي طلبها التي نص عليها، لكن هل يمكن أن تجد ثوبًا مطابقًا لهذا الثوب مائة بالمائة؟ دعونا من المصانع التي صارت تخرج أمثالاً، لكن لما كانت الأعمال يدوية، يعني المطابقة قد تكون تسعين بالمائة خمسًا وتسعين بالمائة، لكن المطابقة مائة بالمائة من كل وجه متعذرة، ولذا ألزمه بأخذ الثوب وقال: لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه.

ونحتاج مثل هذا الكلام في فهم معنى قول الحاكم في مقدمة المستدرك: وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رجالها ثقات احتج بمثلهم الشيخان، يعني هؤلاء الرجال الرواة الثقاة احتج بمثلهم الشيخان، والمعروف أن قوله: على شرط الشيخين، إذا كان الرواة هم أنفسهم، فكيف يقول: احتج بمثلهم، وهم أنفسهم! فنحتاج لمثل هذا الكلام. قد كان المذهب محتاجًا إلى مثله إلا أنه غير مستغن عن أصله الذي هو المقنع للإمام الموفق، وبهذا نعرف أن الاقتصار على الفرع لا يشبع؛ لأنه غير مستغن عن أصله، وأما وصفه بأنه مشبع من باب الإغراء به.

(فاستخرت الله تعالى) والاستخارة سنة جاء بها النص الصحيح في البخاري وغيره.

(فاستخرت الله تعالى أن أجمع مسائلهما في واحد) يعني في كتاب واحد، بدلاً من أن يوصي طلاب العلم أن يرجعوا إلى الأصل والفرع فيكون بيد طالب العلم كتابان يرجع إلى الأصل ثم يرجع إلى الفرع، جمعهما في كتاب واحد.

(فاستخرت الله تعالى أن أجمع مسائلها في واحد مع ضم ما تيسر عقله) العقل: التقييد، ومنه عقل البعير إذا أريد تقييده؛ لئلا يشرد.

(مع ضم ما تيسر عقله من الفوائد الشوارد) الفوائد جمع فائدة، وهو ما يضيفه المرء إليه مما ينتفع به من علم أو مال.

يقول المرء فائدتي ومالي    

وتقوى الله أفضل ما استفاد

الشوارد جمع شاردة، وهي النافرة التي تنفر، فإذا شردت وأدركها مدركها وعقلها وقيدها استفاد منها، وإلا شردت.

العلم صيد والكتابة قيده   

قيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة  

وتتركها بين الخلائق طالقة

(ولا أحذف منهما إلا المستغنى عنه) يعني ما حذف إلا الشيء اليسير؛ لكونه مستغنى عنه.

(والمرجوح وما بني عليه) القول المرجوح استغنى عنه وحذفه، وما بني على هذا القول المرجوح من مسائل ومن فروع.

(ولا أذكر قولاً غير ما قدم) صاحب التنقيح، ولا أذكر قولًا غير ما قدمه صاحب التنقيح، يعني اعتمد قوله صاحب التنقيح، أو صححه في تنقيحه، والمؤلف صاحب التنقيح له أيضًا تصحيح الفروع، وهذا أيضًا ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم؛ لأنه كتاب محرر ومتقن. 

(أو صحح في التنقيح إلا إذا كان عليه العمل) يعني غير ما قدمه وغير ما صححه لا أذكره إلا إذا كان عليه العمل في المذهب. (أو شهر) يعني عرفه الناس كلهم واشتهر بحيث لا يمكن أن يغفل. (أو قوي الخلاف) يعني صار الخلاف قويًّا فلابد من ذكره، لاسيما إذا كان له دليل قوي يعتمد عليه. (فربما أشير إليه) وهذه تفيد التقليل غالبًا، وإلا فقد تأتي بعض الأساليب للتكثير، {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}[الحجر:2]

(وحيث قلت: قيل، وقيل) قيل كذا وقيل كذا من غير اعتماد لقول واحد هو المصحح المنقح.

(ويندر ذلك، فلعدم الوقوف على تصحيح) ما وجدت ما يرجح أو يصحح لي أحد القولين، فسقت القولين كليهما. (وإن كانا لواحد فلإطلاق احتماليه) يعني إن قال: قيل كذا وقيل كذا، قال فلان كذا وقال كذا من شخص واحد والقائل واحد فلإطلاق احتماليه. (وسميته منتهى) المنتهى: الغاية. (الإرادات) المقاصد، وما يريده ويقصده المرء للتفقه. (منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات) في جمع المقنع مع التنقيح، يعني الأفضل في الأسلوب أن يقول: والتنقيح، لا تقول: جمعت كذا مع كذا، وهذا مما نبه عليه الحريري في درة الغواص، الأولى أن يقال: (والتنقيح). (في جمع المقنع والتنقيح وزيادات) وهنا زيادات أضافها المؤلف. وهنا الكتاب أيضًا يقول: (في الجمع بين المقنع والتنقيح) والمؤلف يقول مع، وعلى كل حال المسألة فيها سعة وإن كان الأولى أن يؤتى بالواو. (وزيادات) يحتاج إليها، لأنه قال: (مع ضم ما تيسر عقله من فوائد الشوارد)، هذه هي الزيادات. (وأسأل الله سبحانه وتعالى العصمة والنفع به) يعني يسأل الله –جل وعلا- أن يلهمه الصواب، وأن يجنبه الزلل والخطأ، وأما العصمة المراد بها العصمة التامة عصمة الأنبياء، فهذه لن تتأتى، وسؤالها اعتداء في الدعاء، لكن العصمة المناسبة التي هي التوفيق للصواب ومجانبة الخطأ والزلل، هذه ينبغي أن يسأل بها. (والنفع به)؛ لأن من ينتفع بعلمك ثوابه لك، مع أنه لا ينقص من ثوابه شيء، «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلى من ثلاث، -ومنها- وعلم ينتفع به». (وسائر الأمة) وعطف سائر الأمة عليه من باب إشراك إخوانه المسلمين بهذه الدعوة الطيبة المباركة، وإذا دعا دعي له، وإذا أشرك غيره أشركه غيره، وليحرص الإنسان أن يكون صالحًا ليدخل في دعوة كل مصلٍّ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فغير الصالح محروم من هذه الدعوة، ليحرص الإنسان أن يكون صالحًا لتعظم أجورهم بدعوة غيره. (وسائر الأمة) السائر هل هو الجميع أخذًا من سور البلد الذي يحيط بجميعها أو هو الباقي من السؤر الذي يبقى في الإناء بعد الشرب منه؟ على كل حال المسألة سهلة، ثم غسل سائر جسده أفاض الماء على رأسه، ثم غسل سائر جسده، هل المراد به مع الرأس أو بقية البدن؟ مسألة معروفة مردها إلى الخلاف في فهم السائر.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.