كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 07

عنوان الدرس: 
كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 07
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
خميس 14/ ربيع الثاني/ 1441 10:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف –رحمه الله تعالى-: "وَعنهُ" يعني عن عبد الله بن مسعود راوي الحديث السابق- رضي الله عنه-.

"قَالَ: سَأَلت رَسُول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَي الذَّنب أعظم عِنْد الله؟" وقد سأله –رضي الله عنه- سأل النبي –عليه الصلاة والسلام- قائلًا: أي الأعمال أفضل؟ في حديثٍ آخر، فابن مسعود الصحابي الجليل صاحب المناقب سأل عن أعظم الذنوب، وسأل عن أفضل الأعمال، هل سأل النبي –عليه الصلاة والسلام- لمجرد المعرفة والاطلاع أو سأله من أجل العمل؟ الصحابة يسألون للتطبيق بخلاف حال كثير من المسلمين، وبالذات في طبقات المتعلمين يتعلمون العلم، ويحرصون عليه، ومقاصدهم في ذلك متفاوتة؛ ولذا نجد التفاوت الكبير بين العلم والعمل، ونجد ممن يحمل العلم عندهم مخالفات من ارتكاب محظورات وتقصير في مأمورات، وأهل العلم يختلفون، هل يُسمى عالمًا أو لا يُسمى عالمًا الذي يعرف الحكم بدليل، لكنه يُخالفه؟ من عصى الله فهو جاهل وليس بعالم، {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء:17].

«يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ»، أما ما يحمله الجهال العصاة والفُساق فليس بعلم، ومع الأسف أننا نجد من يتصدى لتعليم العلم وهو مخالف لما يحمله من علم هذا في الحقيقة ليس بعالم؛ لأنه جاء في الحديث «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ»، فالذي يحمله الفُساق هو في الحقيقة ليس بعلم.

الصحابة سألوا النبي –عليه الصلاة والسلام- يسألونه لمجرد التعلم أو التفقه -أو التثقُّف على ما قالوا- بدون عمل لا، مجرد ما يسمعون التوجيه من النبي –عليه الصلاة والسلام- يُبادرون بالتطبيق، ولو كان من فضائل الأعمال الذي لا يأثم بتركها، «نِعْمَ الرَّجلُ عبدُ اللَّهِ لَو كانَ يقوم مِنَ اللَّيْلِ»، فكان لا ينام من الليل إلا قليلًا بعدما سمع هذا الكلام.

نحن نسمع الأوامر والنواهي في الكتاب والسُّنَّة، وبعضنا يفرح إذا وُجِد صارف يصرف الأمر من الوجوب إلى الندب، ويصرف النهي من التحريم إلى الكراهة؛ ليكون له مندوحة في الترك، هذا أمر إلهي، إما في كتاب الله –جلَّ وعلا- أو في سُنَّة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

لا يليق بمسلم فضلًا عن طالب علم أن يسمع الأمر ويُخالف، أو يسمع النهي ويرتكب، هذا ابن مسعود أبو عبد الرحمن ابن أم عبد الذي قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فليَقرأ بِقراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ».

سأل "أَي الذَّنب أعظم؟" هل المراد ذنب واحد؛ لأنه مفرد، لكنه مقترن بأل الجنسية، فالمراد أي الذنوب؟

{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1-2] الإنسان شامل، وليس المراد به شخص واحد، أنت إذا قلت: اللهم اغفر لي ذنبي، تقصد واحدًا أم جميع الذنوب؟ جميع الذنوب.

"أَي الذَّنب أعظم؟" الشيء الواحد لا يُسأل عنه بأي؛ لأنه لا يقبل التجزئة، لكن يُسأل بأي عمَّا له أجزاء وأنواع وفروع.    

"أَي الذَّنب أعظم عِنْد الله؟" يعني أشد عقوبة من الله –جلَّ وعلا- فأجابه النبي –عليه الصلاة والسلام-: «أَن تجْعَل لله ندًّا وَهُوَ خلقك» يعني أن تجعل له شريكًا أن تُشرك بالله –جلَّ وعلا- أن تعبد غيره معه.

«أَن تجْعَل لله ندًّا وَهُوَ خلقك» هذا يُبين مِنته عليك بحيث لا يُقبَل معه الشركة. 

"«أَن تجْعَل لله ندًّا وَهُوَ خلقك» قَالَ" ابن مسعود "قلت لَهُ: إِن ذَلِك لعَظيم" الشرك ما يختلف فيه أحد أنه أعظم الذنوب، وأنه غير قابل للغفران، وأن المشرك خالد مُخلَّد في النار {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48].

لما قال بعضهم أشرك شرك أصغر قال الرسول –عليه الصلاة والسلام-: «أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟» فالشرك شأنه عظيم كبيره وصغيره، ويُقرر جمعٌ من أهل العلم أن الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر غير قابل للغفران، وأنه يشمله عموم قوله –جلَّ وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]، ولو كان أصغر، لكنه لا يُخلَّد في النار لا بُد أن يُعذَّب بقدر ما فعل من الشرك، ثم يُخرَج، هذا بالنسبة للشرك الأصغر، أما الأكبر فصاحبه خالد مُخلَّد في النار كما دلت عليه الدلائل القطعية من الكتاب والسُّنَّة.   

"قَالَ: قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: «أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك»" اللفظ الآخر «مخافة أَن يطعم مَعَك»، والمعنى واحد، ولا شك أن القتل شأنه عظيم، وسيأتي ما نزل من القرآن تصديقًا لهذا الحديث، والكلام عليه.

"«خشيَة أَن يطعم مَعَك» قَالَ: قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: «ثمَّ أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك»" يعني أن يزني الجار بزوجة جاره، و«تُزَانِي» تُفاعل، مفاعلة، والمفاعلة تكون من طرفين، لو قال: تزني، كانت من طرفٍ واحد، وهذا لا يقتضي إفساد المرأة على زوجها، «تُزَانِي» يعني حصل منها ومنك، بمعنى أنك أفسدتها إفسادًا كليًّا على زوجها، والزنا كله شأنه عظيم، ومن عظائم الأمور، وحُكمه معروف، لكن الزنا بحليلة الجار أشد؛ لأن الجار له حق الجوار، ولا شك أن الزنا حكمه يتفاوت بحسب الأضرار المترتبة عليه، فالزنا بحليلة الجار أعظم، والحليلة هي الزوجة سُميت بذلك؛ لأنها تحل مع زوجها أينما حل، وتحل له شرعًا بالعقد وأعظم منه –يعني زنا امرأة الجار- أعظم من الزنا بالبعيدة وإن كان عظيمًا، لا يعني هذا أن أمره سهل أو هين لا.

وأعظم من الزنا بحليلة الجار الزنا بالمحارم –نسأل الله السلامة والعافية-، وهل يُتصور من مسلم أن يزني بمحارمه؟

لولا أن الفِطر اجتالتها الشياطين، والعقول دخلت تحت تأثير المخدرات والمسكرات التي أفسدت الأفراد والمجتمعات وُجِد هذا نسأل الله السلامة والعافية.

ذكر أهل العلم أن فرسًا أُكرِه على أن يطأ أمه فرفض، بالسياط رفض -وهو حيوان- فجُلِّلت الأم بثوبٍ يُغطيها ولا يبين منها شيء فنزا عليها ولدها وما يدري -هذا كلام أثبته أهل العلم- ثم بعد ذلك ماذا حصل منه بعد أن عرف أنها أمه؟ التفت إلى ذكره فقطعه بأسنانه، وهو حيوان الأصل أنه لا يعقل، لكن بعض الحيوانات عندها قوة مدركة ليست من نوع العقل الذي يُناط به التكليف لا، لكن قوة مدركة تُدرك بها ما ينفع وما يضر، وإلا فمن أين للنملة من أصغر المخلوقات أن تدخر قوتها الذي يكفيها لمدة سنة من الحَب، فإذا أدخلت الحبة في جُحرها قسمتها نصفين من أجل ماذا؟

من أجل ألا تنبت لو جاءها رطوبة أو ماء ما تنبت، وهي النملة.

في بعض الروايات وهي في البخاري والحديث متفقٌ عليه مخرَّج في الصحيحين، لكن في بعض الروايات وهي في الصحيح قال: "ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" يعني آية الفرقان {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68]، الحديث فيه بيان عِظم الذنب الأعظم وهو الشرك، وعِظم القتل، وعِظم الزنا، والآية كذلك {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان:68-69]، نسأل الله العافية.

الشرك أمره عظيم يعني الآية نزلت تصديقًا للحديث، لكن هل هناك مطابقة بين الآية والحديث؟ نعم من حيث العموم الحديث فيه تعظيم هذه الأمور الثلاثة والآية كذلك، لكن {لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان:68]، وهنا في الحديث «أَن تجْعَل لله ندًّا وَهُوَ خلقك».

الثاني: {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68] في الحديث: «أَن تقتل ولدك»، قتل من نوعٍ خاص يعني فيه الجريمة القتل، وفيه أيضًا القطيعة بقتل الولد، والآية مطلقة {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68]، الولد وغيره، وأعظم من قتل الولد قتل الوالد، وأعظم ما جاء في القتل، «مَن قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ»، وجاء من تعظيم القتل الذين يقتلون الأنبياء والذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، هذه شنائع عظائم.

فالقتل في الحديث خاصٌّ بالولد، وفي الآية مطلق، لكن هو داخل في الإطلاق من باب أولى.

«وأَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك» في الآية إطلاق {وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68] وهذا الزنا من النوع الخاص أعظم وأشنع.

فالمطابقة من حيث العموم في ذِكر الثلاثة الأمور العظائم على ترتيبها، فأنزل الله تصديقًا لقوله– عليه الصلاة والسلام- قوله –جلَّ وعلا-: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان:68] «أَن تجْعَل لله ندًّا وَهُوَ خلقك».  

{وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68] «أَن تقتل ولدك مخافة أَن يطعم مَعَك».

{وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68] «أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك» كلها من عظائم الأمور، كما هو مقرر.

الشرك مثل ما ذكرنا سابقًا، وكما قال الله –جلَّ وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48].

القتل لا شك أنه أنواع، إذا كان الزنا مراتب، وكله من الفواحش، ومن عظائم الأمور، لكنه مراتب مثل ما ذكرنا، المنصوص في الحديث على الزنا بحليلة الجار، وأعظم منه الزنا بالمحارم الذي يقتضي القتل حتمًا مطلقًا سواءً كان فاعله –كما قرر جمعٌ من أهل العلم- سواءً كان محصنًا أو غير محصن؛ لِعظمه وشناعته.

القتل: منه قتل العمد -وهو أشدها- ومنه شبه العمد، ومنه الخطأ.

أما قاتل العمد فسُئل ابن عباس في البخاري بعد رواية هذا الحديث هل له توبة؟ فقال: لا توبة له قاتل العمد، واستدل بآية النساء {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء:93]، قال: ليس له توبة، قيل له عن آية الفرقان {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان:70]، قال: نسختها آية النساء، ولا شك أن آية النساء متأخرة عن آية الفرقان، فالقاتل عمد ليس له توبة فيما قرره حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس.

لكن هو جاء في أحاديث ما يدل لهذا، لكن جمهور السلف وجميع أهل السُّنَّة والجماعة يرون أنه كغيره من الذنوب –أعني قتل العمد- له توبة، وليس بأعظم من الشرك، تُقبل توبة المشرك، وحمل أهل السُّنَّة جميع ما ورد من ذلك على التغليظ، يكون من نصوص الوعيد التي تُمَر كما جاءت؛ لأنها أبلغ في الزجر، وصحَّحوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء:93]،  يعني إن شاء الله أن يُجازيه على ما صنع فإنه يُعذَّب في جهنم، ويخلد فيها بمعنى طول الإقامة، الخلود هنا معناه طول الإقامة وليس دوامها، واستدلوا بقوله –جلَّ وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء:48] فالقتل دون الشرك {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48].

ومن الحجة على ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فسأل عابد، قال: هل لي توبة؟ قال: لا، ما لك توبة، فكمَّل به المائة، ثم سأل عالم، قال: مَن يحول بينك وبين التوبة؟ وحينئذٍ تاب وتنازعت فيه الملائكة، وفي النهاية استلمته ملائكة الرحمة؛ لأنه تاب وصحَّت توبته. هذا يدل على أن القاتل كغيره تُقبل توبته بشروطها، وإذا لم يتب أو اختل شرطٌ من شروطها فهو داخلٌ تحت المشيئة، لكن الأمر عظيم «لا يَزَالُ المُسلم في فُسْحَةٍ من دينِهِ حتَّى يُصيب دمًا حرامًا»، فالقتل شأنه عظيم، والشرك شأنه أعظم.

وتساهل الناس في الأمور الثلاثة –نسأل الله العافية-، ووجِد في المجتمعات الإسلامية مَن يُشرك الشرك الأكبر وهو يقول: لا إله إلا الله، ويدعو غير الله، ويرجو غير الله، ويخاف غير الله، ويستغيث بغير الله، ويصرف أنواع العبادة التي لا تجوز إلا لله –جلَّ وعلا- يصرفها لبعض المخلوقين، وهذا كثير في الأمة الإسلامية، وأيضًا مُسطَّر في كُتب التراجم، كُتب التواريخ، ويذكرون أشياء عند القبور يندى لها الجبين، والله المستعان.

والقتل انظر ترى في المجتمعات الإسلامية استحر فيها القتل في الأيام المتأخرة؛ لكثرة الفتن، وجاء في الخبر الصحيح عنه –عليه الصلاة والسلام- أنه في آخر الزمان يكثر الهرج، والهرج هو: القتل بلسان الحبشة، كما قال أبو موسى الراوي أبو موسى الأشعري، الهرج: القتل بلسان الحبشة، وفي آخر الزمان لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قُتِل.

وفي السنوات الأخيرة الأمر والوضع لا يخفى على أحد من أيسر الأمور أن يخرج الإنسان من بيته ولا يعود، منه ما هو بتأويل، ومنه ما هو بغير تأويل –نسأل الله العافية- ولا نستغرب وجود مثل هذه الفتن؛ لأنه أُخبِر عنها بالنصوص الصحيحة، وإذا كان عثمان بن عفان أمير المؤمنين ثالث الخلفاء الراشدين، وأفضل الأمة بعد نبيها وأبي بكرٍ وعمر يُقتَل في بيته وهو صائم يقرأ القرآن بين المهاجرين والأنصار، لكنها الفتن –نسأل الله السلامة والعافية-، ولذلك أُمِرنا بالاستعاذة منها في كل صلاة.

وأما الزنا فحدِّث ولا حرج بعد وجود هذه المغريات، وهذه القنوات الإباحية، ووجِد التساهل في الأمر والنهي، ووجِد التساهل في المراقبة من قِبل أولياء الأمور يسهل على الإنسان أن يرى ابنته تخرج أو زوجته تخرج متبرجة متعطرة، وتغشى الأسواق، وتغشى الأماكن التي فيها الاختلاط، والنتيجة... الله المستعان. يُذكَر قصص وأخبار وأمور، نسأل الله السلامة والعافية.

ثم بعد ذلك قال المؤلف –رحمه الله تعالى-: "وَعَن أبي هُرَيْرَة -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْه- أَن رَسُول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث»"، يعني العلامة الظاهرة؛ لأن النفاق الاعتقادي باطن قد لا يُطَلَع عليه، وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، لكن من العلامات الظاهرة ما ذُكِر في هذا الحديث.

بعض الناس إذا قيل له: لِم ترتكب هذه المعصية؟ قال: التقوى هاهنا، يُشير إلى قلبه، أين التقوى وأنت تعصي الله -عزَّ وجلَّ-؟ ما تعريف التقوى؟ فعل الأوامر واجتناب النواهي، تقول: التقوى هاهنا وأنت تعصي، تُجاهر بمعصيتك، تقول: تقوى؟! أين التقوى؟ أنت مُكذِّب لدعواك النبي –عليه الصلاة والسلام- يقول: «آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث»، «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ»، بعض الأحاديث أربعٌ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ واحدةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ»، في الحديث ثلاث.

الأولى: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ»، ويكون الكذب غالبًا عليه، من يُزاول الكذب في أحيان يسيرة أو كذا هذا موجود في المسلمين وكثير، لكن إذا كان الغالب عليه ما نقول: إنه دائمًا يكذب ولا يصدق أبدًا، فقد قال النبي –عليه الصلاة والسلام- عن الشيطان: «صَدَقَكَ وهو كَذُوبٌ» إذا كان الغالب في كلامه الكذب هذه علامة من علامات النفاق -نسال الله السلامة والعافية-، ويدل لذلك الشرط «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ»، والكذب حرامٌ بالإجماع، حرامٌ بإجماع أهل العلم.

وهو أيضًا متفاوت فيه الكذب الذي آثاره يسيرة أقل مما يترتب عليه شر عظيم أو شر لاحق بفئام من الناس أو بالجماعة، وأعظم من ذلك الكذب على الله ورسوله، ومن أعظم الكذب على الله القول على الله بلا علم، {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل:116]، فمن يقل مثل هذا ولا علم عنده كاذب على الله وعلى رسوله- عليه الصلاة والسلام- {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر:60]، نسأل الله العافية، ولا يتورع عن مثل هذا إلا من عصمه الله –جلَّ وعلا- تجد العامي سمع كلمة ونزلها في غير منزلها هو سُئل عن شيء فأجاب، والجواب غير مطابق للسؤال، كل هذا من الجرأة على الله، وتجد طالب علم كذلك يخشى أن يُقال: جاهل، وتجد شخصًا عنده علم، لكنه مفتون، نسأل الله العافية.

وفي آخر الزمان يكثر هذا النوع من الناس «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمِ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ من صُدورِ الرِّجالِ، وَإنما يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاء، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا»، وهذا من أعظم أنواع الكذب؛ لأنه كذبٌ على الله- جلَّ وعلا-.

وكذلك الكذب على النبي –عليه الصلاة والسلام- بوضع الأحاديث عليه، هناك طوائف كذبوا على النبي –عليه الصلاة والسلام-، وهو يقول كما في الصحيحين: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، والذين كذبوا على النبي –عليه الصلاة والسلام- لهم مقاصد وأهداف تختلف منهم الزنادقة الذي يُريدون أن يشوّهوا الدين، ومنهم أُناس حملهم التعصب على وضع الأحاديث، ومنهم أهل طمع وضعوا أحاديث في تجاراتهم؛ ليُروِّجوها على الناس، ومنهم قومٌ انتسبوا إلى الزُّهد والعبادة، فكذبوا أحاديث ووضعوا أحاديث يُرغِّبون العامة بأنواعٍ من العبادات لم يَرد بها دليل، فأوقعوهم في البدع هم كذبوا على الله وعلى رسوله، وأضلوا الناس بأن جعلوهم يتعبدون بأمورٍ لا أصل لها، ومن غبائهم أنهم يقولون: نحن نكذب للرسول –عليه الصلاة والسلام-، ما نكذب عليه، نكذب له، فعلى حد زعمهم ما يدخلون في حديث «مَن كَذَبَ عَلَيَّ»، يقولون: نحن نكذب به، ما معني يكذبون له؟

يُروجون عبادات، ويبتدعون في دين الله ما ليس منه، وبزعمهم أنهم إذا انشغل الناس بهذه العبادات، ولو لم يكن لها أصل أحسن من كونهم تضيع أوقاتهم بدون فائدة، وهذا وُجِد، والتعليل موجود.

أسوأ من ذلك أن يُبرر على لسان من ينتسب إلى العلم، في تفسير (روح البيان) إسماعيل حقي، وهو كتاب له شهرته، وله رواجه في بعض الأقطار الإسلامية، وله شأن، وقرَّر أنه يروي الموضوعات في هذا التفسير، ولا عنده مشكلة، يروي أحاديث موضوعة، وسبقه من سبقه برواية الموضوعات الزمخشري والبيضاوي والثعلبي وكثير من المفسرين، حتى الواحدي وقع في شيءٍ من هذا.

حديث أُبي في فضائل السور قطَّعوه وفي نهاية كل سورة يأتون بفضل هذه السورة على ضوء ما جاء في هذا الحديث وهو حديثٌ موضوع مكذوب على النبي -عليه الصلاة والسلام-.

إسماعيل حقي يقول: إنه يروي الموضوعات؛ لتضمنها الترغيب في قراءة القرآن، فإن كانت ثابتة فبها ونِعمت، وإن كانت غير ثابتة –هذا كلامه- وإن كانت غير ثابتة، فقد قال الأول: إننا نكذب له، ولا نكذب عليه.

ولا شك أن هذا جهل مركَّب، وزلةٌ وهفوةٌ عظيمة، مثل هذه الأمور لا تُتَجاوز من شخصٍ يُؤلِّف في التفسير، ويُبرر للكذبة على النبي –عليه الصلاة والسلام-، ولا شك أن من كذب على النبي– عليه الصلاة والسلام- المتعمد جاء فيه النص «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، والكذب عليه –عليه الصلاة والسلام- من عظائم الأمور، لكنه عند عامة أهل العلم لا يكفر وإن قال بكفره بعض أهل العلم كالجويني والد إمام الحرمين، لكنهم خطَّؤوه، أمره عظيم وشأنه خطير، لكن مع ذلك لا يكفر في قول جماهير أهل العلم.

من كذب من غير عمد، بعض الناس يصعد المنبر أو يقف ليعظ الناس، ويُوجههم ويذكر أحاديث ما يدري عنها، ما يدري ثابتة أو غير ثابتة، جاء في الحديث في مقدمة مسلم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ أو الْكَاذِبَينَ»، فلا يجوز للإنسان أن ينسب إلى النبي –عليه الصلاة والسلام- شيئًا إلا بعد التأكد من ثبوته، لا بُد أن يتأكد، ولا يتساهل في النِّسبة إلى النبي –عليه الصلاة والسلام- قبل التأكد.

«إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا وعد أخلف» قال لزيدٍ من الناس: عندي لك هدية، أو عندي لك الكتاب الفلاني هو طالب علم، ثم يقرأ في كُتب أهل العلم أن مثل هذا الوعد لا يلزم إلا بالقبض؛ فيتساهل، ولا شك أن قول الجمهور أنه إذا لم يكن مُبيتًا للإخلاف أثناء الوعد إذا لم يكن مُبيتًا يعده وفي نيته إلا يفي أنه داخل في هذا، لكن يبقى أنه إذا كان نيته الوفاء، ثم عرض له ما يعرض فإنه لا يلزم الوفاء بمثل هذا.

قالوا: إنجاز الوعد مندوبٌ عند الجمهور، واستدل بعضهم على وجوبه بقوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف:3]، والمقت: أشد البغض والغضب، لا شك أنه شديد.

إسماعيل جاء وصفه بأنه {صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم:54]، وذكروا –يعني المفسرون- ذكروا في تفسير الآية أنه وعد شخصًا أن ينتظره في مكان إسماعيل –عليه السلام-، فمكث حولًا في هذا المكان، قال بعضهم: إنه اتخذه مسكنًا ينتظر، والله أعلم بالحقيقة أنا لا أعرف هذا الخبر، لكنهم ذكروه، ولا شك أنه يستحق مثل هذا الوصف من الله –جلَّ وعلا- في كلامٍ يُتلى إلى قيام الساعة، لا شك أنه ليست المسألة مسألة أمر يسير، لكن على شيءٍ عظيم اختص به -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-.

«وَإِذا وعد أخلف، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» يخون ما يؤتمن عليه، والخيانة من عظائم الأمور، «وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ» يُقال: هذه غدرة فلان، الغدر خيانة إذا كانت خاصة في العهد، وجاءت في بعض الأحاديث: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»، وأيضًا «إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» في الخصومة، فمن علامات المنافقين الغدر إذا أعطى العهد، وإذا اؤتمن على مال أو غيره حتى على كلام سر خان صاحبه وأفشى هذا السر أو جحد المال، وقطع النبي –عليه الصلاة والسلام- التي كانت تستعير المتاع وتجحده، والحديث في الصحيحين.

«وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، وهنا في الخصومات على المسلم أن يتقي الله –جلَّ وعلا-، والذي يُخاصم لنفسه قد يُقال: إن الخصومات محدودة في عمره، وبعض الناس يعيش عمرًا طويلًا ما يدخل المحاكم، ولا يخاصم أحدًا، وبعض الناس يصير له معاملات، ويتعرض للخصومات، لكن عليه أن يصدق ولا يتعدى على حقوق الناس، ويدخل في ذلك من يتعرضون للخصومات باستمرار واطراد كالمحامين ينتبهون لهذا، وهذه مزلة قدم؛ لأن المسألة مسألة استدراج، قد يكون في بداية الأمر يكون عنده شيء من التحري والورع، لكن مع الوقت تسهل عليه الأمور، وقد يكون في مسائل ابتلاء يُعطى مبلغًا كبيرًا على إنجاح قضية، فهو يسعى بكل ما أوتي  من حُجة وبيان لكسب القضية من أجل أن يحصل له هذا الجُعل، فالمسألة مزلة قدم، فالمسألة لا شك أنها مزلة قدم، على الإنسان أن يهتم لنفسه، ويحتاط لنفسه، ويكون الهدف استخراج الحق لصاحبه، وإعانة المظلوم على الظالم يُؤجر بذلك وما يأخذه من أجرة لا شيء فيه، لكن الإشكال أنه مع الوقت يُخشى عليه، فعليه أن يهتم ويحتاط لنفسه، والنبي –عليه الصلاة والسلام- يقول: «لعل بعضَكم أن يكون ألحن بحُجَّته من بعضٍ، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حق أخيه، فإنما أقضي له بقطعةٍ من نارِ إن شاء فليأخذها، وإن شاء فليدعها»، وهذا تهديد ما هو بتخيير، هذا تهديد نسأل الله العافية، وهذا اللحن الذي استطاع به كسب القضية هو الفجور في الخصومة «إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».

فعلى المسلم أن يبتعد عن هذه الصفات مجتمعة ومنفردة ومفردات، «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ» اجتنب الكذب، وجاء ذمه في النصوص الكثيرة.

«وَإِذا وعد أخلف» يحرص على إنجاز الوعد إلا إذا عجز.

«وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» يحرص على أداء الأمانة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58]، ولما فتح النبي –عليه الصلاة والسلام- مكة وأخذ مفتاح البيت من بني شيبة ظن الناس أنه لن يرده إليهم، فسلمه إليهم، وتلا الآية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58].

وكان اسمه –عليه الصلاة والسلام- أو وصفه في الجاهلية قبل الإسلام: الأمين.

وكذلك إذا خاصم يتقي الله –جلَّ وعلا- في خصومته، ويحرص –كما قلنا- على استخراج الحق لصاحبه، ونصر المظلوم على الظالم، ويعوضه الله –جلَّ وعلا- خيرًا مما ترك أو مما فاته، ولا يحملنكم استعجال الرزق –كما قال عمر- ولا يحملنكم استعجال الرزق على أن تطلبوه بسخط الله، فإن ما عند الله لا يُنال بسخطه.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.