كتاب الرجعة والإيلاء والظهار من المحرر في الحديث

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة والإيلاء والظهار من المحرر في الحديث
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 9:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "كتاب الرجعة والإيلاء والظهار، كتاب الرجعة والإيلاء والظهار"، لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى كتاب الطلاق، أردفه بما يناسبه من الرجعة عن ذلك الطلاق أو ما يوافقه من بعض الوجوه، كالإيلاء والظهار.

 نقرأ ما قاله المؤلف- رحمه الله-.

نعم.

"بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين يا رب العالمين.

قال المؤلف -رحمه الله-:

كتاب الرجعة والإيلاء والظهار

 عن يزيد الرشك.."

الرِّشك الرِّشْك عن يزيد الرِّشْك..

الرِّشك..

الرِّشْك بكسر الراء، وإسكان الشين، الرِّشْك.

أحسن الله إليكم.

"عن يزيد الرِّشْكِ، عن مطرَّف بن عبد الله.."

مطرِّف.

"مطرِّف بن عبد الله، أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلِّق امرأته ثم يقع عليها ولم يشهِد على طلاقها ولا على رِجعتها.."

رَجعتها.

"ولا على رَجعتها، فقال: طلقت بغير سنة، وراجعْت بغير سنة، أُشهد.."

أَشهد..

"أَشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد، رواه أبو داود وابن ماجه، وليس عنده: ولا تعد، ورواته ثقات مخرج لهم في الصحيح.

 وعن عامر عن مسروق عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نسائه، وحرَّم، فجعل الحرام حلالاً، وجعل في اليمين كفارة، رواه الترمذي وابن ماجه، وقد روي عن الشعبي مرسلاً، وهو أصح، قاله الترمذي.

 وعن سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يوقفون الموَلِّي.."

الموْلِي.
أحسن الله إليك.

"كلهم يوقفون الموْلي، رواه الشافعي والدارقطني.

 وعن الحكم بن أبَان عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفِّر، فقال: «ما حملك على ذلك يرحمك الله؟!» قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله»، رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي، وهذا لفظه، وصححه، وقد روي مرسلاً، وهو أولى بالصواب من المسند، قاله النسائي."

الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في "كتاب الرجعة"، والكتاب مضى الكلام فيه مرارًا، وأنه مصدر كتب يكتب كتابًا وكتابة وكتبًا، ومدار المادة على الجمع، كما تقدم في الكتب السابقة، والمراد به المكتوب الجامع لمسائل هذه الأبواب الثلاثة: الرجعة والإيلاء والظهار.

 الرجعة مناسبتها لما تقدم من كتاب الطلاق ظاهرة، فإذا كان الطلاق فراقًا فالرجعة رجوع عن هذا الفراق، وارتجاع للمرأة المطلقة من قِبَل المطلَّق في حال الإمكان إذا كانت الرجعية، وفي وقت الإمكان في زمن العدة.

 والإيلاء: الحلف، والألية: اليمين، والمراد به حلف الزوج ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر؛ {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}[سورة البقرة:226]، فالحلف ألا يطأ أقل من أربعة أشهر لا يسمى إيلاءً، وإن قارنه اليمين، وتأتي أحكامه في شرح الحديث.

 والظهار تشبيه الزوج امرأته بأمه أو بظهر أمه، والظهار يطلق ويراد به تشبيه المرأة الزوجة بالأم في تحريم الوطء، ومعلوم أن الدابة إنما يركب ظهرها، والمرأة عند الجماع إنما يكون المركوب بطنها، المركوب البطن، ما هو الظهر، هذا الأصل فيه، وإن كان يجوز مقبلة ومدبرة إذا كان في مكان الحرث.

 المقصود أن إطلاق الظهر هنا تشبيه للمرأة بالدابة التي تركب، «ومن كان له فضل ظهر فليجد به على من لا ظهر له»؛ لأن الدابة إنما يركب ظهرها، لكن في السيارات «فليجد به على من لا ظهر له»، يقول: أنا لا يشملني الحديث؛ لأن الركوب في بطن السيارة، ليس في ظهرها، يشمل الحديث أم ما يشمل؟

لا، يشمل، يشمل الحديث، يشمل الحديث «من كان له فضل ظهر» يعني معه دابة زائدة أو مكان للركوب فاضل عن مكانه فليجد به على من لا ظهر له، ترون الناس في الطرقات يؤشرون ليركبوا مع من معهم سيارات، وهذا لا شك أنه إحسان واستجابة لأمره -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «فليجد به على من لا ظهر له»، لكن مع الأسف أنه وجد في واقع الناس وفي بلاد المسلمين من يسيء إلى مثل هذا المعروف، فيؤشر على أنه يركب، ثم يغدر، ولكن ليس هذا هو الأصل، ولا يعني أن الناس يتحسسون من كل أحد، ولا يجودون على أحد، لا، هذا الكلام ليس بصحيح، لكن مع الأسف وجد من يغدر، يجود عليه صاحب الظهر، ثم بعد ذلك يغدر به، وفي هذا قضايا معروفة، لكن مع ذلك ليس هو الأصل.

 قلنا: إن مناسبة الرجعة للطلاق ظاهرة، وذكرنا بيان وجهها، والإيلاء إذا لم يفئ ويرجع عن يمينه ويكفِّر عن يمينه فإنه يلزمه الحاكم بالطلاق، وإن رفض طلق عليه فالإيلاء فيه وجه شبه من الطلاق، والظهار إذا ظاهر من زوجته لزمه مفارقتها حتى يكفِّر، ففيه أيضًا وجه شبه من الطلاق، فلا يجوز له أن يمسها ولا يقرب منها حتى يكفِّر كفارة الظهارة المنصوص عليها في سورة المجادلة.

 قال -رحمه الله-: "عن يزيد الرِّشْك" يزيد الرِّشْك هذا لُقِّب بالرِّشْك لحيته كما قيل في كتب التراجم كبيرة جدًّا، وذكر أيضًا في هذه الكتب أنه وجد فيها عقرب بعد ثلاثة أيام، يعني من كبرها، بعضهم يشكك وبعضهم..

على كل حال مثل هذا أمره سهل لا يدقق فيه، لا يترتب عليه شيء، يقولون: إن هذا مستحيل أن تجلس ثلاثة أيام ولا يشعر بها، هو لا يسرحها، ولا يخللها في الوضوء، ولا.. يمكن عنده شيء من التقصير في التسريح والتخليل، فالمقصود أن هذا قيل في كتب التراجم، وبعضهم أنكره، وبعضهم أثبته، ولا شك أن الذي ذكره من أهل العلم.

 "عن مطرِّف بن عبد الله" بن الشِّخِّيْر من فضلاء التابعين وخياراهم، ومن سادات هذه الأمة، "أن عمران بن حصين، أن عمران بن حصين، أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلِّق امرأته ثم يقع عليها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها" يطلق امرأته ثم يقع عليها لم يشهد على الطلاق، ولم يشهد على الرجعة، الطلاق الإشهاد عليه سنة عند عامة أهل العلم، الإشهاد عليه سنة، واشترطه بعضهم لصحة الطلاق، لكنه قول لبعض طوائف البدع، ولا يلتفت إليه، فإذا طلق ولم يحضره أحد، ولم يشهد عليه أحد فالطلاق صحيح باتفاق من يعتد بقوله من أهل العلم، ويقع، وزعم بعضهم ممن ينتسب إلى بعض الطوائف أنه لا يقع حتى يشهد؛ {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [سورة الطلاق:2].

 الأمر بالإشهاد ثابت، كما أن الأمر بالإشهاد على البيع والشراء ثابت، مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- باع واشترى ولم يثبت عنه أنه أشهد، لاسيما الدين، الإشهاد عليه لا شك أنه قد يُحتاج إليه، أما البيع والشراء بالحال بالنقد العاجل فهذا ما يحتاج، لكن الكلام إذا كان دَيْنًا في الذمة جاء الأمر بالإشهاد؛ لئلا ينسى أحدهما، أو ينكر أحدهما.

 وعلى كل حال الإشهاد سنة وليس بواجب عند جماهير أهل العلم.

 "لم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، ولا على رجعتها"؛ لأنه قال: ثم يقع عليها، كيف يمكن الإشهاد في مثل هذه الصورة إذا كانت الرجعة بالقول المسموع يمكن الإشهاد عليه، لكن إذا كان بالفعل بأن وقع عليها؛ لأن الرجعة كما تكون بالقول تكون بالفعل عند جمع من أهل العلم، هنا: "طلَّق امرأته، ثم وقع عليها ولم يشهِد على طلاقها ولا على رجعتها" إذا كان وقع عليه فكيف يشهد عليه؟ يشهد على الرجعة إذا كان قد واقعها فكيف يشهد على ذلك، وجمع من أهل العلم يرون أن الرجعة كما تكون بالقول تكون بالفعل، يتعذر الإشهاد على الرجعة بالفعل إلا أن تكون الرجعة بالقول المسموع، وحينئذ تقع الشهادة، مما جعل جمعًا من أهل العلم يرون أن الإشهاد على الرجعة كالإشهاد على الطلاق سنة، وليس بواجب.

 وجمع من أهل العلم يرون العكس، يرون أن الإشهاد على الرجعة؛ لأنه يترتب عليها أحكام، وقد تُنكِر، والطلاق ثابت إذا أنكرت ولم يشهد فمن أين يثبت؟ لاسيما وأنه وقعت مشاكل بسبب هذا إذا لم يشهِد ولم تعلم بذلك، يعني إذا طلق امرأته وعُرف أنه طلقها، وعَرفت أنه طلقها ثم راجعها في نفسها، ولم يشهد، ثم تمت عدتها وتزوجت، والإشكال في مثل هذه الصورة إذا سكت وتركها حتى تتزوج، هذا لا شك أنه إشكال كبير، والعلماء يختلفون فيمن تكون له، ويقول: أنا راجعتها في زمن الإمكان، والرجعة صحيحة، وهي تقول: انتهت عدتي، ولمَّا يراجعني إذا وجد الشهود، إذا وجد الشهود على الرجعة فالشهود بيِّنةَ تبين الحق، ومع ذلك قد يوجَد الكيد من المطلِّق، فيطلِّق ويُشهد ويتركها، ولا يخبرها بذلك، ويتركها حتى إذا انتهت عدتها خُطِبَت، وفي ليلة الزواج جاء وقال: أنا مراجع، وهؤلاء شهودي، هذا من الكيد الذي يكيده بعض الرجال لاسيما إذا كان بينه وبينها شيء من الخلاف والشقاق والنزاع، يفعله بعض الناس، ولكن ليس من أخلاق المسلمين، هو ليس من أخلاق المسلمين.

 فإذا كانت الرجعة صحيحة في زمن الإمكان في العدة، وأُشهد عليها، فإن الرجعة صحيحة، وهي للزوج الأول، والخلاف فيما إذا دخل بها الثاني.

 على كل حال الإشهاد يحفظ الحقوق، الإشهاد يحفظ الحقوق، على الإنسان أن يحتاط لنفسه، ويحتاط لغيره، ولا يعرِّض ذمته لأن تُشغَل بحقوق الناس، إذا لم يُشهِد ونسي إذا أخذ الحق من أخيه إما قرضًا وإما دينًا، ولم يحصل الإشهاد، ويترتب على هذا التفريط أنه قد يضيع الحق، فأقل الأحوال السنية المتأكِّدة.

 "فقال: طلقْتَ بغير سنة، طلقْتَ بغير سنة، وراجعْتَ لغير سنة" طلقت؛ لأنك لم تشهد، والسنة في الطلاق أن يُشهَد عليه، والسنة في الرجعة أن يُشهَد عليها، والسنة في عرف السلف أعم من أن تكون للوجوب أو للندب، قد يقول الواحد منهم: من السنة كذا، ويريد بذلك سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومفادها الوجوب، وقد يطلق ذلك ويراد بها السنة سنة الاستحباب والندب، وهذا معروف على ما عُرِف من اصطلاح المتقدمين، والتفريق بينها وبين اصطلاحات المتأخرين.

 "فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أَشهِد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد" يعني هذه المرة التي حصلت مع هذا الخلل مضت، حصل الطلاق، وحصلت الرجعة، لكن لا تعد مرة أخرى، أشهد على طلاقها، وأشهد على رجعتها، مما يدل على أن الطلاق من غير إشهاد واقع، لكنه خلاف السنة، والرجعة على قول بعض أهل العلم تقع، ولو من غير إشهاد، ولكن المتجه عند كثير من أهل التحقيق أن الرجعة لا بد فيها من الإشهاد؛ لأنه يترتب عليها حقوق، ولا تعد يعني ولا ترجع إلى ما فعلت وصنعْت فتخالف ما أُمرت به.

 قال: "رواه أبو داود وابن ماجه: ولا تعد" ما فيه: ولا تعد، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها بدون لفظ: ولا تعد.

 "ورواته ثقات مخرَّج لهم في الصحيح"، وهو كذلك، فالحديث صحيح.

 طيب الحديث عن عمران بن حصين، وهو صحابي جليل، وما يضاف للصحابي يسمى الموقوف، وليس فيه تصريح برفعه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن قول الصحابي: من السنة أو مثل هنا، مثل ما هنا: طلقت بغير سنة، الصحابة ما يريدون بالسنة إلا سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، فيكون له حكم الرفع؛ يقول الحافظ العراقي- رحمه الله-:

قول الصحابي من السنة أو

 

نحو أمرنا حكمه الرفع ولو

بعد النبي قاله بأعصرِ

 

على الصحيح وهو قول الأكثرِ

وقال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- للحجاج: إن كنت تريد السنة فهجِّر، فهجر، يعني بالذهاب إلى عرفة، ولا يريدون بذلك كما جاء في بقية الخبر، ولا يريدون بذلك إلا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 قد يقول قائل: إن هؤلاء الصحابة قد يقولون هذا الكلام في عصر أبي بكر أو عمر أو غيرهما من الخلفاء الراشدين، فيكون مرادهم سنة الخلفاء، لكن الأصل والمقرر أن الصحابي لا يقول: من السنة في حكم شرعي في الأحكام الشرعية إلا ويريدون بها سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنها هي التي تبنى عليها الأحكام.

 رواته ثقات، صحيح مخرَّج لهم في الصحيح، والثقة من جمع بين العدالة والضبط، من جمع بين العدالة والضبط.

 "وعن عامر" مَن عامر هذا الشعبي أم غيره؟

طالب: ................

"وعن عامر عن مسروق" نعم عامر هو الشعبي، "وعن عامر عن مسروق" بن الأجدع تابعي جليل، "عن عائشة -رضي الله عنها-" أم المؤمنين "قالت: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، آلى" يعني حلف، "آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نسائه"، حلف ألا يدخل على نسائه شهرًا، وليس هذا هو الإيلاء الاصطلاحي، نعم فيه حلف، وفيه ألية يمين، لكن ليس هو الإيلاء الاصطلاحي الذي يدخل في باب الإيلاء؛ لأن المراد بالإيلاء ما كان على أربعة أشهر فما فوق، الذي له أثر في النكاح، ويُلزَم بالطلاق إن لم يفِ أو يطلِّق عليه الحاكم، فليس من الإيلاء الاصطلاحي، إنما هو إيلاء لغوي؛ لأن فيه اليمين.

 "آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نسائه وحرم" {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [سورة التحريم:1]، والخلاف في سبب نزول صدر آية التحريم هل كان بسبب حلفه عن وطء جاريته؛ إرضاءً لزوجاته، أو كان بسبب حلفه ألا يأكل العسل، ألا يأكل العسل؟ وكلاهما مما أحل الله له، وقد حلف كما في نص الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [سورة التحريم:1].

 "وحرم فجعل الحرام حلالاً، وجعل في اليمين كفارة" إذا قال لزوجته: هي عليه حرام، هي عليه حرام، منهم من يقول: يمين مكفَّرة؛ عملاً بقوله -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}[سورة التحريم:1]، ثم بعد ذلك قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [سورة التحريم:2]، فجعلها يمينًا، ولذلك قال: وجعل في اليمين كفارة.

 ومنهم من يقول: إذا قال لزوجته: هي عليه حرام أنه ظهار، ما يكفي كفارة يمين، لا بد فيه من كفارة الظهارة التي ستأتي، ومنهم من يقول: طلاق، ومنهم من يقول: على ما ينوي، يُسأل عن نيته، ويديَّن فقال إذا قال: أردت اليمين فكفارة يمين، أردت الطلاق فيحاسب عليه، وإذا قال: ظهار لزمته كفارة الظهار.

 "فجعل الحرام حلالاً" أو العكس، وحرَّم فجعل الحرام حلالاً أو الحلال حرامًا؟ وحرم فجعل الحرام حلالاً، أو أنه رجع عن تحريمه فجعله حلالاً، فرجع إلى أكل العسل، ووطء الجارية بعد أن نزل الحكم بجعله يمينًا مكفَّرة، بجعله يمينًا مكفَّرة، {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [سورة التحريم:2]، وهذا عتاب، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [سورة التحريم:1]، هو حرم الحلال، لكن لما جاء العتاب لنصحح العبارة نزل العتاب جعل الحرام حلالاً، واستباحه؛ لأنه هو الأصل، وجعل في اليمين كفارة، {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [سورة التحريم:2]، وكما سيأتي في كتاب الأيمان أنه يجوز أن يفعل ما حلف عليه قبل أن يكفر وبعد أن يكفر، كما جاء في الأحاديث «إلا أتيت الذي هو خير، ثم كفرت عن يميني»، أو العكس، وكلاهما ثابت.

 يقول: "رواه الترمذي وابن ماجه، وقد روي عن الشعبي مرسلاً" عندنا عامر عن مسروق عن عائشة- رضي الله عنها- موصولًا، "رواه الترمذي وابن ماجه وقد روي عن الشعبي مرسلاً" يعني من غير ذكر لعائشة، يقول: "وهو أصح، قاله الترمذي"، وهو أصح، يعني المرسل أصح من الموصول، قال الترمذي: وفيه ما مر ذكره مرارًا من مسألة تعارض الوصل والإرسال، تعارض الوصل والإرسال، إذا روي الحديث موصولاً وروي مرسلاً فالخلاف فيه بين أهل العلم معروف، والاصطلاح عند المتأخرين استقر على أن الحكم لمن وصل؛ لأن معه زيادة علم خفيت على من أرسل، الحكم لمن وصل؛ لأن معه زيادة علم خفيت على من أرسل، ومنهم من يقول: الحكم للمرسِل؛ لأن الإرسال هو المتيقَّن، والوصل زيادة مشكوك فيها؟

 يعني وجود عائشة في السند ذكر مرة، وحذف مرة، فوجودها مشكوك فيه، وهذا قول معروف عند أهل العلم، وهو موجود كثيرًا في أحكام الدارقطني وأبي حاتم وغيرهما من الأئمة ميلهم إلى الإرسال.

 ومنهم من يقول: الحكم للأكثر، فإذا كان من وصله أكثر ممن أرسله فالحكم للوصل، وإذا كان من أرسله أكثر ممن وصله فالحكم للإرسال، وحينئذ يكون الحكم للأكثر.

 ومنهم من يقول: الحكم للأحفظ، الحكم للأحفظ، فإن كان من وصله أحفظ فهو محكوم بوصله، وإن كان من أرسله أحفظ فهو محكوم بإرساله.

 والأقوال الأربعة موجودة في كتب أهل العلم، لكن لو تأملنا في صنيع الأئمة في هذه المسألة وفي غيرها من تعارض الوقف والرفع وزيادة الثقة ورواية الراوي الحديث مرة كاملًا ومرة ناقصًا لا نجد لهم قاعدة مطردة يحكمون فيها بالوصل مطلقًا أو الإرسال مطلقًا أو الوقف مطلقًا أو الرفع مطلقًا، وهكذا نجدهم يحكمون بما ترجحه القرائن، يحكمون بما ترجحه القرائن.

فإذا نظرنا في حديث: «لا نكاح إلا بولي» وجدنا أن من أرسله أحفظ، شعبة وسفيان من جبال الحفظ عند أهل العلم، ومع ذلك حكم البخاري بوصله، حكم البخاري بوصله مع أن من أرسله كالجبل، كما قال الحافظ العراقي: شبعة وسفيان، من يقارب شعبة وسفيان في الحفظ؟! وإذا تأملنا في القرائن التي يعتمدها أهل العلم الأئمة الكبار في هذا الحديث بالذات رأينا أن تطاول بعض طلاب العلم ومن ينتسب إلى الحديث على التصحيح والتضعيف وعلى حد زعمهم في محاكاة المتقدمين وجدنا أن دون ذلك خرط القتاد، البخاري لماذا ما حكم بإرسال الحديث مع أن من أرسله شعبة وسفيان، بيَّن ذلك الترمذي؛ لأن رواية شعبة وسفيان لهذا الحديث في مجلس واحد، فكأنهما راوٍ واحد، من ينتبه لمثل هذا؟! من ينتبه لمثل هذا التعليل الدقيق؟!

لما طال العهد وبَعُد عن زمن الرواية والرواة قد يتعذر هذا؛ لأن الحديث والسنة يعني ألوف مؤلفة من الأحاديث، وألوف من الأحاديث المعلة، وألوف من الأحاديث الراجحة والأحاديث المرجوحة عشرات بل مئات الألوف، كما كان بعضهم يحفظ مائة ألف كالبخاري، ومنهم من يحفظ خمسمائة ألف وسبعمائة ألف، وألف ألف، هؤلاء يستطيعون أن يوازنوا بين الأحاديث، ويعرفوا ظروفها، أما من يطالع في الكتب، وينظر في أحاديث باب، ويخفى عليه ويجهل الباب الذي بعده، وقد يكون له صلة وثيقة بالباب الذي قبله الذي بصدده، لا يستطيع أن يحاكي الأئمة أو يحكم بأحكام الأئمة الذين دعوا إلى نبذ التقليد، ورأوا الأخذ من الكتاب والسنة، هذا صحيح، وهذا هو الأصل لمن تأهل.

 لذلك لكن من ينظر في صحيح مسلم ويقرأ في باب الأمر بقتل الكلاب، ويقف عنده، هذا نصيبه اليوم وغدًا يقرأ الباب الذي بعده: الأمر بقتل الكلاب يخرج بسلاحه كل ما رأى كلبًا قتله قال: يعمل بالسنة، ويطبق السنن، ومن الغد يكون درسه باب نسخ الأمر بقتل الكلاب، يعني مثل هذا تأهب للعمل بالاجتهاد من النصوص يحتاج إلى أن يتأهل.

 على كل حال الدعوة في أصلها صحيحة، والأصل العمل بالكتاب والسنة، لكن لمن تأهل، ليست لكل أحد، والعمل بتقليد الأئمة في العمل بالقرائن هو الأصل؛ لأن الأئمة الكبار الحفاظ هم الأصل في الباب، والمتأخرين عالة عليهم، لكن متى يحاكي هؤلاء الأئمة إذا شابههم في مقدار الحفظ، وسعة الاطلاع على أحوال الرواة، والنظر في أقوال المتقدمين مقارنة بين الأحكام النظرية ومواقع الاستعمال العملية، إذا تأهل لذلك واتصف به فهذا فرضه، وأما من دون ذلك ممن يخفى عليه هذه الأمور فهو في حكم العامي، يقلِّد.

 "رواه الترمذي وابن ماجه، وقد روي عن الشعبي مرسلاً، وهو أصح، قاله الترمذي"، وفيه مثل ما قلنا تعارض الوصل والإرسال، وفي هذا الحديث من أرسله أوثق ممن وصله، من أرسله أوثق ممن وصله، وصله مسلمة بن علقمة، وضعفه الإمام أحمد -رحمه الله-، ضعفه الإمام أحمد، وذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره، وذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره، ووثقه مسلمة بن علقمة، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، وهو مختلف في تضعيفه وتوثيقه، فإذا لم يمكن الترجيح بين قول من وثق ومن ضعف يستروح كثير من أهل العلم إلى أن يتوسط في أمره وتكون روايته من قبيل الحسن. على كل حال العلماء قالوا: له مناكير، وبين الذهبي أن هذا من مناكيره، والله أعلم.

 ثم قال -رحمه الله-: "وعن سليمان بن يسار قال" سليمان بن يسار هذا من فقهاء التابعين، ومن الفقهاء السبعة، فقهاء المدينة سبعة يجمعهم بيت واحد فخذهم.. ما البيت؟

فخذهم عبيد الله عروة قاسم

 

سليمان أبو بكر سليمان خارجة

فخذهم عبيد الله عروة قاسم

 

سعيد سليمان أبو بكر خارجة

على كل حال البيت معروف، هؤلاء هم السبعة فقهاء المدينة، هم المرجع في الفتوى في القرن الأول بعد الصحابة، بعد الصحابة هم المرجع في الفتوى، فقهاء المدينة.

 "قال: أدركتُ بضعة عشر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم"-، والبضع من الثلاثة إلى التسعة، البضع من الثلاثة إلى التسعة، فهم حينئذ من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، وورد في بعض الروايات أنهم أربعة عشر أربعة عشر، ويصدق عليهم أنهم بضعة عشر.

 "من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يوقفون المُوْلِي، يوقفون الموْلي" إذا تمت الأربعة أشهر قيل له: قف، إما أن ترجع وتكفر عن يمينك وتطأ زوجتك، وإما أن تطلق، كلهم يوقفون المولي الذي حلف ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر.

 قد يقول قائل" ألا يحصل الضرر بالمرأة فيما دون الأربعة أشهر؟ إذا حلف ألا يطأ ثلاثة أشهر لا شك أن الضرر تجب إزالته، وإذا احتاجت المرأة للوطء وجب على زوجها أن يعفها، ولا يعرضها للفتن، لكن هذا الحد هو ما جاء في القرآن الذي تطلق به المرأة، أما ما قبله يأثم ويحرم عليه أن يعرِّضها للفتنة، لكن ما يلزم بالطلاق إلا إذا حلف أربعة أشهر، ومضت هذه الأربعة ولم يراجع؛ {فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ} [سورة البقرة:226-227]؛ لأنه مفترق تمام الأربعة أشهر مفترق، يوقَف إما أن يراجع ويطأ أو يطلِّق، أو يطلَّق عليه، إن رفض يطلق عليه الحاكم، {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة:227].

 وهذا الحديث "رواه الإمام الشافعي" في مسنده، "والدارقطني" في سننه، وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين، لكنه موقوف، سليمان بن يسار تابعي يقول: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو موقوف، صحيح سليمان بن يسار ينقل عن الصحابة، هل نقول: إنه موقوف، أو نقول: إنه مقطوع؛ لأن القائل سليمان بن يسار، وهو تابعي، وما يضاف للتابعي يقال له: مقطوع؟

طالب: .............

نعم، هو يحكي وينقل لنا حكم الصحابة، فهو مضاف إلى الصحابة، وهو من قبيل الموقوف، الصحابة جمع، وهو أيضًا مفاد الآية تربص أربعة أشهر؛ {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة البقرة:226] على هذه المدة التي ترك زوجته فيها وأهملها، {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة:227].

 نعود فنقول: إن المرأة يجب على الزوج إعفافها، فإذا لم يستطع أن يعفها أو لم يستطع أن ينفق عليها رفعت الأمر إلى الحاكم، وحكم في أمرها إما أن يفسخ بدون مقابل، إذا كان التقصير ليس عن عجز، أو تخالع، تفسخ نفسها بمقابل، فإذا كان السبب منه يلزَم بأن يفسخ، وإن كان السبب منها تؤمر بأن تخالع وتفتدي نفسها.

 "وعن الحكم بن أبَان عن عكرمة عن ابن عباس، وعن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس"، عكرمة مولى ابن عباس، مولى ابن عباس، ورُمِيَ برأي الخوارج، وكلام أهل العلم فيه كثير، وبعضهم يبرؤه من هذه التهمة، وكلام الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح يدل عليه، وكذلك الحافظ الذهبي أطال في ترجمته وما نُسِب إليه.

 "عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ظاهر" المظاهرة والظهار هو تشبيه الزوجة بالأم، فيقول لزوجته: هي عليه كظهر أمه، وتقدم تعريفه في الترجمة، والظهار محرَّم؛ لأنه منكَر من القول وزور، والمنكَر والزور محرَّم، وبهذا نعلم مَن نسبه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- خطأً، من نسبه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- غلط، الظاهر فقال: آلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلق، ظاهر كل هذا لم.. آلى شهرًا وطلَّق حفصة وراجعها، ولكن الظهار منكر من القول وزور لم يحصل منه -عليه الصلاة والسلام-.

 "قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، قد ظاهر من امرأته فوقع عليها"، يعني قبل أن يكفِّر، والمنصوص أن الكفارة من قبل أن يتماسَّا كما في سورة المجادِلة، {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [سورة المجادلة:3]، وهذا منصوص عليه في التكفير بالعتق، وفي التكفير بالصيام، ومسكوت عنه في التكفير بالإطعام، فهل يمس قبل أن يطعم، أو لا بد أن يطعم قبل أن يمس كما جاء ذاك مقيدًا في الكفارة بالعتق، وبالصيام من قبل أن يتماسا، وأما فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا فما فيه من قبل أن يتماسا، ولذا ذهب بعضهم إلى أنه له أن يطأها قبل أن يكفر بالإطعام، ومنهم من يقول: الحكم واحد، والقياس في الكفارة بالإطعام على الكفارة بالعتق والصيام متجه؛ لأنه حرمها فلا يستبيحها إلا بما يحلها وهو الكفارة.

 "قد ظاهر من امرأته فوقع عليها" يعني جامعها يعني قبل أن يكفِّر "فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفِّر، قبل أن أكفِّر، فقال: «ما حملك على ذلك يرحمك الله؟!» قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر" لم يصبر، وإن كانت القصة واحدة مع قصة سلمة بن صخر البَيَاضي فإنه قد أوتي قوة في هذا الباب، ولديه رغبة شديدة، ولما دخل رمضان ظاهر من امرأته، ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، وإن كانت غيرها فالمعنى ظاهر وواضح. على كل حال وقع على امرأته قبل أن يكفر، والله- جل وعلا- يقول: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [سورة المجادلة:3]، والأكثر على أنه أذنب وخالف ولا يلزمه إلا كفارة واحدة، كفارة الظهار، ومنهم من يقول: يلزمه كفارتان، يلزمه كفارتان؛ كفارة الوطء قبل التكفير، والكفارة الأصلية الثابتة في ذمته بسبب الظهار، هناك قول شاذ قال به بعضهم أنه لا شيء عليه، لا شيء عليه، الكفارة بعد المسيس لم تقع موقعها، فلا حاجة إليها، الرجل أثم، ولكن هذا القول شاذ، ولا يلتفت إليه، الكفارة ثابتة في ذمته، والمخالفة لها عقوبة، وعليه إثمها، وتلزمه التوبة والاستغفار والندم، والكفارة ثابتة في ذمته.

 "فقلتُ: «ما حملك على ذلك يرحمك الله؟!» فقال: «ما حملك على ذلك يرحمك الله؟!» قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر" يلمع فاشتاق إليها ولم يصبر، ولم يملك نفسه، "قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله، حتى تفعل، لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله»" يعني من الكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، هذه هي كفارة الظهار المنصوص عليها في القرآن، وفي حكم الظهار من حيث المطابَقة في الكفارة كفارة مَن جَامع في نهار رمضان، كفارة من جامع في نهار رمضان، ولذا يقال له: عليك كفارة ظهار، صارت أصلًا مقرَّرًا، وكفارة الجماع في نهار رمضان منصوص عليها في الحديث الصحيح في الصحيحين وغيرهما، فلا يقال في كتب أهل العلم وفي فتاويهم عليك كفارة مجامع في نهار رمضان، إنما يقال: عليك كفارة ظهار، لماذا؟ لأن كفارة الظهار مذكورة في القرآن المعروف لدى الخاص والعام، وأما كفارة الجماع في نهار رمضان فقد تخفى على بعض الناس؛ لأنها وردت في السنة وما ذكر في القرآن يحال عليه؛ لأنه معروف عند الجميع يقول عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما بايع عليه النساء، بعضهم يقول: إن بيعة النساء متقدمة على بيعة الرجال، متقدمة على بيعة الرجال، بيعة الرجال لا شك أنها متقدمة على بيعة النساء، لكن بيعة النساء مضبوطة بالقرآن، مذكورة في سورة الممتحَنة، فيحال عليها.

 نظير ذلك في واقعنا مثلاً شخص عنده جوّال نوع من الجوالات، ما هو مشهور عند الناس، وانتهى شحنه، ويريد شاحنًا ماذا يقول؟ يقيس يقول على الشواحن التي تصلح لهذا الجوال من الجوالات المشتهرة عند الناس كلهم، بعض الجوالات ما تعرف له اسمًا، لكن يمكن أن يشحن في شاحن بلاك بيري أو الآيفون، الأشياء المشهورة عند الناس، فما يقول: عندك شاحن لهذا الجوال، هذا دليل على أن المجهول عند الناس يُلحَق بالمعلوم إذا كان يوافقه في الحكم، إذا كان يوافقه في الحكم، فالذي يخفى على الناس يرجع فيه إلى المعلوم عندهم قاطبة، فيقال للمجامع في نهار رمضان: عليك كفارة ظهار، الكفارة عتق رقبة، والكفارة في الظهار الرقبة مطلقة، ما قيدت {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [سورة المجادلة:3]، وفي كفارة القتل مقيَّدة بالإيمان، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [سورة النساء:92]، فهل يحمل المطلق على المقيَّد أم ما يُحمَل؟ يعني يعتق أي شيء؟ يعتق لو كافرة؟ المظاهِر والمجامع في نهار رمضان يعتق كافرة أم لا بد أن تكون مؤمنة؛ حملاً للمطلق على المقيد؟

المطلق والمقيد يتفقان في الحكم، وهو وجوب العتق، ويختلفان في السبب، يتفقان في الحكم، ويختلفان في السبب من نظر إلى الاختلاف كالحنفية في السبب قال: لا يحمل المطلق على المقيد، فتعتق رقبة، ولو كانت غير مؤمنة، والذي جاء بالجارية وقال: إن عليه عتق رقبة سألها النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، وقال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول، فقال: «أعتقها، فإنها مؤمنة، أعتقها، فإنها مؤمنة».

 فوصف الإيمان لا بد منه، وهو قول الجمهور، لا بد من أن تكون مؤمنة، ومع ذلك تكون سالمة من العيوب التي تمنعها من العمل والتكسب؛ لأنها إذا كانت فيها عيوب تمنعها من العمل والتكسب فما الفائدة من إعتاقها إذا كانت لا تتكسب، فيشترطون السلامة من العيوب، وهل يشترط البلوغ أو يجزئ الصغير؟ مسائل خلافية بين أهل العلم، كما هو المعروف.

 المقصود أن الرقبة لا بد أن تكون مؤمنة؛ حملاً للمطلق على المقيد؛ للاتحاد في الحكم، وإن اختلف السبب، لكن لو كانت المسألة بالعكس الاتفاق في السبب والاختلاف في الحكم، الاتحاد في السبب، والاختلاف في الحكم، مثل اليد في آية الوضوء مع اليد في آية التيمم، السبب واحد كله الحدث، والحكم يختلف هذا غسل، وذاك تيمم، الأكثر على أنه لا يحمل المطلق على المقيد، عكس المسألة الأولى، هذا في حال الاختلاف في واحد، والاتحاد في الثاني، وهناك اتفاق في الحكم والسبب، وحينئذ يحمل المطلق على المقيَّد، كما في قوله -جل وعلا-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ} [سورة المائدة:3] الدم مطلق، وجاء تقييده بالمسفوح: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [سورة الأنعام:145]، يتفقان في الحكم والسبب، وحينئذ يحمل المطلق على المقيد، والعكس في الاختلاف في الحكم والسبب كاليد في آية الوضوء واليد في آية السرقة، اليد في آية الوضوء مقيدة بالمرافق، واليد في آية السرقة مطلقة، وهما يختلفان في الحكم، هذا غسل، وهذا قطع، والسبب أيضًا يختلفان فيه، هذا حدث، وهذا سرقة، فلا يحمل المطلق على المقيد.

 المقصود أن حمل المطلق على المقيد في عتق الرقبة في هذا الباب وفي غيره من أبواب الكفارات هو قول الجمهور عند أهل العلم.

 صيام شهرين متتابعين الخصلة الثانية من خصال كفارة الظهار صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، مقتضى ذلك أنه لا بد من تمام المدة، لا بد من تمام المدة قبل الجماع، وتمام المدة يكون بانقضاء الشهرين، وحينئذ لا يجوز له أن يمسها لا في ليل ولا في نهار، أما النهار فظاهر؛ لأنه مبطل للصيام، وأما الليل فلأنه قبل أن يكفر، قبل أن يتم التكفير، من قبل أن يتماسا، هذا حصل الجماع منه قبل أن يكفر، وهذا هو الراجح، ومنهم من يقول: إن الليل لا أثر له في الجماع، ولا أثر له في الصيام، الجماع في الليل لا أثر له في الصيام، ما يؤثر في الكفارة، فلا مانع أن يجامع في الليل.

 على كل حال المرجح هو الأول، وهو الذي يدل عليه ظاهر النص إذا أفطر خلال الشهرين من غير عذر فإنه يلزمه أن يستأنف المدة من أولها، وإذا أفطر لعذر بأن يكون في أيام يحرم صومها كالعيدين وأيام التشريق فإنه لا إشكال فيه، ولا يستأنف، ويبني على ما مضى، صام شعبان، ثم جاءه رمضان فلا إشكال في أن يتابع بعد أن يفطر، طيب سافر في أثناء الشهرين هذا عذر يبيح له الفطر في رمضان؛ شريطة ألا يقصد السفر من أجل أن يفطر، لا يقصد السفر من أجل أن يفطر، إنما سفر من غير قصد للفطر في هذا السفر حينئذ لا مانع؛ لأنه يفطر في رمضان، وهو أشد، إن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، ستين مسكينًا.

 لكل مسكين نصف صاع، وبعضهم يقول: مد ربع صاع، وسبب ذلك ما جاء في حديث من جامع في نهار رمضان، وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «خذ هذا الفرَق فكفِّر به»، وقد قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، قال: «أطعمه أهلك»، هذا الفرق جاء فيه ما يدل على أنه خمسة عشر صاعًا فيكون المطلوب لكل مسكين ربع صاع، وجاء أيضًا ما يدل على أن فيه ثلاثين صاعًا، مما يستدل به على أن القَدْر المخرَج كفارة سواء للظهار أو للوطء في نهار رمضان نصف صاع.

 وعلى كل حال أكثر الروايات على أن فيه خمسة عشر صاعًا، ما وجد كفارة، وما وجد رقبة يعتقها أو لم يقدر على عتقها ولم يستطع الصيام كما قال، وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا بسببه؟ لم يستطع، لم يجد رقبة، ولم يستطع الصيام، ولم يجد ما يطعم به المساكين؛ من أهل العلم من يقول: إن الواجب إذا لم يقدَر عليه يسقط، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومنهم- وهم الأكثر- يقولون: يبقى دينًا في ذمته، إن قدر على ذلك وإلا كغيره من الديون، يبقى دينًا في ذمته متى ما استطاع أن يكفِّر يكفِّر، لكن إذا قلنا يبقى في ذمته، وقلنا: إنه لا يجوز أن يمسها حتى يكفر، وقد لا يستطيع، يستمر عمره ما استطاع أن يطعم ستين مسكينًا فما الحل؟ فما الحل؟ لا شك أن في هذا حرج عليه وعلى زوجته، فيقوى القول بأنه لا مانع من أن يمسها؛ لأنه لم يُنَص على القيد في الإطعام، ولا شك أن في هذا عسرًا ومشقة عليه، والمشقة تجلب التيسير، فيُرجَع فيه إلى القول الثاني.

 ستين مسكينًا هل العدد مقصود؟ لو أطعم ثلاثين كل واحد مقدار ما يُطعَم به الاثنان يكفي أم ما يكفي؟ الجمهور: لا، لا بد مِن تحقق العدد، وهو ستون مسكينًا، هذا قول الجمهور، والحنفية يقولون: لو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا كفى، لو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا كفى، نعم إذا لم يجد إلا عددًا من المساكين يقصر عددهم عن الستين فإنه يكرر إطعامهم، هذا إذا لم يجد لو غدَّى أو عشَّى ستين مسكينا أو في هذا اليوم عشرة، ومن الغد عشرة لا يكونون هم الأولين لا يكونون هم الأولين، عشرة آخرون، واليوم الثالث عشرة حتى يبلغ العدد ستين، منهم من يقول: لا بد أن يُطعَم طعام يُمَلَّكه تمليكًا، وهذا لا يكون إلا بالنيِّئ غير المطبوخ، ومنهم من يقول: الله- جل وعلا- يقول: فإطعام، وقد حصل، حصل الإطعام، حصل إطعام الستين، وتصحيح التكفير بإطعام ستين من الفقراء بغدائهم أو عشائهم هو المتجه؛ لأن الآية والنص ينطبق عليه، الله- جل وعلا- يقول: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [سورة المجادلة:4]، والإطعام حصل بهذا الطعام المطبوخ، وتنطبق عليه الآية، لكن يطعمهم طعامًا يكفيهم، يشبعون منه، ما يقدم لهم شيئًا يسيرًا شيء يسير ويقدمه للستين ويقول: الشرع جاء بالحث على التقليل من الطعام، وذم الشبع، هذه حيلة، ذي هذه حيلة منه إلى تقليل أو التخفف من هذه الكفارة، فلا يجوز له ذلك، ويقف على رؤوسهم، ويورد عليهم من النصوص: ثلث لطعامك، وثلث لشرابك، لا، لا، ولذلك من يرى أنه لا يكفي الإطعام يقول: إنه لا ينضبط، يمكن أن يقدم لهم شيئًا يسيرًا ويقول: أطعمت، ويتحايل على التخلص والتنصل من هذه الكفارة أو من جزء منها.

 "رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وهذا لفظه، وصححه" من طريقين عن معمر عن الحكم بن أبَان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمَر عن الحكم عن عكرمة مرسلاً دون ذكر لابن عباس، ولذا قال المؤلف: "وقد روي مرسلاً، وهو أولى بالصواب، وهو أولى بالصواب من المسند، قاله النسائي" ذكرها في البداية أن النسائي ومثله الدارقطني وأبو حاتم يعني في الغالب يرجحون الإرسال، ورواه البزار من وجه آخر عن ابن عباس، وزاد فيه: كفِّر ولا تعد، كفِّر ولا تعد.

كم بقي؟

طالب: ................

خمس؟

طالب: ................

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.