شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 12

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 12
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في برنامجكم شرح كتاب ((الصوم)) من كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

مع بداية هذه الحلقة نُرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: قال المُصنِّف- رحمه الله تعالى- : عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربِّي ويسقين»، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر لزدتكم» كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا. وفي روايةٍ عنه، قال لهم: «فاكلفوا من العمل ما تطيقون».

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فراوي الحديث: أبو هريرة، الصحابي الجليل المُختلَف في اسمه واسم أبيه، على أقوالٍ تبلغ الثلاثين، والمُرجح منها أنه عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، حافظ الأمة، تقدَّم ذكره مرارًا. وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب التنكيل لمن أكثر الوصال، رواه أنسٌ عن النبي- صلى الله عليه وسلم- . أي: هذا بابٌ في بيان تنكيل النبي- صلى الله عليه وسلم- لمن أكثر الوصال في صومه. والتنكيل من النكال، وهو العقوبة التي تُنكِل الناس عن فعلٍ جُعِلَت له جزاءً، وقد نكَّل به تنكيلاً ونكل به، إذا جعله عبرةً لغيره، قاله العيني.

وقال ابن حجر: التقييد بأكثر، الترجمة، باب التنكيل لمن أكثر الوصال، فمعناه لو واصل بين يومين فقط، صام في النهار ثم واصل الليل كله ثمَّ صام ثمَّ أفطر في اليوم الثاني، هذا ما أكثر، لماذا؟

المقدم: لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- واصل بهم هذين اليومين.

لأنه قال: «لو تأخر، لزدتكم» كالتنكيل لهم؛ لأنه في اليومين ما صار تنكيل، لكن لو زاد عن اليومين صار تنكيلًا. وهذه دقيقة من البخاري- رحمه الله- : لمن أكثر الوصال.

قال ابن حجر: التقييد بأكثر قد يُفهَم منه أن من قلل منه لا نكال عليه؛ لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز. الترجمة: التنكيل لمن أكثر الوصال، فهل يُفهَم من هذا جوازه لمن قلل الوصال؟ يُفهَم منه هذا؟ يُفهَم منه؟

المقدم: من كلام المُترجم؟

البخاري، كلام الإمام.

التنكيل لمن أكثر، لمن قلل ما فيه تنكيل، لكن لا يعني أنه جائز.

لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز. وقال العيني: مطابقته للترجمة في قوله: «لو تأخر لزدتكم» كالتنكيل لهم، فهي مُطابقة؛ لأن الترجمة: باب التنكيل.

وفي ((التنقيح)) للزركشي: باب التنكيل وفي نسخةٍ: التنكير بالراء، والأول أصوَب. في شرح الزركشي مُختصر جدًّا، الزركشي في ثلاثة أجزاء صغيرة جدًا، يقول: باب التنكيل في نسخةٍ: التنكير بالراء، والأول أصوَب، وسيأتي الكلام فيه كالتنكيل لهم، أنهم أيضًا وقع في بعض الروايات: كالمُنكر لهم، وسيأتي هذا في موضعه من الشرح، إن شاء الله تعالى.

نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، تقدَّم معنى الوصال. فقال له رجلٌ، كذا للأكثر وفي رواية عُقيل عن خالد في ((التعزير)) فيما سيأتي، فقال له رجالٌ، بدلاً من رجل، قاله ابن حجر وفي ((القسطلاني)) لم يُسم ذلك الرجل، فهو مُبهمٌ باقٍ على إبهامه.

إنك تواصل يا رسول الله، ووصالك دالٌّ على إباحته، يعني هذا المفهوم. يعني كونهم احتجوا بفعله- عليه الصلاة والسلام- يحتجون به على أيش؟ على إباحته؛ لأن النبي- عليه الصلاة والسلام- لا يفعل إلا ما كان مُباحًا على أقل الأحوال. لا يُمكن أن يفعل مُحرمًا، لكن قد يكون الشيء في حقه مُباحًا وفي حق غيره لا، مُحرَّم، كما سبق التنبيه على أن الوصال من خصائصه- عليه الصلاة والسلام- والعلة منصوصة: يبيت عند ربِّه يُطعمه ويسقيه.

إنك تواصل يا رسول الله، ووصالك دالٌّ على إباحته، فأجابهم- عليه الصلاة والسلام- بأن ذلك من خصائصه، حيث قال: «وأيكم» وفي نسخةٍ: «فأيكم مثلي؟» استفهام توبيخ مُشعر بالاستبعاد، يعني بعيدٌ جدًّا أن تكونوا مثلي؛ لأن ما خُصَّ به من كونه يُطعَم ويُسقى لا يشرك فيه غيره.

«إني أبيت يُطعمني ربِّي ويسقين» بحذف الياء وثبوتها. وفي حديث أبي سعيد زيادة في الأصل، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعمٌ يُطعمني وساقٍ يسقين». وفي حديث عائشة: «إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربِّي ويسقين». وفي حديث أنس: «لست كأحدٍ منكم، إني أُطعَمُ وأُسقى» أو «إني أبيت أُطعَمُ وأُسقى» وفي روايةٍ بلفظ: «أظلُ».

وكذا في حديث عائشة عند الإسماعيلي، وهي محمولةٌ على مُطلق الكون لا على حقيقة اللفظ؛ لأن المُتحدَث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهارًا. وأكثر الروايات إنما هي «أبيت» وهي المناسبة للحال؛ لأن الوصال إنما يكون بالليل.

وكأن بعض الرواة عبَّر عنها بـ«أظل»؛ نظرًا لاشتراكهما في مُطلق الكون، يقولون كثيرًا: أضحى فلان كذا مثلاً، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى. ومنه قوله- جلَّ وعلا-: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} [سورة النحل 58] فإن المراد به مُطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهارٍ دون الليل، قاله ابن حجر.

يعني قريبٌ من هذا في حديث: «إذا أستيقظ أحدكم من الليل، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا».

المقدم: استيقظ أحدكم من الليل أم من النوم؟

من النوم.

المقدم: لو كانت في النوم كانت قطعت الخلاف.

«إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يُدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت».

المقدم: وهنا الخلاف في «باتت».

نعم، استدل به من يرى أنه لا يجب الغسل، أو لا يُشرع الغسل إلا من نوم الليل؛ لأن البيتوتة إنما تكون في الليل.

ومنهم من يقول: إن المراد مُطلق النوم، ولا يُشترط ليل أو نهار، مثل ما عندنا {ظَلَّ وَجْهُهُ} [سورة النحل 58]، ولا يراد به اختصاص نهارٍ دون ليل، وإنما المراد مُطلق الوقت.

قال ابن بطَّال: فيه تأويلان، يعني..

المقدم: «يُطعمني ربِّي ويسقين».

فيه تأويلان: أحدهما على ظاهر الحديث: يُطعمه الله ويسقيه.

المقدم: إطعام حقيقي.

نعم، إطعام حقيقي.

والثاني على الاستعارة، والمعنى أن الله تعالى يرزقه قوةً على الطعام كقوة من أكل وشرب. والدليل على صحة القول الآخر: أنه لو أُطعِمَ وأُسقي على الحقيقة ...

المقدم: لما كان للوصال قيمة.

لم يكن مواصلاً ولكان مُفطرًا.

وقال ابن حجر: اختُلِف في معنى قوله «يُطعمني ويسقين» فقيل: هو على حقيقته، وأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يؤتى بطعامٍ وشراب من عند الله؛ كرامةً له في ليال صيامه. وتعقبه ابن بطَّال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك، يعني تعقب القول، ما تعقب ابن حجر؟

المقدم: ابن حجر يسوق الأقوال.

ابن حجر يقول: فقيل: هو على حقيقته، والكلام لابن حجر، فقيل: هو على حقيقته، تعقبه الضمير يعود على القول لا على القائل: ابن حجر؛ لأن ابن بطال قبل ابن حجر.

لأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً، وبأن قوله: يظل، يدلُّ على وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقةً، لم يكن صائمًا، وتقدَّم ما في رواية «يظل»، وأن المراد بها مُطلق الوقت. وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ «أبيت» دون «أظل»، وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ «أظل» على المجاز.

وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ «أبيت» دون «أظل»، حتى لو مع ثبوت اللفظ «أظل» وجهت على ما تقدم بأن المراد بها مُطلق الوقت. وعلى تقدير الثبوت، فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ «أظل» على المجاز. على كل حال، الأصل الحقيقة ما لم يمنع منها مانع. فإذا وجد ما يمنع من إرادة الحقيقة، حُمِل على غيرها.

وعلى التنزُّل، فلا يضر شيءٌ من ذلك؛ لأن ما يؤتى به الرسول- صلى الله عليه وسلم- على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المُكلفين فيه. كما غُسِل صدره- صلى الله عليه وسلم- في طست الذهب مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام، فهذا أوتي به من الجنة، كذا قال.

قال ابن المُنيِّر في ((الحاشية)): الذي يُفطِّر إنما هو الطعام المُعتاد، وأما الخارق للعادة كالمُحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب؛ كأكل أهل الجنة بالجنة والكرامة لا تُبطل العبادة.

يعني معنى هذا النبي- عليه الصلاة والسلام- لما عُرِضَت عليه الجنة والنار وتناول العنقود في صلاة الكسوف، أنه لو أكل من هذا العنقود تبطل الصلاة أو لا تبطل؟ على كلام ابن المُنيِّر: لا؛ لأن هذه كرامة وليست بطعام دنيوي، وهذا ثواب. لكن هذا الكلام فيه ما فيه.

الحامل على كثرة هذا الكلام في هذه الجملة أن الحقائق ثلاث:

1) حقيقة لغوية

2) حقيقة شرعية

3) حقيقة عُرفية

كونه يُطعَم ويُسقى في الحديث، هل يُمكن أن يُقال: إنه حقيقة لغوية؟ هل في لغة العرب طعام وشراب دون التناول بالفم؟ لا يوجد.

الحقيقة الشرعية: هل يوجد طعام وشراب حقيقي شرعًا لا يُفطِّر؟

المقدم: أبدًا.

الحقيقة العُرفية: هل عرف الناس فيما بينهم أن الإنسان يُمكن أن يأكل ويشرب من دون أن يتناول طعامًا أو شرابًا عن طريق الفم؟ لا يُمكن.

إذًا الحقائق الثلاث كلها منتفية، فما بقي عندنا إلا إما أن نقول: استعارة كما قال بعضهم، أو نقول: مجاز. فلابد من هذا.

لكن هناك مخرج وهو أن الحقائق الشرعية قد تتعدد في الشيء الواحد يكون له أكثر، اللفظ الواحد له أكثر من حقيقة شرعية. يعني على سبيل المثال: المُفلس، لما قال النبي- عليه الصلاة والسلام- لأصحابه: «أتدرون من المُفلس؟» قالوا: المُفلس من لا درهم له ولا متاع، قال: «لا» أليست حقيقة المُفلس في باب الحجر والتفليس وهو شرعي، ومن وجد متاعه عند رجلٍ قد أفلس هو هذا المعنى الذي أجابوا به؟

المقدم: بلى.

هذا هو، إذًا هذه حقيقة شرعية التي نُفيت والتي أُثبتت أيضًا: «من يأتي بأعمالٍ أمثال الجبال» حقيقة شرعية ثانية، وليكن هذا من هذا النوع، الطعام المُفطر الحسي حقيقة شرعية، الشراب المُفطر الحسي حقيقة شرعية، الطعام المعنوي الذي يُطعمه ربه ويسقيه حقيقة شرعية، فلا إشكال. ما فيه أحد ذكر هذا الكلام، لكن ما فيه مخرج إلا هذا.

يعني كلام أهل العلم طويل في هذه المسألة، وحاسوا، ..كلام ابن القيم نفيس جدًّا على ما سيأتي. لكن ما فيه من إيضاح أن هذه حقيقة شرعية، وسيأتي كلامه.

يقول ابن المُنيِّر في ((الحاشية))- عرفنا فيما تقدَّم أن ناصر الدين بن المُنيِّر وزين الدين بن المُنيِّر، هذا زين الدين له ((حاشية)) وناصر الدين له ((مناسبات البخاري))- هذا له ((الحاشية)) قال: الذي يُفطر إنما هو الطعام المُعتاد، وأما الخارق للعادة كالمُحضَر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب، كأكل أهل الجنة بالجنة، والكرامة لا تُبطل العبادة.

وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما ولا يلزم شيءٌ مما تقدَّم ذكره، بل الرواية الصحيحة: «أبيت» وأكله وشربه في الليل مما يؤتى به من الجنة لا يقطع وصاله، خصوصيةً له بذلك. يعني طعام وشراب حقيقي كما يُحضر، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا} [سورة آل عمران 37] إلخ، فالنبي- عليه الصلاة والسلام- يُحضَر له طعام وشراب حقيقي.

قال: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما ولا يلزم شيءٌ مما تقدَّم ذكره، بل الرواية الصحيحة: «أبيت»- يعني في الليل- وأكله وشربه في الليل مما يؤتى به من الجنة لا يقطع وصاله، خصوصيةً له بذلك. فكأنه قال لما قيل له: إنك تواصل، فقال: «إني لست كهيتئكم» في ذلك، أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله.

المقدم: طيب يا شيخ، ما يُرد على هؤلاء بأن مريم، رؤي هذا الطعام وشوهد وكان حقيقيًّا؟ يعني انتقل من كونه غير حقيقي إلى كونه حقيقيًّا، شوهدت وهي تأكل وإن صحَّ أيضًا أن خُبيبًا أُتي له بأكل أو طعام ورؤي عنده العنب- إن صحت الرواية- فهو طعام حقيقي شوهد، لكن ما أحد شاهد أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يأكل؟

هو ما يلزم من عدم المشاهدة عدم الوجود، ما يلزم.

المقدم: لكن يا شيخ، هذا دلالة واضحة على أنه ليس مطعومًا؟

لا، أنا لا أقرر كلام هذا أنه حقيقي، لكن لا يلزم أيضًا من عدم المشاهدة عدم الوقوع؛ لأن الإنسان يخلو بنفسه أحيانًا.

فكأنه قال لما قيل له: إنك تواصل، فقال: «إني لست كهيتئكم» في ذلك، أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله. بل إنما «يطعمني ربِّي ويسقين» ولا تنقطع بذلك مواصلتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورةً ومعنى. يعني حقيقي لكن لا يُفطِّر.

وقال الزين بن المُنيِّر: هو محمولٌ على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحالة النائم، الذي يحصل له الشِبَع والري بالأكل والشرب، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ ولا يبطُل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره. وحاصله أنه يُحمَل ذلك على حالة استغراقه- صلى الله عليه وسلم- في أحواله الشريفة، حتى لا يؤثر فيه حينئذٍ من الأحوال البشرية.

وقال الزين بن المُنيِّر: هو محمولٌ على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحالة النائم، الذي يحصل له الشِبَع والري بالأكل والشرب، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ ولا يبطُل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره. وحاصل هذا الكلام أنه معنوي وليس بحقيقي، يعود إلى أنه معنوي.

وما ذكره من كون النائم يحصل له شيءٌ من ذلك، لا شك أن له شاهدًا في الواقع، يعني تجد من هو مُغرم بشيء ويتيسَّر له في النوم، فيرتاح كثيرًا. وبعض الناس من أهل البيع والشراء، تجده يبيع ويشتري وهو نائم، وقد يُحس بأثر التعب.

 شخص يقول: إنه في الليل كله على سُلّم في مستودع ينتقي من البضائع، لما أصبح إذا هو تعبان جدًّا. وآخر جلس في فراشه وهو نائم، فذرع الغطاء، يعني بذراعه قاسه، لما قال: واحد اثنين ثلاثة، قطعه. يحصل هذا كثير في النوم.

المقدم: وهذا أكيد يبيع أقمشة.

هذا يبيع أقمشة نعم فيرتاحون لهذا، كما قال ابن المُنيِّر، بعض الرؤى لا شك أنها في بعض الأوقات مُتعبة. لكن إذا كانت مما يسر القلب ويفرحه، لا شك أن لها أثرًا في السرور والعكس بالعكس.

يقول: وحاصله أنه يُحمَل ذلك على حالة استغراقه- صلى الله عليه وسلم- في أحواله الشريفة، حتى لا يؤثر فيه حينئذٍ من الأحوال البشرية. من اتصل بمحبوبه مثلاً واستغرق معه الوقت الطويل، يُحس بجوع أو ألم أو تعب أو عطش؟ ما يُحس، فهو من هذا النوع.

وقال الجمهور: قوله «يُطعمني ويسقين» مجازٌ عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة. فكأنه قال: يعطيني قوة الأكل والشرب، أو قوة الآكل والشارب ويفيض عليَّ ما يسُد مسد الطعام والشراب، ويقوي على أنواع الطاعة من غير ضعفٍ في القوة ولا كلالٍ في الإحساس.

يقول: مجازٌ عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة. يعني يحصل له قوة، فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب ويفيض عليَّ ما يسُد مسد الطعام والشراب، ويقوي على أنواع الطاعة من غير ضعفٍ في القوة ولا كلالٍ في الإحساس.

الآن الشِبَع والري عند الأشعرية، عند الأشاعرة، هل هو ناتج عن الأكل والشرب؟ يعني سببه الأكل والشرب أو هو ناشيءٌ عند الأكل والشرب؟ يعني عنده لا به.

المقدم: بسبب قوة الكسب عندهم.

فعند الأشعرية: عنده لا به، فهل لكلامهم حل أو زيادة في الإشكال فيما عندنا؟ هل في كلامهم حل للإشكال؟ بمعنى أن السبب غير مؤثر عندهم، فكونه يشبع ويروى من غير أكلٍ ولا شرب؛ لأن الشِبَع والري يحصل عند الأكل لا به. يعني هل يُمكن أن يحل الإشكال عندنا أو يزيد الإشكال؟

المقدم: يزيد الإشكال، حقيقة.

لأن عندهم نصًّا، وحتى من شُراح الحديث مع الأسف، الكرماني قال في مواضع: إن الأشعرية- وهو منهم- يقولون: إنه يجوز أن يرى الأعمى، أعمى الصين بقة الأندلس، لماذا؟ لأن البصر سبب، والإبصار يحصل عنده لا به.

وعلى كل حال، هذا لا يحل، بل يزيد الإشكال الذي معنا.

في ((زاد المعاد)) للإمام ابن القيم- رحمه الله- يقول: اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين:

أحدهما: أنه طعامٌ وشرابٌ حسي للفم، قالوا: وهذه حقيقة اللفظ ولا موجب للعدول عنه. نعم هذه هي الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية، تتواطئ الحقائق الثلاث على هذا، أن الطعام والشراب إنما هو المحسوس، اللهمَّ إلا إذا جيء به لا على حقيقته، وإنما من باب المُشاكلة مثلاً، المُجانسة في تعبير مثلاً. إذا قيل له: كُل من هذا الطعام، قال: أريد أن آكل ثوبًا أو ما أشبه ذلك، يعني ألبس، فلا يُحمَل على حقيقته، لا حقيقته اللغوية ولا العُرفية ولا الشرعية، وإنما هو من باب المُشاكلة.

يقول: ولا موجب للعدول عنها.

الثاني: أن المراد به ما يغذيه الله به من معارفه وما يفيض على قلبه من لذة مناجته وقُرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه. وقد يقوى هذا الغذاء حتى يُغني عن غذاء الأجسام مُدةً من الزمان.

يقول: ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثيرٍ من الغذاء الحيواني، ولاسيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضا عنه، إلى آخر ما قال، وله تكملة.

المقدم: لعلنا نُكملها- بإذن الله- في الحلقة القادمة؛ لتتضح أيضًا صورة الخلاف وحيثياته بالنسبة للمُستمع في قوله: «يطعمني ربِّي ويسقين».

إذًا أيها الإخوة والأخوات، نستكمل ما تبقى- بإذن الله- في حلقةٍ قادمة وأنتم على خير.

شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.