كتاب الرجعة من سبل السلام (17)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (17)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

"بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال: المصنف –رحمه الله-:

وَعَنْهَا أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحِجَابِ. قَالَتْ: فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرْته بِاَلَّذِي صَنَعْته، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَالَ: «إنَّهُ عَمُّك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

اسْمُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَائِلُ بْنُ أَفْلَحَ الْأَشْعَرِيُّ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْجَعْدُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ أَخُوهُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الْقُعَيْسِ ذِكْرًا إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ زوجة المرضعة".

زوج.

" زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ وَأَقَارِبِهِ كَالْمُرْضِعَة"ِ.

لأنه أب من الرضاعة، وأقاربه إن كانوا إخوانًا له، فهم أعمام، وإن كانوا أبناء، فهم إخوة من الرضاعة.

"وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا".

 لأن اللبن المحرم يكون لبنًا ساب عن حملٍ، والحمل لابد فيه من الطرفين، لكن لو وجد في ثدي امرأةٍ لبن، إما أن تكون غير متزوجة، أو مزوجة قديمًا، أو لم تلد ألبتة، ولم يسب عن حمل، وجد اللبن بجميع خواصه، فهذا على خلاف العادة، وخلاف الأصل، خلاف السُّنة الإلهية، لكن لو جد مثلاً وقد سُئل عن مثل هذا إذا كانت خواصه خواص اللبن، وتغذيته تغذية اللبن، فلا يمنع أن تكون هذه المرأة أمًّا لمن ترضعه ولو لم يكن له أب.  

كما أنه في المسائل الإلغازية التي يعيٍّون بها يقولون: شخصٌ له أبٌ من الرضاعة وليست له أم، وصورتها أن هذا الرجل له زوجتان أو أكثر هذه ترضعه واحدة أو اثنتين، وهذه ترضعه واحدة أو اثنتين، والثالثة تكمل الخمس، الزوج أب؛ لأنه رضع من لبنه خمس رضعات، لكن النساء لسن بأمهاتٍ له؛ لأن الرضاعة غير محرمة.

أحسن الله إليك.

"فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَبَ وَلَدِ الْوَلَدِ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ وَلَدِ الْوَلَدِ لَهُ؛ لِتَعَلُّقِهِ به؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحُكْمِ: اللِّقَاحُ وَاحِدٌ. أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

فَإِنَّ الْوَطْءَ يُدِرُّ اللَّبَنَ، فَلِلرَّجُلِ مِنْهُ نَصِيبٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ".

"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد زِيَادَةُ تَصْرِيحٍ حَيْثُ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَاسْتَتَرْت مِنْهُ، فَقَالَ: أَتَسْتَتِرِينَ مِنِّي، وَأَنَا عَمُّك؟! قُلْت: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي، قُلْت: إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، الْحَدِيثَ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَعَائِشَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَأَتْبَاعُهُ، فَقَالُوا: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ إنَّمَا هُوَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي اللَّبَنُ مِنْهَا. قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [سورة النساء:23]، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْأُمَّهَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُنَّ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنْ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ فَهُوَ مَفْهُومُ لَقَبٍ مُطَّرِحٍ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ اسْتَدَلُّوا بِفَتْوَى جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَطَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْبَحْثَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَسَبَقَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ، وَشيخه ابْنُ تَيْمِيَّةَ. وَالْوَاضِحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ."

 عندك شيخ أم استحسنه؟

طالب: ماذا؟

عندك استحسنه ابن تيمية؟

طالب: لا يا شيخ

أقول: غريب كون هذا الكلام حسنًا.

"وَعَنْهَا أَيْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُي فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ".

"يُقْرَأُ بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ تُرِيدُ أَنَّ النَّسْخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ تَأَخَّرَ إنْزَالُهُ جِدًّا، حَتَّى إنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَأُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَيَجْعَلُهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ".

ولعدم جمع القرآن بين الدفتي، القرآن متفرق، فيوجد عند بعضهم ما لا يوجد عند البعض؛ ولتأخر الناسخ ما علم بعض الناس وصار يقرأها على أنها قرآن، ثم لما اتفق الصحابة على ما بين الدفتين ما صار يقرأ شيء إلا ما بقي.

أحسن الله إليك.

"فَلَمَّا بَلَغَهُمْ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتْلَى، وَهَذَا مِنْ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ النَّسْخِ، فَإِنَّهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ مِثْلُ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ.

وَالثَّانِي: نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ كَخَمْسِ رَضَعَاتٍ، وَكَالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا.
وَالثَّالِثُ: نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [سورة البقرة:234]، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا أَفَادَهُ هُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ وَالْقَوْلُ: بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْآحَادِ، وَلَا هُوَ حَدِيثٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْوِهِ حَدِيثًا، مَرْدُودٌ بِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ قُرْآنِيَّتُهُ وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، فَقَدْ رَوَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَهُ حُكْمُ الْحَدِيثِ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَقَدْ عَمِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، فَعَمِلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَعَمِلَ بِهِ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ "مُتَتَابِعَاتٍ"، وَعَمِلَ مَالِكٌ فِي فَرْضِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ بِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} [سورة النساء:12] مِنْ "أُمٍّ"، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَالْعَمَلُ بِحَدِيثِ الْبَابِ هَذَا لَا عُذْرَ عَنْهُ، وَلِهذَا اخْتَرْنَا الْعَمَلَ بِهِ فِيمَا سَلَفَ."

"وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (أُرِيدَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ من الإرادة، عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ أَيْ قِيلَ: لَهُ لو تَزَوَّجْتهَا، قَالَ: «إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ".

نعم أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، أرضعت النبي –عليه الصلاة والسلام- وأرضعت حمزة، فكان أخاه من الرضاعة.

"اُخْتُلِفَ فِي اسْمِ ابْنَةِ حَمْزَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ لَيْسَ فِيهَا مَا يُجْزَمُ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ ابْنَةُ أَخِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لِأَنَّهُ رَضَعَ مِنْ ثُوَيْبَةَ أَمَةِ أَبِي لَهَبٍ، وَقَدْ كَانَتْ أَرْضَعَتْ عَمَّهُ حَمْزَةَ وَأَحْكَامُ الرَّضَاعِ هِيَ حُرْمَةُ التَّنَاكُحِ وَجَوَازُ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ وَالْمُسَافَرَةِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ التَّوَارُثِ، وَوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ، وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ."

الصلة التي تجب بالنسب لا يجب مثلها بالرضاعة، لكن الصلة مطلوبة على كل حال لكل مسلم، والمرضع حقه آكد، لكن ليس كالنسب، ولا تسمى قطيعة إذا قطعناه.

"وَقَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» يُرَادُ بِهِ تَشْبِيهُهُ بِهِ فِي التَّحْرِيمِ. ثُمَّ التَّحْرِيمُ وَنَحْوُهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُرْضِعِ، فَإِنَّ أَقَارِبَهُ أَقَارِبُ لِلرَّضِيعِ. وَأَمَّا أَقَارِبُ الرَّضِيعِ مَا عَدَا أَوْلَادَهُ، فَلَا عَلَاقَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرْضِعِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ".

"وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ» بِالْفَاءِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَقَافٍ. الْأَمْعَاءَ، جَمْعُ الْمِعَى بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ".

والأمعاء على ما قالوا: المصارين.

أحسن الله إليك.

 

"وَالْمُرَادُ مَا سَلَكَ فِيهَا مِنْ الْفَتْقِ بِمَعْنَى الشَّقِّ، وَالْمُرَادُ مَا وَصَلَ إلَيْهَا، فَلَا يُحَرِّمُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفُذُ إلَيْهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا وَصَلَهَا وَغَذَّاهَا وَاكْتَفَتْ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «إنَّ ابْنِي إبْرَاهِيمَ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ»، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْأَخِيرِ قوله:

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "لَا رَضَاعَ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجَّحَا الْمَوْقُوفَ".

تقدم ما في قصة سالم مولى أبي حذيفة أنهم احتاجوا له فأرضعوه، أمرهم النبي –عليه الصلاة والسلام-، فأرضعوه، صار يدخل عليهم، من محارمهم، كانت عائشة ترى رضاع الكبير مطلقًا أنه يحرم، وشيخ الإسلام يقول: عند الحاجة مثل قصة سالم، والجمهور على أنه لا أثر له.

"وَرَجَّحَا الْمَوْقُوفَ؛ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ إلى الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَوَقَفَهُ. قُلْت: وَهَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ كَمَا قَرَرْنَاهُ مِرَارًا".

وإن تعارض الوقف مع الرفع ليس بعلة عند جمع من أهل العلم، وهذه قاعدة المتأخرين أن العبرة من الرفع إنما هو زيادة علم، والأئمة الكبار لا يحكمون بحكمٍ مضطرد، أحيانًا يحكمون للمرفوع؛ لأنه معه زيادة علم، وأحيانًا يحكمون للموقوف.

طالب:.........

عملهم بالقرائن نعم.

أحسن الله إليك.

"قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: إنَّ الْهَيْثَمَ كَانَ يَغْلَطُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ التَّحْدِيدَ بِالْحَوْلَيْنِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَوْلَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى الرَّضَاعُ رَضَاعًا إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْقَوْلُ: بِأَنَّهَا إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى حُكْمِ الْوَاجِبِ مِنْ النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا لَا عَلَى مُدَّةِ الرَّضَاعِ، تَقَدَّمَ دَفْعُهُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْحُكْمِ وهو قوله:

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَزَ» بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَزَايٍ أَيْ شَدَّ وَقَوَّى الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ هُوَ فِي سِنِّ الْحَوْلَيْنِ، يَنْمُو بِاللَّبَنِ وَيَقْوَى بِهِ عَظْمُهُ، وَيَنْبُتُ عَلَيْهِ لَحْمُهُ.

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ عَامِر الْقُرَشِيُّ النَّوْفَلِيُّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ يُعَدُّ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إني أَرْضَعَتْكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ؟»، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، فَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ".

"الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ وَحْدَهَا تُقْبَلُ، وَبَوَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُفَارَقَةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ".

يعني يجب على الرجل المفارقة للشبهة، للشبهة القوية، وأما الحاكم فلا يحكم إلا بشاهدين.

"قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا امْرَأَتَانِ، وَذَهَبَت الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الرَّضَاعَ كَغَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ".

وجعلوا مثلاً هذا في الأنساب مثل الأموال، والصحيح عند الجمهور أنه خاص بالأموال.

أحسن الله إليك.

"وَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَقَرَّرَ فِعْلُهَا، َقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُعَرِّضَ بِطَلَبِ أُجْرَةٍ".

لأنها إذا عرضت بطلب أجرة وصدقناها، فإننا نصدقها في دعواها لنفسها.

أحسن الله إليك.

"قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ.

 وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ سِيَّمَا، وَقَدْ تَكَرَّرَ سُؤَالُهُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: «كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ؟» وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «دَعْهَا». وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا خَيْرَ لَك فِيهَا»، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يَذْكُرْ الطَّلَاقَ، فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا الْعَدَدُ، وَقَدْ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، فَقُلْتُمْ: يُكْفَى شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ قَلَّمَا يَطَّلِعُ الرِّجَالُ عَلَى ذَلِكَ، فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى اعْتِبَارِهِ فَكَذَا هُنَا".

"وَعَنْ زِيَادٍ السَّهْمِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَاءُ خَفِيفَةُ الْعَقْلِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ لِزِيَادٍ صُحْبَةٌ.

وَوَجْهُ النَّهْيِ أَنَّ لِلرَّضَاعِ تَأْثِيرًا فِي الطِّبَاعِ، فَيُخْتَارُ مَنْ لَا حَمَاقَةَ فِيهَا وَنَحْوُهَا".

لا شك أن الجسم ينبني من هذا اللبن، ويتكون منه، وقد يكون له أثر في العقل الوراثي، فالحماقة يبتعد عنها.

اللهم صل على محمد.