شرح جوامع الأخبار (09)

عنوان الدرس: 
شرح جوامع الأخبار (09)
عنوان السلسلة: 
شرح جوامع الأخبار
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 11/ شعبان/ 1435 11:30 ص

سماع الدرس

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -عليه رحمة الله تعالى- في كتابه جوامع الأخبار:

الحديث السادس والسبعون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد)) [متفق عليه].

هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يضحك الله إلى رجلين)) وفي هذا إثبات صفة الضحك لله -جل وعلا-، على ما يليق بجلاله وعظمته، ((إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل)) ينال الشهادة على يد هذا الرجل الذي قتله ظلماً وعدواناً، ثم يتوب الله -جل وعلا- على هذا القاتل، يوفق هذا القاتل إلى التوبة النصوح بشروطها، والتوبة تهدم ما كان قبلها، قد يكون هذا القاتل كافر ثم يسلم، الإسلام يجب ما قبله، أو يكون عاصياً باغياً يقتل أخاه المسلم بغير جناية، ثم يمنّ عليه الرب -جل وعلا- بالتوبة النصوح التي تهدم ذلك الذنب العظيم، فيسلم إن كان كافراً، أو يتوب إن كان باغياً، فيقاتل في سبيل الله فيقتل فيستشهد، وكل من الشهيد الأول والشهيد الثاني في الجنة، ولا شك أن أمرهما عجب، يجتمع اثنان في الجنة أحدهما قتل الآخر، مع ما جاء من نصوص الكتاب والسنة القطعية من تعظيم شأن القتل، وهذا القاتل والمقتول كلاهما في الجنة، بالمقابل جاء: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) هنا القاتل والمقتول في الجنة، وهناك القاتل والمقتول في النار، لأنه هنا قتل المقتول ظلماً فهو شهيد، تاب هذا القاتل فقتل مثل أخيه ظلماً فنال الشهادة، أما في الحديث الآخر، ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) إذا تقاتلا على الباطل، وفي الفتن الذي لا يدرى ما وجهها، لا شك أن مثل هذا القاتل ارتكب أمراً عظيماً وجرماً خطيراً فهو في النار، والمقتول؟ قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((كان حريصاً على قتل صاحبه)) فبنيته دخل النار، وهذا من أحاديث الوعيد، يدخلون النار إذا كانوا مسلمين ثم ينقون ويعذبون ومآلهم -إن شاء الله تعالى- إلى الجنة، على كل حال القتل شأنه عظيم، وخطره جسيم، والإقدام عليه دلالة على رقة في الدين، أو خلل في العقل، والله المستعان.  

الحديث السابع والسبعون: عن أنس -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه،‏ فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل‏:‏ اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)‏)‏ [متفق عليه]‏.‏

حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ أصابه)) لضرٍ نزل به، هم، مرض، فقر، ديون، مشاكل، لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت، لماذا؟ لأنه يقطع الحياة التي يتعبّد فيها المسلم لله -جل وعلا-، فيكسب فيها حسنات علّك أن تخلّف، تؤخر أيام فيها الصيام، وفيها الصلاة، وفيها الذكر، فأنت تسعى لانقطاع الخير، الأمر الثاني: أن فيه اعتراض على القدر، اعتراض ظاهر على القدر، فلا شك أن مثل هذا لا يجوز، ولذا جاء النهي عن تمني الموت بسبب الضر، يقول: ((فإن كان لا بد فاعلاً)) يعني جاءه أمر لا يكاد يطيقه، والنفوس لا شك أنها قد ينزل عليها أمور لا تطيقه إلا بإعانة الله وتثبيته، ((فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي)) العلم عند الله -جل وعلا-، ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) فيكل الأمر إلى الله -جل وعلا-؛ لأنه ما يدريه أن يتمنى الموت، ويكون مآله إلى النار، نسأل الله العافية؛ لكن إذا قال مثل هذا، إذا كان مآله إلى النار ما استجيب دعاؤه؛ لأن الحياة ليست خيراً له، شر له، وحينئذٍ لا يجاب دعواه، فيكل الأمر إلى الخالق، إذا كان خوفه من فتنة عارمة، وخشية أن يفتن عن دينه، لا مانع، لا بأس أن يتمنى الموت، وجاء في حديث آخر الزمان أن الإنسان يمر على القبر فيقول لصاحبه: ليتني مكانك، وأيضاً مريم قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [(23) سورة مريم] هذه فتنة، امرأة تحمل من غير زوج تخشى على نفسها، فتمنت، ويوسف -عليه السلام-: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [(101) سورة يوسف] ولا شك أن مثل هذا كل يتمنى أن يموت حال كونه مسلماً، وليس هذا تمني للموت، إنما فيه تمني الموت على الإسلام.

((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) هل في هذا شبه من قول: اللهم اغفر لي إن شئت؟ لأن في مثنوية هنا: ((اللهم أحيني)) هذا دعاء ((ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) لهذا الطلب فيه تردد؛ لأنه لا يدري ما الخير؟ هل هو في الحياة أو في الموت؟ فوكل ذلك الاختيار إلى الله -جل وعلا-، أما قول: ((اللهم اغفر لي)) المغفرة خير محظ، فلا يجوز أن يقترن بالمشيئة، بقي أنه إذا كان الدعاء بلفظ الخبر لا بلفظ الأمر فإنه يجوز اقترانه بالمشيئة، كما جاء في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((طهور إن شاء الله)) ((ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)) إذا كان الدعاء بلفظ الخبر يجوز اقترانه بالمشيئة، وإذا كان بلفظ الأمر فلا، والله أعلم.

الحديث الثامن والسبعون: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏إن الدنيا حلوة خضرة‏،‏ وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)‏)‏ [رواه مسلم]‏.‏

نعم هذا الحديث الصحيح لأبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الدنيا حلوة خضرة)) حلوة في مذاقها، خضرة في مرآها، فأطيب ما يذاق، وأفضل ما يذاق الحلو، وأفضل الألوان الخضرة، فهذه الدنيا تتشكل للناس وتستهويهم وتغرّهم بزخرفها فتبدو كأنها حلوة خضرة، وإلا مثل هذا لا ينطلي على من عرف حقيقة الدنيا، وأنها ملعونة؛ لكنها تبدو للناس بهذا الشكل، حلوة خضرة، فعلى الإنسان أن يحذر منها، وأن لا ينجرف إلى ما أودع فيها؛ لكن الله -جل وعلا- مستخلفكم فيها، جعلكم خلائف يخلف بعضكم بعضاً، وطلب منكم عمارتها لتتمكنوا من عبادة ربكم، ((مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون)) يختبرك ماذا أنتم عاملون على ظهر هذه الدنيا؟ هل أنتم عاملون بما يرضي الله -جل وعلا-؟ أو بما يغضبه؟ ((فاتقوا الدنيا)) احذروها؛ لأنها تظهر لكم بمظاهر تستهويكم؛ لكن اعرفوا حقيقتها، وأنها دار ممر وعبور، وليست دار مقر، كرجلٍ استظل بظل دوحة، مثل هذا يطيل الأمل؟ لا، "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" من تصور نفسه غريب أو عابر سبيل هذا لن يركن إلى الدنيا، فمثل هذا يتقي الدنيا، ويقبل على ما هو بصدده، وما خلق من أجله، وهو العبودية لله -جل وعلا-.

((واتقوا النساء)) لا شك أن النساء فتنة، وإذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان، وتبعتها الأنظار، فعلى المرأة أن لا تكون سبباً في إضلال الناس وإغوائهم، عليها إذا خرجت أن يكون خروجها لحاجة، وإلا فالأصل هو القرار في البيت، كما قال -جل وعلا-: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [(33) سورة الأحزاب] لكن إذا خرجت المرأة لا تكون سبباً في إضلال المرأة وإغوائهم وفتنتهم، تخرج تفلة غير متطيبة ولا.. لئلا تفتن الناس، وبالمقابل على الرجل أن يغض بصره ويصرفه عن النساء.

((فاتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) أول فتنتهم كانت في النساء، ثم بعد ذلك استدرجوا في المعاصي بعد هذه الفتنة، وزاولوا غيرها من الفتن إلى أن خرجوا من دينهم، والله المستعان.

الحديث التاسع والسبعون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شُعبة، أعلاها‏:‏ قول‏:‏ لا إله إلا الله‏،‏ وأدناها‏‏ إماطة الأذى عن الطريق‏،‏ والحياء شعبة من الإيمان‏)‏) [متفق عليه]‏.

هذا حديث الشعب، حديث مشهور عند أهل العلم مخرج في الصحيحين وغيرهما، الإيمان سبق تعريفه: بأنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب بالجنان، وعمل بالأركان، وشعبه تدل على صحة هذا التعريف؛ لأن منها ما هو قول باللسان، ومنها ما هو عقد بالقلب، ومنها ما هو عمل بالأركان، بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك، والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، شعبة خصلة أعلاها، أعلى هذه الشعب وهذه الخصال: قول لا إله إلا الله، التي هي كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد، ولا يصح الإسلام ولا الدخول في الإسلام إلا بها، ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) ولا إله تنفي جميع ما يعبد من دون الله، وإلا الله تثبت أنه هو المعبود الحق، أنه لا معبود بحقٍ سواه، أعظمها لا إله إلا الله، وأدناها أقلها إماطة الأذى عن الطريق، تزيل الأذى عن طريق الناس، هذه شعبة من شعب الإيمان، فلا يترفع الإنسان إذا وجد ما يؤذي الناس في طريقهم، يقول: هذا والله في بلدية تشيله، كثير من الناس يمر عند الأشياء المؤذية زجاج مكسر أو شيء من هذا يؤذي الناس في طريقهم ولا يمد يده ويرفعه ويقول: في بلده؟ يا أخي هذه من شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، والذي أزال الغصن عن طريق الناس دخل الجنة، فلا تحرم نفسك، وهذه من شعب الإيمان.

((والحياء شعبة من الإيمان)) وهو انكسار يعتري القلب، وأولى وأعظم من يستحيا منه الله -جل وعلا-، ((استحيوا من الله حق الحياء)) ويستحيا أيضاً من عباده الصالحين، والمراد بالحياء الحياء الذي يبعث على العمل الصالح، ويزجر عن العمل السيء، أما الخجل الذي يمنع من مزاولة الأعمال الصالحة كالأمر والنهي والدعوة والتعليم، مثل هذا ليس بحياء، الحياء لا يأتي إلى بخير، وهذا جاءك بشر، فليس من الحياء الشرعي وإن تعارف الناس على تسميته حياء، وهو في الحقيقة خجل، مثل هذا ليس هو المقصود هنا، اجتهد العلماء في عد هذه الشعب، مما ورد في الكتاب والسنة مما أطلق عليه اسم الإيمان، فأوصلوه إلى هذه العدة وابن حبان له طريقة في استخراج الشعب، وابن حجر أيضاً له طريقة، وكل له طريقة؛ لأنه جاء الحديث هكذا مجملاً: أعلاها وأدناها، ومن أمثلته الحياء، وبقية الشعب ما عدت، وللبيهقي كتاب اسمه شعب الإيمان.

الحديث الثمانون: عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏((‏ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تَرْجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم‏،‏ وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تِلقَاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة‏،‏ فمن لم يجد فبكلمة طيبة)‏)‏ [متفق عليه]‏.‏

((ما منكم من أحدٍ)) أحد نكرة في سياق النفي ودخلت عليها (من) للتأكيد، لتأكيد هذا العموم ((إلا سيكلمه ربه)) ما منكم الخطاب لمن؟ لكل من يتأتى منه المخاطبة من المسلمين، ومن أهل العلم من يقول: من المخلوقين، من المسلمين وغيرهم؛ لكن الخطاب لا شك أنه للمسلمين، ((ما منكم من أحدٍ)) لمن ينتفع بالخطاب ((إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) يناقش الناس، يناقش الخلائق كلهم، منذ أول مخلوق إلى آخر مخلوق، يعني إذا كنت في مدرسة فيها ثلاثمائة طالب هل يتولى الامتحان شخص واحد أو لجان؟ لجان الامتحانات؛ لكن تصور الخلائق، تصور الخلائق منذ بدء الخليقة من آدم إلى قيام الساعة، كل واحد بنفسه يكلمَّ ويناقش! قدرة مذهلة؛ لكن الذي يخلق العباد ويرزق هؤلاء العباد بكلمة من غير أدنى لغوب ولا مشقة يناقشهم بدون مشقة، وبدون واسطة، وإلا المناقشة لو كل واحد، تشوفون أنتم المقابلات الشخصية تجد المقابلة فيها خمسة طلاب تحتاج إلى يوم يومين ثلاثة، مقابلات شخصية وأسئلة ومناقشات، عن ثلاثة أسئلة أربعة خمسة لكن يناقش في جميع ما فعله طيلة حياته، فعلت كذا، فعلت يوم كذا، في يوم كذا فعلت كذا، صنعت كذا، الناس كلهم القدرة الإلهية فوق ما يتخيله الإنسان، فالذي يرزق الناس في ساعة يناقشهم في ساعة، إيش المانع؟ ((ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) ترجمان: هو الذي يبلغ من لغة إلى لغة، ينقل الكلام من لغة إلى لغة، وقد يطلق على من يوصل الكلام ولو بنفس اللغة، ولذا يقول نصر بن عمران أبو جمرة، نصر بن عمران الضبعي كنت أترجم بين يدي ابن عباس، ابن عباس بالعربية ويكلم عرب، إيش معنى يترجم؟ يعني ينقل كلامه لمن بعد عنه، هذا ترجمان، فما يحتاج الله -جل وعلا- ليس بحاجة إلى ترجمان ليبلغ الناس كلامه، كل واحد بمفرده يقرر على جميع فعله، منذ أن كلف إلى أن مات.

((فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم)) الآن جاء وقت الذروة، يعني قبل قدوم الامتحان بالشهر يبدأ الألم يعتصر القلوب، وكل يوم يزيد الألم، ويزيد الاستعداد، تبدأ الاختبارات والناس على أعصابهم، تنتهي الاختبارات تجي ساعة الصفر، يعني النتيجة، وأحلك الظروف إذا قيل: الآن تعلق النتائج، ما فيه إلا جوابك، ((ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم)) ما في إلا الحسنات التي هو قدمها، ((وينظر أشأم منه ما ينظر فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار)) {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [(71) سورة مريم] الورود مقطوع به؛ لكن الصدر منها من ينجو منها {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا} [(72) سورة مريم] هل اتصفت بهذا الوصف المنجي؟ اتقيت الله -جل وعلا-؟ ((فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار)) اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، قدموا ما تستطيعون في زمن المهلة، ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) وهذا فيه حث على الصدقة بأدنى شيء، ولو قل، لا تحتقر، لا تقول: هذا أعطيه الفقير يرده، إذا رده هذا الفقير أعطيه آخر، ((لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرس شاة)) يعني ولو الكراك تتصدق به على جارتها ما يدريك، ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) فمن لم يجد ما عنده ما يتصدق به فبكلمة طيبة، كلمة طيبة استقبل بها أخاك، استقبل أخاك بكلمةٍ طيبة، بوجهٍ طلق، ببشر وسرور، أدخل على أخيك السرور، وواقع بعض طلاب العلم هدانا الله وإياهم الاستقبال عندهم فيه خلل، ولا شك أن هذا خلل في التحصيل العلمي قبل التصور، وإلا هذا أخوك ما تختلف معه في شيء، يعني هل تتصور أنك أنت وزميلك لا تجد زميلك تتطابق معه في وجهات النظر مائة في المائة مستحيل؟ الصحابة خيار الخلق بينهم خلاف، فإذا وجد خلاف بين المسلم وأخيه وطالب العلم على وجه الخصوص والعالم مع زميله يوجد نفرة وفرقة ويرضى الشيطان بمثل هذا التحريش، وينفخ مثل هذه الأمور فتتضاعف وتزيد، والأمة عموماً ليست بحاجة إلى مزيد من الفرقة والتناحر والتشاحن، هي بحاجة إلى الألفة والتآلف، والمقصود أن الناس بحاجة إلى تعارف وتآلف وتآخي، فمن لم يجد بكلمةٍ طيبة، والنصوص صحيحة صريحة في هذا، نعم يبقى أن المسلمين من فيه شر على المسلمين، وضرر محظ عليهم مثل هذا لا مانع أن يحذر منه بقدر الحاجة، أما بعض الأمور المبنية على الظنون والشكوك والأوهام هذه لا يرتب عليها نتائج، والله المستعان.

الحديث الحادي والثمانون: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ (‏(‏دعوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم‏،‏ فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم‏))[متفق عليه]‏.

نعم، هذا الحديث يقول فيه -عليه الصلاة والسلام-: ((دعوني ما تركتكم)) لأن الله -جل وعلا- ترك بعض الأمور التي تشق على الناس من التكاليف من غير نسيان ولا غفلة، تركها رحمة بعباده، فإذا تُركوا عن حكم مسألةٍ من المسائل لا ينقب عنها، ويبحث عنها، فيحرم الحلال بسبب هذا السؤال، وجاء في الخبر: ((أشد الناس جرماً من سأل على شيء فحرم بسببه)) ((ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) بنو إسرائيل لما أمروا بذبح البقرة، لو قالوا: سمعنا وأطعنا، وذبحوا أول بقرة قابلتهم أجزأت عنهم، ودلت على سرعة امتثال؛ لكن ما هي؟ ما لونها؟ {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [(70) سورة البقرة] وأسئلة إلى أن ضيّق عليهم الأمر، ضيق عليهم الأمر، واشتد عليهم الطلب، ولم يجدوا هذه البقرة إلا بعد شق الأنفس بأغلى الأثمان؛ لكن من طبعهم التعنّت، ولذا تجدون في الامتثال، الامتثال بين شخص وشخص، يعني بون شاسع، يعني من أمر بذبح ابنه فتلّه للجبين، مباشرة، ابنه، وهذا فرق، وأمة بكاملها تؤمر بذبح بقرة {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [(71) سورة البقرة] بنو إسرائيل أمة متعنّتة، متغطرسة، أصحاب أسئلة، وأصحاب حرج وعنت وضيق، فلا ينبغي للمسلم أن يشابههم في هذا، المسلم يستمع الحق ويعمل، فيستمع ما ينهى عنه فيكفّ، ((فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه)) نعم المناهي وما ينهى عنه ليس فيه مثنوية، خلاص نهيت كفّ، ((وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) لأنه لا يتصور عدم الاستطاعة في المحظور، لا يتصور؛ لأن المحظور الأصل فيه عدمه، والعدم لا يستحيل في حق أحد، بينما الإيجاد، إيجاد الفعل قد يعجز عنه أو عن بعضه كثير من الناس، ولذا جاء: ((فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) ولذا يقرر أهل العلم أن ارتكاب المحظور أعظم من ترك المأمور، أخذاً من هذا الحديث: ((إذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه)) بدون تردد، إذا أمرتكم بأمرٍ فانظروا هل تستطيعون أو لا تستطيعون؟ لأنه بالإمكان أن يقال: فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوا منه ما استطعتم؛ لأن الإنسان قد يضعف أمام بعض المنهيات، تحمله نفسه على ارتكاب بعض المحرمات؛ لكن هذا ما فيه خيار، ارتكب، ارتكب حرام، ما يقول: والله غالبتني نفسي وعجزت اصبر، ما في، اجتنبوه، بينما المأمور أأتوا منه ما استطعتم، وهذا يدل على أن شأن المنهي أعظم من شأن المأمور به، وهذا مأخوذ من هذا الحديث، وعليه جلّ أهل العلم، ولذا يقررون أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، تبعاً لهذا، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يرى العكس، أن ترك المأمور أعظم من ارتكاب المحظور، بدليل أن معصية آدم ارتكاب محظور، ومعصية إبليس ترك مأمور، ومعصية إبليس أعظم من معصية آدم؛ لكن لعل الصواب لا هذا ولا هذا؛ لأن المأمورات متفاوتة، والمحظورات متفاوتة، فإذا تعارض مأمور ومحظور ننظر في حجم هذا المحظور، وحجم هذا المأمور، يعني ننظر في هذا المأمور، هل هو من عظائم الأمور؟ وننظر في المحظور هل هو من الموبقات أو دونها؟ المثال يوضح: أنت مأمور بأداء الصلاة مع الجماعة في المسجد، مأمور بأداء الصلاة في المسجد، في طريقك إلى المسجد شباب مكلفون جالسين في الشارع تقول لهم: صلوا، يقولوا: محنا مصلين، هذا منكر لا تستطيع إزالته، هل نقول: أنت ترتكب المحظور لأنك تمر مع منكر لا تستطيع إزالته، إذاً اجلس في بيتك ولا تصلي مع الجماعة؟ لا، نقول: ارتكب هذا المحظور؛ لأنك لا تستطيع وافعل المأمور؛ لكن لو كان في طريقك إلى المسجد بغي ومعها ظالم يلزم كل من مر مع هذا الطريق أن يقع على هذه البغية، نقول: افعل المأمور ولو ترتب عليه ارتكاب محظور؛ لأنك مأمور بأداء الصلاة مع الجماعة؟ لا، لا، نقول: صلي في بيتك؛ لأن المحظور أعظم من هذا المأمور، بخلاف المحظور الأول أقل من المأمور، فهذه الأمور تتفاوت ينظر إلى كل مسألةٍ بعينها، والمفاضلة هنا تقع.

الحديث الثاني والثمانون: عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏من لا يرحم الناس‏‏ لا يرحمه الله‏)‏) [متفق عليه]‏.

نعم لا شك أن الجزاء من جنس العمل، فمن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، ومفهومه أن من يرحم الناس يرحمه الله، كما جاء في الحديث المسلسل بالأولية: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) فمن جبل على العطف على الناس ورحمتهم يبشر برحمة الله -جل وعلا-، من جبل على العفو والتسامح يبشر من الله -جل وعلا- بالعفو والتسامح، من جبل على التشديد على الناس والتضييق عليهم، الجزاء من جنس العمل، والإنسان لا يلوم إلا نفسه، فعلى هذا من ولاه أمر الناس، ولاه أمر أسرة عليه أن يرحمهم ويلطف بهم، ويرفق بهم ليرحم يوم القيامة، عنده جيران يلاطفهم ويمازحهم ويرحمهم ويحنو عليهم ويعطف على ضعيفهم، ويحترم كبيرهم، ويبشر، وأن الجزاء من جنس العمل، بخلاف ما إذا كان فظاً غليظاً على الناس، شتاماً صخاباً هذا يحتاج  جزاؤه مثل عمله، لا يرفق به ولا يرحم، حديث المسلسل بالأولية إلى يومنا هذا يقول: حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث.. إلى من؟ إلى سفيان بن عيينة، متسلسل إلى يومنا هذا، هذا حديث يسمى المسلسل في الأولية، وهو قول كل راو من رواته: وهو أول حديث سمعته منه، والذي عنده إجازة لا بد أن يكون مرّ عليه يكون أول حديث سمعه، طلاب الحديث عندهم إجازات، الحديث: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) هل الإنسان غني عن رحمة الله عليه -جل وعلا-؟ ليس بغني، إنما هو بأمسّ الحاجة إلى الرحمة، فإذا كان محتاجاً إلى الرحمة يرحم الناس.

الحديث الثالث والثمانون: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثَره، فليَصِلْ رحمه)‏)‏ [متفق عليه]‏.

هذا الحديث العظيم يقول فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((من أحب أن يبسط له في رزقه)) وفي روايةٍ في الصحيح: ((من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) لأن عندنا بر وصلة وآداب، وكثيراً ما تجمع في كتب السنة هكذا، كتاب البر والصلة والآداب، والبر للأبوين والصلة للأقارب والأرحام، والآداب مع سائر الناس، وجاء في بر الوالدين ما جاء في نصوص الكتاب والسنة، واقتران حقهما بحق الله -جل وعلا-، وهنا ما يدل على أيضاً شأن الصلة، صلة الرحم، والرحمة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم، ولا مشاحن، دعوهما حتى يصطلحا، وهنا من سره أن يبسط، يزاد في رزقه، وينسأ يؤخر في أثره في عمره، يطال في عمره، يزاد في عمره فليصل رحمه.

قد يقول قائل: إن الرزق محدد مكتوب ما يزيد ولا ينقص، والأجل؟ {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [(34) سورة الأعراف] والملك يكتب، يكتب الرزق والأجل وشقي أم سعيد، يكتبهم في بطن أمه، فكيف هنا يدل على أن الرزق يزاد؟ بدل من أن يكون رزقه المكتوب في عمره كله كذا ألف يزيد إيش المانع؟ وبدلاً من أن يكون عمره ستين سنة يصير سبعين إذا وصل رحمه، هذا مفاد الحديث، ولذا من أهل العلم من يرى أن الزيادة حسية، في البابين، حسية، وهذا المكتوب وهذه الزيادة لا شك أن فيها نوع معارضة في الظاهر لما ثبت في اللوح المحفوظ، إذا كانت الزيادة حقيقية، عمره ستين سنة زيدوه عشر، بسبب الصلة، فأين ذلك من قوله -جل وعلا-: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [(34) سورة الأعراف] أما بالنسبة للآية فهي إذا جاء الأجل، والحديث فيما إذا لم يحضر الأجل، هذه الزيادة عند من يقول: أنها زيادة حسية حقيقية، يقول: ما المانع أن ما في أيدي الملائكة، وما يطلع عليه الملائكة في اللوح المحفوظ يمكن أن يتغير، أما ما في علم الله -جل وعلا- فإنه لا يتغير؛ لأن الله كتب له من الأصل علم -جل وعلا- أنه يصل رحمه، ويكون عمره سبعين، وأبدى لملائكته ستين إن وصل سبعين، فيصل، فالمتغير ما في علم الملائكة، أما ما في علم الله -جل وعلا- فإنه لا يتغير؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ لا تخفى عليه خافية، من أهل العلم من يرى أن الزيادة معنوية وليست حقيقية؛ لأن الآجال محددة، مقدرة لا تزيد ولا تنقص؛ لكنها معنوية، كم من شخص عاش أربعين خمسين سنة أنجز في هذه السنين ما ينجزه غيره في مائة سنة أو أكثر؟ نعم كم؟ يعني إذا وجدنا الأئمة الكبار إذا قسنا مؤلفاتهم بأعمارهم وجدنا شيء ما يخطر على بال، لو قسناه بأنفسنا، يعني لو قسمت المؤلفات ابن الجوزي مثلاً على عمره باليوم وجد له من المؤلفات في كل يوم تسع كراريس، كثيرة جداً؟ النووي مات عن خمس وأربعين سنة، وش ترك من التراث؟ من العلم النافع؟ شيخ الإسلام ولد سنة واحد وستين وستمائة، يعني تسع وثلاثين وثمان وعشرين كم؟ سبعة وستين سنة؛ لكن شوف المؤلفات، شوف البركة في الوقت؟ تأليف، وتعليم، وجهاد، وسجون وأمور عظائم، يكتب الفتوى في جلسة، وهو ما تورغ على ضرب مستوفز، يكتب فتوى في مائتين وثلاثين صفحة يقول: أن صاحبها مستوفز يريدها وإلا الشيخ  بيبسط بعد، مائتين وثلاثين صفحة، رسالة ماجستير يمكث فيها الطالب سنتين على الأقل، نقض التأسيس لشيخ الإسلام ابن تيمية أنا أجزم بأن شيخ الإسلام ما أخذ عليه شهر يكتبه، أجزم جزماً أن الشيخ ما أخذ عليه شهر؛ لأن الشيخ -رحمه الله- ما يرفع القلم في الكتاب، وحقق هذا الكتاب، والتأليف الذي هو تأسيس أشد من التحقيق، يحقق هذا الكتاب بأربعين سنة، كيف أربعين سنة؟ ثمان رسائل دكتوراه، كل واحد خمس سنين، يعني المسألة شوف البركات كيف؟ يذكر عن بعض أهل العلم أنه يقرأ كذا في اليوم، وبعضهم يقرأ مجلد، يعني ابن حجر قرأ المعجم الصغير للطبراني في ساعات، مجلد، وقرأ مسلم في أربعة أيام، وقرأ كذا.. وين هذه الأعمال؟ فضلاً عن الأئمة الذين حفظوا سبعمائة ألف حديث، ستمائة ألف حديث، وخمسمائة.. وين؟ الواحد من طلاب العلم في عصرنا إذا حفظ الأربعين لو ما تقول: الحافظ يعني يمكن يصير في نفسه شيء، صحيح، هنا تكمل البركات، علم وعمل وتدريس، النووي اثنا عشر درس في اليوم، والواحد منا إذا حضر درس نصفه غفلة، وإلا يجي ينام، وإلا يتغافل، ونياتنا الله أعلم بها كأنه جاء برأس أكبر عدو للمسلمين، إذا حضر هذا الدرس، مشكلة رؤية العمل عائق عن العمل، فلا شك أن البركة لا نهاية لها، إذا رضي بارك، فلنسعى للأسباب التي بسببها نحصل على هذه البركات، ومن أعظم ذلك صلة الرحم.

الحديث الرابع والثمانون: عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏المرء مع من أحب)‏)‏ [متفق عليه]‏.‏

هذا الحديث حديث عظيم، ينبغي للمسلم أن يفرح به أشد الفرح، كما فرح به الصحابة؛ لكن ليست المسألة دعوى ولا أماني ((المرء مع من أحب)) كلنا يدعي أنه يحب الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ونحب أبا بكر، ونحب عمر، ونحب الأنبياء، ونحب العلماء العاملين المخلصين المحققين كلنا ندعى هذا؟ لكن الكلام ما الذي يصدق هذه الدعوى؟ الذي يخالف أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- يحب الرسول؟ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [(31) سورة آل عمران] هذه الدعوى المصدقة في العمل، فالذي يعصي الله -جل وعلا-، ويعصي أوامر الرسول -عليه الصلاة والسلام- كاذب في دعواه.

تعصي الإله وأنت تزعم حبه
لو كان حبك صادقاً لأطعته

 

هذا لعمري في القياس شنيعُ
إن المحب لمن يحب مطيعُ

الرسول يأمرك بالأمر، وينهاك عن النهي، ولا يحرك فيك ساكن، وتقول: أحب الرسول -عليه الصلاة والسلام-؟ كثير من المسلمين في أقطار الأرض مخالفون مضادون للنبي -عليه الصلاة والسلام- ولأقواله ولأفعاله، وإذا جاء يوم المولد زعموا أنهم يحبون الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ويرمون من لا يزاول هذه الأمور البدعية بعدم محبة النبي -عليه الصلاة والسلام-، ويزعمون أنهم هم الذين يحبون النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ هذا الكلام ليس بصحيح، إنما من يحب أحد لا بد أن يتبعه، يعني على مستوى الأفراد، الآن لو شخص يحب آخر أو يحب امرأة أعجب بها وأحبها تأمره بأدنى شيء فلا يطيعها هذا حب؟ هذا ليس بحب، كاذب في حبه؛ لكن مع ذلك المرء مع من أحب، فلتكن محبته لله ورسوله والصحابة والأتباع بإحسان والأنبياء مخلصاً صادقاً في محبته ليتحقق له هذا الوعد.

الحديث الخامس والثمانون: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-‏:‏ "‏أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر‏‏ كبر ثلاثاً، ثم قال‏:‏ ((سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مُقْرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون‏،‏ اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى‏،‏ اللهم هَوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عَنَّا بُعده‏،‏ اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل‏،‏ اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، في المال والأهل والولد‏))‏ وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن‏:‏ ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون‏))‏ [رواه مسلم]‏.

نعم هذا الحديث في أذكار السفر، ودعاء السفر، يقول: كان إذا استوى، (كان) تدل على الاستمرار، كما هو معروف، كان إذا استوى على بعيره، استوى يعني ركب، وفي روايةٍ: إذا وضع رجله في الغرز خارجاً إلى سفر كبّر ثلاثاً قائلاً: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)) ثم قال: ((سبحان الذي سخّر لنا هذا)) نزه الله -جل وعلا- عما لا يليق به الذي سخّر له هذه النعمة، الذي سخر له النعمة التي تنقله من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، كلكم يدرك ما في المشي على الأقدام من صعوبة، تصور تمشي آلاف الأميال على قدميك هذه صعوبة شديدة، وقل مثل هذا في الوسائل القديمة، لو كنت تقطع الفيافي والقفار، تقطع القارات على حمار، تصور المشقة اللاحقة بك؟ ومع ذلك تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا؛ لأنه أفضل من المشي على الأقدام، تصور أنك على بعير، وأنت في الليل والنهار تهز على هذا البعير، خمسة أشهر، ستة أشهر، يعني شيء؟! في رحلة ابن جبير من سواحل الشام إلى الأندلس ستة أشهر على السفينة، ستة أشهر، والآن في ساعة، أو ساعتين، يعني نِعَم تحتاج إلى شكر، ومع ذلكم لما قارب مشارف الأندلس جاءت عاصفة وردته إلى الشام في ثلاثة أيام، الآن هيئ لنا من الأسباب شيء ما يخطر على الباب، يعني أقل الوسائل الآن السيارة، ومع ذلك بإمكان الإنسان الآن أن ينتقل من بلد إلى آخر ألف كيلو وهو جالس رجل على رجل كأنه في بيته، القهوة والشاهي وكتب إن كان معه يقرأ ويطالع ويصحح ويرد على التلفون، ويسأل ويفتي، ويطمئن على.. يعني شيء ما يخطر.. نِعَم نِعَم لكنها تحتاج إلى شيء، النعم إذا شكرت قرّت؛ لكن هل نلاحظ أن كثير من الناس شكر يقابل هذه النعم؟ كثير من الناس يستعمل هذه النعم فيما لا يرضي الله -جل وعلا- مع الأسف الشديد، فنحن بحاجة إلى استمرار في الذكر والشكر؛ لأن الشكر هو السبب الحقيقي في المحافظة على هذه النعم، وإذا أردنا أن نحافظ على هذه النعم، ومن أعظمها نعمة الأمن علينا أن نشكر، ونسعى في تحقيق الأسباب والوسائل الحقيقية للمحافظة على هذا الأمن، وهذه النعم التي نعيشها، ((سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين)) ما كنا مطيقين، ما نستطيع أن نصل إلى هذه الأمور، يعني تواضع لله -جل وعلا-، واعترف بأنك ضعيف، لا تستطيع أن تصل إلى هذه الأمور بجهدك وقدرتك، الإنسان إذا ركب سيارة جديدة رفع أنفه، تكبر على الناس كأنه هو الذي صنعها، الله المستعان، أما تخشى أن تسلب هذه النعمة، أو تكون وبالاً عليك، تكون قبراً لك، ((وإنا إلى ربنا لمنقلبون)) يتذكر المآل إلى الله -جل وعلا-، فإذا تذكر ذلك بعثه هذا إلى العمل على ما يرضي الله -جل وعلا-، ((اللهم إنا نسألك -هنا الدعاء- في سفرنا هذا البر والتقوى)) لأن الأسفار وفيها الانتقال من الروتين على ما يقولوا الناس، وفيه أيضاً الانتقال من بلدٍ إلى آخر، تختلف فيه العادات والتقاليد والأعراف، قد ييسر له أمور لا تتيسر له في بلده، إما مما يرضي الله، أو مما يغضب الله، فالذي يسأل الله -جل وعلا- أن ييسر له ما يعينه على البر والتقوى، ((ومن العمل ما ترضى)) يسر لنا الأعمال التي ترضيك، ومع الأسف أن كثير من شباب المسلمين، وصل الأمر إلى الكهول أحياناً يسافرون الأسفار التي يزاولون فيها المعاصي والمنكرات، هذا خطر عظيم وخلل، نسأل الله السلامة والعافية، ويذكر بعض من يسافر الرحلات الطويلة الدورية يشوف من الناس من هو محافظ في بلده ومجرد ما تقلع الطائرة يتغير وضعه، هل هذا ذاكر لربه شاكر لنعمه؟ نسأل الله السلامة والعافية.

((اللهم هوّن علينا سفرنا هذا)) لأن الأصل في السفر المشقّة، وأنه قطعة من العذاب، يحتاج إلى أن ييسره الله -جل وعلا- ويذلله ويهونه، ((واطو عنا بعده)) المسافات البعيدة، يسأل الله -جل وعلا- أن يصل إلى غرضه في أقصر مدة، ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) الصاحب في السفر هذه هي المعية، فليسال الإنسان أن تتحقق له المعيّة الخاصة بأن يكون مع المحسنين، من المحسنين، ليكن الله معه -جل وعلا-، ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) يعني كما أنه معك بعلمه وحفظه، هو أيضاً مع أهلك هناك يحفظهم ويرعاهم إذا بذلوا وبذلت أيضاً أسباب الحفظ والرعاية، وأن يكلأك الله -جل وعلا- بحفظه ورعايته، ويكلأ أهلك كذلك، ((اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر)) السفر لا شك أن له باعتباره خروج عن المألوف، تجد الإنسان أشعث أغبر، فيه وعثاء، وفيه أمور قد يخرج فيها الإنسان غير لائق بمرآه ولا منظرة، فيسأل الله -جل وعلا- أن يحفظ عليه توازنه الذي يرضي الله -جل وعلا-، ((وكآبة المنظر)) اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، من شدته وضيقه، وأيضاً كآبة المنظر، كون الإنسان يخرج مخرجاً وظهراً غير لائق، وسوء المنقلب، سوء المرجع، يعني كم من شخص يسافر مبتهج لرحلة ونزهة ثم يعاد به على سيارة الإسعاف مثلاً، هذا إن كان حياً، ويمكث بعد ذلك أيام أحياناً شهور وأحياناً سنين، هذا سوء المنقلب، نسأل الله العافية؛ لكن هذا يهون عند سوء المنقلب المتعلق بالدين؛ لأن بعض الناس يخرج من بلده منظره حسن وعنده أمواله ورايحين نزهة، يرجع فيه ما فيه من علل لتعرض حادث مثلاً له، هذا لا شك أنه سوء منقلب؛ لكن هذا متعلق في أمر الدنيا، أسوأ من هذا إذا انقلب منقلباً سيئاً في أمر دينه، يعني ذهب عفيف رجع فاجر، ذهب محافظ على الصلوات رجع مخل بها، ذهب محب للصالحين ومجالسة الصالحين... المقصود أنه كم من إنسان خسر خسائر فادحة منها ما يشعر به الإنسان، ومنها ما لا يشعر به، كم من شخص سافر سفر ورجع ممسوخ القلب، نسأل الله السلامة والعافية، فيحتاط الإنسان في دينه، ويحرص أشد الحرص أن لا يسافر إلى الأماكن التي فيها شهوات وشبهات، ويمكّن فيها من الخروج عن دينه بشبهةٍ أو شهوة، والله المستعان.

((في المال والأهل والولد)) وإذا رجع قالهن، سوء المنقلب إما بنفسه أو في ماله إذا رجع وإذا وماله قد اجتاحته جائحة، أو أهله حصل لهم ما حصل من كارثة، أو تهدم منزل عليهم، أو لص أو صائل أو ما أشبه ذلك، وكذلك الولد، وإذا رجع قالهن، قال ما ذكر، وزاد فيهن: ((آيبون)) يعني: راجعون، ((تائبون)) مقلعون عما كنا عليه من المعاصي، ((عابدون)) لله -جل وعلا-، ((لربنا حامدون)) نحمد الله -جل وعلا- أن يسّر لنا هذا السفر، وسهّل سببه، وأعاننا على قضاء حوائجنا، وردنا إلى أهلينا، والله المستعان.

الحديث السادس والثمانون: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-‏:‏ أن النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏خذوا عني مناسككم)‏)‏ [رواه أحمد ومسلم والنسائي]‏.

 

نعم هذه قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي -عليه الصلاة والسلام-، حديث جابر الطويل مخرج في صحيح مسلم وغيره فيه: ((خذوا عني مناسككم)) وهو نظير ما تقدم من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فعلى الإنسان أن يقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، وأن يصلي صلاةً مجزئه مسقطة للطلب، فيها أركان، وفيها شروط، توافرت أركانها وشروطها ومستحباتها على ضوء ما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعلى ضوء ما نقل عنه -عليه الصلاة والسلام-، وكذلك الحج، عليه أن يأتي بالحج المبرور، الموافق لهدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، مع الأسف كثير من الناس يترخص رخص بحيث لا يبدي إلا على الأركان، ومع ذلك يأمل أن يكون حجه مبروراً، يا أخي اقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، واحرص على أن تفعل مثل ما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-، على أن لا تحمل نفسك ما لا تطيق؛ لأن الأفعال لا شك أنها متفاوتة منها الأركان التي لا يجوز الإخلال بها بحال، بحيث لو تخلف ركن منها ما صحّت العبادة، الواجبات أيضاً تعمدها يخدش في العبادة، وأما بالنسبة للمستحبات على الإنسان أن يأتي منها بقدر ما يستطيع، بحيث لا يشق على نفسه، وليحرص على تطبيق السنن، وأن يأتي بالعبادة على هدي الناس -عليه الصلاة والسلام-....