شرح العقيدة الواسطية (19)

عنوان الدرس: 
شرح العقيدة الواسطية (19)
عنوان السلسلة: 
شرح العقيدة الواسطية
تاريخ النشر: 
خميس 27/ Muharram/ 1436 1:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

في الدرس الماضي ذكرنا أبيات من النونية فيها معاني الاستواء، منها قول ابن القيم -رحمه الله-:

وكذاك قد صعد الذي هو رابع

 

وأبو عبيدة صاحب الشيباني

يختار هذا القول في تفسيره

 

أدرى من الجهمي بالقرآن .

ذكرنا في الدرس الماضي أن أبا عبيدة المعروف مَعْمر بن المثنى هذا لا إشكال فيه، واضح يعني أبا عبيدة هو معمر بن المثنى، لكن الإشكال في صاحب الشيباني، الشيباني إذا أطلق لا سيما عند الحنابلة وهو أكثر ما يكون في النظم يريدون بذلك الإمام أحمد، فهل المراد بالشيباني هنا الإمام أحمد؟ أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى ليس بصاحب للإمام الأحمد ويختلف معه في بعض المسائل، لو كان المراد أبو عبيد القاسم بن سلّاَم نعم صاحب للإمام أحمد وهو معروف ومشهور من أئمة أهل السنة، لكن إما أن يكون الشيباني غير الإمام أحمد، أو أبو عبيدة غير أبو عبيدة معمر بن المثنى، مع أن المراد أبو عبيد، مع أن البيت ينكسر لو قلنا وأبو عبيدٍ صاحب الشيباني يحتمل، المقصود أن أبو عبيدة هو أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى بدليل أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية يعني ما يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال النونية، النونية نظم قال فيها مثل ما سمعتم، فالمسألة مسألة النظر في معاني لا نظر في ألفاظ، بعض الناس يهجم إلى ذهنه أن الشيباني الإمام أحمد وأبو عبيدة مَعْمر بن المُثَنَّى، ثم تريد تلفق بين الرجلين ما تستطيع، أولاً أبو عبيدة هو أبو عبيدة مَعْمر بن المُثَنى بدون تردد، يعني ما نحتاج إلى أن نقول: أبو عبيد هو القاسم بن سلاَّم، بدليل أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- في اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية قال هنا أقوال أئمة اللغة العربية الذين يُحتج بقولهم فيها ذكر قول أبي عبيدة معمر بن المثنى ذكره البغوي عنه في معالم التنزيل في قوله تعالى:       البقرة: ٢٩  قال أبو عبيدة: صعد، وحكاه عنه ابن جرير عند قوله تعالى: الأعراف: ٥٤  إذًا أبو عبيدة هو أبو عبيدة معمر بن المثنى انتهينا منه هذا ما فيه إشكال، فيه إشكال؟ الشيباني من هو الشيباني؟ إذا قلنا أبا عبيدة هو معمر بن المثنى لا يمكن أن يكون الشيباني الإمام أحمد؛ لأنه ليس بصاحب له، الخليل هرَّاس في شرحه للنونية قال: وقد اختار أبو عبيدة صاحب الإمام أحمد بن حنبل في تفسير الاستواء هنا المعنى الرابع وهو صعد، ولا شك أنه أهدى وأعلم من هؤلاء الجهمية بمعاني القرآن؛ ولذا يقول ابن القيم:

..............................

 

وأبو عبيدة صاحب الشيباني .

يختار هذا القول في تفسيره.

 

أدرى من الجهمي بالقرآن      .

فشرح محمد خليل هراس على هذا، أبو عبيدة معمر وصاحبه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني بناء على أنه إذا أطلق الشيباني فالمراد به الإمام أحمد، ففي الدرس الماضي قلت أنا: إن كان أبو عبيدة هو معمر فليس بصاحب للإمام أحمد، وإنما صاحب أبي عمرو الشيباني صاحب كتاب الجيم، واسمه إسحاق بن مُرَار، وهنا يتجه الكلام، وإن كان بالشيباني الإمام أحمد فصاحبه أبو عبيد، تبين لنا من كلام ابن القيم في اجتماع الجيوش أن المراد أبو عبيدة معمر بن المثنى، إذًا الشيباني ليس الإمام أحمد، الخليل هرّاس -رحمه الله- يقول: أبو عبيدة معمر وصاحب الشيباني الإمام أحمد بن حنبل انتهينا من هذا، ابن عيسى في شرحه، شرحه على النونية، يقول: أبو عبيدة هو معمر بن المثنى التيمي البصري قوله: صاحب الشيباني هو أبو عمرو بن العلاء واسمه إسحاق، وأقول العلاء خطأ أبو عمرو الشيباني واسمه إسحاق بن مرار، وأما قوله ابن العلاء مشهور أبو عمرو بن العلاء من هو؟ قارئ معروف مشهور وليس بصاحب له؛ وإنما صاحب لأبي الشيباني واسمه إسحاق، المقصود أن ما استظهرناه سابقًا في الدرس الماضي هو المتجه فيكون أبو عبيدة هو معمر بنص كلام ابن القيم في اجتماع الجيوش، والشيباني هو أبو عمرو الشيباني صاحب كتاب الجيم إسحاق بن مرار.

طالب: ... واو عاطفة... صاحب الشيباني...

لا يزيد الكلام وأبو عبيدة وصاحب الشيباني بعدين النسخ كلها على هذا كل النسخ على هذا.

طالب: ................

وحتى أبو عبيد إمام في اللغة وله مصنفات فيها، المقصود أن الآن تعين لنا أبو عبيدة من كلام ابن القيم وهو أدرى بكلامه، أبو عبيدة معمر بن المثنى سماه ونقل قوله في المعنى الذي ذكره في النونية، يقول: ذكر قول أبي عبيدة معمر بن المثنى ذكر البغوي عنه في معالم التنزيل في قوله –تعالى-: {ثم استوى إلى السماء} قال أبو عبيدة: صعد، وحكاه عنه ابن جرير عند قوله –تعالى-: {ثم استوى على العرش الرحمن}، فأبو عبيدة ما فيه أدنى إشكال، يعني لا يحتمل أن يكون أبا عبيدة بعد أن سمعنا هذا من كلام ابن القيم، يبقى الكلام في الشيباني ليس بصاحب للإمام أحمد هو صاحب لأبي عمرو الشيباني صاحب كتاب الجيم المعروف، المقصود أن الإشكال ارتفع ومثل هذه الأمور لا بد من الانتباه لها، لا بد من النظر في الألفاظ وفي المعاني وفي المناسبات بين هذه المعاني، وإلا مثل النونية يحصل فيها طوام إذا مشينا على ظواهر الألفاظ، وكل على ما يهجم إلى ذهنه من المعاني قد يهجم إلى الذهن كلام ليس بصحيح، والشيخ خليل هرّاس رغم دقته وعنايته بالنونية إلا أن له أيضًا مثل هذه التصرفات، فينبغي أن تُدرس النونية بعناية، ويُراجع في الأقوال المذكورة فيها الكتب الأخرى إما للمؤلف نفسه أو لغيره يراجع لها مصادر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في مسألة الاستواء في اجتماع الجيوش أطال، وذكر أقوال الأئمة في هذه المسألة واستوعب فيها صفحات، -كلام طويل جدًا- ذكر أقوال السلف من الصحابة والتابعين ثم ذكر أقوال الأئمة، وذكر قول إسحاق والخلال ويحيى بن معين وعثمان بن سعيد الدارمي وقتيبة بن سعيد وعبدالوهاب الوراق وحرب الكرماني صاحب الإمام أحمد، قول إمام أهل الحديث علي بن المديني شيخ البخاري، وأيضًا قول إمام أهل الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- وذكر قول مسلم بن الحجاج قول حماد وأبي عيسى الترمذي والحافظ أبي بكر الآجري وأبي الشيخ والساجي وأبي عثمان الصابوني وأبي جعفر الطحاوي وأئمة التفسير..، يقول: هذا باب لا يمكن استيعابه لكثرة ما يوجد من كلام أهل السنة في التفسير وهو بحر لا ساحل له، وإنما نذكر طرفًا منه يسيرًا يكون منبها على ما وراءه، قول إمامهم ترجمان القرآن عبدالله بن عباس، قول عبدالله بن مسعود، قول مجاهد وأبي العالية، قول قتادة، قول عكرمة، قول سعيد بن جبير، قول محمد بن كعب القُرظي، قول الضحّاك، قول الحسن البصري، قول مسروق، مقاتل، عبيد بن عمير كعب الأحبار، إلى أن ذكر قول محمد بن إسحاق محمد بن جرير الطبري، والحسين بن مسعود البغوي، وأبي عبد الله القرطبي المالكي صاحب التفسير، نسمع كلام القرطبي فيما نقله ابن القيم -رحمه الله-؛ لأن له مخالفات، فكون ابن القيم ذكر كلامه مع كلام الأئمة يدل على أنه راضٍ عنه في الجملة، قول أبي عبدالله القرطبي المالكي صاحب التفسير المشهور قال في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وذكر قول المتكلمين الذين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري عن الحيّز فمن ضرورة ذلك تنزيهه عن الجهة، فليس بجهة بجهة فوق عندهم لما يلزم عن الحيز ومكانه عن الحركة والسكون والتغيير والحدوث قال: هذا قول المتكلمين، ثم قال: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم- لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والعامة بإثباتها لله، كما نطق كتابه وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة؛ وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك: الاستواء معلوم يعني في اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة هذا لفظه وتفسيره، وهو من فقهاء المالكية ومن علمائهم، ثم ذكر أقوال أئمة العربية الذين يُحتج بقولهم فبدأ بقول أبي عبيدة معمر بن المثنى، وثنى بقول الفراء، ثم أبي العباس ثعلب، ثم ابن الأعرابي، ثم الخليل بن أحمد، ثم قول إبراهيم المعروف بنفطويه، ثم قول الأخفش، ثم ذكر أقوال الزهاد والعباد والصوفية في معنى الاستواء. المقصود أن ابن القيم أفاض في ذكر هذه المسألة، وحشد الجيوش التي جعلها في نحور المبتدعة -رحمه الله رحمة واسعة-.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وقوله: آل عمران: ٥٥ وقوله: النساء: ١٥٨ وقوله: ﯬﯭ فاطر: ١٠ وقوله: ﮞﮟ غافر: ٣٦ – ٣٧ وقوله: ﭿ   ﮈﮉ               الملك: ١٦ – ١٧.

الحمد رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

شيخ الإسلام لما ذكر الاستواء في ضمن ما ذكره من الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة ذكر الاستواء، وهو مما يدل على علو الله -جلَّ وعلا- على خلقه، فذكر الخاص ثم عمم عقب ذلك بأدلة العلو، وابن القيم -رحمه الله- ذكر أدلة كثيرة جدًا وأطال وأفاض في أدلة العلو وأناف بها على العشرين من المنقول والمعقول، إذا كان الاستواء ذكره في السادس عشر في الدليل السادس عشر، وأطال في ذكره وأفاض فيه، ثم ذكر السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون، ذكر ذيول المسألة بأدلتها من الكتاب والسنة، اقتصر شيخ الإسلام على آية صريحة للدلالة على علو الله على خلقه وهي موضوع الدرس، يقول -رحمه الله تعالى-: وقوله -جلَّ وعلا-: آل عمران: ٥٥ عيسى هو ابن مريم النبي المعروف {إني متوفيك} الوفاة هنا المراد بها النوم؛ لأنها تطلق الوفاة ويراد بها قبض الروح ومفارقتها للجسد، وتطلق ويراد بها النوم {إني متوفيك ورافعك} منهم من يرى أن الوفاة وفاة حقيقية، ولكن جمهور أهل العلم الذين يعتد بقولهم أن المراد بالوفاة وفاة النوم، وأن الله -جلَّ وعلا- ألقى عليه النوم ثم رفعه إليه، وهو الآن حي في السماء، وسينزل في آخر الزمان حكم يحكم بين الناس بشريعة محمد -عليه الصلاة والسلام- ويؤمن به كل كتابي؛ لأنه لا يقبل الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، فلا يقبل من أهل الكتاب إلا الإيمان، {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي}، أهل الكتاب يزعمون أنهم قتلوه وصلبوه، والله -جلَّ وعلا- ينفي ذلك {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} وألقي شبهه على أحد أتباعه فقتل، والنصارى أنفسهم يثبتون الصلب -قاتلهم الله- وأيهما أكمل بالنسبة لعيسى عليه السلام، هل الأكمل له أن يصان من أن تصل إليه أيدي المؤذين، أن يصان من ذلك ويُرفع إلى السماء؟ أو الأكمل في حقه أن يقتل ويهان ويصلب؟ الأول بلا شك؛ ولذا قول أهل الإسلام وما جاء في كتاب الله -جلَّ وعلا- أعظم مما يعتقد فيه من يزعم اتباعه، أعظم، ومع الأسف أنه قبل ثلاثين سنة، قال بعض اليهود -كتب بعض اليهود أنهم يتبرؤون من قتل عيسى -عليه السلام- ثم كتب بعض من ينتسب إلى الإسلام من الجهّال، يثبت أن اليهود قتلوا عيسى، من أجل إيش؟ هو من أجل أن يوقع العداوة بين اليهود والنصارى، لكن نسي القضية العظمى الواردة في كتابنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولذلك مثل هؤلاء الجهال الإشكال في كونهم يتصدرون ويكتبون هذا ضرر محض، بل هذه أمور ومسائل علمية مردها إلى أهل العلم، وقل مثل هذا في الاصطلاحات التي تداول بين الناس اليوم في كيفية التعامل مع الكفار، أوجدوا اصطلاحات يتداولونها في كتاباتهم وفي مقالاتهم، وهم بعيدون كل البعد من التصور الصحيح للتعامل مع هؤلاء، بل هذا مرده إلى أهل العلم هم الذين يعنون بتحديد هذه المصطلحات؛ لأن هذه المصطلحات شرعية فمردها إلى علماء الشرع، أما كون صحفي أو أديب أو مذيع أو شيء من هذا أو إعلامي يتصدر لمثل هذه الأمور هذا خطأ؛ لأنه لا يؤمَن أن يقع منه مثلما وقع ممن أثبت قتل اليهود وصلبهم لعيسى -عليه السلام-، فكون الإنسان يقحم نفسه فيما لا يعرف يأتي بمثل هذه العجائب، وأهل العلم يقررون أن من تعانى غير فنه أتى بالعجائب، فكون هذه المصطلحات الشرعية التي تترتب عليها أحكام شرعية يتداولها إعلاميون وصحفيون ومذيعيون وأصحاب قنوات وغيرها، هم الذين يحددون هذه الاصطلاحات خطأ، كما أن المزارع لا يحسن الطب ولو دخل في مجال الطب لأجلب الناس عليه بخيلهم ورَجِلِهم، هذا يريد إهلاك الناس لكن من يريد تضييع أديان الناس والتشويش عليهم والخلط في المصطلحات الشرعية هذا ما يقال له شيء، مثل هؤلاء لا بد أن يؤطروا على الحق والله المستعان.

آل عمران: ٥٥ رافعك إلي، فعيسى مرفوع، والله -جلَّ وعلا- مرفوع إليه فهو في جهة الارتفاع والعلو، وقوله -جلَّ وعلا-: {بل رفعه الله إليه} إضراب، هذا مما تقدم من دعاوى قتله وصلبه، بل الصحيح رفعه الله إليه وهذا نص القرآن، ومقتضى رفعه إلى الله -جلَّ وعلا- والارتفاع والرفع هو الانتقال من السفل إلى العلو، في هذا ما يدل على أن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو، ومثل الرفع والارتفاع الصعود في قول الله -جلَّ وعلا-: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}، الكلم الطيب من تلاوة وذكر لله -جلَّ وعلا- وتعليم علم وما أشبه ذلك ودعوة كل ما يطيب من الكلام ويكتب في ميزان الحسنات، هذا كله يصعد إلى الله -جلَّ وعلا-، فالصعود الانتقال من الأسفل إلى الأعلى، فالله -جلَّ وعلا- في جهة العلو؛ لأنه يُصعد إليه يصعد إليه الكلم الطيب. والكلم جمع أو اسم جمع؟ اسم جمع والواحد كلمة، وجمع الكلمة كلمات.

كلامنا لفظ مفيد كاستقم 

 

واسم وفعل ثم حرف الكلم.

والمراد به الكلام.

الكلم الطيب يقابله غير الطيب الذي هو الخبيث، غير الخبيث هل يصعد إلى الله -جلَّ وعلا-؟ يرتفع ترفعه الملائكة ملائكة الكرام الكاتبين، أو الذين يجتمعون في صلاة الصبح و صلاة العصر، المقصود أن الكلام الطيب هو الذي يصعد إلى الله -جلَّ وعلا- وما عداه لا يصعد، فالكلام قسمان أو ثلاثة؟ القسمة ثلاثية أو ثنائية؟ الطيب يقابله الخبيث وبينهما اللغو الذي لا طيب ولا خبيث، ويختلف أهل العلم في كتابته، أما الكلم الطيب فيكتب في ديوان الحسنات والكلم الخبيث يكتب في ديوان السيئات، وهناك كلام لغو لا يترتب عليه شيء لا مصلحة فيه ولا مفسدة، فمثل هذا يختلفون فيه، أهل العلم يختلف هل مثل هذا يكتب أو لا يكتب؟  فالمصرح به الكلم الطيب هو الذي يصعد إلى الله -جلَّ وعلا- وما عداه لا يصعد، الكلام الخبيث لا يصعد، الكلام الذي ليس بطيب لا يصعد سواء كان خبيثًا أو كان مجردًا عن الوصف.

{والعمل الصالح} العمل مفرد مقترن بـ(ال) المقصود به الأعمال الصالحة تُرفع إلى الله -جلَّ وعلا- {والعمل الصالح يرفعه}، فالأعمال الصالحة ترتفع إلى الله -جلَّ وعلا- فدل على أن الله -جلَّ وعلا- مادام ثبت أنه يُصعد إليه ويرتفع إليه، والله -جلَّ وعلا- رفع إليه، كل هذا يدل على أن الله -جلَّ وعلا- في العلو وأدلة العلو كثيرة جدًا، من المصنفات المفردة في هذا الباب كتاب العلو للحافظ الذهبي، وهو مطبوع ومتداول، وفيه أدلة كثيرة جدًا على إثبات هذه الصفة، مع أن إثبات هذه الصفة إضافة إلى نصوص الكتاب والسنة أمر فطري، وكما اقتضته الأدلة السمعية تقتضيه الأدلة العقلية؛ لأن الذي يقابل العلو السفل، وأيهما أشرف العالي أو السافل؟ بإجماع العقلاء العالي أشرف من السافل، ومعلوم أن أعلى الإنسان أشرف من أسافله، وإذا أردت أن تحترم شيئًا تضعه فوق رأسك أو تحت قدميك؟ فوق رأسك بلا شك، فدل على أن هذه الجهة أشرف من الجهة التي تقابلها، والله -جلَّ وعلا- منزه عن كل نقيصة، فدلت الفطرة والعقل والسمع على أن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو، من المبتدعة من يقول: إنه ليس في جهة، أولاً إثبات الجهة لله -جلَّ وعلا- وأنه في جهة، هذا معروف أنه لم يرد به دليل، لكن ثبت له العلو، والعلو جهة من الجهات فلازم الحق باطل أو حق؟ لكن لو قال: إن الله -جلَّ وعلا- لا نثبت له جهة، باعتبار أنها لم ترد في النصوص الشرعية لكن نثبت أنه في العلو وأنه على عرشه بائن من خلقه، ما يلام الذي يقول بهذا، والذي قال: إن الجهة من لازم الحق وما لزم من الحق ولم يترتب عليه ضده، ما المانع من القول به، إذا كان لازم النص ولو لم يرد به دليل نلتزمه أو لا نلتزمه؟ نأتي بمثال الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال لعبدالله بن عمرو: اقرأ القرآن في سبع، فجاء شخص وامتثل هذا الأمر، فصار يبدأ القرآن من السبت ويختم عصر الجمعة، في كل جمعة ختمة، هل يمكن أن يقال له: إنك ابتدعت؛ لأنك تختم حددت وقت للختم من غير دليل؟ أو نقول: إن هذا من لازم الدليل؛ لأن الأيام سبعة يعني من مقتضى قراءة القرآن في سبع أن يكون يوم الختم معلوم صح أو لا؟ هذا لازم الدليل، هذا لا يدل عليه دليل أن الإنسان يخصص يوم لختم القرآن، لكنه من لازم الدليل؛ لأن السبع بعدد أيام الأسبوع، فمثل هذا لا يقال فيه: إنه بدعة، بل هو من لازم الدليل ولا يترتب عليه مفسدة إذًا ولو التزمناه ما علينا نقص، ألزم بعض المبتدعة حينما نفوا هذه الصفة عن الله -جلَّ وعلا- بلوازم منها أننا إذا لم نثبت أن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو إلى أي جهة نثبت؟

قالوا: في كل مكان، ما يحتاج إلى جهة، فالتزموا مذهب الحلولية وقالوا به، ولم ينزهوا الله -جلَّ وعلا- عن الأماكن المستقذرة وهذه بدعة عظمى -نسأل الله السلامة والعافية-، وبعضهم محادة ومعاندة لأهل السنة الذين أثبتوا العلو لله -جلَّ وعلا- قال بنقيض كلامهم قال: هو في السفل وليس في العلو، -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- فكان يقول في سجوده..، سُمع في سجوده يقول: سبحان ربي الأسفل، وهذا من شؤم مخالفة الكتاب والسنة، كون العقل يُعمل في النصوص ويُجعل هو القائد لا بد من أن تقع مثل هذه النتائج؛ لأن العقل لا شيء بالنسبة للأمور الغيبية، يعني لو قيل لك: ما الذي وراء هذا الجدار وأنت لا تعرف؟ يعني أنت يمكن تقول: والله وراه سيارات؛ لأنك تعرف أنت أن هذا الجدار جدار المسجد واللي وراه الشارع وفيه سيارات لكن نفترض أنك ما تدري، هل تستطيع بعقلك أن تعرف ما وراء هذا الجدار؟ فكيف بالغيوب التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، إلا الله -جلَّ وعلا-، هم استعملوا العقل وقدموه على النصوص وجعلوه حكمًا على النصوص فابتلوا بمثل هذه السخافات التي لا يتفوه بها أحد؛ ولذلك بعضهم ندم في آخر عمره وتمنى أن يموت على عقيدة العجائز، العجائز ما يمكن؛ لأن العجائز في الجملة وعوام المسلمين لا يمكن أن يقحموا العقل في مثل هذه المسائل، الغالب عندهم التسليم بما جاء عن الله -جلَّ وعلا-، يعني قبل خمسين أو ستين سنة يذكر عن شخص إمام مسجد يحدث في أشراط الساعة وقال: إن الدجال معه كذا وكذا، قال واحد من الحاضرين: كيف يا أخي هذا كلام الرسول لا تخرج من الدين وأنت لا تشعر، قال: آمنا بالله وبرسوله، جاء بحديث البقرة التي قالت لراكبها: إنا لم نخلق لهذا، قال: معقول بقرة تتكلم، قال: يا أخي هذا كلام من لا ينطق عن الهوى، قال: آمنا بالله وبرسوله، لا بد من التسليم في مثل هذه الأمور، فقدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، هذا في الأمور التي لا يدرك العقل حكمتها، فكيف بما تدرك حكمته نأتي بالعقل ونجعله حكم على النصوص؟

الرسول -عليه الصلاة والسلام- لما جيء له بالجارية المراد عتقها قال لها -عليه الصلاة والسلام-: «أين الله» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، والرسول -عليه الصلاة والسلام- لما استشهد الخلق في المجمع الأعظم في حجة الوداع، وأنه بلغهم البلاغ المبين، واعترفوا له بذلك، رفع أصبعه إلى السماء وقال: «اللهم اشهد»، يعني في هذا المجمع العظيم، فدل على أن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو.

أيضًا رفع اليدين في الدعاء والاتجاه بالقلوب نحو جهة العلو هذه كلها أمور فطرية، بل بعضهم أثبت أن بعض الدواب إذا مرضت رفعت رأسها، وجاء في الحديث في قصة النملة لما خرج سليمان -عليه السلام- يستسقي رأى نملة مستلقية رافعة قوائمها إلى السماء تستسقي، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم، المقصود أن أهل العلم أفاضوا في ذكر أدلة العلو ولا يماري في هذه الصفة إلا معاند أو شخص مخذول، وإلا فالأدلة لا يمكن حصرها.

طالب: ...............

لما أريد عتقها لا بد من امتحانها؛ لأنه لا يعتق إلا المؤمنة فاختبرها النبي -عليه الصلاة والسلام-، هل هي مؤمنة يصح عتقها أو ليست بمؤمنة لا يجزي عتقها؟ فلما أثبتت أن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو، وشهدت للنبي -عليه الصلاة والسلام- بالرسالة، ثبت إيمانها.

وقوله -جلَّ وعلا-: {يا هامان ابن لي صرحًا}، هامان هذا الوزير وزير لفرعون، والآمر له في قوله: {ابن لي صرحًا} هو فرعون {لعلي أبلغ الأسباب}، {أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا} يعني في قوله: إن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو؛ لأن الكذب إنما يوجه إلى كلام يخالف الواقع، فدل على أن موسى قرر أن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو في السماء، ففرعون من باب هل يقال: إن مثل هذا من باب الوصول إلى الحقيقة؟ لا، لماذا؟ لأنه مهما بلغ من الأسباب لن يصل إلى السماء، لكن يحمل على أنه استهزاء بموسى -عليه السلام- وهو في قرارة نفسه -يعني فرعون- معترف مصدق، لكن كما قال الله -جلَّ وعلا- عنهم: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}، {وإني لأظنه كاذبًا} يعني أخبرنا بأن الله -جلَّ وعلا- في جهة العلو لا بد أن نبذل الأسباب لنطلع إلى إله موسى الذي يدعيه في جهة العلو، أولاً: لا يمكن أن تصل إلى أسباب السماء مهما بلغت من القوة، الأمر الثاني: أنه في حقيقة نفسه وفي قرارة نفسه يعترف بهذه الحقيقة لكنه من باب المغالطة والمكابرة، وهكذا عادة المُرْتَزِقة يكابرون؛ لأنه لو اعترف لموسى -عليه السلام- بأن له ربًّا غيره، ذهب سلطانه هذا -على حد زعمه وعلى حد تقديره- وقل مثل هذا في رؤساء المبتدعة الذي يرتزقون من وراء هذه المذاهب، يعني لو رجعوا إلى الحق ذهب عنهم ما كان يؤدى إليهم، وإن كان الرجوع إلى الحق سواء كان من فرعون أو من غيره لو كتب الله له ذلك لكان له الشرف في الدنيا والآخرة، لكن الله -جلَّ وعلا- ما كتب له ذلك.

{لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا}، {لأظنه} هذا الظن ماذا يراد به هل هو الوهم يعني أتوهمك كاذبًا، وإن كان يغلب على ظنه أنه صادق، أو الشك لاحتمال الأمرين، أو الاحتمال الراجح أنه كاذب واحتمال مرجوح أن يكون صادقًا، أو هذا هو اليقين الآن فيما يبديه للناس، هل هو جازم بأنه كاذب أو ليس بجازم؟

طالب: ............

كيف لم يجزم؟

طالب: ...........

دعنا من قرارة نفسه، الله -جلَّ وعلا- كذبه يعني بمعنى أظنه كاذبًا، يعني أتهمه لعلم عرفان وظن تُهَمَة، فهو يتهمه بالكذب، لكن إيش معنى يتهمه بالكذب؟ المتهم بالكذب هل هو كاذب؟ أو فيه نسبة صدق؟ يعني هل هناك فرق بين الكاذب والمتهم بالكذب؟ فيه فرق؛ المتهم بالكذب لا يُجزم بكذبه، ولذا من مراتب الرواة: الكذاب والدجال والوضاع والكاذب بصيغة اسم الفاعل والمتهم بالكذب، ومنزلة المتهم بالكذب تختلف عن منزلة الكاذب، فضلاً عن الكذاب، فهو يظنه كاذبًا هل نقول: إن الظن هنا بمعنى اليقين، هو في قرارة نفسه مصدق ومعترف؛ ولذا قال غلاة الجهمية بإيمان فرعون -نسأل الله السلامة والعافية-؛ لأن الإيمان عندهم المعرفة حتى قالوا بإيمان إبليس؛ لأن الله قال عنه: {فبعزتك}، هو ما بقي أحد إذا كانوا يدعون إيمان فرعون وإيمان إبليس وإيمان رؤوس الكفر فما بقي شيء، المقصود أن هنا الظن بمعنى فيما يظهره للناس اليقين، ويأتي الظن ويراد به اليقين {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم}، يكفي في هذا غلبة الظن أو لا بد من اعتقاد الجازم؟ لا بد من اعتقاد الجازم {وإني لأظنه كاذبًا} {ءأمنتم من في السماء أن يخسف الله بكم الأرض فإذا هي تمور}، من في السماء؟ ءأمنتم الذي في السماء، أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، من الذي يستطيع أن يخسف بالمخلوقين الأرض؟ الله -سبحانه وتعالى-، إذًا من في السماء هو الله -جلَّ وعلا- فـ"مَن" مترجمة بالله -جلَّ وعلا-؛ لأنه هو الذي يخسف الأرض، وفي هنا {في السماء} تحتمل معنيين: الأول أن تكون في بمعنى على، وتأتي في بمعنى على {ولأصلبنكم في جذوع النخل} يعني على جذوع النخل، وتأتي في لغة العرب بهذا المعنى، أو نقول: إن السماء جهة العلو، وسواء قلنا: إن (في) بمعنى (على) السموات فوق سموات فالله -جلَّ وعلا- مستوٍ على عرشه، فوق سمواته، بائن من خلقه، هذا ما فيه إشكال معنى صحيح، وإن قلنا: إن السماء هي جهة العلو فالله -جلَّ وعلا- فيها، ولا يعني أن (في) بمعنى الظرفية كما نتصورها في المخلوق، وأن الماء في الكوز بمعنى أن الكوز يحيط به من جميع جوانبه، لا، {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور}، وهل نأمن أن يخسف بنا مع كثرة المعاصي والإعلان بها وضعف نكيرها؟ فضلاً عن أنه يوجد في بلدان المسلمين من اشتهار المعاصي والإعلان بها ما لا يستطاع إنكاره، فلا يأمن المسلم أن يخسف به والأسباب منعقدة من الإعلان بالمعاصي مع ضعف الإنكار أو عدم وجوده بالكلية، لكن نسأل الله -جلَّ وعلا- أن يلطف بالمسلمين.

{فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا} يعني من السماء، كما أرسل على أصحاب الفيل، وكما أرسل على قوم لوط، نعم والله لا نأمن أن يرسل علينا شيء من السماء، آفة سماوية تذيق الناس الأثر المترتب على مخالفتهم وإعراضهم عن دين الله {أم أمنتم من في السماء} وهذه مثل سابقتها، {أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير}، هذا تهديد، ستعلمون كيف نذير كيف عاقبة شؤم عملكم ومخالفتكم.

 نقل في شرح النونية عن عقيدة أبي عثمان الصابوني، قال: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ يعني الحاكم في كتاب التاريخ الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتاب معرفة أصول الحديث الذَيْن جمعهما ولم يُسبق إلى مثلهما قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ قال: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يُقِرّ أن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به حلال الدم يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على المزابل، ثم ذكر كلامًا طويلاً لابن عبدالبر في التمهيد، وهنا ذكر الآيات منها آيات الاستواء، وقال لعيسى -عليه السلام-: {إني متوفيك ورافعك إلي}، {بل رفعه الله إليه} قد أخبر الله –تعالى- في موضعين من كتابه عن فرعون أنه قال: {يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا}، يعني أظن موسى كاذبًا أن له إله في السماء، هذه الآية تدل على أن موسى كان يقول: إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبًا، قال: ومن الحجة أيضًا في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموجودين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر، أو نزلت بهم شدة، رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين لها مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم -تبارك وتعالى-، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأَمَة التي أراد مولاها عتقها، وكانت عليه رقبة مؤمنة، فاختبرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن قال لها: «أين الله» فأشارت إلى السماء، قال: «ومن أنا» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، وهذا مخرج في صحيح مسلم، فاكتفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برفع رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه.

قال أبو عمر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في الكتاب والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج وكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئًا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشَبِّه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهم أئمة الجماعة.

 نفي الصفات الذي ينفي صفات الباري -جلَّ وعلا- الواردة في كتابه وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- كيف يتخيل معبوده؟ لا يستطيع أن يتخيل المعبود، فهو في الحقيقة يعبد عدمًا، وإذا جاء الرب -جلَّ وعلا- يوم القيامة في المرة الأولى على غير صفته، وفي المرة الثانية على صفته، من يعرفه ويسجد له؟ هل يعرفه الذي ينكر الصفات؟ هل يمكن أن يعرف الله -جلَّ وعلا- إذا جاء على صفته التي ذكرها في كتابه وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-؟ هل يمكن أن يسجد له شخص ينكر الصفات؟ كيف يعرفه وهو لا يصفه بوصف؟ فالأمر خطير جدًا والكلام في هذه المسألة يطول جدًّا، فيحال الإخوان على النونية مع شروحها أيضًا كلام أهل العلم في اجتماع الجيوش الإسلامية، وكلامهم أيضًا الذي نقله الحافظ الذهبي في العلو للعلي الغفار، ونقف على صفة المعية.

اللهم صل على محمد.

نشوف بعض الأسئلة إن كان فيه وقت، يعني عمل طيب يحجب بارتكاب محظور، والعامل في دائرة الإسلام والميزان له كفتان العمل الصالح من هذا الإنسان الذي هو في دائرة الإسلام يرفع، والعمل السيء يرد، لا يرفع.

طالب : .............

 يريدون أن الواو واو المعية وليست واو عاطفة أو استئنافية، إذا قلنا: إن الواو واو المعية {إليه يصعد الكلم الطيب} مع العمل الصالح يرفع، فإذا قلنا: إنها معية، قلنا: إنه لا بد أن يتوافر الأمران، أن يكون العمل صالحًا وأن يكون الكلم طيبًا، لكن المعروف في المقاصة في الأعمال أن الميزان له كفتان؛ كفة للأعمال الصالحة وهذه جهتها منفكة وجهة للأعمال السيئة، وحينئذٍ تحصل الموازنة والمقاصة.

طالب: .................

لأن من شرط إجابة الدعاء: طيب المطعم «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، لكن هل من شرط قبول الصلاة أن لا يسرق؟ نعم، نرجع إلى القاعدة العامة: {إنما يتقبل الله من المتقين} إذا قلنا: إن المراد القبول العام، وهو نفي الثواب المرتب على هذه العبادة، شرطنا التقوى على كل عمل، {إنما يتقبل الله من المتقين} وإذا قلنا: إنه يمكن أن تنفك الجهة فيتقبل العمل من جهة الفسّاق، ولو قلنا برد جميع أعمالهم لكان الأمر خطير.

طالب: ...........

هذا مقتضى قول ابن عمر: لو أعلم أن الله -جلَّ وعلا- تقبل مني ركعتين لكان كذا؛ لأن الله -جلَّ وعلا- يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين}، هو في الجملة الآية لا بد من توجيهها، هذا الظاهر منها، لكن هل معنى هذا أن أعمال الفساق غير مقبولة، بمعنى أنها غير صحيحة مردودة؛ لأن نفي القبول يقتضي نفي الصحة؟ لا، ما قال بهذا أحد فأعمال الفساق صحيحة مقبولة من جهة أنهم لا يؤمرون بإعادتها فهي مقبولة من هذه الحيثية، لكن من جهة الثواب المرتب عليها؛ لأنه لا يتجه في آن واحد ثواب وعقاب، مع أن أهل العلم يقررون أن النهي إذا عاد إلى أمر خارج عن العبادة لا أثر له فيها؛ ولذا لو قلنا: إن أعمالهم غير مقبولة ولا تترتب عليها آثارها وليس لهم عليها ثواب، ما الذي يجده هذا الفاسق من أعماله في ميزان حسناته، ما الذي يجده؟ فالمسألة مسألة مقاصة من أَحْسَنَ يجد الإحسان ومن أساء يجد الإساءة، والجهة منفكة، يعني هناك كلام إجمالي يقوله أهل العلم، لكن إذا نظرت إليه بالتفصيل يحتاج إلى تقييد.

طالب: .............

أنا أقول أوضح من ذلك: {إنما يتقبل الله من المتقين}، وكون طيب المطعم شرط لقبول الدعوة هذا أمر مفروغ منه جاء به النص، «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، لكن هل معنى هذا أن الذي لا يطيب مطعمه لا يقبل صيامه؟ أو أنه سقط عنه الواجب والفرض لكن ليس له حسنات عليه، ما الذي يوضع في كفة الحسنات بالنسبة للفساق؟ ما الذي يوضع له؟ تدري أن بعض الفساق يدخل الجنة بسبب عمل واحد وهو يسير، لكن الله -جلَّ وعلا- أراد الله له أن يختم عمره بهذا العمل؛ البغي التي سقت كلبًا، فما فيه شك أن القاعدة إجمالية، {إنما يتقبل الله من المتقين} لكن إذا نظرت إلى مفردات الأعمال، ففي بعض الأعمال التي في أعين الناس سهلة، صاحبها ما صاحبها من استحضار نية صالحة، ومن قرب من الله -جلَّ وعلا- وخضوع له يرتفع بهذا العمل، وإلا فما معنى أن الميزان له كفتان لا بد أن يوجد حسنات ويوجد سيئات، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.