بلوغ المرام – كتاب الأطعمة (4)

عنوان الدرس: 
بلوغ المرام – كتاب الأطعمة (4)
عنوان السلسلة: 
شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام
تاريخ النشر: 
أحد 09/ شعبان/ 1435 7:45 م

سماع الدرس

سم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه: (بلوغ المرام):

باب: العقيقة

عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عق عن الحسن والحسين كبشا كبشاً. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله.

وأخرج ابن حبان من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- نحوه.

وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة". رواه الترمذي وصححه.

وأخرج أحمد والأربعة عن أم كرز الكعبية -رضي الله تعالى عنها- نحوه.

وعن سمرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى)) رواه الخمسة، وصححه الترمذي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: العقيقة

والعقيقة كالأضحية فرع من فروع كتاب الأطعمة؛ لأنها مما يطعم، والعقيقة هي الذبيحة التي تذبح شكراً لله -جل وعلا- على ما منحه من مولود، ذكراً كان أو أنثى.

مأخوذة من العق، وهو الشق والقطع؛ لأنها يقطع رأسها بالذبح، ومنه قيل: العقوق، ضد الصلة، الذي فيه قطع ما أمر الله به أن يوصل.

ومنهم من يقول: إن أصل التسمية للشعر الذي يوجد على رأس الطفل حينما يولد، فيقطع هذا الشعر، يعني يحلق ويعق، ولكن كون العقيقة تسمى لكونها تقطع؛ لأن التسمية لها، وليست للطفل، أو لما ينبت على شعره، الأصل أن العقيقة هي الذبيحة، وسميت بذلك لأنها تعق، يعني يقطع رأسها، العق هو القطع، وهذا أوضح، وإن رجح بعض العلماء أنها اسم للشعر الذي ينبت على رأس المولود، وإذا نظرنا إلى أصل التسمية لا مانع أن يسمى الشعر عقيقة، ويسمى الذبيحة عقيقة، لكن كون الذبيحة تسمى باسم الشعر، يعني ينتقل الاسم من الشعر إلى الذبيحة لا داعي له، يعني سميت بالنقل؛ لأنه يعق يعني يحلق رأسه، ويذبح عنه، فالتسمية للشعر لا للذبيحة، لكن مقتضى التسمية أن العقيقة هي الذبيحة، والتعريف الاصطلاحي عند أهل العلم للعقيقة أنها هي الذبيحة، وينطبق عليها التعريف اللغوي، فلا داعي للنقل لنقل التسمية من شيء إلى آخر، والتسمية كما تنطبق على الأصل المنقول منه تنطبق على الفرع المنقول إليه على حد سواءً، يعني ليس الشعر بأولى، أولى بالتسمية من الذبيحة؛ لوجود العق فيهما وهو القطع، فالشعر يقطع، والذبيحة يقطع رأسها، فهذا النقل لا داعي له، وإن جعل الزمخشري الشعر هو الأصل نقلت التسمية إلى الذبيحة، وأنا أقول: لا داعي لهذا النقل، فكل قطع عق، قطع الصلة التي..، صلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل هذا عقوق، والعقوق أصل التسمية مكروهة، لما سئل عن العقيقة قال: ((أكره العقوق)) يعني كراهية للتسمية لأنها قطع، تشابه العقوق من هذه الحيثية.

يشيع على ألسنة العامة، أو شاع على ألسنة العامة تسمية العقيقة تميمة، يسمونها تميمة، ويتداولون هذا التسمية من غير نكير، ويسأل أهل العلم عن حكم التميمة، ومتى تذبح التميمة؟ والذي لا يعرف هذه التسمية يلتبس عليه ما يذبح عن المولود بما يعلق على من يتعلق ما يدفع عنه أو يرفع عنه على حسب ما يدعي، ((من تعلق تميمة فلا أتم الله له)) فلا بد من الاستفصال، ولا بد من التفصيل عند الجواب؛ لأن بعض الناس يسمع إذا قيل: ما حكم التميمة؟ قال: سنة مؤكدة، ثم ينصرف ذهن بعض السامعين إلى ما يعلقه بعض الناس رفعاً للمرض، أو دفعاً له، هذا يوقع في لبس، وكم من جواب أوقع كذلك، يسأل شخص يقول: ما حكم الزعابة؟ إيش الزعابة هذه؟ معروف في بلادنا أن الزعابة استخراج الماء من البئر، يزعب، يعني يخرج الماء، قال الشيخ: ما فيها إشكال، استخراج الماء ما في..، من دون تفصيل، والزعابة في عرف السائل ذبيحة تذبح للجن عند نزول البيت الجديد، أو الانتقال من مكان إلى آخر، أو ما أشبه ذلك، فهذه الألفاظ توقع في لبس، وليس بلبس من مكروه إلى مكروه، أو مكروه إلى مستحب، أو من..؟ لا، يعني هذه الحقائق العرفية التي يتداولها الناس لا بد من معرفتها، قد تكون مستعملة في مكان، أو في زمان لمعنىً من المعاني، يختلف اختلافاً جذرياً عنه في مكان آخر، أو في زمان آخر.

وهذه الألفاظ الاصطلاحية عرفاً بين الناس، يحتاج إليها العالم حينما يستفتى، ويحتاج إليها القاضي حينما ينظر في الوصايا وغيرها؛ لأنها قد تكتب الوصايا بأساليب عامية دارجة، ثم تنقضي هذه الألفاظ، ويأتي جيل آخر ما يعرفونها، فالعناية بها أمر مهم، وألف من قبل بعض العلماء كلمات انقضت، هذه فائدتها، والذي ينظر في الكتاب، وهو كتاب كبير في مجلدين يقول: هذا عبث، هذا مجرد سواليف، الذي أدركها يتذكر بها ما مضى، لكن الفائدة العظمى منها أن تعرف هذه الألفاظ كمرجع، كمعجم لهذه الألفاظ التي انقضت، يفسر بها بعض الألفاظ المستغلقة في الوصايا، تجي وصية من مائة سنة مثلاً، فيها ألفاظ كأنها طلاسم عند الجيل الذي نعيشه، فهذه فائدتها، وإن كان الاسترسال فيها وذكروا أشياء ما لها فائدة ولا لها قيمة، يمكن اختصار الكتاب في جزء صغير، يقتصر على ما يحتاج إليه.

طالب: ويش اسم الكتاب رعاك الله؟

(كلمات انقضت).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً" يعني كون هذه الكلمات الدارجة العامية تأتي على لسان سائل ليس من أهل العلم، يعني مقبولة ومغتفرة؛ لأن هذا مبلغه من العلم، لكن الإشكال حينما تأتي هذه الألفاظ الدارجة في جواب عالم، هنا يقع الإشكال، إلا إذا كان هذا العالم يخاطب شخص بعينه لا يفهم الاصطلاحات الشرعية، يفهم الاصطلاحات الدارجة، أما أن يؤتى بالجواب في وسيلة يسمعها العالم كله من مشرقه إلى مغربه، ثم أحياناً تأتي ألفاظ مشكلة، وألفاظ تعكس المعنى تماماً من بلد إلى آخر، فطالب العلم إذا استفتي عليه أن يلتزم اللفظ العربي والمعنى العربي إذا لم يفهم السائل، وكان بمفرده بينه، ولا مانع أن يقول: إن هذا الكلام الذي..، هذا اللفظ الذي نتحدث عنه قد يسمى في بعض الأوقات أو في بعض الأماكن كذا، لكن اسمه الشرعي كذا.

يقول: "عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً" هذا الحديث مخرج في السنن عند أبي داود والنسائي، وهو في صحيح ابن خزيمة، وعند غيرهم، لكن المرجح أنه مرسل، ومعارض بما هو أقوى منه، وهو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وسيأتي أنه يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، فالذكر يعق عنه بشاتين، والأنثى بواحدة، وهذا موضع من المواضع الخمسة التي فيها الأنثى على النصف من الذكر، من المواضع الخمسة التي فيها الأنثى على النصف من الذكر {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [(36) سورة آل عمران] مهما قالوا، ومهما طنطنوا، ومهما أجلبوا على ما يريدونه {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [(36) سورة آل عمران] شاءوا أم أبوا، هذا كلام الله -جل وعلا-، الأنثى على النصف من الرجل في خمسة مواضع، منها: العقيقة، ومنها الدية، ومنها الإرث، ومنها الشهادة، ومنها العتق، كم صارت؟

طالب: خمسة.

خمسة، قد يقول قائل: إيش معنى العتق؟ يعني جاء في الحديث أن ((من أعتق غلاماً كان فكاكه من النار، ومن أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار)) فدل على أن عتق الجارية يعادل نصف عتق الغلام، وأما الإرث فواضح، والدية على النصف واضح، والعقيقة هنا عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، فالمرجح في حديث ابن عباس في هذا السياق الإرسال، مع أنه جاء عنه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وختنهما.

قال: "وأخرج ابن حبان من حديث أنس نحوه" نحو حديث ابن عباس.

والعقيقة كما سيأتي في الحديث الذي يلي هذا حديث "عائشة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان" أمرهم، الأمر الأصل فيه الوجوب، لكن لم يقل بوجوب العقيقة إلا الظاهرية، وجماهير أهل العلم على أنها سنة، على أن العقيقة سنة، وخرج الإمام مالك حديثاً مرفوعاً بلفظ: ((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)) فعامة أهل العلم على أن العقيقة سنة، لكنها سنة مؤكدة، سيأتي في حديث سمرة: ((كل غلام مرتهن بعقيقته)).

قال: "وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة" رواه الترمذي وصححه" شاتان، يعني من هذا الجنس من الغنم، ولم يقصد بذلك تفضيل الأنثى؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- عق عن الحسن والحسين من الذكور كبشين كبشين، وكونه هنا أمر أن يعق عن الغلام شاتان، المقصود العدد لا الجنس "مكافئتان" يعني متشابهتان متقاربتان في السن والسمن واللون، لا يكون بينهما تباين في شيء ظاهر، نعم لا يوجد مطابقة تامة، لكن تكون متقاربتان، ولعل هذا من باب التفاؤل، أن تكون أخلاقه متقاربة متوازنة، هذا مما ذكره أهل العلم في هذا.

"وعن الجارية شاة" يعني عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة واحدة، والسبب في ذلك أن النعمة في الموهوب إذا كان ذكراً أعظم منها إذا كان الموهوب أنثى، أعظم منها، ولذلك يكون الشكر على قدر النعمة، فهبة الله -جل وعلا- لعبده ذكراً أكبر وأعظم من هبته أنثى، ((من ابتلي بشيء من هذه البنات)) الرسول -عليه الصلاة والسلام- سماه ابتلاء، وإن كانت البنت لا كما يقوله الجاهلي: "والله ما هي بنعم الولد" يقول إيش؟ نصرها بكاء، وبرها سرقة، تسرق من زوجها، لكن الواقع خلاف ذلك، والشرع أيضاً يقرر خلاف ذلك، وكم من بنت تعدل العدد الكبير من الأبناء، والشواهد على هذا ما يحتاج إلى أن تذكر، وكم من أب، وكم من أم، لا سيما في عصرنا وقبله يتمنى أنه لم يرزق ولد، وإنما رزق بنت، وهي أقرب قلب الوالدين، وهي أقرب إلى الحنو عليهما، والولد إذا تزوج ورزق الأولاد واستقل بنفسه قد ينسى والديه، لكن البنت ما تنسى، مهما انشغلت بزوجها وبيتها، يعني ليس الكلام على إطلاقه حينما يقال: إن الذكر يعني...؛ لأنه يظن أن ما دام من ابتلي بشيء من هذه البنات نعم هي حمل وعبئ على أبويها؛ لأنها لا تساعدهم في جلب نفقة، ولا تساعدهم على كسب أموال، لكنها مع ذلك صلتها بأبويها قد تكون أعظم من صلة الولد بأبويه؛ لأن الولد له ما يشغله من أمور الحياة، والبنت وإن اشتغلت بزوجها وولدها وبيتها فإنها في الغالب لا تنسى والديها، لما جبلت عليه من رقة وعطف، وكون الذكر أفضل من الأنثى المقصود به الجنس على الجنس، تفضيل جنس على جنس، وأما بالنسبة للأفراد فكم من امرأة تعدل الفئام من الرجال.

أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير المعروف له بنت اسمها: نضار، وله ولد اسمه حيان، والبنت هذه أفضل بكثير من الولد، ماتت هذه البنت فألف كتاباً يتسلى به عنها، ولم يستطع؛ لأنها أديبة أريبة عاقلة فاهمة ذكية عندها شيء من التحصيل بخلاف أخيها، والآن إذا استعرضنا النتائج والتحصيل بين الجنسين وجدنا أنه في جنس النساء أظهر كثير جداً؛ لأنهن أفرغ بال من الأولاد، هذا بالنسبة لعموم الطلاب، أما بالنسبة لخصوص طلاب العلم، فطلاب العلم يتيسر لهم من وسائل التحصيل أكثر مما يتيسر للجنس الثاني.

المقصود أن في كل خير، أنهم كلهم فيهم خير، والعبرة بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [(13) سورة الحجرات] وتفضيل الجنس لا يعني تفضيل الأفراد، فبإمكان المرأة الصالحة أن تفوق كثير من الرجال بعلمها وعملها وتقواها ونفعها، تكون أفضل من الأولاد، والإنسان بسعيه {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [(39) سورة النجم].

يقول الخطابي: المراد بالتكافؤ في السن، فلا تكون إحداهما مسنة، والأخرى غير مسنة، بل يكونان مما يجزئ في الأضحية، ومنهم من يقول: متكافئتان، يعني متقابلتان، معناه أن يذبح إحداهما مقابلة للأخرى، لكن هذا الكلم ليس بصحيح؛ لأننا نهينا عن ذلك أن تذبح وأختها تنظر إليها.

"وأخرج أحمد والأربعة عن أم كرز الكعبية نحوه" نحو حديث عائشة، سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن العقيقة، فقال: ((عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة)) عند الترمذي، ((ولا يضركم أذكراناً كن أم إناثاً)) لكن المقرر في العقيقة أن الذكر أفضل من الأنثى؛ لفعله -عليه الصلاة والسلام-، وكذلك حينما عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين.

بعد هذا حديث "سمرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى)) رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي".

((كل غلام)) ومثله الجارية، يعني كل مولود مرتهن، اختلف أهل العلم في معنى الحديث، والإمام أحمد يرى أنه موقوف في شفاعته لأبويه على العقيقة، فإن عق عنه أبوه شفع إن مات صغيراً، وإن لم يعق عنه لم يشفع، وبعضهم يقول: إنه مرتهن في تسليط الشيطان عليه، فإن عق عنه لم يسلط عليه، وإن لم يعق عنه سلط عليه، إلى غير ذلك من الأقوال، ولعل الأظهر ما قاله الإمام أحمد -رحمه الله-، مع أنه مروي عمن قبل الإمام أحمد، عطاء الخراساني، ومحمد بن مطرف، متقدمان عن الإمام أحمد، فيما نقله الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان، لكن الذي شهر هذا القول هو الإمام أحمد، فنسب إليه.

((كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه)) وقت الذبح في اليوم السابع من الولادة، بعضهم يرى أنه وقت محدد لا يجوز قبله ولا يجوز بعده كوقت الصلاة وغيرها، إذا انتهى اليوم السابع ما تصح العقيقة، ولكن هذا هو الأولى، فإن فات السابع ففي الرابع عشر، فإن فات الرابع عشر ففي الحادي والعشرين، وقد جاء ما يدل على ذلك.

((ويحلق)) يحلق شعره، ويتصدق بوزنه، وهل يحلق شعر الأنثى كالذكر أو لا؟ منهم من يقول: المراد بالغلام هنا المولود، ويدخل فيه الأنثى، بدليل أن الارتهان للنوعين وللجنسين، فمثله الحلق، ومنهم من يقول: إن الحلق من خواص الذكور، فلا يحلق رأس الجارية.

((ويسمى)) ينتقى له الاسم المناسب الذي لا يزدرى به، ولا يستقذر، ولا يعير به، إذا تصفحنا كتب التراجم وجدنا بعض الأسماء في القديم والحديث أسماء قبيحة، أسماء ببعض الحيوانات، وأسماء ببعض الحشرات، لكن إذا كان الاسم محرماً يجب تغييره، وقد غير النبي -عليه الصلاة والسلام- أسماء في وقته، أما إذا كان قبيحاً لكنه ليس بمحرم ينبغي تغييره، ومن الأصل على الأب أن ينتقي لولده ذكراً كان أو أنثى اسماً إذا نودي به لا يستبشع ولا يستقذر، والعرب في القديم والحديث -لا سيما البادية- لا يهتمون بهذه الأسماء، وكأنهم يرون أن التسمية بهذه الأسماء القبيحة تخيف العدو، إذا دعي يا فلان، سموا كلب، وسموا حمار، وسموا جعل، وجعيل، سموا هذه الأسماء، لكن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن.

يجوز التسمية بأسماء الأنبياء، وأسماء الملائكة، يعني ما لم يدل ذلك على شيء من التزكية.

هذا الحديث جاء في بعض ألفاظه بدل "يسمى" "يدمى" يعني يؤخذ شيء من دم العقيقة ويوضع على رأس المولود، وهذا تصحيف، هذا تصحيف صوابه "يسمى" قد أمر بإماطة الأذى عنه ((أميطوا عنه الأذى)) فكيف يلوث بهذا الدم النجس؟ والحديث على كل حال من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة، منهم من يرى أنه لم يسمع منه مطلقاً، ومنهم من يرى أنه سمع منه مطلقاً، ومنهم من يقول: إنه سمع منه حديث العقيقة هذا.

وفي البخاري عن حبيب بن الشهيد قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمعت حديث العقيقة؟ فقال: من سمرة، فدل على أنه سمعه منه، وإن لم يسمع منه غيره، وبعضهم يثبت السماع مطلقاً لسماعه هذا الحديث، والحسن البصري إمام، رأس من رؤوس التابعين، إمام علم وعمل، لكنه موصوف بالتدليس، فهذا الحديث الذي صرح بسماعه من سمرة هذا لا يشك في سماعه منه، لكن بقية الأحاديث لا بد أن يصرح -رحمه الله-، التدليس وجد في الكبار، وجد عند بعض الأئمة لأمور ومقاصد ارتكبوا من أجله هذا التدليس، وليس بشيء إذا قيس بإمامتهم وعلمهم وعملهم، وإلا فالأصل أن التدليس قادح، لكن يغتفر في جانب إمامتهم؛ لأن من المدلسين من اغتفر الأئمة تدليسه، إما لقلة تدليسه، أو لإمامته، فلا يذم الحسن أو سفيان أو غيرهما بهذه الصفة لما يتحلون به من إمامة في العلم والعمل، ومقاصدهم -مقاصد المدلسين- مختلفة، منهم من يكون هدفه التغطية والتلبيس على السامع حينما يسقط الراوي الضعيف الذي حدثه ويرتقي لمن فوقه بصيغة موهمة، والأمور بمقاصدها، أحياناً يسقط الضعيف لثبوت الخبر عند المدلس، فلو ذكر هذا الضعيف صار سبباً في صد الناس عنه، فيسقط هذا الضعيف؛ لأن الخبر ثابت عنده، فلو ذكرت الواسطة هذا الضعيف تركه الناس، وأحياناً يكون بالعكس الخبر ضعيف، ويريد أن يمشيه على السامع بإسقاط هذا الضعيف، وهو يختلف باختلاف المقاصد، يعني العالم أو طالب العلم حينما يسأل مثلاً عن كتاب، إذا بين كل ما فيه زهد فيه طلاب العلم، فهل يلزمه أن يبين كل ما في الكتاب من عيوب وأخطاء؟ ما يلزمه، لا سيما إذا كان السامع لا يستوعب، ولذا لا يحسن إفراد أخطاء الكتب التي نفعها عظيم في الأمة، يعني ليس من المستحسن، ولا من المستساغ أن تفرد أخطاء ابن حجر في فتح الباري في مجلد مثلاً يزهد الناس فيه، وإذا أشكل عليهم شيء في الصحيح وقيل: اذهب إلى فتح الباري، قال: إيش فتح الباري كله أخطاء؟ هذا نفعه عظيم، وما فيه من مخالفات أشياء مغتفرة في جانب هذا النفع العظيم، ولا يمنع أن يعلق على هذه الأخطاء في ثنايا الكتاب، ويبين الحق فيها، لكن تبرز هذه الأخطاء من أجل أن يزهد فيه طلاب العلم هذا ليس بمنهج، هذا إذا كان النفع في الكتاب أعظم بكثير من الضرر، والضرر مغتفر، بينما إذا كان العكس، إذا كان الضرر هو الظاهر فلا مانع أن تبرز الأخطاء، ويحذر منه طلاب العلم؛ لأن الأمة لا تفقد شيء ولا تخسر شيء إذا زهد فيه طلاب العلم، يعني لا مانع أن تفرد أخطاء الرازي في تفسيره؛ لأن ضرره كبير على طلاب العلم، أو الزمخشري في تفسيره، فالأمة في غنية عن هذين التفسيرين، وإن كان فيهما فوائد، لكن لا يليق بطالب العلم المتوسط أن يقرأ في هذين الكتابين، وقل مثل هذا في كثير من الكتب، بعض الكتب الأمة لا تخسر شيء إذا فُقد، وبعضها خسارة فادحة إذا انصرف عنه طلاب العلم، ومن هذا النوع بعض العلماء تجده لحسن مقصد يحذف الراوي الضعيف من أجل أن يعمل الناس بهذا الحديث الذي ثبت عنده، لكن لو مشّى حديث غير ثابت بهذه الطريقة صار غش وتلبيس على الناس، وإيهام لما لا يصح بالصحة.

على كل حال هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة، وقد ثبت سماعه له، وصرح فيه بسماعه منه.

مما يذكر في هذا المجال، وأشار إليه الشارح، ويسأل عنه كثيراً ثقب أذن الصبية من أجل التحلي، جزم بعضهم بتحريمه؛ لأنه اعتداء عليها، وإضرار بها، وأذى وألم، ولا يجوز مثل هذا إلا فيما يضطر إليه، الحجامة وإلا فصد وإلا عملية جراحية لضرورة هذا الطفل إليها، أما مجرد التحلي فهو كمال وتحسين، لا يسلك فيه مثل هذا الأذى، وهذا الضرر، وصرح بهذا الغزالي في الإحياء، لكن عامة أهل العلم على جوازه، وأنه موجود ومتوارث قبل النبوة من عهد الجاهلية، واستمر الأمر على ذلك في صدر الإسلام، وما يلي ذلك إلى وقتنا هذا من غير نكير، وضررٌ مغتفر، ضرر يسير فهو مغتفر في جانب التحلية التي هي مطلوبة بالنسبة للأنثى {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} [(18) سورة الزخرف] هذه من خواص النساء، فيغتفر مثل هذا الضرر، وأمره سهل.

 

يذكرون أيضاً الألقاب التي شاعت بعد القرون المفضلة بين أهل العلم التي تدل على التزكية، تقي الدين، ولي الدين، نصير الدين، غيرها من الأسماء من الألقاب، وهي تدل على التزكية، وكون الإنسان يسمي نفسه، أو يلقب نفسه بشيء من هذه الألقاب لا شك أنه يزكي، وقد نهينا عن تزكية النفس {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [(32) سورة النجم] لكن كونه يشتهر بين الناس بالعلم والفضل، ويلقب بلقب مناسب لما اشتهر به من قبل غيره ويتداوله الناس، هذا وجد في خيار الأمة، لكن صدر الأمة، صدر هذه الأمة، وعهد السلف ما يوجد شيء من هذه الألقاب، قال أبو بكر، قال عمر، قال أحمد، قال الشافعي، قال أبو حنيفة، قال مالك، ثم بعد ذلك توسع الناس، فتجد في كتب التراجم بعضهم يستوعب أكثر من سطر في ذكر الألقاب والثناء على بعض أهل العلم لمن يستحق، ثم استدرج الناس فذكروا ألقاباً نقيض ما يتصف به الإنسان، قالوا: نصير الدين الطوسي، كما يقول ابن القيم: نصير الشرك والضلال، كيف يقول نصير الدين؟! وغيره كثير، تدعى لهم هذه الألقاب التي لا يستحقونها، وهي زور وبهتان، ثم جاءت الألقاب التي اعتمد بعض الناس عليها، واكتفوا بها، اغتراراً بهذه الشهادات التي سعوا إلى الحصول عليها، ولقبوا بها، وصار بعضهم لا يرضى أن يسمى باسمه المجرد الذي رضيه له أبوه، وصار الناس يسمعون المدح والثناء في الوجه لمن يستحق ومن لا يستحق، ولا تجد من ينكر، كل هذا خلاف ما جاءت به السنة، وما درج عليه سلف هذه الأمة...