كتاب الجنايات من سبل السلام (6)

عنوان الدرس: 
كتاب الجنايات من سبل السلام (6)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 9:15 م

سماع الدرس

نعم.

"أحسن الله إليك، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال الشارح -رحمه الله تعالى- في باب الديات في الحديث التاسع: "وَعَنْهُ" أَيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «عَقْلُ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ»".

يعني دية الكتابي نصف دية المسلم، وهو أقل من دية المسلم وأعلى من دية المشرك.

"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ». وَلِلنَّسَائِيِّ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا»".

يعني كما تقدم في الأصابع أن الأصبع من المرأة فيه عشر كالرجل، والاثنان فيهما عشرون، والثلاثة فيها ثلاثون، والأربعة فيها عشرون على النصف.

"وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، لَكِنَّهُ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وَهُوَ إذَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا مِنْهُ. قُلْت: تَعَنَّتُوا فِي إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ إذَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ، وَقَبُولُهُ فِي الشَّامِيِّينَ، وَاَلَّذِي يُرَجَّحُ عِنْدَ الظَّنِّ قَبُولُهُ مُطْلَقًا لِثِقَتِهِ وَضَبْطِهِ، وَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ صَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَهِيَ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ لَيْسَ بِشَامِيٍّ".

نعم مكي ابن جريج.

"وَاعْلَمْ أَنَّهُ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:

الْأُولَى: فِي دِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهَاهُنَا لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ: لَيْسَ فِي دِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْءٌ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا لَمْ يُقَدْ بِهِ، وَتُضَاعَفُ عَلَيْهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا".

يعني كدية المسلم.

"وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: دِيَتُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: دِيَتُهُ الثُّلُثُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ انْتَهَى.

فَعَرَفْت أَنَّ دَلِيلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَدِيثُ الْكِتَابِ. وَاسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] قَالُوا: فَذَكَرَ الدِّيَةَ، وَالظَّاهِرُ فِيهَا الْإِكْمَالُ".

دية مسلمة يعني التي جاء بيانها في أحاديث أخرى، وأنها مئة من الإبل على هذا الفهم، أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، أو مئتي بقرة، المقصود أن أنه أحيل في الآية على ما جاء بيانه في السُّنَّة من قدر الدية، وهذا فيه فيه عموم المفهوم، عموم المفهوم، يقابله الخصوص الذي بُيّن في هذا الحديث وأن دية أهل الذمة على النصف من دية المسلمين، فعموم المفهوم من الدية في الآية مخصوصٌ بهذا الحديث.

"وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَتْ دِيَةُ الْيَهُود وَالنَّصْارى فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ» . .. الْحَدِيثَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الدِّيَةَ مُجْمَلَةٌ، وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ مرسل، وَمَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ قَبِيحَةٌ، وَذَكَرُوا آثَارًا كُلُّهَا ضَعِيفَةُ الْإِسْنَادِ".

ضعيفة ما يقال: قبيحة ضعيفة.

"وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ»، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنَةِ بِخِلَافِهَا، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ بَيَانَ هَذَا الْمَفْهُومِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ نَفْسُهُ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَضَى فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَفِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةٍ".

أربعة آلاف الثلث وهي الثلث.

"وَمِثْلُهُ عَنْ عُثْمَان،َ فَجَعَلَ قَضَاءَ عُمَرَ مُبَيِّنًا لِلْقَدْرِ الَّذِي أَجْمَلَهُ مَفْهُومُ الصِّفَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَلِيلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقْوَى، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ إمَامَانِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ".

أما التفريق بين المسلم والذمي فهذا معروف، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، وهذا لا إشكال فيه، فمساواة غير المسلم بالمسلم لا شك أن هذا مخالف لنصوص الشريعة وقواعدها العامة، وإن كان ينادى به الآن، ولا يعني مع ذلك كله أن المسلم يجرؤ على قتل المعاهد وعلى قتل الذمي؛ لأن ديته خفيفة، لأنه خُفف، خففت ديته فيُخفف من شأنه، ليس المراد هذا حتى على القول بأنه لا كفارة بقتله، كل هذا لا يعني التساهل في أمره، وأن قتله شيء يسير أو هين، لا، من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، هذا أمر مقرر، لكن لا يعني أننا إذا قلنا بتحريم قتله والتشديد في شأنه أنه مساوٍ للمسلم، ما دام المسلم لا يُقتَل بالكافر، المسلم لا يُقتل بالكافر، فكيف يساوى به في ديته؟ طالب: ........

نعم.

طالب:...

هذا قال به بعض أهل العلم إذا تساهل الناس في هذا الأمر العظيم يمكن أن ولي الأمر يقتل، لكن الاسترسال في مثل هذا لا، الأصل حقن دماء المسلمين.

"الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا»، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَرْشَ جِرَاحَاتِ الْمَرْأَةِ يَكُونُ كَأَرْشِ جِرَاحَاتِ الرَّجُلِ إلَى الثُّلُثِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَانَ جِرَاحَتُهَا مُخَالِفَةً لِجِرَاحَاتِهِ، وَالْمُخَالَفَةُ بِأَنْ يَلْزَمَ فِيهَا نِصْفُ مَا يَلْزَمُ فِي الرَّجُلِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ: «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ»، وَهُوَ إجْمَاعٌ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.

 وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَالْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ وَجِرَاحَاتِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: جِرَاحَاتُ النِّسَاءِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ".

يعني لولا حديث الباب لكان هذا أجرى على القياس، كل شيء على النصف، لكن حديث الباب لا شك أنه وإن كان على خلاف القياس، على خلاف القاعدة في هذه الأبواب إلا أنه مُقدَّم عليها.

طالب: ........

نعم.

طالب:...

يحرم أن يُقتَل.

طالب:...

على النصف من دياتهم من دية رجالهم.

طالب:...

ربع ربع دية، نعم.

"وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثَ: «إنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ كَعَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ» فَالْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيَّنٌ، وَالظَّنُّ بِهِ أَقْوَى، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَنَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عبد الله، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا عَنْ عَلِيٍّ –عليه السلام-، وَلَا نَعْلَمُ ثُبُوتَهُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ كَثِير: قُلْت هُوَ ثَابِتٌ عَنْ عليّ –عليه السلام-.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ بِلَا دَلِيلٍ نَاهِضٍ".

تخصيص علي -رضي الله عنه- بقوله: عليه السلام، لا شك أنه من تأثير البيئة، يعني عاش المؤلف ببيئة يُعرف فيها التشيع بكثرة، يعني الزيدية هم غالب السكان الهادوية، لا شك أن البيئة مؤثرة تؤثر على الإنسان شعُر أو لم يشعر، فتخصيصه بقوله: عليه السلام من بين سائر الصحابة أمرٌ لا شك أنه من إملاء البيئة، ولا ينبغي أن يُخص بشيء لا يُطلَق على من هو أفضل منه من الصحابة.

"وَعَنْهُ أَيْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ»، بَيانَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: «مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا»، وَتَقَدَّمَ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَبَيَّنَ شِبْهَ الْعَمْدِ بِقَوْلِهِ: «وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ»، النَّزْوُ بِفَتْحِ النُّونِ فَزَايٌ فَوَاو أَيْ يَثِبُ، «الشَّيْطَانُ، فَتَكُونَ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْجِرَاحُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِسِلَاحٍ، بَلْ بِحَجَرٍ، أَوْ عَصًا أَوْ نَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَأَنَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ".

لأن الإساءة متعمدة، لكن لم يتعمد القتل، ولم يُقصَد بما يقتل، وصار شبه عمد، وكما تقدم الإمام مالك لا يعرف شبه العمد.

"فَيَلْزَمُ فِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ".

الآن معمول فيها يا شيخ؟

في شبه العمد معمول.

طالب: لا أقصد في العصا الذي ذكر الصورة هذه. أقصد صورة القتل يعني. أحيانًا يكون في مثل الأشياء هذه ويحكم بالقود.

بالقود إذا كان القتل بما يقتل، أما إذا كان القتل بما لا يقتل فلا شبه العمد.

"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْجِرَاحُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِسِلَاحٍ بَلْ بِحَجَرٍ، أَوْ عَصًا أَوْ نَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَأَنَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ تَكُونُ أَثْلَاثًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَنَّهَا أَرْبَاعٌ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَنَّهَا تَكُونُ أَخْمَاسًا كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي الْخَطَإِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ بِهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَغَيْرُهُمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ الْحَقُّ".

نعم يعني خلافًا للإمام مالك -رحمه الله-.

"وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا». وقد بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ دِرْهَمًا".

أو ألف دينار؛ لأن صرف الدينار باثني عشر درهمًا، وثلاثة دراهم تعادل ربع الدينار، كما تقدم في السرقة.

"وقد بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ دِرْهَمًا. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ هَذَا. وَإِنَّمَا رَجَّحَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ لِمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَيْمُونٍ رَاوِيَهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: إنَّمَا قَالَ لَنَا فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَقُولُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انْتَهَى.

 قُلْت: وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وَكَوْنُهُ قَالَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً كَافٍ فِي الرَّفْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَحَكَمَ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ، فَإِرْسَالُهُ مِرَارًا لَا يَقْدَحُ فِي رَفْعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أهل العلم، وَذَهَبت الْهَادَوِيَّةُ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّهَا عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاسْتُدَلَّ لَهُ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ: لِقَوْلِ عَلِيٍّ –عليه السلام-، وَهُوَ تَوْقِيفٌ انْتَهَى. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَطَّرِدْ هَذَا فِيمَا يَنْقُلُهُ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَلْ تَارَةً يَقُولُ مِثْلَ هَذَا، وَتَارَةً يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ اجْتِهَادٌ، وَلَا يَلْزَمُنَا، وَدَعْوَى التَّوْقِيفِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ إذْ مِثْلُ هَذَا فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ مَسْرَحٌ".

الصرف يختلف من وقت إلى آخر، فهي اثنا عشر ألف درهم إذا كان الصرف الدينار باثني عشر، وهي عشرة آلاف، إذا كان الصرف الدينار بعشرة، فكونه يختلف ما يُروى عن الصحابة وما يُروى عمن يتولى الأمر هذا، ويقرر أن الدية كذا، أو كذا، إنما هو اختلاف الصرف، نعم.

"وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، اسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ- بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ فَرَاءٌ فَمُوَحَّدَةٌ فَيَاءُ النِّسْبَةِ- قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: ابْنِي وَأَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَأَخْرَجَهُ أحمد وأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ».

وَفِي الْبَابِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ تُعَضِّدُهُ".

ولا تزر وازرة وزر أخرى، فإذا جنى الوالد فلا علاقة للولد إلا إذا وجدت منه مساعدة، وإذا جنى الولد فلا علاقة للوالد إلا إذا وجد منه أو وجد له دور في هذه الجناية.

"وَالْجِنَايَةُ الذَّنْبُ، أَوْ مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعِقَابَ، أَوْ الْقِصَاصَ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ أَحَدٌ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا كَالْأَبِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِهِمَا، أَوْ أَجْنَبِيًّا فَالْجَانِي يُطْلَبُ وَحْدَهُ بِجِنَايَتِهِ، وَلَا يُطَالَبُ بِجِنَايَة غَيْرُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15].

 فَإِنْ قُلْت قَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ بِتَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ فِي جِنَايَةِ الْخَطَإِ وَالْقَسَامَةِ.

 قُلْت: هَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ الْحُكْمِ الْعَامِّ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ تَحَمُّلِ الْجِنَايَةِ، بَلْ مِنْ بَابِ التَّعَاضُدِ وَالتَّنَاصُرِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ".

يكفي يكفي. بارك الله فيك.