كتاب الرجعة من سبل السلام (10)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (10)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

قال الصنعاني -رحمه الله تعالى- في سُبُلِ السلام، في كتاب الرجعة، باب العدة والإحداد، في الحديث الخامس:

"وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: جَعَلْت عَلَى عَيْنِي صَبِرًا، بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ»، قُلْت: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَعَلْت عَلَى عَيْنِي صَبِرًا بَعْد أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ»".

يَشِبُّ الْوَجْهَ، يعني: يجعله كوجه الشابة، يُحسنه ويُضيئه.

"بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ".

بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ؛ لأنه ثلاثي، أصله: ثلاثي. شَبَّ يَشِبُّ. وإذا أردناه من الرباعي: أَشَبَّ الوجه يُشبِّهُ.

على كل حال الأمر سهل.

"«فَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ»، قُلْت: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الطِّيبِ، وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ طِيبٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي لَفْظٍ: «لَا تَمَسُّ طِيبًا»، وَلَكِنَّهُ قَدْ اُسْتُثْنِيَ فِيمَا سَلَفَ حَالَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا، وَأَذِنَ لَهَا فِي الْقُسْطِ وَالْأَظْفَارِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ يَجُوزُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْقَافُ وَالْكَافُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقُسْطُ وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ الْبَخُورِ.

وَعَنْهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟".

يجوز عَيْنَهَا وعَيْنُهُا، باعتبار أنها هي الشاكية لعَينِها، وتكون اشتكت عينها، اشتكت هذه البنتُ عينَهَا. أو اشتكت عينُهُا، بمعنى أنها وَجِعَت ومَرِضَت عَينُهُا، مثل: حدثَّت أنفُسَهَا، وحدَّثت أنفُسُها.

"قَالَ: «لَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْهَا) أَيْ: أُمِّ سَلَمَةَ (أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنَكْحُلُهَا» بِضَمِّ الْحَاءِ (قَالَ: «لَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْكُحْلِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهَا لَا تُكَحِّلُهَا لِلتَّدَاوِي. فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ تُمْنَعُ الْحَادَّةُ مِنْ الْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ، فَأَمَّا الْكُحْلُ التُّوتِيَاءُ وَالْعَنْزَرُوتُ وَنَحْوُهُمَا، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا زِينَةَ فِيهِ، بَلْ يُصِحُّ الْعَيْنَ. يَرُدُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهَا سَأَلَتْ عَنْ كُحْلٍ تُدَاوِي بِهِ الْعَيْنَ لَا عَنْ كُحْلِ الْإِثْمِدِ بِخُصُوصِهِ، إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ الْكُحْلَ إذَا أُطْلِقَ لَا يَتَبَادَرُ إلَّا إلَيْهِ".

نعم، المُحِدَّة تُمنَع من التزيُّن، فإذا اشتكت من عينها، وجعت عينها، فالمراهم التي لا لون لها، والقطرات التي لا تؤثر لونًا في العين، مما هو مجرد علاج، لا بأس به. أما إذا وُجِد علاج يؤثر في العين، كالكحل ونحوه، فإن هذا تُمنَع منه؛ للنهي عن الزينة.

طالب: يعني العلة يا شيخ، هي النهي عن الزينة؟

التزيُّن، نعم.

"الحَديثُ السادس:

وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: طَلُقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: «بَلَى، جُدِّي نَخْلَك، فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: طَلُقَتْ خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُذَّ) بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْقَطْعُ الْمُسْتَأْصِلُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي النِّهَايَةِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ صِرَامُ النَّخْلِ، وَهُوَ قَطْعُ ثَمَرِهَا، (فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: «بَلْى، جُذِّي نَخْلَك، فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا»".

هذه المرأة زجرها؛ لأنها مُطلقة، غير الأمر الإلهي بالقرار بالبيوت لجميع النساء، {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]. زجرها؛ لأنها مُطلقة، والمُطلقة يظن أنها مثل المتوفى عنها، المُطلقة تختلف عن المتوفى عنها. فتخرج وإن كان الخروج على خلاف الأصل للجميع، لكن إذا ترتب عليه مصلحة راجحة، فإنها تخرج. كما هنا: «جُذِّي نَخْلَك، فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي» هذه مصلحة متعديَّة، راجحة، أفضل من البقاء في البيت، وإن كان البقاء في البيت أفضل من الخروج المُباح، فضلاً عن المكروه أو المُحرَّم.

"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي بَابِ جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ، كَمَا بَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِزِيَادَةٍ".

الآن بعض من يُفتي، يقول للمُحدة تخرج، تزاول تجارتها للحاجة، وتدرس وتُدَرِّس، اعتمادًا على مثل هذا الحديث. أولاً: هذا ليس في المُحدة، هذا في المُطلقة البائن، وليس عليها إحداد. وأيضًا هذه مصلحة راجحة، وأما بالنسبة للمُحدة، فلا تخرج ألبتة إلا لعلاج. يعني: لحاجةٍ قصوى، لحاجةٍ ماسة.

"وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِزِيَادَةٍ: طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ مِنْ مَنْزِلِهَا فِي النَّهَارِ؛ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَالُوا: يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِلْحَاجَةِ وَالْعُذْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَالْخَوْفِ وَخَشْيَةِ انْهِدَامِ الْمَنْزِلِ. وَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا إذَا تَأَذَّتْ بِالْجِيرَانِ، أَوْ تَأَذَّوْا بِهَا أَذًى شَدِيدًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]، وَفَسَّرَ الْفَاحِشَةَ بِالْبَذَاءَةِ عَلَى الْأَحْمَاءِ وَغَيْرِهِمْ".

ولكن هذا التفسير بعيد، إنما المقصود بالفاحشة المُبيَّنة، الفاحشة في عُرف الشرع، التي هي الزنا، سواءٌ كان الزنا الكامل، أو ما يدعو إليه. فإذا تأذى الزوج المُطلِّق من مثل هذا، المنهي عن إخراجها عن بيتها، فإنه حينئذٍ له أن يُخرجها.

"وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إلَى جَوَازِ خُرُوجِهَا نَهَارًا مُطْلَقًا دُونَ اللَّيْلِ؛ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقِيَاسًا عَلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عُلِّلَ فِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ المرأة بِرَجَاءِ أَنْ تَصَّدَّقَ، أَوْ تَفْعَلَ مَعْرُوفًا، وَهَذَا عُذْرٌ فِي الْخُرُوجِ. وَأَمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا هَذَا رَجَاءُ فِعْلِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُرْجَى فِي كُلِّ خُرُوجٍ فِي الْغَالِبِ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ التَّمْرِ عِنْدَ جِدَادِهِ وَاسْتِحْبَابِ التَّعْرِيضِ لِصَاحِبِهِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ وَالتَّذْكِيرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْبِرِّ.

الحديثُ السادس:

وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَلَمَّا كُنْت فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: «اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ.

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ.

(وَعَنْ فُرَيْعَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ شَهِدَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَلَهَا رِوَايَةٌ (بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةً".

المنفي هو السكن المِلك، وإن كان له سكن يُسكنها فيه قبل موته، ولكنه ليس له، إما عن طريق الإعارة أو الإجارة. فأرادت أن تسكن أو تبقى في بيتٍ، يُملَك مِلكًا مُستقرًّا، فأذِنَ له النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثمَّ قال لها: «امكثي في بيتكِ»، يعني: الذي جاءكِ فيه نعي زوجكِ، حتى يبلُغَ الكتاب أجله. فدلَّ على أن المتوفى عنها لا تخرج من بيتها، من البيت الذي بلغها فيه الخبر.

لو افترض أن هذا البيت إجارة، وتنتهي مدته بعد شهر، وصاحبه يطلبه، واضطرت إلى الخروج منه إلى بيتٍ آخر، لا شك أن مثل هذا يُقدَّر بقدره، ما يُقال: لا، ما تطلع حتى تنتهي العدة.

طالب: ...

محمد بن يحيى الذُّهلي، شيخ الإمام البخاري.

"فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَلَمَّا كُنْت فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: «اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالذُّهْلِيُّ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، (وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ)، أَخْرَجُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عَجْرَةَ عَنْ الْفُرَيْعَةِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ".

عَنْ الْفُرَيْعَةِ، ما هذا المذكور؟

طالب: ...

عَنْ الْفُرَيْعَةِ، يعني المذكورة في هذا الحديث؟

طالب: عَنْ الْفُرَيْعَةِ، يُمكن يقصد هذه المذكورة في هذا الحديث.

ما فيها شيء، ما عندنا هذا، ما يظهر.

"قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُور عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَأَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ تَبَعًا لِابْنِ حَزْمٍ بِجَهَالَةِ حَالِ زَيْنَبَ، وَبِأَنَّ سَعْدَ بْنَ إِسْحَاقَ غَيْرُ مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ زَيْنَبَ هَذِهِ مِنْ التَّابِعِيَّاتِ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَى عَنْهَا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبِ بْنُ عَجْرَةَ، فَهِيَ امْرَأَةٌ تَابِعِيَّةٌ تَحْتَ صَحَابِيٍّ. ثُمَّ رَوَى عَنْهَا الثِّقَاتُ وَلَمْ يُطْعَنْ فِيهَا بِحَرْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمْ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا الَّذِي نَوَتْ فِيهِ الْعِدَّةَ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.

وَفِي ذَلِكَ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ وَآثَارٍ عَنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ بِهَذَا أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

وَالدَّلِيلُ حَدِيثُ الْفُرَيْعَةِ وَلَمْ يَطْعَنْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا فِي رُوَاتِهِ إلَّا مَا عَرَفْت، وَقَدْ دُفِعَ.

وَيَجِبُ لَهَا السُّكْنَى فِي مَالِ زَوْجِهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]، وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ نُسِخَ فِيهَا اسْتِمْرَارُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ حَوْلًا، فَالسُّكْنَى بَاقٍ حُكْمُهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ، وَقَدْ قَرَّرَ الشَّافِعِيُّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ بِمَا فِيهِ تَطْوِيلٌ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا. رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالْخُرُوجِ فِي عِدَّتِهَا".

نعم، المتوفى عنها لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأن المال، مال الزوج انتقل، ونفقتها ليست بواجبة على ورثته، ولا سُكناها. فلا شك أنها لا تخرج من بيتها التي حصلت فيه الوفاة، وبلغها نعي زوجها، لكن لا يُلزَم بإسكانها ورثة الميت، ولا نفقتها؛ لأن المال انتقل. الأصل أن نفقتها على زوجها، من ماله، لكن ما دام مات وانتقل المال إلى ورثته، فإنه لا يُلزم به غير الزوج؛ ولذا المُرجَّح أنها لا نفقة لها ولا سُكنى، وإنما نفقتها وسُكناها من إرثها.

"وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ: تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَمْ يَقُلْ: تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ. وَمِثْلُهُ أَخْرَجَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِثْلُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادِي، فَقَالَ: لَا تَجِبُ لَهَا السُّكْنَى، وَيَجِبُ أَنْ لَا تَبِيتَ إلَّا فِي مَنْزِلِهَا. وَدَلِيلُهُمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مُدَّةَ الْعِدَّةِ، وَلَمْ يَذْكُر السُّكْنَى.

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ حَدِيثُ الْفُرَيْعَةِ، وَبِالْكِتَابِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّ حَدِيثَ الْفُرَيْعَةِ صَرَّحَتْ فِيهِ أَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ لِزَوْجِهَا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي مَاتَ وَهِيَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ، أَوْ لَا.

وَقَدْ أَطَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَفَرَّعُ مِنْ إثْبَاتِ السُّكْنَى، وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنْ رَأْسِ التَّرِكَةِ، أَوْ لَا؟ وَهَلْ تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهَا لِلضَّرُورَةِ، أَوْ لَا؟

وَذَكَرَ خِلَافًا كَثِيرًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ لِلتَّطْوِيلِ بِنَقْلِهِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ، إذْ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْفُرُوعِ دَلِيلٌ نَاهِضٌ".

اللهمَّ صلِّ على محمد.

والله أعلم.

وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد.