كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 22

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 22
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

وعن فضالة بن عبيد قال: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يدعو في صلاته...

وين؟ لحظة، باب أمور مستحبة.

عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال...

الترجمة، الترجمة.

باب: أمور مستحبة وأمور مكروهة في الصلاة سوى ما تقدم

عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت النبي -صلى الله عليه وسلم- قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة)) رواه مسلم، وقصر من عزاه إلى أبي داود وحده.

وعن أبي جهيم -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)) قال أبو النضر: "لا أدري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة" متفق عليه.

وفي بعض روايات البخاري: ((ماذا عليه من الإثم؟)).

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء" متفق عليه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك عن سترة المصلي؟ فقال: ((مثل مؤخرة الرحل)) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاه، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان، وهو حديث مضطرب الإسناد، وكذلك ضعفه الشافعي وغيره، وصححه ابن المديني وغيره، وقال ابن عيينة: لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث، وقال البيهقي: لا بأس بهذا الحديث في هذا الحكم.

وعن أبي سهل بن أبي حثمة يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان، وهو حديث مختلف في إسناده، وروي مرسلاً.

يكفي، يكفي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: أمور مستحبة وأمور مكروهة في الصلاة سوى ما تقدم

الصلاة هي مجموعة أقوال وأفعال، منها ما هو أركان لا تصح بدونها، ومنها ما هو شروط تطلب لها خارجها، لا تصح مع القدرة عليها إلا بها، ومنها أمور واجبات تركها عن عمد مؤثر يبطلها، وتركها عن سهو يجبر كما يقرر أهل العلم بسجود السهو، ومنها أمور مستحبة، لا تبطل الصلاة بتركها، ولا يلزم لها سجود سهو، ومع ذلك من تركها عن عمد فهو محروم، حرم أجرها، ولن يصلي كما صلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبذلك أمر: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحافظ على المستحبات فضلاً عن الواجبات والأركان.

هناك أيضاً أمور مكروهة، هناك أمور محرمة مؤثرة في الصلاة، إن كانت مناقضة لمقتضى الصلاة مؤثرة في ذاتها في شيء مؤثر فيها كشرط أو ركن هذه لا تصح الصلاة معها، المنهيات عند أهل الظاهر كل نهي يقتضي التحريم، وكل تحريم يقتضي البطلان، هذا أمر مفروغ منه، لكن عند الجمهور إذا كان هذا النهي يعود إلى ذات الصلاة، إلى ذات المنهي عنه فلا شك أن هذا مبطل، كذلك إذا عاد النهي إلى شيء مؤثر كالشرط والركن، فإن هذا أيضاً يقتضي البطلان؛ لأن المورد واحد، على ما يطلب وعلى ما يحذر وينهى عنه.

أما إذا عاد هذا النهي إلى أمر خارج هذا لا يؤثر ولو اقترن به الإثم بأن كان محرماً، لكنه حينئذٍ لا يؤثر في الصلاة، الصلاة صحيحة.

هناك أمور مكروهة لا تقتضي البطلان، ولا يلزم منها الإثم، وإنما فاعلها محروم، حرم من أجر الترك، من أهل العلم من يرى أن كل فعل مخالف فيه سواء كان محرماً أو مكروهاً فإنه يخرج العمل من حيز الاقتداء إلى حيز الابتداع، كل عمل في الصلاة أو في غيرها من العبادات جاء النهي عنه، سواء كان النهي نهي تحريم، أو نهي تنزيه كراهة، فإنه يخرج العمل من الاتباع إلى الابتداع، فكل المكروهات في الصلاة بدع عنده على هذا الحد وهذا التقرير، لكن فرق بين عمل يتعبد به مما لم يثبت له شرعية هذا بدعة، ولو كانت خفيفة، وبين ما لا يتعبد به، رجل تحرك في صلاته مكروه، رجل فرقع أصابعه مكروه، رجل اختصر أو تمطى أو فعل من المكروهات، لكن هل يتعبد بهذا؟ هل يتعبد بمثل هذه الأعمال؟ لا يتعبد بها، هذا يكفي في حقه الكراهة، أما الابتداع فلا.

أهل العلم يقولون: بالنسبة للجهر والإسرار في الصلاة، الصلاة الجهرية إذا أسرها أو جهر في السرية قالوا: كُره، إن أسر في جهرية أو جهر في سرية قالوا: كُره، نعم كره إذا فعل ذلك نادراً، لكن إذا كان ديدنه ذلك يصلي الصبح باستمرار وهو إمام سرية، ويصلي الظهر باستمرار جهرية، نقول: هذا مبتدع، يعني إطلاق أهل العلم للكراهة في هذا الموضع لا يعني أن من اتخذ ذلك ديدناً أن يكون هذا حكمه، لا، إنما من فعله مرة أو خالف مرة أو شيء أو نحو المرة اليسيرة اثنتين أو ثلاث هذا يقال في حقه الكراهة، لكن إذا كان ديدنه ذلك إذا صف بالناس في صلاة الصبح قرأ سراً، وإذا صلى بهم الظهر قرأ جهراً هذا مبتدع، هذا نقول: مبتدع، فيفرق بين من كان ديدنه ذلك ومن يفعل ذلك أحياناً.

الأمر الثاني: أنه ليس كل عمل مكروه ملازم للبدعة، وإنما البدعة فيما يتعبد به، لو كان يتعبد بالتمطي أو الاختصار على ما سيأتي أو بفرقعة الأصابع، أو ما أشبه ذلك، أو تشبيك الأصابع إذا كان يتعبد بذلك فهو مبتدع، لو قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لما سلم من الصلاة في قصة ذي اليدين شبك بين أصابعه، ولا فرق بين أن يشبك قبل السلام أو بعده، ما في فرق، نقول: ابتدعت؛ لأنه جاء النهي عن التشبيك.

أمور مكروهة في الصلاة، في للظرفية، يعني في أثناء الصلاة، لكن لو فعل هذه المكروهات قبل شروعه في الصلاة؟ جاء النهي عن التشبيك قبل الصلاة: ((إذا توضأ في بيته وأحسن وضوءه وخرج فهو في صلاة)) حكماً فلا يفعل هذه المكروهات ما دام ينتظر الصلاة لأنه في صلاة.

وأمور مكروهة في الصلاة سوى ما تقدم، والمراد بالمكروهة هنا الكراهية الاصطلاحية التي يؤجر على تركها ولا يأثم بفعلها.

قال -رحمه الله تعالى-:

"عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: كانت علينا رعاية الإبل" يتناوبون الأعمال، كما كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وصاحب له من الأنصار يتناوبون العمل، كل واحد يدخل يوم ويزود الآخر بما سمعه من النبي -عليه الصلاة والسلام- "وعقبة بن عامر -رضي الله عنه- يقول: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي" يعني يتناوبونها، فكان في ذلك اليوم نوبة عقبة بن عامر "فروحتها بعشي" يعني بادرت بإرجاعها إلى أماكنها وإلى أهليها، وهذا كان موجوداً إلى وقت قريب، مواشي الناس من إبل وبقر وغنم تسرح، ويذهب بها الراعي في الصباح، ويرجعها في المساء، هذا موجود إلى وقت قريب، إلى أن منع الناس من اقتناء المواشي في البيوت، نظراً لما يترتب عليها كما يزعمون من أضرار بيئية، يقولون: يترتب عليها أضرار بيئية وروائح، ولا أدري هل أضرارها أشد أو عوادم السيارات والمصانع؟ لكن الله المستعان.

يقول: "فروحتها بعشي" يعني بادرت بإرجاعها إلى أهليها "فأدركت النبي -صلى الله عليه وسلم- قائماً يحدث الناس" كما هي عادته -عليه الصلاة والسلام- يحدث والصحابة يتلقون، وهذه هي الطريقة الأصلية في التلقي، السماع من لفظ النبي -عليه الصلاة والسلام- يحدث الناس وهو أقوى وجوه التحمل "فأدركت من قوله" يعني فاتني شيء من حديثه؛ لكني أدركت من قوله: ((ما من مسلم يتوضأ)) (ما) نافية و(من) زائدة للتأكيد (مسلم) نكرة في سياق النفي فتعم، ويدخل في ذلك المسلمة؛ لأن خطاب الرجال يتوجه إلى النساء، فيما لم يدل الدليل على تخصيص الرجال به أو النساء، المقصود أن دخول النساء في هذا ظاهر.

((ما من مسلم)) يعني ومسلمة ((يتوضأ)) وضوءاً شرعياً كاملاً صحيحاً مسبغاً، كما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتوضأ ((فيحسن وضوءه)) يكمل الوضوء، ويأتي به على الوجه المشروع من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير إساءة، فلا يزيد على المشروع ولا ينقص عن المشروع أيضاً، فيحسن وضوءه، يأتي به على الوجه الصحيح، كما شرح وضوء النبي -عليه الصلاة والسلام- من قبل عثمان وغيره من الصحابة.

((ثم يقوم فيصلي)) يعني هذا القيام غير الصلاة؟ غير القيام إلى الصلاة؟ أو أنه كان قاعداً للوضوء ثم يقوم؟ والقيام إلى الصلاة قبل القيام في الصلاة {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [(6) سورة المائدة] وهنا قيام بعد الوضوء، وهناك قيام قبل الوضوء {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [(6) سورة المائدة] هذا قيام قبل الوضوء، وهذا قيام بعد الوضوء، وهناك قيام في الصلاة، هذا قيام إلى الصلاة، والقيام إلى الصلاة منه ما هو قبل الوضوء كما في الآية، ومنه ما هو بعد الوضوء كما في الحديث ((فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين)).

((فيصلي ركعتين)) هل لهذا مفهوم بمعنى أنه لو صلى ركعة واحدة يحصل له الوعد المذكور الظاهر؟ لا، لكن لو صلى أربعاً أو صلى ثلاثاً وتراً، أحسن وضوءه، ثم أوتر بثلاث، يعني يزيد على الركعتين كونه ينقص من الركعتين هذا لا يتجه بالنسبة في حقه الوعد المذكور ((إلا وجبت له الجنة)) إذا نقص، كما قالوا في حديث: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) دخل بعد صلاة العشاء وقال: أنا أصلي واحدة ثم أجلس، وتر، نقول: لا تكفي، وإن كان بعضهم يقول: إن جنس الصلاة يكفي، وبعضهم يتوسع في هذا كما ذكر النووي في الأذكار أنه إذا لم ينشط للصلاة يكفيه الذكر، وهذا الكلام لا يتم به الامتثال، وإن كان الذكر من أفضل الأعمال، لكن الامتثال لا يتم به.

هذا يصلي ركعتين واحدة لا يترتب عليها الوعد المذكور في الحديث، وأكثر من واحدة يترتب وإلا ما يترتب؟ الظاهر نعم؛ لأنه أتى بالمطلوب وزيادة، ولا يقال: إن هذه زيادة على القدر المحدد شرعاً؛ لأنه لم يأت بالحصر، الأمر الثاني: أن الصلاة خير مستكثر منه، وجاء في الحديث: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) فيحصل له الأجر المرتب في الحديث على الركعتين والزيادة خير.

((فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه)) الإقبال بالوجه يعني بأن لا يلتفت عن سمت القبلة، والالتفات معروف أنه بالوجه فقط من مكروهات الصلاة، وهو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وأما الإقبال بقلبه فلا ينصرف عن صلاته بقلبه من شروعه فيها إلى سلامه منها، في رواية: ((لا يحدث فيهما نفسه)) لا يحدث نفسه، بمعنى أنه يغلق جميع المنافذ منافذ الشيطان التي يحاول أن يسرق صلاته من قبلها، أو شيء من صلاته من قبلها، فيطرد الهواجس والخواطر، وحديث النفس فضلاً عما فوق ذلك.

((يقبل عليهما بقلبه)) لكن هل هذا الأمر بالسهل الهين على كثير من المسلمين الذي نعيش أوضاعهم وظروفهم؟ الواحد يتحدث عن نفسه، أظن ضبط ركن واحد بهذه الصفة وهذه الكيفية فيه صعوبة، ركن واحد من أركان الصلاة، والله المستعان، كثير من الناس يصلي وهو لا يدري أنه يصلي، يدخل في صلاته ويخرج منها كما دخل، وهذا ليس له من صلاته إلا ما عقل، كما جاء في الحديث: ((ليس له من صلاته إلا ما عقل)) يعني بعض الناس بدون مبالغة لا يعقل من صلاته شيئاً.

يعني الإنسان مر عموم الناس الهواجس والخطرات ويسافر ويروح ويجي، وذكرت لكم مرة قصة شخص دخل في مسجد مشيد وكبير فلما صف جنب المؤذن وراء الإمام نظر فإذا المسجد ما فيه منبر، فأخذ يخطط هذا الآن ليس بجامع مسجد، والمسجد مؤهل كبير ونظيف ومجهز صار يخطط ليكون جامعاً، فنظر فإذا عن يمين المحراب غرفة، قال: هذه الغرفة تصلح بأن تكون يعني منبر بعد التعديلات تصلح تكون منبر، يعني توضع فيها درجات تسقف، ويقول: الغرفة فيها أثاث، انتهت الصلاة وأنا أنقل الأثاث من الغرفة، يعني أمور -سبحان الله- يهيأ للإنسان يعني ما لا يخطر على البال، يعني شخص يقول: إنه حاول مراراً أن يحدث وهو في الصلاة، حاول أن يحدث، هذا يعقل أنه في صلاة؟ لا يعقل أنه في صلاة، يعني فما بالك بما دون ذلك، يعني الخطرات هذه تقضي على عبادة الإنسان، وعلى الإنسان أن يقاومها بقدر استطاعته، وأن يروض نفسه على التلذذ بالصلاة وبالمناجاة، ويكون له نصيب من عمل السر في خلوته؛ لأن الإنسان إذا ما تعرف على الله في حال رخائه لن يُعرف في حال شدته.

والحسن البصري -رحمه الله تعالى- يقول: "ابحث عن قلبك في ثلاثة مواطن: في الصلاة والتلاوة والذكر" يقول: "إن وجدته وإلا فاعلم أن الباب مغلق" لكن لو كل واحد راجع نفسه في هذه الأبواب الثلاثة يجد وإلا ما يجد؟ يعني الإنسان ما يضحك على نفسه، لا بد من محاسبة إن وجدت قلبك وإلا فاعلم أن الباب مغلق، هل تقول: إن الباب مغلق وفرصة أنه مغلق نرجع؟ يعني لو أن الإنسان -إنسان ما هو بحريص على الصلاة- جاء إلى المسجد ووجد المسجد مغلق للصيانة قد يفرح بهذا الإغلاق صحيح وإلا لا؟ لكن الحريص على الصلاة يغتم لهذا، الأول الذي فرح بإغلاق المسجد هل يفرح إذا وجد المدرسة مغلقة في يوم الامتحان لأنه تأخر؟ لا والله، ورأينا الطلبة يبذلون كل الأسباب والوسائل من أجل أن يمكنوا من الامتحان، فلماذا لا تبذل مثل هذه الأسباب وأعظم من أجل أن يتمكن من أداء الصلاة جامعة مع المسلمين؟! تجد الإنسان يعتذر لنفسه بأدنى الأعذار، بأدنى سبب يعتذر لنفسه، لكن إذا حضر ووقف بين يدي ربه -جل وعلا-، وقام إلى صلاته عليه أن يعقل صلاته، وأن يعرف من يناجي، وأن الأجر مرتب على ما يعقل من صلاته، الإنسان الذي لا يجد قلبه في الصلاة ولا في التلاوة ولا في الذكر عليه أن يسعى لصلاح قلبه وإحياء قلبه، ومعالجة أدواء القلب.

وأعظم ما يؤثر على القلب ويصرفه عن هذه العبادات الفضول والخلطة، فضول الأكل، فضول النوم، فضول الكلام، فضول السمع، فضول البصر، الخلطة كما قرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- من أضر الأشياء على القلب، لا سيما مخالطة من لا تنفع مخالطته، فضلاً عمن مخالطتهم تضر.

((مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة)) يعني هل هذا دليل من أدلة مشروعية سنة الوضوء؟ يعني هاتان الركعتان شرعتا من أجل الوضوء أو الوضوء شرع من أجلهما؟ لأنه جاء في معناه أحاديث ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال)) وفي رواية: ((ثم صلى ركعتين)) في الصحيح ((لا يحدث بهما نفسه إلا دخل من أي أبواب الجنة الثمانية)) يعني هل هاتان الركعتان من أجل الوضوء أو الوضوء من أجل الركعتين؟ نعم؟ لأن عندنا الوضوء له ركعتان كما جاء في حديث بلال لما سمع النبي -عليه الصلاة والسلام- خشخشته سأله عن السبب، فقال: "ما توضأت إلا وصليت ركعتين" هما ركعتا الوضوء، مشروعية سنة الوضوء بحديث بلال مفروغ منها، لكن هل هذا مما يستدل به لمشروعية سنة الوضوء؟ نريد أن ننظر المسألة بمسألة أخرى، يعني أهل العلم يقررون أن ركعتي الوضوء سنة بحديث بلال، لكن هل من أدلة سنة الوضوء هذا الحديث؟ نعم الذي يظهر أن الوضوء من أجل الصلاة، وليست الصلاة من أجل الوضوء.

نظير ذلك الرجل الصحابي الذي يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [(1) سورة الإخلاص] بعد السورة، وسأله النبي -عليه الصلاة والسلام- عن السبب في ذلك قال: إني أحبها؛ لأنها صفة الرحمن، فقال: ((حبك إياها أدخلك الجنة)) هل نقول بمشروعية قراءة سورة الإخلاص بعد السورة التي بعد الفاتحة، أو قبل ذلك؟ هل التنظير مطابق بين حديث بلال وبين حديث الذي يقرأ سورة الإخلاص بعد السورة؟ لأن هذا الموضوع ترون في غاية الأهمية يا إخوان، يعني هل يكفي في المشروعية أن يثبت العمل عن صحابي، ويقره النبي -عليه الصلاة والسلام-، فيكون مشروعاً للجميع؟ أو نقول: إن هذا كما قال بعض أهل العلم: هذا مشروع وليس بسنة في قراءة سورة الإخلاص، بينما ركعتا الوضوء سنة، ويا ليت الإخوان ينتبهون لمثل هذه المسائل، ترى في غاية الأهمية، يعني هل المشروعية لعموم الناس تثبت بمثل هذا؟ هل القصتان متطابقتان؟ هل التنظير مطابق وإلا لا؟ الآن لو نظرنا مشروعية سنة الوضوء إن قلنا: ثبتت بهذا الحديث وما جاء في معناه انتهى الإشكال، وإذا قلنا: إنها لم تثبت إلا بحديث بلال قلنا: إنها نظير قصة الذي يقرأ سورة الإخلاص، فإذا قلنا: سنة الوضوء سنة قلنا: إن قراءة سورة الإخلاص سنة، يعني هل ثبت أن النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى بعد كل وضوء؟ لأن القائل بأن قراءة سورة الإخلاص مشروع وليس بسنة يقول: ما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- لكنه أقر ومدح وأثنى على من يقرأ، السياق سياق مدح، كما أن السياق في قصة بلال في الركعتين بعد الوضوء سياق مدح.

من يقول: إن سنة الوضوء يمكن أن تؤخذ من مثل هذا الحديث هذا ما عنده مشكلة، هذا ما يرد عليه هذا الإشكال، لكن الذي يقول: إن هذا الوضوء من أجل الصلاة، وليست الصلاة من أجل الوضوء، نقول: هذا لا يدل على ركعتي الوضوء، هذا وعد بالجنة على أمر مركب من وضوء حسن، وصلاة كاملة، فلا يدل على سنية ركعتي الوضوء.

يبقى لنا في مشروعية صلاة سنة الوضوء حديث بلال وقصة بلال، سأله النبي -عليه الصلاة والسلام- ما تصنع؟ قال: أصنع كذا، ما توضأت إلا صليت، فرتب عليه أنه يدخل الجنة بهذا العمل، وذاك: ((حبك إياها أدخلك الجنة)) لكن قد يقول قائل: وهو نظر له حظ أن يقول: حبه أدخله الجنة، حبه إياها أدخله، ما قال قراءتك إياها أدخلك الجنة، لكن بما يتمثل الحكم بمجرد الحب القلبي من غير أن يقرأ، يتلو، يعمل بها، الحب له مظاهر، فمن لازم الحب أن يقرأ، لا سيما وأن السياق سياق قراءة.

في أحد عنده إشكال في هذا وإلا زيادة إيضاح؟ نعم؟

طالب:.......

أنا أسألكم الآن، أنتم سمعتم ما عندي، وأنا أسمع منكم قبل، نعم؟

طالب: رأيك أنت في المسألة يا شيخ.

لا، أنا الآن طرحت ما عندي، خلينا نشوف ويش عند الإخوان قبل ثم بعد ذلك نشوف؟ وتعرفون طريقتنا في الشرح أنها كلها حوار يعني، وأكثرها خواطر ترد أثناء الشرح، يعني مثل هذا لو رجعت إلى الشروح كلها ما وجدت هذا الكلام، إنما خواطر يجر بعضها إلى بعض، ثم نخرج بالنتيجة.

الذي يلفت الانتباه في مثل هذه المواضع أن من أهل العلم من يقول: سنة الوضوء سنة، لكن قراءة سورة الإخلاص ليس بسنة، ويش الفرق بين قصة بلال وقصة الذي يقرأ سورة الإخلاص؟ يعني إذا كان القصد أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما قرأ سورة الإخلاص، فهو ما عرف عنه أنه كلما توضأ صلى ركعتين، وإذا كان بلال مدح بالركعتين بعد الوضوء فذاك مدح أيضاً بقراءة سورة الإخلاص، وحبه لسورة الإخلاص.

طالب:.......

إيه.

طالب:.......

لا لا، هذه المسألة ثانية، مسألة منفكة، الصحابي يقرأ سورة الإخلاص بعد السورة التي بعد الفاتحة، ولماذا؟ سأله النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((ما الذي دعاك إلى هذا؟)) قال: أحبها لأنها صفة الرحمن، قال: ((حبك لها أدخلك الجنة)) وقال لبلال: صلاة الركعتين بعد الوضوء أدخلك الجنة، ويش الفرق؟ هاه؟

طالب:.......

يعني تنظير مطابق وإلا غير مطابق؟ يعني إذا قلنا بمشروعية سنة الوضوء بحديث بلال أنا قبل ذلك ناقشت الحديث حديث الباب لو كان يدل على سنة الوضوء انتهى الإشكال من أصله، لكن قلنا: إن الوضوء من أجل الصلاة، المسألة في الاستنباط دقيقة يا الإخوان.

طالب: شيخ -عفا الله عنك- ما يحمل حديث عقبة على حديث بلال؟

لا، لا لا، هذا قال: ثم يقوم فيصلي.

طالب: لكن يكون هذا عام وهذاك أدق...

لا لا، قلنا وذكرنا أولاً هل الوضوء من أجل الصلاة، أو الصلاة من أجل الوضوء؟ لأن الصلاة ركز عليها مقبلاً عليهما بوجهه بقلبه ووجهه، فالصلاة هي المؤثرة في الباب، نعم؟

طالب:.......

إيه، لكن أنا أقول: إذا كان المقصود بحديث بلال الصلاة من أجل الوضوء، والرجل الذي يقرأ السورة الإخلاص بعد الفاتحة لحبه إياها وحبه إياها أدخله الجنة، وبلال صلاة الركعتين أدخله الجنة، والسياق سياق مدح في الموضعين، والقصتان متشابهتان، نعم لو وجدنا دليل قولي أو فعلي عنه -عليه الصلاة والسلام- يدل على مشروعية ركعتي الوضوء غير حديث بلال، قلنا: لا، هذه تترجح بمرجح آخر، نعم؟

طالب:.......

ثم ذكر.... ما يفرق، ما يفرق.

اللي عنده فرق بين المسألتين يبديه جزاكم الله خيراً؛ لأن المسألة يعني إذا قلنا بمشروعية سنة الوضوء بحديث بلال نقول: بسنية قراءة سورة الإخلاص بقصة الصحابي، أما أن نقول: هذا مشروع وليس بسنة وهذا سنة، ونجعله أيضاً من ذوات الأسباب التي تصلى في أوقات النهي، يعني لها قوة ولها وزون، مثل ركعتي تحية المسجد، نعم؟

طالب:.......

وأيضاً توضأ ألوف المرات ولا صلى ركعتين.

طالب:.......

أكمل، أكمل.

طالب: يا شيخ: الصلاة مشروعة والوضوء مشروع.

القراءة..، ثلث القرآن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [(1) سورة الإخلاص].

طالب:.......

والصلاة بعد الوضوء لم يثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، نعم؟

طالب:.......

لا لا، الوضوء من أجل الصلاة، يعني مثل ما تصلي فريضة أنت تتوضأ من أجل الفريضة ما تصلي الفريضة من أجل الوضوء، نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

أقر الأمرين الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومدحهم والسياق سياق مدح في القصتين.

طالب:.......

طيب.

طالب:.......

طيب على المحبة يعني واحد يحب {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [(1) سورة الإخلاص] يحبه الله ولو ما صلى ولو ما قرأ، يعني مجرد الحب، المجرد يعني حب، حب أولى ما يدخل في هذا الحب أولى ما يدخل في هذا حبك إياها أدخلك الجنة، هذا عام في الصلاة وغيرها، ودخول سبب الورود قطعي في النص، وورود السبب في الصلاة، فدخول قراءته في الصلاة قطعي، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟

طالب: حديث بلال يا شيخ ورد فيه المداومة والاستمرار عليه.

وهذا كلما قرأ، هذا واضح أنه كلما قرأ سورة قرأ قل هو الله أحد.

على كل حال المسألة مسألة بحث، ولا أحد ينكر على من قرأ سورة الإخلاص بعد السورة بهذا النص التقريري الصحيح الصريح المسوق سياق المدح، لكن الإشكال حينما نقول: إن هذا مشروع وليس بسنة وهذا سنة، بس، وإلا ما في أحد يبي ينكر على من قرأ سورة الإخلاص بعد، ما في أحد يقول: بدعة أن تقرأ سورة الإخلاص بعد السورة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما قرأها، بس أنا أريد أن المتماثلين يكون حكمهما واحداً، والتفريق بين المتماثلات ليس مما يرد به شرع.

طالب:.......

لا لا، لا لا، هو يقول: ما توضأت وضوءاً إلا صليت ركعتين، فهما ركعتا الوضوء، ما هو بوضوء الصلاة، ركعتا الوضوء، نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

إيه، طيب أهل العلم يثبتون مشروعية سنة الوضوء، يقولون: سنة لكل أحد بقصة بلال؛ لأن بلال فعلها وداوم عليها، ورئي في الجنة من أجلها، ومدحه النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقال للرجل الآخر: ((حبك إياها أدخلك الجنة)) هل نقول: إن الحب من غير قراءة مجرد حب، والحب يتفاوت فيه الناس قد يحصل حب لفلان يدخله الجنة وحب لا يدخله الجنة؛ لأنه أقل في المرتبة، وقد يقرأ الإنسان سورة الإخلاص في الصلاة وهو لا يحبها، ليس معنى أنه يحبها مجرد شعور قلبي فقط، الكلام على الآثار المترتب على هذا الحب.

طالب:.......

السنة معروفة عند أهل العلم، عند أهل الحديث، وعند الفقهاء والأصوليين، تعريفها معروف.

طالب:.......

لا، لا فيها نص هذه، هذه فيها نص.

طالب:.......

شوف الآن وجبت له الجنة بالأمرين، لكن الملاحظة هنا الصلاة: ((فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه)) يعني التنصيص على الصلاة، ومعروف أن الوضوء وسيلة وليس بغاية، نعم؟

طالب:.......

أنا ما عندي شك أن حبه لسورة الإخلاص أعم من أن يكون في الصلاة وخارج الصلاة، لكن هذا العموم سبب الورود يدخل فيه دخول قطعي عند أهل العلم، يعني إذا كان يقرأها في الصلاة ثبت له الوعد، نعم؟

طالب:.... والسبب في ذلك أن الوضوء أمر يفعله الرسول ويصلي به.... بغير العام، لكن الأمر الثاني أتى الرجل بأمر مختلف ما توعد عليه الصحابة، وهم يرفعون أمره للرسول، وكان الرجل في موقف دفاع عن نفسه، فدافع عن نفسه أنه يحب هذه السورة.....

ويش الفرق؟ يعني لما سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- بلال.

طالب:.......

معروف، معروف، شرط من شروط الصلاة.

طالب: والكل يتوضأ وتوضأ الرسول...

طيب لكن هل صلى ركعتين؟

طالب: هذا الرجل أتى بأمر يخالف ما اعتاده.

لكن هل صلى ركعتين بعد الوضوء الرسول -عليه الصلاة والسلام-؟

طالب:.......

لا، ما عرف عنه أنه صلى ركعتين، ولا عرف عن غير بلال أبداً، وثبتت الشرعية بحديث بلال، لا لو تأملت المسألة عرفت غير هذا، وعلى كل حال المسألة مسألة بحث، ولا أحد ينكر على من يقرأ سورة الإخلاص بعد، وجمع السور معروف أيضاً، لو قرأ غير سورة الإخلاص، لكن الكلام على المداومة على سورة الإخلاص، بعضهم يقول: مشروع وليس بسنة، وسنة الوضوء سنة، هذا ثبت بهذا وهذا ثبت بهذا، فأنا أطلب الفرق، وعلى كل حال المسألة مسألة ترى غير مؤثرة إلا أننا نريد أن نجعل النظائر في الشرع حكمها واحد، يعني حينما يقول: مشروع وليس بسنة، إيش معنى مشروع؟ يعني مباح لا يؤجر ولا..، ويش معنى مشروع وليس بسنة؟ يؤجر وإلا ما يؤجر؟ هذه سنة يا أخي شئنا أم أبينا سنة، نعم؟

طالب:.......

يعني ركعتا الوضوء ما هي بسنة؟

طالب:.......

إيه.

طالب:.......

طيب.

طالب:.......

على كل حال المسألة يعني تحتاج إلى مزيد فهم، تحتاج إلى دقة في الفهم، نعم؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

يعني ما أدري على شان أنه ما فعلها أحد غير هذا الرجل، ولو كانت مما يسن لعمت في الناس، لا يستطيع أن يقول: بدعة، أو ليس بمشروع؛ لأنه إقرار نبوي، المسألة ثبت بإقراره -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: ((إلا وجبت له الجنة)) وجبت يعني استحق بسبب هذا الفعل الجنة؛ لأن الجنة وجوبها معلوم أنه لا يجب على الله من المخلوق شيء، وإنما هو شيء أوجبه الله على نفسه فضلاً وكرماً وجوداً منه لأهل عبادته، ومعلوم أنها سبب، سبب قد يترتب الأثر والمسبب عليه، وقد يتخلف لوجود مانع أو معارض.

والله -جل وعلا- لا يجب عليه شيء، وإنما شيء أوجبه على نفسه كهذا، وشيء حرمه على نفسه كالظلم فضلاً منه وجوداً وكرماً، خلافاً لما تقوله المعتزلة.

"رواه مسلم، وقصّر من عزاه إلى أبي داود وحده" نعم الحديث مخرج في صحيح مسلم.

قال: "وعن أبي جهيم عبد الله بن الحارث بن الصمة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو يعلم المار))" وليس له في الصحيحين إلا هذا الحديث، وحديث: "أقبل النبي -عليه الصلاة والسلام- من نحو بئر جمل" في حديث التيمم، حديث التيمم الذي هو معلق في صحيح مسلم، وموصول في البخاري.

"قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟))" لو حرف امتناع لامتناع، امتنع الوقوف لامتناع العلم، امتنع الوقوف وقوف المار لامتناع علمه بما عليه.

((لو يعلم المار بين يدي المصلي)) يعني بينه وبين سترته إن كانت، أو بين يديه ولو لم يكن هنك سترة قريباً منه.

((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟)) في النهاية في الآخر قال: وفي بعض روايات البخاري: ((ماذا عليه من الإثم)) رواية العمدة للحافظ عبد الغني قال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم)) وانتقده ابن حجر في فتح الباري انتقده، يقول: لأن رواية: ((ماذا عليه من الإثم؟)) تفرد بها الكشميهني وهو ليس من أهل العلم، يعني من رواة الصحيح، يعني ليس من الحفاظ، فانتقد صاحب العمدة ومع ذلكم وقع فيما انتقده في البلوغ، ذكرها ابن حجر في البلوغ الآن الحافظ ابن حجر انتقد صاحب العمدة؛ لأن قوله: ((ماذا عليه من الإثم؟)) هذه في رواية ليست من الروايات المعتمدة في الصحيح، يعني تفرد بها أبو الهيثم الكشميهني هذا ليس من الحفاظ، مع أنه أثنى عليه في بعض المواضع ابن حجر، ومع ذلك أوردها في البلوغ، مثل هذا الانتقاد والوقوع في نفس ما انتقد هذا يجعل طالب العلم حينما يريد بيان الحق والنقد أن يكون هدفه الحق، لا نقول: إن ابن حجر أراد أن يعيب صاحب العمدة، لا، ليس هذا المراد، ليس هذا هو المراد، كلا، لكن في الغالب أن الإنسان إذا انتقد وقصده بذلك النيل بغض النظر عن ابن حجر، أنا لا أتكلم عن ابن حجر الآن، أتكلم في عموم النقد، وعندي نظائر، في عموم النقد، إذا كان النقد غير متجرد فإن الناقد لا بد أن يقع، وأنا لا أتحدث عن ابن حجر بخصوصه، ابن حجر انتقد كثيراً، ولا وقع له مثل هذا، لكن وقع له هفوة؛ لأن العصمة ليست لأحد، ابن حجر كغيره، يصيب ويخطئ، لكن عموماً كون ابن حجر يقع منه هفوة أو هفوتين أو ثلاث أو عشر أو مائة في كتاب مثل فتح الباري أو عشر أو أقل من ذلك مثل بلوغ المرام هذا ما يؤثر.

لكن أنا أعرف شخصاً يدور بكتاب محقق على القاعات، ويستخرج أغلاط هذا المحقق من قاعة إلى قاعة، افتحوا صفحة كذا انظروا في صفحة كذا، اسمعوا ما يقول، وهو يحقق الكتاب نفسه، فخرج تحقيقه أسوأ عشرات المرات من التحقيق الذي ينتقده، وصار تحقيقه لا يكاد يستفاد منه، فعلى الإنسان إذا أراد أن ينتقد أحداً أن يجرد القصد لله -جل وعلا-، ثم لبيان الحق، والله المستعان، يعني هناك أشياء قد تقع بين أهل العلم لأنهم ليسوا بمعصومين تقع حتى أمور نفسية، يعني من يحللها نفسياً يرى أنها فيها شيء من القدح حتى في الإخلاص، يعني لما ينقل عالم صفحة أو صفحتين من كتاب ولا يشير إليه إلا إذا أراد أن ينتقده، لا يشير إليه، ما يقول: قال فلان، إنما ينقد الصفحة والصفحتين ثم إذا وجد محل للانتقاد انتقد، ومع ذلك نجد في ثنايا هذا الكلام من رجع عنه المؤلف الأصلي لأنه خطأ، ولا انتقده الثاني، رجع عنه، وبين في موضع آخر من الكتاب، فعلى الإنسان أن يجرد القصد لله -جل وعلا-، وأن يكون تكون همته وصول الحق سواء كان عن طريقه أو عن طريق غيره.

قال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟)) وفي الرواية الأخرى: ((من الإثم)) وهي التي انتقدها ابن حجر ووقع فيها ((لكان أن يقف)) من حيث المعنى المعنى صحيح ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟)) يعني من حيث المعنى معروف أنه من الإثم، ماذا عليه يعني من الإثم، ولا يقصد به ماذا له من الأجر، لا، إنما ماذا عليه من إثم.

أحياناً يحصل خلط بسبب علامات الترقيم: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟)) وينتهي ثم يضع علامة ترقيم، فيسرح الذهن كل مسرح ماذا عليه من إيش؟ الحذف من أسباب التعميم، أو من وسائل التعميم، من الإثم، من الذم، من العذاب، من كذا من كذا... إلى آخره، لكن أحياناً تقدم علامة الترقيم فينقلب المعنى، يعني جاء في حديث مقتني الكلب الذي يقتني الكلب غير ما استثني ((ينقص من أجر كل يوم قيراط)) رواه مسلم، هذا متن محقق، رواه مسلم، وفي رواية له: ((قيراطان)) وجاء المحقق ووضع النقطتين في رواية نقطتين وفتح قوس قال: ((له قيراطان)) إيش يعني له قيراطان؟ من الأجر وإلا من الإثم؟ له يعني أجر، والسبب في ذلك كونه قدم النقطتين، والأصل وفي رواية له يعني لمسلم ((قيراطان)) يعني ينقص قيراطان بدل قيراط، فمثل هذه الأمور لا شك أنها مما يؤثر في فهم الكلام، وحذف التمييز لا شك أنه من مسببات التعميم في الكلام.

((لكان أن يقف أربعين)) حذف الجار والمجرور هنا ((ماذا عليه؟)) يعني من الإثم أو من العذاب أو من الذم والمقت نعم بجار ومجرور، التمييز هنا ((لكان أن يقف أربعين)) هنا حذف التمييز أربعين إيش؟ أربعين ثانية؟ أربعين دقيقة؟ أربعين ساعة؟ أربعين يوماً؟ شهراً؟ عاماً؟ التمييز محذوف.

((خيراً له من أن يمر بين يديه)) قال أبو النضر الراوي: "لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة" هل نقول: إن الحذف حذف التمييز لتنوع أفعال وأحوال الناس بعض الناس يحب أن يقف أربعين يوماً خير من أن يقطع، وبعضهم لأن يقف أربعين شهراً خير له من أن يقطع، وبعضهم خير له أن يقف أربعين سنة من أن يقطع.

لا شك أن أحوال الناس وظروفهم، كما يقول بعض أهل العلم حينما يقررون أحوال المار بين يدي المصلي أحوال المار بين يدي المصلي يقولون: إن كان المصلي قد استتر والمار له مندوحة فالإثم على المار، إن كان المصلي لم يستتر لم يتخذ سترة، والمار ليست له مندوحة فالإثم على المصلي، بقيت صورتان يكون الإثم فيهما مشترك، هل نقول: إنه في بعض الصور يحب أن يقف أربعين يوماً، وبعض الصور من شدة عذابه يحب أن يقف أربعين شهراً بعض الصور من شدة عذابه التي لا تأويل لها ولا مسوغ يحب أن يقف أربعين سنة؟ يعني حذف التمييز لا شك أنه أوقع في مثل هذا التردد، أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، وقد يكون للحذف فائدة، وهي إرادة التعميم، وقد تكون لإرادة التهويل؛ ليكون أشد في الزجر، يقف أربعين احتمال أن يكون يقف أربعين يوماً؛ لكنه حذف ليظن السامع أنها أربعين خريفاً، أو أربعين سنة، فيكون الزجر في حقه أشد وآكد.

((من أن يمر بين يديه)) يعني بين يديه بينه وبين سترته، أو بين يديه قريباً منه ولو لم يستتر.

قال أبو النضر الراوي: "لا أدري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة" متفق عليه، وفي بعض روايات البخاري: ((ماذا عليه من الإثم)).

في التعليق يقول: قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري: "قد وقع في بعض نسخ البخاري ومسلم أيضاً: ((ماذا عليه من الإثم)) وهي غير محفوظة، وذكر ابن عبد البر: أن هذه اللفظة في رواية الثوري عن سالم أبي النضر: وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري مدرجة بلفظ: يعني: من الإثم، فدل على إنها من قول بعض الرواة وتفسير للمعنى، يعني ليست من أصل الحديث، فحذفت يعني، قد يؤتى بيعني مثلاً ثم تحذف، يحذفها بعض الرواة، فتكون من أصل الخبر، والإدراج لا سيما تفسير بعض الألفاظ كثير، واقع في النصوص كثيراً كما في تفسير التحنث بالتعبد، قال: يتحنث وهو التعبد، هذا إدراج من الزهري، لكن مثل هذا إذا حذف ما يدل على الإدراج يصعب الحكم بالإدراج إلا من خلال جمع الروايات، وطرق الخبر، وبها يتبين المدرج من الأصل.

وهذا يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وأما بالنسبة لدفع المار بين يدي المصلي فإن هذا إنما يكون في حال الاستتار، إذا استتر: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه...)) إلى آخره، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، نعم؟

طالب:.......

أيوه؟

طالب:.......

أحياناً يكون الحديث في الأصل، ما ذكر التمييز، يعني ما ذكر المتعلق الذي هو الجار والمجرور، يعني تقصد أيهما؟

طالب:.......

أربعين اللي هي التمييز يوماً أو سنة أو شهراً، هذا المقصود، هو الآن لا ندري؛ لأن الرواية المذكورة: ((ماذا عليه)) أو كان أبو النضر يقول: لا أدري، يشك أبو النضر، وهو من رواة الحديث، أبو النضر يشك هل قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كذا أو كذا أو كذا، ومن ورع أهل الحديث أنه إذا وقع الشك حذفوه، لماذا؟ لأن المشكوك فيه لا يجوز إثباته بمجرد الشك.

قال: "وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها" أمر بالحربة أن توضع بين يديه يعني سترة فيصلي إليها، والسترة كما تكون بالحربة تكون أيضاً بالسهم، تكون بالعصا، تكون بمؤخرة الرحل كما سيأتي، المقصود أنها شيء يستدل به على أن هذا يصلي فلا يمر بين يديه، وأما ما يقوله الفقهاء من أن السترة فائدتها منع النظر من تجاوز المصلى، ومنع من أراد أن يمر دونها، نعم منع من أراد أن يمر دونها هذا صحيح، لكن هل تحجب النظر من النظر عما وراءها؟ لو كانت جدار نعم، لو كانت جدار تمنع، لكن إذا كانت حربة أو سهم فليستتر ولو بسهم سئل عن السترة، قال: ((كمؤخرة الرحل)) كل هذا لا يمنع، والمصلي عليه أن ينظر في موضع سجوده ولا يتجاوز ذلك؛ لأنه بتجاوزه يتشتت، ويسرح الذهن، ويتابع المرئيات والمارة لا سيما إذا كان في مكان مطروق، فمثل هذا لا شك أن السترة لمنع من أراد أن يجتاز بينها وبين المصلي.

"كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها، والناس وراءه" يعني وليس لهم سترة ولا حراب ولا غير ذلك، فالمأموم سترته سترة إمامه، ومنهم من يقول: إن الإمام سترة لمن خلفه، يعني إما أن نقول: سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو نقول: إن الإمام سترة لمن خلفه، هل هناك فرق بين الأمرين؟ ما الفرق؟

طالب:.......

بين الإمام وسترته، إذا قلنا: إن سترة الإمام سترة لمن خلفه تتأثر صلاة المأموم، نعم، وإذا قلنا: إن الإمام سترة لمن خلفه، قلنا: تأثرت صلاة الإمام ولم تتأثر صلاة المأموم.

في حديث ابن العباس أنه جاء والنبي -عليه الصلاة والسلام- يصلي، جاء على حمار أتان في بعض الروايات، فنزل عنها وصلى مع النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومرت بين يدي الصف، وفي هذا أنها مرت بين يدي الصف، وليس فيه أنها مرت بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي هو الإمام، فمرور من يمر ممن نُص على أنه يقطع الصلاة كالحمار لا يؤثر في صلاة المأموم، وإنما أثره في صلاة الإمام أو المنفرد، أما المأموم فسترة الإمام أو الإمام سترة له.

"فيصلي إليها والناس وراءه" خلفه يصلون "وكان -عليه الصلاة والسلام- يفعل ذلك في السفر" طيب في الحضر؟ نعم؟ إما في المسجد أو في البيت، في المسجد يصلي إلى الجدار -عليه الصلاة والسلام-، وفي بيته يصلي كذلك إلى الجدار أو إلى السرير، وعائشة معترضة بين يديه -عليه الصلاة والسلام-؛ لضيق المكان، فتمد رجليها فإذا سجد غمزها، إذا أراد أن يسجد غمزها وكفت رجليها، وبهذا استدركت عائشة على حديث: ((يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب)) قالت: كنت معترضة بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- فإذا سجد غمزني، فترى أن المرأة لا تقطع الصلاة.

الحمار أخرجه من أخرجه في حديث ابن عباس، وعرفنا الجواب عنه، أنه مر بين يدي المصلين، ولم يمر بين يدي الإمام ولا منفرد.

حديث عائشة عائشة ليست مارة وإنما هي قارة، ويفرقون بين المار والقار، يعني لو صلى إلى شخص جالس أو نائم ما نقول: إنه مر بين يديه، سواءً كان رجلاً أو امرأة، فالقار ليس حكمه حكم المار، فاستدراك عائشة -رضي الله عنها-، واستدراك من يقول: إن الحمار لا يقطع الصلاة في حديث ابن عباس يمكن الجواب عنهما، فيبقى حديث الثلاثة، وأنه ((يقطع الصلاة ثلاثة: المرأة والحمار والكلب)) وعائشة كأنها تستكف من أن تقرن النساء بالحمر والكلاب، ومعها ما تستدل به على فهمها، وإن أمكن الجواب عنه؛ لكنها ما جاءت من فراغ، إنما جاءت من فهم، ومن نص انطلقت منه على حسب فهمهما، وإن لم توافق عليه، ويأتي بقية الكلام في السترة، وما يتعلق بها، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.