شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 28

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 28
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله، وسلم، وبارك على عبده ورسوله محمدٍ، وآله، وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، طابت أوقاتكم بكل خير، أهلًا بكم إلى حلقةٍ جديدةٍ في شرح كتاب الصيام من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله وبارك فيكم، و في الإخوة المستمعين.

قال المصنف -رحمه الله-: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- تقدم وقال في هذه الرواية: فكان عبد الله يقول بعدما كبر: "يا ليتني قبلت رخصة النبي –صلى الله عليه وسلم- وفي روايةٍ عنه أنه لما ذكر صيام داود قال: «وَكَانَ لا يَفِرُّ إِذَا لاقَى» قال عبد الله: من لي بهذا يا نبي الله، قال: وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- « لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد» مرتين.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

 فراوي الحديث الصحابي الجليل، العالم، العابد، الراوية، المكثر من رواية الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدم ذكره مرارًا، وهذا الحديث ترجم عليه البخاري -رحمه الله- بقوله: باب حق الجسم في الصوم، باب حق الجسم في الصوم، قال ابن حجر: باب حق الجسم في الصوم أي على المتطوع، والمراد بالحق هنا المطلوب، أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، فأما الواجب فيختص بما إن خاف التلف وليس مرادًا هنا، باب حق الجسم في الصوم أي على المتطوع، والمراد بالحق هنا أعم أن يكون واجبًا أو مندوبًا، فأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادًا هنا، يعني الصيام الواجب، باب حق الجسم في الصوم تطوعًا، والحديث المترجم عليه يدل على هذا، وأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادًا هنا، يعني لو أن إنسانًا صام رمضان خشي على نفسه التلف إذا لم يفطر، نعم يجب عليه أن يفطر، إذا خشي التلف، والعيني يقول: ليس المراد بالحق هاهنا بمعنى الواجب، بل المراد مراعاته والرفق به، كما يقال له حق الصحبة على فلان، كما يقال له حق الصحبة على فلان، يعني مراعاته والتلطف به، فالصائم المتطوع ينبغي أن يراعي جسمه بما يقيمه ويشده لئلا يضعف، فيعجز عن أداء الفرض، وأما إذا خاف التلف على نفسه أو عضو من أعضائه التي يضرها الجوع فحينئذٍ يتعين عليه أداء حقه حتى في الصوم الفرض أيضًا.

نقول: ليس المراد بالحق ها هنا الواجب، بل المراد مراعاته، ابن حجر يقول: على المتطوع، ثم أراد أن يعقب على ابن حجر، وقال بعضهم المراد بالحق هنا المندوب، المراد بالحق هنا المندوب، مع أن ابن حجر يقول: المطلوب أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، فأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادًا هنا، إذًا المطلوب هنا، الآن ابن حجر يقول: المطلوب أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا.

فأما الواجب فيختص بما إن خاف التلف، وليس مرادًا هنا، إذًا الذي يتعين هنا؟

المقدم: المندوب.

المندوب.

يقول العيني: وقال بعضهم: المراد بالحق هنا المندوب، قلت- العيني-: لا يطلق على الحق مندوب، وإنما المراد منه ما ذكرناه، يقول: ليس المراد بالحق هنا بمعنى الواجب بل المراد مراعاته والرفق به.

المقدم: ما الفارق يا شيخ؟ ما فيه فارق؟

يعني هل الحق، الحق من الأحكام التكليفية؟

 المقدم: يعني الخلاف في اللفظ؟

في اللفظ.

يقول: بل المراد بالحق هنا المندوب، قلت: لا يطلق على الحق مندوب، وإنما المراد منه ما ذكرنا، ليس المراد بالحق ها هنا الواجب بل المراد مراعاته والرفق به، كما يقال: له حق الصحبة، العيني ذهب إلى المعنى، معنى كلمة حق، نعم؟

يعني حق على الله أن يعينهم مثلاً، بمعنى..

المقدم: واجب.

نعم.

فيأتي الحق، والحق مشترك بين الواجب والمندوب، مشترك، حق المسلم على المسلم، فيه واجبات وفيه مندوبات، فيه مشتركة، فإن كان العيني ينازع ابن حجر في كون الحق لا يعني مندوبًا، يعني ليست من الألفاظ التي هي في الأصل من أحكام التكليف، فالمندوب والمستحب، نعم، المندوب، والمستحب، والسنة، بمعنًى واحد عند الأكثر، وإن كان المالكية يفرقون بين هذه الألفاظ، فيقال مع الحق، السنة والمندوب، والمستحب، الحق؟ لا، ما يقال، إن كان النزاع من هذه الحيثية اتجه، وإلا فلا داعي لهذا  الكلام، وعرفنا أن الحق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب.

مطابقةُ الحديث للترجمة، في قوله « فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» والترجمة، بابُ حق الجسم، والحديث «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».

المقدم: في غير المختصر؟

أين؟

المقدم: اللفظة.

        اللفظة نعم طواها المختصر وهي موجودة في الأصل، « فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» فالجسد والجسم واحد، انتهى. قال في القاموس: الجسد محرَّكةٌ جسمُ الإنسان، لئلا يقول قائل لماذا يترجم البخاري باب حق الجسم، والحديث..، لماذا لم يقل باب حق الجسد؟

المقدم: المعنى متواجد.

        المعني واحد، المعنى واحد، فالجسد محركة جسم الإنسان.

هل يقال إن هذا من استخدامات ألفاظ متعددة..؟

نعم هناك تفنن في العبارة، الأمر الثاني لينبه الطالب أن للكلمتين معنًى واحدًا، وإلا لو اقتصر على كلمة الجسد، ما انتبه الطالب إلى أن الجسد..، مع أنه واضح وهم يقولون إن الجسد يطلق على جسم الإنسان، وكل الجسم الحي مثلًا، جسد.

المقدم: نعم.

فأخرج له عجلاً..

المقدم: جسدًا، له خوار.

نعم، هذا حي، أو لكونه شابه الحي في الخوار، أعطي حكمه، وإلا قلنا ما يطلق على الجماد، والحديث تقدم في باب من نام عند السحر، في باب من نام عند السحر، وذكره البخاري –رحمه الله- في تسعة عشر موضعًا، في تسعة عشر موضعًا، وفي كل موضع يترجم له بحكمٍ شرعي استنبطه من هذا الحديث، والحديث حافل بالأحكام، ولا تظن أن الحديث هذه القطعة التي بين أيدينا، لا، الحديث...

المقدم: قصة طويلة.

فيه قصة.

فقال هنا في الموضع الذي معنا ذكر بسنده لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتقُومُ اللَّيْلَ» فقلت: بلى يا رسول الله، «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتقُومُ اللَّيْلَ» قلت: بلى يا رسول الله، الآن هل اعتمد النبي -عليه الصلاة والسلام- الخبر، أو قرر صاحب الخبر؟ يعني تأكد منه بنفسه؟

المقدم: تأكد.

تأكد، والذي أخبره كما في بعض الروايات أبوه، عمرو بن العاص.

المقدم: لا يمكن أن يكذب على ابنه؟

نعم، ومع ذلك فلا بد من التأكد من الحقيقة بنفس الإنسان، إذا أمكن التحقق مباشرةً، فلا يعتمد على مجرد أخبار مع إمكان الوصول للحقيقة، فالذين يعتمدون على إشاعات، وعلى أخبار مجالس، ويبنون عليها أحكامًا هؤلاء ليسوا على المنهج الصحيح، إنما الأخبار تنقل إذا تعذر الوصول إلى الحقيقة من صاحبها، الأمر الثاني أن العلو مطلوب، نعم العلو مطلوب إذا بلغك خبر بواسطة، ثم أمكن أن تصل الخبر دون هذه الواسطة فهذا مطلوب عند أهل الحديث هذا يسمونه علو، «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتقُومُ اللَّيْلَ» فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنيكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»، يقول عبد الله بن عمرو: «فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَام- وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ -دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام-؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ، يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-»، وذكره البخاري قبل هذا الموضع في نفس كتاب الصوم، باب حق الضيف في الصوم وبعده باب صوم الدهر، وباب حق الأهل في الصوم، وباب صوم يومٍ وإفطار يوم، وباب صوم داود عليه السلام، ذكره في كتاب الصيام في ستة مواضع أو أكثر، نعم، وقال في هذه الرواية: فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كبر بالضم بمعنى عظم.

المقدم: كبُر وكبِر.

نعم.

المقدم: كبُر وكبِر، قبل قليل في الرواية قرأناها كبر، وذكرتموها أنتم كبر يا شيخ.

أي، لكن هنا يقولون كبر بالضم بمعنى عظُم، كبر مقتًا، بمعنى عظُم من باب حسُن يحسُن، كبُر يكبُر، قاله العيني، قال النووي: معناه أنه كبُر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فشق عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى أن لو قبِل الرخصة، فأخذ بالأخف، فأخذ بالأخف، يعني هل في مثل هذا الكلام، مستمسك لعامة الناس؟ في العامة من يسأل هذا كثيرًا أن من صام نفلًا أو صلى نفلًا يلتزم به، وأنه إذا كان لا يستطيع أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر...

المقدم: فلا يبدأ.

فلا يبدأ.

المقدم: مثل الست يا شيخ؟

والست مثلاً يسأل إذا كنت لا أستطيع أن أصوم السنة القادمة والتي بعدها، نقول لا يصوم، نقول: لا، يصوم، يصوم ما جاء الحث عليه في الشرع؛ لأن ما جاء الحث عليه في الشرع، مقدور ومستطاع أن يلتزمه الإنسان، لكن هذا فيما يتصور أن يعجز عنه، يعني ما جاء به الدليل..

المقدم: يستمر عليه

يبدأ به؛ لأن المظنون به أن يستمر عليه؛ لأنه في المقدور، أما أكثر من ذلك أو شيء يشق على النفس، بحيث يغلب على الظن أنه يترك، نقول: لا تبدأ به، ولذلك عبد الله بن عمرو فيما يقول ما معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشق عليه فعله لعجزه ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى أن لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف، لكن شخصًا عنده فراغ مثلاً.

المقدم: لكن عفوًا يا شيخ، قول عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: ليتني قبلت رخصة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما كبر وعجز عن القيام بما تعهد به هو.

نعم، يعني هو فارق النبي -عليه الصلاة والسلام- على هذا الالتزام.

المقدم: وأصبح لا يستطيع أن يتراجع.

 ولا يقدر أن يتراجع، شخص عنده أوقات فراغ مثلًا، أخذ إجازة من عمله مثلًا، وأراد أن يستغل هذه الإجازة بالعبادة ويزيد على ما كان يعمله في أوقات عمله، هل نقول: باعتبارك لا تستطيع الاستمرار لا تفعل؟

المقدم: لا تفعل، لا ليس بصحيح.

نعم قالوا: إذًا نستكثر قال: الله أكثر، لكن لا يكون على حساب عبادات أخرى، فلا شك أن المواسم تستغل.

المقدم: في فترات النشاط؟

في فترات النشاط، نعم، المقصود، ولم يعجبه أن يتركه؛ لالتزامه له، فتمنى أن لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف، يقول ابن حجر: ومع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، كما في رواية الحصين المذكورة، وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام كذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرخصة أحب إلى مما عُدِل به، لكنني فارقت على أمرٍ، أكره أن أخالفه إلى غيره، وفي رواية عنه وهي في باب حق الأهل في الصوم، قال: فصم صيام داود -عليه السلام-، قال: وكيف؟ وفي مسلم: وكيف كان يصوم داود يا نبي الله؟ قال: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى» ولا يفر إذا لاقي، زاد النسائي من طريق محمد ابن إبراهيم عن أبي سلمة: وإذا وعد لم يخلف، ونعرف المناسبة بين هاتين الجملتين، لا يفر إذا لاقى وإذا وعد لم يخلف، نعم مناسبة الحديث ارتباط وثيق بين هاتين الجملتين والخبر.

المقدم: أخذ العزم في كل شيء.

نعم، لا يفر إذا لاقى، يعني يستعين بالفطر على الجهاد، وإذا وعد لم يخلف، يعني إذا التزم خلاص، ما يكون له ما يثنيه، ولم أرها من غير هذا الوجه، يقول من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة: وإذا وعد لم يخلف، قال ابن حجر: ولم أرها من غير هذا الوجه ولها مناسبة بالمقام، وإشارة إلى أن سبب النهي خشية أن يعجز عن الذي يلزمه فيكون كمن وعد فأخلف، كما أن في قوله: ولا يفر إذا لاقى إشارة إلى حكمة صوم يومٍ وإفطار يوم، نعم ولا يفر إذا  لاقى، إشارة إلى حكمة صوم يومٍ يعني وإفطار يوم، قال الخطابي: محصلُ قصة عبد الله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواعٍ من العبادات فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، يعني لو استفرغ جهده في الصيام، لقصر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه، ليستبقي بعض القوة لغيره، ليستبقي بعض القوة لغيره، وقد أُشير إلى ذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام- في داود -عليه السلام-: «وَكان لاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى»؛ لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد، لأجل الجهاد، مع أنه جاء الحث على الصوم في الجهاد، في الجهاد.

المقدم: من صام يومًا في سبيل الله؟

 «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، وإن كان المراد بسبيل الله هنا يختلف فيه أهل العلم، أنه مخلصًا فيه لله -جل وعلا- أو في الجهاد، والبخاري ترجم عليه: باب الصوم في الجهاد، ومعروف أن غزوة بدر كانت في رمضان، والمسلمون مر عليهم غزوات كلها في رمضان، لكن إذا احتيج إلى الفطر، بحيث يشق الصيام مشقة لا تطاق، أو اقتضى الجهاد الفطر، فالمسألة فيها مندوحة، ولله الحمد.

وكان لا يفر إذا لاقى؛ لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد؛ لأن إذا ترتب على الفطر مصلحة راجحة كتعليم الناس مثلاً يكون الفطر ِأرجح، وإذا كان معتادًا صيام هذا اليوم وأفطر من أجل أن يتقوى به على تعليم الناس أو غيره من النفع المتعدد..

المقدم: فهو أجر.

 يكتب له أجر، ولذا يعتب بعض طلاب العلم على بعض المشايخ، على بعض الشيوخ الكبار أنه قليل التنفل بالصيام، نقول: إذا كان يعوقه هذا الصيام عن أداء ما وجب عليه من حق الوظيفة مثلًا، أو ما كلف به من تعليم الناس وتبليغ الدين، إذا كان يعيقه ذلك فلا شك أن النفع المتعدي في تعليم الناس أولى، وهذا مُشاهد يعني بعض الشباب يصوم النوافل، لكن ليست التكاليف عليه مثل شخصٍ الأمة بحاجته، وبعض الشباب أحيانًا في الأسلوب لا يوفق، يعني شخص عنده درس في عصر الاثنين مثلًا، واحتاج إلى ماء، ما صام ليتقوى به على الدرس وقد اعتاد صيام الاثنين، فاحتاج إلى أن يشرب فشرب فكتب الطالب أذكرك بأن اليوم هو الاثنين فماذا عن الصيام؟ هذا سوء أدب، قال لهذا الشخص بسنه وعلمه وبين هؤلاء الطلاب، الشيخ قرأها، قال هذا شخص يستدرك، وينبه، ويذكرك، لكن أسألكم أيهما أفضل تعليم الناس العلم والخير وبذل النفس في هذا الباب، أو صيام يوم ويجلس في بيته ما يعلم الناس فيه؛ لأن بعض الناس ما يتحمل، إذا صام ما تحمل عملًا ثانيًا، فأيهما أفضل؟

لا شك أن التعليم أفضل ما يتعبد به بعد الفرائض، والله المستعان، فطلاب العلم محتاجون إلى شيء من الأدب، فمثل هذا لا بد أن يتنبه له، في عمدة القاري قوله: ولا يفر إذا لاقى، أي لا يهرب، إذا لاقى العدو، قيل في ذكر هذا عَقيب ذكر صومه إشارةٌ إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك البدن ولا يضعفه بحيث يضعفه عن لقاء العدو، بل يستعين بفطر يومٍ على صيام يوم، فلا يضعف عن الجهاد، وغيره من الحقوق، ويجد مشقة الصوم في يوم الصيام؛ لأنه لم يعتده، بحيث يصير الصيام له عادة، فإن الأمور إذا صارت عادة سهلت مشاقها، ظهرت المناسبة بين هاتين الجملتين إلى الخبر، قال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: من لي بهذه يا نبي الله؟

المقدم: بهذه أم بهذا، بهذا ؟

من لي بهذا يا نبي الله، أي من يتكفل، بهذه، أي من يتكفل، بعض الروايات بهذه أي من يتكفل لي بهذه الخصلة التي لداود -عليه السلام- لا سيما عدم الفرار، قاله الكرماني، وفي شرح ابن بطال، يقول المهلب: وحق الجسم أن يُترك فيه من القوة ما يستديم به العمل؛ لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت، وقد جاء في الحديث: «إِنَّ الْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضًا قَطَعَ وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى» وقال -عليه السلام-: «أحب العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل» وقال: «اكلفوا من العمل ما تطيقون»، فنهى -عليه الصلاة والسلام- عن التعمق في العبادة وإجهاد النفس بالعمل خشية الانقطاع، ومتى دخل أحد في شئ من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها، وقد ذم الله- جل وعلا- من فعل ذلك بقوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } [الحديد:27] الآية.

 فوبَّخهم على ترك التمادي فيما دخلوا فيه، ولهذا قال عبد الله بن عمروٍ حين ضعف عن القيام بما كان التزمه: ليتني قبلت رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيه كلام حول ورهبانية ابتدعوها.

المقدم: نرجئها للحلقة القادمة إن شاء الله لتكون بداية الحديث معكم، أحسن الله إليكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصيام في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير وأن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، إنه جواد كريم، بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة لقاؤنا يتجدد بكم مع حلقةٍ قادمة وأنتم على خير، والسلام عليكم  ورحمة الله وبركاته.