كيف يبني طالب العلم مكتبته - الحلقة (5)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

لقاءنا حول وصايا لطلبة العلم، وكيف يبني طالب العلم مكتبته؟ فيسرنا أن نرحب بفضيلة الدكتور أهلًا ومرحبًا بكم الشيخ عبد الكريم.

حياكم الله وبارك فيكم.

أقول يا دكتور: رأي فضيلتكم في طبعة فتح الباري التي صدرت عن دار السلام؟

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فتح الباري بيَّنا مرارًا الطبعة التي ينبغي لطالب العلم أن يعنى بها، وأن أفضل الطبعات للكتاب هي طبعة بولاق، إلا أن هذه الطبعة تكاد أن تكون في حكم المفقود، الطبعة الأصلية صورت أكثر من مرة، والتصوير أيضًا عزيز ونادر، وعرض على أكثر من دار للنشر أن يعنى بهذه الطبعة على وجه الخصوص، وترقم ويعلق عليها بما يحتاج إلى تعليقه، وتصور من جديد، ولا يصف الكتاب من جديد؛ لأن الكتاب بعدها صف مرارًا، صفه صديق حسن خان في الهند في ثلاثين جزءًا، ثم صف في المطبعة الخيرية، ثم في المطبعة التجارية، ثم بعد ذلك عني بإخراجه والتعليق عليه شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، على كل حال من وجد الطبعة البولاقية أو صورة عنها فهي المطلوب، وهي الضالة المنشودة، من لم يجدها فعليه بالطبعة السلفية الأولى، التي عني بها الشيخ عبد العزيز -رحمه الله-، وعلق على مجلدين وبعض الثالث، ثم بعد ذلك طبع مرارًا، طبع في المطبعة الحلبية، وطبع في السلفية مرة ثانية، ثم صور عن الثانية وسموها ثالثة، وصف في دور الطباعة اللبنانية في أكثر من دار، لكن يبقى أن الطبعة المفضلة هي طبعة بولاق، ثم الطبعة السلفية الأولى، الطبعة التي كثر السؤال عنها طبعة دار السلام ذكروا أنهم اعتمدوا على طبعة بولاق وعلى الأنصارية التي هي الهندية وغيرهما من الطبعات، وعلى كل حال هي طبعة من أجود الطبعات الحديثة، لكن يبقى أنها مفضولة بالنسبة لطبعة بولاق أو الطبعة السلفية الأولى، إذا صححت أخطاؤها المجدولة في آخر كل مجلد عن الطبعة السلفية الأولى.

يسأل عن اختلاف روايات صحيح البخاري المنقولة، مع أن البخاري يقول: حسب علمي هو الذي صنف الجامع، لماذا اختلفت؟

نعم الإمام البخاري صنف الجامع وتلقاه عنه الآخذون من الطلاب الذين أوصلهم بعضهم إلى تسعين ألفًا، ومعلوم أن الإمام إذا صنف كتابه وقرأه على طلابه أو قرأه عليهم  في كل عرضة يعدل ويزيد وينقص أشياء يسيرة جدًّا؛ ولذا تختلف الروايات بعضها عن بعض في أمور يسيرة جدًا، والاختلاف في روايات الموطأ أكثر منه وأظهر من اختلاف صحيح البخاري، والاختلاف في صحيح البخاري أظهر منه من اختلاف الرواة في صحيح مسلم مثلًا، كلما تقادم العهد كثرت الاختلافات بين الرواة؛ لأنه في طور بداية التأليف، فالمؤلف الذي يبتدئ التأليف أولًا ثم يكرر النظر في هذا الكتاب، ويزيد فيه وينقص، المقصود أن هذه الروايات هذا مردها، لكن اشتهرت روايات مدونة......، واعتنى بها الحافظ اليونيني، وجمع هذه الروايات وأثبت الفروق بينها برموز معروفة، أثبتت في الطبعة السلطانية.

أحسن الله إليكم، يقول: لما لا يجتمع المهتمون في علم الحديث النبوي سواءً كانوا هيئات أو أفراد لطباعة أمهات كتب السنة طباعة جديدة غير تجارية، وذلك على حسب أصح النسخ المعروفة؛ لأن بعض طلبة العلم قد ذاق الأمرين بسبب الحصول على الطبعات القديمة التي يغالي بها التجار؟

نقول: الطبعات القديمة لو يُعتنى بها، تصور على ورق ممتاز بالألوان والأرقام، لكان هذا كافيًا، يكفي؛ لأن الكتب الكبيرة تحتاج إلى جهود متضافرة، ولجان علمية متفرغة، وقد يعز في مثل هذه الأمور.

يسأل عن رواية أبي ذر الهروي في صحيح البخاري، هل هي مفقودة، يقول: هل يمكن استلالها من النسخة اليونينية الآن؟

رواية أبي ذر مثل ما ذكرنا أن الحافظ اليونيني -رحمه الله تعالى- عني بجمع الروايات، وإثبات الفروق بينها في الرموز، والقسطلاني أيضًا له عناية فائقة في هذا، إلا أن ما في الطبعة اليونينية ليس جميع الفروق، لم يثبت جميع الفروق الحافظ ابن حجر لم يشر في رواية أبي ذر وأشار إلى ما عداها، لكن تبقى أنه لا بد من الوقوف على رواية أبي ذر.

جزاك الله خيرًا شيخنا سنبدأ حلقتنا هذه في الحديث عن كتب التاريخ، تفضل يا شيخ.

نعم كتب التواريخ مما يجدر بطالب العلم العناية بها، فطالب العلم بأمس الحاجة إلى التواريخ، لما فيها من عبرة وعظة ومتعة أيضًا، عبرة وعظة ومتعة واستجمام للذهن؛ نعم لأن الذهن إذا حصر على المقاصد التي هي العلوم الشرعية، وما يخدمها خدمة مباشرة لا شك أنه يمل ويكسل، فهو بحاجة إلى استراحة، فالذهن مثل الجسد يحتاج إلى استجمام، نعم فيستجم بكتب التواريخ وكتب الأدب على ما سيأتي، لكن كتب التواريخ فيها العبرة والعظة، وفيها أخبار من سبق، والتواريخ السنن الإلهية التي جعلها الله –جل وعلا- للخليقة لا تتغير ولا تتبدل، نعم فلنأخذ العبر، ولنأخذ العظات؛ ولذا قال -جل وعلا- في آخر سورة يوسف: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}[(111) سورة يوسف] ما هو مجرد قصص ولا تسلية ولا من أجل إيناس الناس ولا إضحاكهم، هذه القصص التي فيها العبرة والمتعة والعظة والاطلاع على أحوال الأمم الماضية كلها مستمد من القرآن والسنة، ومتلقّى بعضه عن الأمم السابقة كأهل الكتاب على وجه الخصوص، وقد أُمرنا أن نحدث عنهم: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) وجاء في بعض الروايات: ((لأن فيهم الأعاجيب)) فهذه الكتب أعني كتب التواريخ بقدر ما فيها مما ذكرت إلا أنها تشتمل على الصحيح وغيره، وهي أيضًا تصاغ من وجهة نظر المؤلفين، فإذا رضوا عن دولة، أو رضوا عن شخص، بالغوا في مدحه و الثناء عليه، وفي المقابل إذا لم يرضوا ذموه؛ ولذا يقول القحطاني في نونيته الشهيرة:

لا تقبلن من التوارخ كلما

 

جمع الرواة وخط كل بنانِ

فعلينا أن نقرأ هذه الكتب مع استصحاب أنها كتب بشر، تؤثر فيهم المؤثرات، أيضًا هناك أحداث لها آثار، فمثل هذه ينبغي أن يعتنى بأسانيدها؛ لأن كتب التواريخ المسندة على وجه الخصوص مثل الطبري مثل ما جاء على سياقه من الكتب المسندة تروي بالأسانيد والعهدة على القائل، مادام المؤلف أسند، العهدة على القائل نفسه، من أسند لك فقد أحالك، على هذا لا بد من النظر في أسانيد هذه الكتب، لا سيما في الأخبار التي لها آثار تترتب عليها، فإذا كانت هذه الأخبار تترتب عليها آثار إما أحكام شرعية مثلًا، أو مدح أو قدح من يؤثر مدحه أو القدح فيه في الأمة، مثل هذا لا بد من التأكد فيه، أيضًا: طعن بعض الفرق في بعض، واعتمادهم على بعض الأخبار تحتاج إلى دقة في النظر وتمحيص، فأقول: هذه الكتب يقبح بطالب العلم الغفلة عنها؛ لأنها تثري الذهن، وتثري أيضًا المفسر، إذا كان في غفلة عن كتب التاريخ صار عنده نقص كبير في استجلاء هذه الأحداث؛ لأن الأحداث، قد يكون الحدث واضحًا في القرآن ومكرر مرارًا وبأساليب متعددة للقصة، لكن جاء في كتب التواريخ ما يوضح هذه القصة، فنحن بحاجة ماسة إلى كتب التاريخ.

كتب التاريخ تجمع أيضًا إلى الأحداث تجمع التراجم لأهل العلم، من علماء، من عباد، من فقهاء، من زهاد، من جميع أصناف أهل العلم، فالإنسان لا شك أنه يفيد من هذه التراجم، إضافة إلى ما في الأحداث من طرائف وأخبار وأعاجيب.

هذه التراجم يعنى بها المؤرخون، تتفاوت عنايتهم بها، فعناية ابن كثير تختلف عن عناية ابن جرير مثلًا، أو ابن الأثير، ابن كثير ركز على التراجم.

المقدم: يعني أنا أفهم من كلام فضيلتكم قبل قليل أن من مستلزمات طالب العلم أن يكون عنده اطلاع بالتاريخ؟

بلا شك.

المقدم: وهذا جواب للأخ عبد الله الفوازن؛ لأنه سأل هذا السؤال يقول: إننا نسمع الذي يهتم بالتاريخ كثيرًا لا يتخرج طالب علم يقول: ما صحة هذه المقولة؟

نعم الذي يهتم به كثيرًا؛ بحيث يطغى اهتمامه على المقاصد على علوم الكتاب والسنة، أما العناية بالتاريخ كرافد للعلم بلا شك، تجد المعلم الذي يعلم العلوم الشرعية الأصلية، فقيه مثلًا يشرح الفقه لا يخرج عن الفقه قيد أنملة، هذا الطلاب يسرحون، ما يتابعون، لكن إذا كانت هذه نكتة، وهذه طرفة، وهذه حادثة، وهذه قصة، وهذه ترجمة عَلَم مر، وهذه نكتة من النكات التي وجدت في ترجمة هذا الرجل، لا شك أن الطالب ينشط مع المدرس.

من المزايا التي يهتم بها -وما أدري أشرنا إليها سابقًا، أو لم نشر إليها- يتميز بها شرح الكرماني على البخاري مثلًا الذي يجذب القراء، كثرة التراجم الذي فيه، واختياره أندر ما لهذا المترجم من غرائب، يعتني بهذه الأمور، فيجذب القارئ، فالمعلم بحاجة إلى مثل هذا، أيضًا العالم الذي يقبل كلامه كافة الفئات ينبغي أن يكون موسوعيًّا بحيث يخاطب الناس كل إنسان بما يجذبه إليه، وليس المراد جذبه إلى ذاته، وإنما المراد جذبه إلى العلم الذي يريد إيصاله لينتفع به أكبر قدر ممكن، على كل حال التواريخ كثيرة جدًّا، والإحاطة بها لا يكفي حقها.

لكن نشير إشارة إلى أهم كتب التاريخ، هناك ملاحظة لكتب التواريخ، يجدر بنا، أو ينبغي أن ننبه عليها، ونتنبه لها، وعلى الأخوة الذين يقرءون كتب التاريخ أن يتنبهوا لها، وهي أن العلماء وإن كان منهم من عرف بالتحقيق في باب التوحيد، إلا أنه في التراجم أحيانًا يحصل منهم، أقول: في التراجم قد يشيدون بشخص عنده شيء من البدعة من غير تنبيه على بدعته، فيشيدون به من خلال ما فيه من علم، من جوانب برز فيها، أيضًا قد يتجاوز بعضهم إذا ذكر أن فلانًا مات في مكان كذا وقبره يزار، ما يعقب على هذا، وقد يتجاوز بعضهم ويزيد ما يتعين التنبيه عليه، فيقولون مثلًا: قبره ومشهده معروف ويزار، وأحيانًا يقولون: ترياق مجرب، هذه وجدت مع الأسف الشديد في بعض كتب التاريخ، مع الأسف مثل هذه خلل في التوحيد، لا بد من التنبيه عليها؛ ولذلك كتب التراجم كأنهم من خلال الاستقراء يريدون الفصل بين التاريخ وغيره من العلوم.

أيضًا في باب الفصل لمؤرخ مثلًا ابن الوردي، ابن الوردي فقيه وعالم وقاض ومؤرخ، ومع ذلك له كتاب في المجون، ويزعم أنه برر كتابه هذا بأن المنتقد لا يدري أن الفقه فن، والأدب فن آخر، نقول: لا يا أخي الدين واحد، نعم ما يطالبك به علم الكتاب والسنة والفقه لا بد من امتثاله في العلوم الأخرى، أما الفك بين هذه العلوم بهذه الطريقة لا شك أنه تناقض في الشخص بلا شك.

من أهم ما دون في هذا الباب (تاريخ الأمم والملوك) أو (تاريخ الرسل والملوك) لإمام المفسرين والمؤرخين محمد بن جرير الطبري، وكتابه عمدة عند المؤرخين، وهو ممن يروي بالأسانيد، وفي أسانيده  مثل ما أشرنا الصحيح وغير الصحيح، والكتاب طبع مرارًا في أوروبا ومصر وغيرهما، كتاب معروف متداول عند المتقدمين والمتأخرين، ومحل عناية عند أهل العلم، لكن يحتاج من يدرس أسانيده، لا سيما السلاسل التي تتكرر فيه بحيث تكون دراستها مرة واحدة تغني في أخبار كثيرة جدًّا، هذا يريح طالب القارئ كثيرًا، يعني لو درست السلاسل في المقدمة، وفي جزء مستقل وأحيل عليها، ثم بعد ذلك السلاسل التي تدور، دورانها أقل تدرس في مواضيعها.

من التواريخ المهمة أيضًا: تاريخ ابن الجوزي واسمه (المنتظم) هو تاريخ كتبه ابن الجوزي، وفيه أحداث، وفيه تراجم لأهل العلم إلى قبيل وفاته في نهاية القرن السادس.

تاريخ الإمام الحافظ ابن كثير المعروف بـ(البداية والنهاية) هو مستمد في غالبه لا سيما نصفه الأول من تاريخ الطبري، وهو أيضًا معتمد على ابن الجوزي في تاريخه، ومصادر أخرى.

والحافظ ابن كثير منزلته في العلم في علوم الكتاب والسنة معروفة؛ ولذا عني بكتابه أهل العلم في القديم والحديث، وفضلوه على غيره، وصار ديدنهم وهجيرهم إلى وقتنا هذا، وكتاب البداية والنهاية يقرأه الشيوخ، في قسم جرد المطولات، ويؤثرونه على غيره؛ لأنه جامع بين التواريخ المتقدمة، وإمامة مؤلفه تجعل العلماء يعنون به، وأيضًا هو متأخر عنها، يعني وفاته سنة أربعة وسبعين وسبعمائة يعني بعد الطبري بأربعمائة وستين سنة أو أكثر، عني -رحمه الله- بقصص الأنبياء وسيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وشمائله، وتواريخ الدول الإسلامية المتعاقبة إلى زمنه -رحمه الله تعالى-، ويعنى أيضًا عناية فائقة بتراجم أهل العلم، وهو كتاب نافع ماتع، لا يستغني عنه طالب العلم، ذيّله بكتاب أسماه (النهاية) لأنه من شقين البداية والنهاية، فالبداية الذي هو التاريخ، والنهاية التي هي في الفتن والملاحم، مما سيكون في آخر الزمان، والكتاب طبع لأول مرة على نفقة الملك عبد العزيز -رحمه الله-، يعني كتاب البداية والنهاية في مطبعة السعادة، وهذه الطبعة رغم جمالها والعناية بها إلا أنها لا تخلو من أخطاء كبيرة، وإدخال ما ليس منها فيها؛ لأن النسخة التي اعتمدوا عليها فيها ما فيها من التصحيف، وفيها أيضًا من إدخال بعض النساخ، مما يجزم القارئ أنه ليس من كلام ابن كثير، مما تميز بنفسه أحيانًا مما هو نقل عمن تأخر عن ابن كثير، فأعيد طبعه بعناية محمد زهري النجار، ثم طبع أخيرًا بعناية الدكتور/ عبد الله التركي، وطبعته هذه هي أجود الموجود الآن، وبُيّن فيها الكلام الذي ليس من كلام ابن كثير، وصحح بقدر المستطاع الأخطاء الذي جاءت في طبعة الملك عبد العزيز -رحمه الله-.

من المهمات في كتب التاريخ (الكامل) لابن الأثير، وهو من أهم كتب الفن، يعني جودة عرضه للأحداث هو أميز في هذا التسلسل، جودة العرض للحدث حينما يتحدث عن حدث عن واقعة عن خلاف، عن شيء، لا شك أن عرضه لهذا الحدث أفضل من غيره، تفصيله في عرض الأحداث أفضل حتى من ابن كثير -رحمه الله-، ابن كثير إمام محدث ناقد.

المقدم: ينقل أحيانًا روايات في حادثة واحدة كثيرة.

عدة روايات نعم، وقد يفند بعضها، عناية ابن الأثير بالتراجم أقل، يعني قد يشير إلى أنه توفي في هذه السنة فلان وفلان، لكن ليست مصب اهتمامه مثل الحافظ ابن كثير؛ لذا كانت أهميته في الاطلاع على الأحداث أكثر، وعناية ابن كثير بالتراجم أكثر، فيجمع بينهما طالب العلم.

من التواريخ المهمة التي لا يُستغنى عنها (تاريخ ابن خلدون) المعروف (بالعبر وديوان المبتدأ والخبر) هذا تاريخ نفيس حافل، يُعنى بتحليل الأخبار، يعني إذا كانت كتب التواريخ تعنى بسرد الأخبار، هذا يعنى بتحليلها، إذا كان الحافظ ابن كثير يعنى بنقد الأسانيد فهذا يعنى بنقد المتون، يُعنى بتحليل الأخبار، ونفي ما لا يقبله العقل، أو ترده حوادث التاريخ مثلًا، بطريقة لا توجد عند غيره، ومقدمته تعتبر من أمتع ما كتب في السياسة والاجتماع (مقدمة ابن خلدون)، وإن كانت الكتابات لدى بعض الناس في الأيام الأخيرة، كثير من الكتابات تشكك في نسبة هذا الكتاب لابن خلدون، الذي هو المقدمة لابن خلدون.

المقدم: الضبط الصحيح كأني أسمعك تقول: ابن خَلْدُون، هكذا؟

هذا هو المستفيض.

بعضهم كتب عن المقدمة إن شئت فقل مُقَدِمة أو مُقَدَمة، كتب عن المقدمة هذه وقال: إن جل ما فيها مستمد من رسائل إخوان الصفا، ويلوح لي من خلال هذه الكتابات إشهار رسائل إخوان الصفا؛ لأن هذا العلم المتين الذي أودعه ابن خلدون في مقدمته إذا كان مستمدًا من رسائل إخوان الصفا فهو إبراز لهؤلاء، وإخوان الصفا معروفون، أهل ضلال، حتى قال بعضهم: إنهم زنادقة.

المقدم: طبعات يا شيخ عفوًا لأنك الآن وأنت تتكلم تجي بين يدي فاكسات عديدة يسألون عن الطبعات.

ذكرنا بالنسبة لتاريخ الطبري قد طبع.

المقدم: الآن ابن خلدون؟

طبع في أوروبا الذي هو تاريخ الطبري، طبع في مصر أكثر من مرة، لكن هناك طبعة محمد أبو الفضل إبراهيم يعني رغم أن العناية فيها أقل مما ينبغي بالنسبة لمصدر الكتاب، إلا أنها جيدة مخدومة، يعني معلق عليها ومفهرسة، ابن كثير أيضًا ذكرنا الطبعة، ابن الجوزي طبع في الهند قديمًا يعني منذ سبعين سنة أو أكثر لكنه ناقص أربعة أجزاء ونصف، ثم طبع أخيرًا في بيروت كاملًا، الكامل لابن الأثير أيضًا طبع مرارًا طبع في بولاق، وطبع في المطبعة الأزهرية، وطبع في مطبعة -نسيتها الآن مصرية قديمة- وطبع على هامشه كتب، طبع مروج الذهب على هامشه، وطبع تاريخ العتبي، وطبع على هامشه أيضًا الجبرتي، طبع على هامشه كتب كثيرة، نعم وطبع في المطبعة المنيرية، الكامل لابن الأثير في تسعة مجلدات، وهذه بالنسبة لي أرتاح لها كثيرًا هذه الطبعة.

تاريخ ابن خلدون طبع أولًا في بولاق في سبعة مجلدات كاملة، ثم طبع في دار الكتاب اللبناني طبعة لا بأس بها، لكن بولاق أنفس منها، وإن كانت الطبعة اللبنانية أجمل حرفًا، المقدمة طبعت مرارًا، وعني بها الشرق والغرب، طبعت مفردة، وترجمت إلى لغات.

أيضًا شكيب أرسلان له عناية في أوائل التاريخ، طبع منه مجلدين، وله تعليقات نفيسة جدًّا على هذا التاريخ.

هناك تاريخ وإن كان مختصرًا وقيمته بالنسبة لهذه أقل هو (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) لابن العماد الحنبلي، وهو تاريخ مختصر يعنى بالأحداث والتراجم باختصار شديد، لكن ميزته تأخر وفاة مؤلفه، يعني إذا كان ابن كثير ينتهي عند منتصف القرن الثامن هذا إلى أوائل القرن الحادي عشر؛ لأن المؤلف وصل إلى الألف، نعم توفي بعد الألف، فامتد تاريخه إلى هذه الحقبة وهو مطبوع، طبعه القدسي في ثمانية أجزاء، وطبع محققًا أخيرًا في دار ابن كثير.

هناك تواريخ لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- له تاريخ مشهور بهذا الاسم (تاريخ الإسلام) وهو تاريخ حافل يستفاد منه في معرفة أحوال الرواة الذين قد لا يوجد لهم تراجم في كتب رجال الحديث، وهو طويل جدًّا، له أيضًا كتاب مختصر في التاريخ اسمه (العبر في خبر من غبر) وبعضهم يقول: الأولى أن يقال: (من عبر) لأن الغابر الباقي {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ}[(77) سورة الصافات] الغابر هو الباقي، فيقول بعضهم: الأولى أن يقال: (في خبر من عبر) يعني من مضى، وهو كتاب مختصر وماتع ونفيس.

هناك أيضا تاريخ أبي الفداء، وتتمته لابن الوردي كتب التواريخ لا تنتهي، لكن مما يعنى به أيضًا طالب العلم تراجم العلماء، التراجم، أخبار أهل العلم، وأخبار الصالحين تشحذ همم طلاب العلم، والغفلة عنها لا شك أنها قدح في طالب العلم، فإذا عرفنا أن من طريقة هذا العالم ومنهجه في العبادة كذا، ونصوص الكتاب والسنة فيها غنية، لكن هذه أمثلة عملية لتطبيق نصوص الكتاب والسنة، فنحن بحاجة إلى معرفة هذه الكتب التي تعنى بالتراجم، الذي لا يعنى بهذا قد يقع في أمور مضحكة، مضحكة جدًّا، الذي لا يعرف تراجم أهل العلم ولا يعرف مواليدهم ووفياتهم وهذا من المتقدمين، وهذا من المتأخرين، قد يقع في أمور مضحكة، يعني تصور من شخص يترجم لأبي موسى، وهذا مثال كررناه مرارًا حديث أبي موسى في الفتن قال: أبو موسى في البخاري، وقال أبو موسى الذي هو الراوي في الصحيح، راوي الحديث في الصحيح أبو موسى الأشعري، وقال أبو موسى: "والهرج القتل بلسان الحبشة" جاء من يترجم ويقول: يترجم لأبي موسى المديني المتوفى في القرن السادس، هذه أمور مضحكة.

أيضًا طالب العلم قد يخفى عليه وهو ينقل عن فن معين أن لهذا الفن رجاله، وهم يختلفون عن رجال الفنون الأخرى، إذا جاء في كلام أهل اللغة مثلًا ينقل في تعريف لغوي: (وقال أبو حاتم) ثم يترجم لأبي حاتم الرازي، فمضحكة، وهذا خطأ بلا شك، وأبو حاتم السستاني اللغوي معروف، وينقل عن كتب اللغة يقول: (وقال الليث) ثم يأتيك المترجم يترجم لليث بن سعد، وقد يتكايس بعضهم ويقول: إن لم يكن ابن سعد فلا أدري من هو؟ أين أنت من هذه الكتب التي خدمت هذه الأقوال؟ لأنك تجد بعض طلاب العلم بارعًا في تحديد المبهم والمهمل من رجال الحديث مثلًا، وإذا جاء إلى مثل هذه الأمور أتى بالمضحكات، هذا لا شك أنه خلل في التحصيل، لا بد أن نعرف هذه الأمور؛ لأن جهلها لا يليق بطالب العلم، فقد ننسب كلامًا لغير قائله، من الأمثلة: جاءني شخص ببحث ناقلًا لكلام نسبه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخذه من تفسير القرطبي، كيف؟

المقدم: وهذا متقدم وهذا متأخر.

يقول القرطبي: "سمعت شيخنا أبا العباس" "ولقد ناقشت شيخنا أبا العباس مرارًا" "راجعت شيخنا أبا العباس مرارًا" "قال شيخنا أبو العباس" نعم، يعني نظير ما يقوله ابن القيم بالنسبة لشيخ الإسلام، فالباحث هذا مستصحب أن أبا العباس هو ابن تيمية، لكن هل هذا صحيح؟ القرطبي يروي ينقل عن شيخه أبي العباس القرطبي صاحب المفهم، القرطبي المفسر التلميذ توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة، وشيخ الإسلام ولد سنة إحدى وستين وستمائة، أمور كثيرة، وأمثلة عندنا منها الشيء الكثير، تجعل طالب العلم يعنى بهذا الباب أشد العناية.

ابن بدران يقول: "من اللازم على من يريد التفقه على مذهب من مذاهب الأئمة أن يعرف أمورًا -إلى أن قال-: "الأمر الرابع: معرفة تراجم علماء مذهبه، وما لهم من المؤلفات، وأن يعرف طبقاتهم، وإلا فقد يمر اسم واحد من الحنابلة فيظنه حنفيًّا، أو من الحنفية فيظنه شافعيًّا" يعني عنده توثيق مثل هذا  تروح تبحث في طبقات الحنفية وهو حنبلي؟ لن تصل إلى مرادك أبدًا البتة، يعني غاية ما تقول: لم أقف له على ترجمة، والسبب ما أدري ماذا؟ وهو شخص مشهور في مذهبه، أو من المتقدمين فيظنه متأخرًا، إلى أن قال: "ومثل هذا يقبح في المتفقه، وينادي عن انحطاطه عن ذروة الكمال، والله يتولى الصالحين" إذا كان هذا بمعرفة الفقهاء، فكيف بمعرفة رواة الحديث الذين يتوقف عليهم القبول وعدمه؟ ما يقع ممن لا يعرف تراجم وطبقات العلماء والأئمة ووفيات من الأخبار من الأوهام ذكرنا بعضها.

كتب التراجم كثيرة، يعني المفسرون لهم طبقات: طبقات المفسرين للداوودي، طبقات المفسرين للسيوطي، المحدثون حدث ولا حرج، لهم كتب في الطبقات، وللرواة على وجه الخصوص، شيء لا يحاط به، وأهل الفن على خبرة من هذا، وهي موجودة ومتداولة، عندك بالنسبة للمحدثين لهم طبقات، والمراد بهم أئمة الحديث، فمثلًا طبقات الحفاظ، وتذكرة الحفاظ، هي في هذا الباب، وسير أعلام النبلاء في هذا الباب، وفيها من الفوائد وما يذكره العلماء من متين العلم من خلال هذه التراجم قد لا يوجد في غيره، تجد في تراجم الأئمة في هذا الباب –إضافة ما يشحذ همتك للعمل بما علمت- فوائد، طرف، تنقل عن هذا العالم، ويحرص الذين ألفوا في التراجم على انتقاء ما صدر عن هؤلاء، المفسرون، المحدثون، الفقهاء، النحاة، النحاة واللغويون لهم كتب، يعني من أنفس كتبهم كتاب القفطي اسمه (إنباه الرواة) هذا كتاب فيه من علوم العربية التي يغفل عنها كثير من طلاب العلم، لا يدركها؛ لأنه لم يقرأ في هذا الكتاب، وهي لا توجد في غيره، فيه مراسلات، فيه محاورات، فيه مناقشات، تثري هذا الفن، إنباه الرواة، وفيه (بغية الوعاة) للسيوطي، أيضًا فيه نُقول، وفيه أشياء وفيه...، هناك أيضًا كتب الفقهاء طبقات الحنفية، طبقات الشافعية، طبقات الحنابلة، كتب كثيرة جدًّا في هذا الباب وحصرها مستحيل.

الأدباء لهم أيضًا كتب، الأطباء لهم كتب، أيضًا هناك كتب ألفت في تواريخ البلدان، فعندك مثلًا (تاريخ دمشق) لابن عساكر، من أهم الكتب التي ينبغي لطالب العلم أن يعنى به، كتاب بجانب إلى كونه تاريخ لهذا البلد، أيضًا هو للرواة والعلماء الذين وفدوا على هذا البلد، وما رواه كل واحد منهم من أحاديث.

وهناك أيضًا (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي من أهم ما صدر في تاريخ هذا البلد، وقد تبحث عن ترجمة راوٍ لا سيما من الرواة الذين تأخرت وفياتهم عن رواة الكتب الستة، في البيهقي أو الحاكم أو غيره من المتأخرين لا تجدها إلا في هذا الكتاب في مثل هذا الكتاب.

المقدم: كلها بهذا الاسم يا شيخ؟

نعم، تاريخ بغداد إيه.

المقدم: يطبع بتاريخ مدينة السلام أحيانًا.

الأمر سهل المسألة المقصود أنه تاريخ بغداد.

تاريخ (أصبهان) لأبي نعيم، تراجم لا توجد في غيره، تاريخ (جرجان) للسهمي، تاريخ (واسط) لبحشل، تاريخ (مصر) ألف تواريخ في مصر، مكة أيضًا لها تواريخ، البلد الحرام، والمدينة أيضًا لها تواريخ، وتعنى بتراجم من وفد إلى هذه البلاد، وأخبارهم وطرائفهم.

الأندلس: كتب كثيرة عن تواريخ الأندلس، وهي كتب نافعة وماتعة، وفيها من الطرائف العلمية والنقول والنكات الأدبية والأشعار والموشحات وغيرها ما لا يوجد في غيرها و(نفح الطيب) مثال على هذا، مثال حي للمقري، مثال حي على ما ذكرت، ومخبره أعظم من الخبر عنه، لكن مثل هذه الكتب لا سيما التواريخ المتأخرة ما تسلم من شوب بدعة، فعلى طالب العلم أن يقرأ فيها بحذر، يعني تاريخ (نفح الطيب) مثلًا فيه أشياء، نُقول عن متصوفة، نُقول عن مبتدعة، بدع مغلظة، ولا يتعقب، فعلينا أن نقرأ في مثل هذه الكتب بحذر، ونفيد منها.

هناك تواريخ ألفت على القرون، فالعلماء ألفوا على مناح متعددة جدًّا، ألف على القرون مثلًا: (البدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع) للشوكاني، هذا فيه من الفوائد العلمية ما لا يدرك في الكتب الأخرى، فيه أشياء لا تخطر على البال، (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر، أيضًا (الضوء اللامع في محاسن أهل القرن التاسع) للسخاوي، (الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة) للرازي، (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للمحبي، و(سلك الدرر) وكتب كثيرة جدًّا، ألفت على القرون.

هناك أيضًا كتب عامة في التاريخ، في التراجم، يعني كتب عامة ومهمة في الباب مثل (وفيات الأعيان) لابن خلكان، كتاب أشهر من نار على علم عند أهل العلم، يمتاز بالأخبار، وبضبط ما يحتاج إلى ضبطه من الأسماء والكنى والألقاب والقبائل والبلدان، هذه تذكر له، ذيل عليه بذيول كثيرة منها: (فوات الوفيات) لابن شاكر الكتبي.

لو أردنا هذه الكتب الذي سردناها نذكر طبعاتها لأخذ وقتًا.

المقدم: إذًا فقط نأخذ مجموعة من الأسئلة.

متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، الاسم: جاسم محمد علي من سكان محافظة عنيزة.

السؤال هو يا فضيلة الشيخ: تعلم بأن طالب العلم المبتدئ لا بد أن يكون له ملازمة على شيخ معين، ففي الحقيقة كثر العلماء في هذا الزمان، وكثر حقيقة مشايخنا في هذا الزمان، وحقيقة كلهم -والحمد لله رب العالمين- نستفيد منهم، ونتعلم منهم العلم الشرعي، ولكن يا شيخ حفظك الله هناك أناس لا يستطيعون أن يلازموا بعض العلماء، فما هو السبيل إلى طلب العلم الشرعي البديل عن ملازمة العلماء، لا سيما أنهم قد يكونون في مكان بعيد عن العلماء أو كذا، فتجد مثلًا في نجد مثلًا: الإنسان قريب من العلماء، لكن قد يكون في ديار أخرى مثلًا أو في بلاد أخرى، قد لا يستطيع الإنسان أن يلازم العلماء، فما هو السبيل الأمثل إلى طلب العلم بحيث إنه يكون يغني عن ملازمة هذا الشيخ مثلًا، أو هذا العالم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؟

هذا السؤال أجبنا عنه أكثر من مرة، لكن يبقى أن مثل هذا الذي لا يتسنى له ثني الركب عند أهل العلم لبعده عن منابع العلوم ومواطن التعليم، مثل هذا يكون على صلة بالدروس من خلال الآلات، إما من الإنترنت، ويسمع دروس حية، أيضًا يحرص على اقتناء الأشرطة، ويسمع هذه الأشرطة، ويكون معه المتن، ويفرغ منها ما يحتاج إلى تفريغه، وإذا أشكل عليه شيء بالإمكان ولله الحمد والأمور متيسرة أن يتصل بأهل العلم من خلال الهاتف.

المقدم: وهذا باب آخر الحقيقة سؤال الأخ كنا أشرنا إلى أنه ربما لا نستطيع تغطية هذا الجانب بما يتعلق بالوصايا الخاصة بذات طالب العلم، شكرًا لك من عنيزة، سؤال آخر إذا أذنتم يا شيخ.

متصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركات: بداية أشكر إذاعة القرآن الكريم على هذه الأطروحات الطيبة المباركة، أسأل الله -سبحانه وتعالى- التوفيق والثبات على هذا الدين، ثم أحيي فضيلة الشيخ، وأسأل الله تعالى أن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يزيدنا وإياه من العلم النافع والعمل الصالح، كما أحيي أخي الشيخ فهد، سؤالي للشيخ أقول:

تزخر كثير من المكتبات حقيقة لا من ناحية البيع، أو من ناحية المكاتب التي في البيوت، بالكتب المتعلقة بالخطب، سؤالي حقيقة لفضيلة الشيخ: ما هي الطريقة المثلى للخطيب للبحث لموضوع ما عندما يطّلع على هذه الكتب الذي فيها الخطبة جاهزة، ليس عليه إلا أن ينقل بالحرف أحيانًا، أو يقتبس اقتباسًا مخلًّا بطريقة البحث لطالب العلم، أقول: ما هي الطريقة المثلى عندما يطرح موضعًا ما للبحث بين الكتب، ولعل لفضيلة الشيخ توجيه، حيث إن كثيرًا من الخطباء اتكلوا كما نقول: اتكلوا على هذه الكتب الجاهزة للخطب، أسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والثبات على هذا الدين حتى نلقاه آمين، أخوكم ومحبكم في الله: عبد الله بن سلمان الخيل إمام وخطيب جامع....

شكرًا للأخ عبد الله الخيل من جلاجل وشكرًا لجميع الأخوة، هذا أيضًا مبحث آخر فضيلة الشيخ...

الأصل عند اختيار الخطيب أن يكون مؤهلًا لإعداد الخطبة؛ لأنه قد يرد قضايا ونوازل لا يجد فيها شيئًا مكتوبًا، فإذا كان مؤهلًا عليه أيضًا أن يعنى بالإعداد؛ لأن بعض الإخوان بسبب الارتباطات والمشاغل وظروف الحياة اليوم، وأيضًا استرخاء من بعض الإخوان، فلا يؤتي الخطبة وقتًا كافيًا لإعدادها، بعض الإخوان يعتمد على الخطب المطبوعة، وبعضهم يفتح الإنترنت، ويجد خطبًا جاهزة فيسحبها، وهذا ليس صحيح، مثل هذا لا شك أنه لن يزداد علمًا، فالخطبة نوع من التعليم، وذكرنا مرارًا أن التعليم يبني شخصية المعلم، وهو من أعظم روافد التحصيل، فالخطيب الذي بهذه المثابة لا يهتم بالخطبة إذا بقي عليه وقت يسير إما من رأسه يجلس فيكتب رؤوس أقلام، ثم إذا أتى للمنبر يشرق ويغرب بالسامعين، وبهذا تنتهي الخطبة على لا شيء، فلا بد من أولًا: الاهتمام باختيار الخطيب، الأمر الثاني: هذا الخطيب الذي اختير حسب معايير ومقاييس تبرأ بها الذمة من قبل اللجان التي تختار من جهات الاختصاص، لا بد أن يعنى، وأن يستشعر المسئولية الخطيب، لا بد أن يستشعر هذه المسئولية، ويأتي بما ينفع الناس، ويلامس حاجة الناس؛ لأنه إلى وقت قريب وهذا يكاد يكون انقرض، يخطب بخطب من قرون، فيها مواعظ، وفيها ترقيق، والناس في وقت هذه الخطب قد تكون الفائدة موجودة، لكن الآن لو طلعت المنبر تقرأ من خطب.... اليوم تسير مسخرة؛ لأنها لا تلامس حاجاتهم، وإن كان فيها شيء من الوعظ والتوجيه، المستمع بحاجة إلى أن يجد ما يحل المشكلة عنده، حدث يحتاج إلى تعليق، يمر بسلام من قِبل الخطيب، هذا ما هو بصحيح، ما فائدة الخطبة؟ يعني حدث يعلق عليه من وجهة النظر الشرعية، نعم، هذا أمر لا بد أن يكون من خلال المنبر.

المقدم: لكن ممكن يستفيد الخطيب من مجموعة من الخطب التي أعدها العلماء؟

لا بد، لا بد، لا سيما الخطب التي أعدها أهل العلم، أهل العلم الموثقون، يستفيد من الخطب النبوية في الدرجة الأولى، ولها كتب موجودة، يستفيد من خطب الخلفاء الراشدين، وهي أيضًا موجودة ومبثوثة، كتب الأدب فيها أبواب عن الخطب، يفيد منها الخطيب، يستفيد من خطب أهل العلم المعاصرين، الذين عانوا مشاكلنا وقضايانا، ممن شهد لهم بالعلم والعمل، أيضًا الخطيب عليه أن يكمل النقص بالبحث، فكل هذه مما يحتاجه الخطيب.

المقدم: لو لم يستطيع الخطيب تحقيق حديث أثناء الخطبة هل يكفي بالنسبة له أن يرجعه ويقول: هو موجود عند فلان وفلان، يكفي هذا؟

أولًا: لا يجوز للخطيب أن يلقي على عامة الناس حديثًا لا يعرف ثبوته، بل لا بد من التأكد من ثبوت هذا الخبر، ونسبته إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا بد من الوضوح في بيان درجته.

المقدم: سأختار فقط بعض الأشياء التي أرى لزامًا أننا لا نغفلها: أحد الأخوة وهو بعتب شديد لماذا اقتصرتم في الحديث عن أصول الفقه بمدة لا تتجاوز ثلاث دقائق؟

أهمية علم الأصول لا يختلف اثنان في أن هذا العلم من أولويات ما يحتاجه طالب العلم لفهم الكتاب والسنة، وكيفية التعامل مع الكتاب والسنة، ولكن الوقت صعب، وكتب الأصول تحدثنا عنها في مناسبات كثيرة، وشرحنا عدد منها، فلا يعني هذا أننا لم نذكر رسالة الإمام الشافعي لعدم أهميتها، لا، هي اللبنة الأولى في الباب، وهي التي صيغت بنفس السلف، بيّنا هذا مرارًا وقُرأت علينا أيضًا مرارًا، لكن مع ذلك الوقت لا يسعف، ونحن بصدد إرشاد طالب علم يبني نفسه من البداية، قررنا مرارًا أن طالب العلم يبنى المتون؛ الأصغر، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، متن المبتدئين، ثم كيف يقال لطالب مبتدئ: اقرأ الرسالة للإمام الشافعي، ما يمكن، لكن طالب العلم المتأهل لا يستغني عن رسالة (الإمام) الشافعي، أيضًا (إرشاد الفحول) للشوكاني ما تعرضنا له، وهو كتاب من أنفس ما كُتب، وإن كان في جملته مختصرًا من (البحر المحيط) الذي يبدو لي أيضًا ما تعرضنا له، أيضًا: (المحصول) وما دار في فلكه، وكتب كثيرة في الأصول ما أسعفنا الوقت، الآن ونحن نتحدث عن كتب التاريخ أنهيناها ولم تنتهِ، يعني قطعناها بترناها بترًا، ننظر في كتب اللغة والأدب وما أشبه ذلك.

المقدم: أحد الأخوات تسأل عن البرنامج المكثف في الصيف، وابنها دخل هذا البرنامج المكثف في طلب العلم في دورات مكثفة صباحية ومسائية، تقول: أخشى عليه أن يمل، وتسأل عن توجيهكم عن هذا، هل هو مناسب في الصيف؟

لا شك أن العلم يؤخذ بالتدريج، وبالتخول أيضًا، والإرهاق إرهاق الذهن يبعث على الملل، ثم الترك، لكن إذا كانت فترة هذه الدورة المكثفة قصيرة لمدة شهر مثلًا، لا مانع أن يضغط الإنسان على نفسه لمدة شهر، بحيث يكون الشهر الذي يليه أقل، لكن ديدنه وهجيراه وعمره كله مضغوط ما يصح، هذا لا ينفع، بل العكس له مردودات عكسية، لا بد للإنسان من راحة ولا بد له من استجمام، ولنفسه عليه حق، لكن الضغط لمدة شهر أو شهر ونصف أو حتى شهرين وبقية السنة بالتدريج ما يضر هذا -إن شاء الله-.

المقدم: أسئلة كثيرة يا شيخ، لكن ربما تدور كلها في فلك واحد، وقد نستطيع الإجابة على  بعضها، ولعله يهيأ للأخوة القائمين على مشاريع الشيخ العلمية أن يجيبوا عليها من خلال موقع الشيخ.

أحد الأخوة يسأل عن كتب السيرة المعاصرة التي ألفت حديثًا، هل إذا استغنى عنها طالب العلم ورجع إلى كتب السلف تكفي، أو لا بد من القراءة فيها لأسباب وأغراض معينة؟

لا شك أن المعول على كتب المتقدمين، وهي الأساس والبناء الذي يعتمد عليه، لكن يبقى أن بعض المعاصرين استنبطوا دروسًا وعبر من وقائع السيرة، ومن حوادث التاريخ، هذه يستفاد منها بقدر ما تفيده في هذا الجانب، أما المعول أولًا وآخرًا على كتب المتقدمين.

متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحسن الله إليكم يا شيخ، ونفع بعلمكم:

السؤال يتعلق بكتب التراجم والتاريخ والأدب التي ذكرتموها قبل قليل، هل من الأفضل أن يجعل طالب العلم له منهج وورد في القراءة في هذه الكتب أو تكون القراءة للحاجة أو يجعل له قراءة بين فترة وأخرى، أو ما هي الطريقة المثلى للتعامل مع هذه الكتب، وهل يختلف الحال بين طالب العلم المبتدئ وغيره، وشكر الله لكم، وبارك في جهودكم وعلمكم، أخوكم/ سالم حسين من الرياض؟

هذا الأمر أشرنا إليه بالنسبة لترتيب الوقت عند طالب العلم يجعل سنام الوقت الذي هو وقت النشاط، نشاط الذهن لما يتعلق بكتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- والعلوم الأصلية في المقاصد، وما يخدم هذه المقاصد، ثم بعد ذلك هناك أوقات يكون الذهن فيها قد كلّ، يطالع في هذه الكتب بقصد الإفادة منها، وبقصد الارتياح إليها، الإنسان له فترة راحة يعني يقرأ، وهو ينتظر الغداء، ينتظر العشاء، يقرأ، هي ما تحتاج إلى تركيز شديد، هي ما تحتاج إلى تعب ولا عناء.

المقدم: بعض من أدركنا ممن يقرءون يا شيخ يضع مثل هذه الكتب عند رأسه قبل النوم، يقرأ في كتب الأدب والتاريخ، يعني يعتبر هذه الفترة قبل النوم يقرأ فيها مثل هذه الأشياء؟

هذه صنعناها كثيرًا منذ وقت طويل، لكنها ينبغي ممن يسلك هذا المسلك أن تكون الإضاءة مناسبة؛ لأن هذه تسرق مع الاضطجاع، يقرأ وهو مضطجع البصر يتأثر كثيرًا.

المقدم: يعني اتخذتموها، صحيح، هو الحقيقة أنا اتخذتها أيضًا بناءً على ما سمعت من بعض علمائنا هذا، وكانت فعلًا أنها .... أحيانًا تسرح ولا تنام، تقرأ مجلدًا كاملًا.

صحيح لكن يبقى أن الإضاءة مهمة جدًّا.

متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فمرحبًا بفضيلة الشيخ، فضيلة الشيخ لدي سؤالان:

السؤال الأول: ما الفائدة التي ترونها مرجوة من القراءة في الكتب التي تعنى بالحضارة الإسلامية، كشكل المباني، وأشكال المساجد، وساحات المدارس، وتنظيم الشوارع وغيرها، هل ترون أن القراءة فيها مفيدة، أم أن فيها بعضًا من إضاعة الوقت يا شيخ؟

السؤال الثاني: كيف لطالب العلم المبتدئ أن يفرق في قراءة ما يتعلق بعلم البيان، وخاصة المجازات حيث كُثر المتأولون في كتاب الله -عز وجل-، وهذه كثرة كبيرة، أنا أتساءل كيف لطالب العلم أن يقرأ وهو مرتاح؟ وكيف له أن يستفيد من كتاب الكشاف للزمخشري على ما فيه من اعتزاليات؟

أما بالنسبة لكتب الحضارة فهي فن من الفنون التي يعنى بها طائفة من الناس، قد تكون إفادتها للعلم الشرعي يعني باعتبارها ليست رافدًا، إلا من بُعد شديد، من بعد شديد، تبين مدى تقدم هذه الأمة التي حملت هذا الدين العظيم.

المقدم: وفيه مؤلفات معروفة ومشهورة؟

نعم، وترد أيضًا على من يتهم هذا الدين بأنه دين آخرة، وليس بدين دنيا، لا يُسير الدنيا، إن الله -جل وعلا- استعمرنا في هذه الأرض، يعني طلب منا عمارتها، فهي بفحواها ترد على هذه الدعاوى التي تتهم الدين بأنه دين جمود، وأنه دين عبادة فقط.

المقدم: يسأل أيضًا عن كيف يستطيع المبتدئ أن يفرق في قراءته يعني يفرق في علم البيان وخاصة المجاز، خصوصًا مع وجود هذه الدعوات في هذا الموضوع يا شيخ؟

هذا سيأتي الكلام عليه عند الكلام على كتب البلاغة، لكن يبقى أن هذا العلم إنما يؤخذ عن الشيوخ الموثوقين المعروفين بسلامة عقائدهم، وإلا فكتب اللغة عمومًا فيها ما فيها؛ لأن ممن صنف في هذه الكتب على ما سيأتي من عنده خلل في الاعتقاد، والمجاز اتخذ مطية لنفي ما أثبته الله لنفسه؛ ولذا سماه الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- (طاغوت).

المقدم: الأخ ماجد يقول: المنهجية في دراسة تراجم الرواة، ويبدو -والله أعلم- أنه فاتته أول حلقة قبل أشهر فما فيه مانع أن تجيب عليه قبل أن نذكر كتب اللغة؟

طيب رواة الأخبار لا سيما رواة الحديث صنفت فيهم المصنفات الكثيرة، وذكرنا شيئًا منها في الحلقات السابقة، لكن طالب العلم المبتدئ يُقلد، وعلى هذا يعتمد أقوال المرجحين، فيقتصر على التقريب أو الكاشف أو اختيارات الخزرجي في الخلاصة، المقصود أن طالب العلم المبتدئ الذي هو في حكم المقلد، هذا شأنه، أما من تأهل للنظر في أقوال الأئمة في الجرح والتعديل، وعرف القواعد التي من خلالها يرجح الراجح من أقوالهم، يتعين عليه أن ينظر في أقول أهل العلم في الراوي جرحًا وتعديلًا، ثم يرجح بين هذه الأقوال حسب القواعد التي قررها أهل العلم.

المقدم: إذًا ندخل في كتب اللغة فضيلة الدكتور.

اللغة العربية التي هي لغة القرآن ولغة سيد الأنام -عليه الصلاة والسلام-، الاهتمام بها اهتمام بالدين؛ لأنها لغته، فالقرآن بلسان عربي مبين، والنبي -عليه الصلاة والسلام- عربي؛ فلذا كان من الحتم لفهم هذا الدين تعلم هذه اللغة، يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: "الفصل السادس والثلاثون في علوم اللسان العربي: أركانه أربعة: وهي اللغة والنحو البيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة؛ إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة، يعني كيف تفهم كلامًا عربيًّا وأنت لا تحسن العربية؟! أسهم العلماء من العرب وغيرهم من الأعاجم، وضربوا في كل فن من فنون اللغة بسهم وافر، ومن الحكم الإلهية أن تكون إسهامات الأعاجم إن لم تكن أعظم في هذا الباب، فإنها ليست بأقل من إسهامات العرب بوجه من الوجوه، لهم إسهامات واضحة، لماذا؟ لأن هذا دينهم، يعني هم مطالبون بفهم الكتاب والسنة كما يطالب العرب، فهم مطالبون بفهم العربية، ومن ثم التأليف فيها، علوم العربية التي أهل العلم دونوا فيها، واهتموا بها عبارة عن اثني عشرة فنًّا مجموعة في قول الشاعر:

نحو صرف عروض ثم قافية
خط بيان معان مع محاضرة

 

وبعدها لغة قرض وإنشاءُ
والاشتقاق لها الآداب أسماءُ

اثنا عشر، الفقهاء يؤكدون على والعلماء عمومًا ومن ألف في أدب الطلب يؤكدون على معرفة هذه العلوم كلها، يعني لا يليق بطالب علم أن يكون جاهلًا بالنحو أو بالصرف أو بالعروض حتى؛ لأنه لا ينبغي لطالب العلم ألا يعرف العروض، لماذا؟ لأنه قد ينظر عليه في فنه الذي يعانيه أبيات، الفقهاء كثيرًا ما يضبطون القواعد والضوابط والشروط والأركان بأبيات شعرية، فإذا كان لا يعرف العروض ولا القافية، فلو جاءه بيت مكسر مثلًا!

أيضًا الكتب والمتون التي اعتمدت في الفنون كثير منها نظم، وبعض الناس يقرأها ويؤديها على أساس أنها نثر، وأذكر مرة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- هذا أول ما بدأ التدريس سنة خمسة وتسعين، بعد عودته من المدينة، مرّ علينا بيت في أحد الكتب نسيت والله يمكن ابن كثير، فقرأته عليه كأنه ما ارتاح له.

المقدم: كنتم في المدارس؟

لا لا، في الجامع الكبير، جامع الإمام تركي، فالشيخ ما ارتاح ، فقطعه على طريقة العروضيين وعدّله وقومه، فمثل هذا يقبح بطالب العلم أن يهمل مثل هذه العلوم، وإن كان كثير من المعاصرين لا يلقي لها بالًا، بل يخوض في البحر مباشرة؛ لأن العمر لا يستوعب، نعم يستوعب، فقط أعطِ العلم نفسك، ويستوعب كل شيء، ومعرفة مثل هذه الأمور تيسر لك كثير من الأمور.

على كل حال يهمنا بالدرجة الأولى من هذه العلوم: النحو والصرف واللغة بمتنها وفقهها، والبلاغة بعلومها الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، يأتي بعدها العروض ثم القافية، ثم البيان، ثم الخط، والاشتقاق، وغير ذلك من العلوم التي يقبح بطالب العلم أن يجهلها، بل يقرأ فيها لو متنًا على الأقل.

مما يهم طالب العلم البداءة به في هذا الشأن النحو، وهو أمر لا بد منه لطالب العلم، ويقبح بطالب العلم أن يلحن، وللنحو فائدتان:

أولاهما: ضبط اللسان وحفظه، وهم يقولون: عصمة اللسان من اللحن.

الأمر الثاني: ما يتوقف على معرفة الإعراب من فهم للمعنى، اللسان يحتاجه الخطيب، يحتاجه المعلم، يحتاجه من يقرأ على الشيوخ في الدروس، كثيرة الأخطاء حقيقة السامع حين يسمع الخطيب وهو يلحن ينصرف الذهن ينزعج وينصرف، لا سيما إذا كان عنده ذوق؛ لأنه قد لا يستفيد من الخطبة كلها بسبب اللحن، فجدير بالخطيب أن يعنى بهذا أشد العناية، أيضًا فهم الكلام متوقف على إعرابه، يعني إذا لم تعرف الفاعل من المفعول، من الضارب ومن المضروب، فهمت الكلام ما في فائدة، قد يتغير الحكم بتغير الإعراب.

أيضًا أهل العلم في حديث ((ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه)) هذا حكم، ويرويه بعضهم ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) يختلف الحكم رأسًا على عقب، إذا قلنا: أن (ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه) يعني هي ذكاة أمه ما يحتاج إلى تذكية، لكن إذا قلنا: ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) قلنا: منصوب على نزع الخافض، والتقدير كذكاة أمه، إذًا لا بد أن يذكى مثل أمه، يختلف المعنى.

فالعربية أهميتها لطالب العلم لا تخفى على أحد، لكن الذي يقلق كثيرًا من طلاب العلم، أنه قد يعاني العربية، ويبدأ بها بالتدريج يقرأ على الجادة متى؟ إذا نُبه لذلك، واحتاج إليها بعد أن تقدم به السن، وأخذ قسطًا من العلم، فمثل هذا تجده يتقن القواعد ويعرف ويفهم المعنى من خلال هذه القواعد، لكن يشكل عليه لسانه، قد يلحن كثيرًا وهو يعرف القواعد؛ لأنه ما مرن لسانه من الصغر على النطق الصحيح، نقول: يا أخي لا تقلق أنت على خير كثير، أنت الآن تفهم المعنى، يعني ما يلزم تكون خطيبًا، وإذا أخطأت تستدرك، بإمكانك أن تستدرك، لكن أنت أدركت إحدى الفائدتين، وهي أهمهما، أنت إذا كان لسانك يسبقك إلى اللحن، فتدرك المعنى الآخر، تدرك أن هذا فاعل وهذا مفعول، وهذا مفعول لأجله، الذي يتضح به المعنى، فلا يقلق مثل هذا، فيلاحظ على كثير من المتعلمين رغم اهتمامهم بالعربية لا سيما الاهتمام المتأخر، اللحن الفاحش رغم معرفتهم لقواعد العربية؛ لأنهم لم يطبقوا ما تعلموه في الصغر؛ ولذا تجد في بعض المتون، بعض المتون الصغيرة التي ألفت للمبتدئين كالأزهرية مثلًا فيها تمرين على إعراب قصار السور؛ ولذا نلفت نظر السامع إلى اهتمامه بإعراب القرآن، يعني انتهى من الأجرومية مثلًا، حفظ الأجرومية وسمع الشروح، يعرب الفاتحة يطبق، يعربها بمفرده، ثم بعد ذلك يعرض إعرابه هذا على كتب إعراب القرآن، إن وجد إعرابه صحيح مائة بالمائة يكون خلاص أتقن، إذا وجد خطأ يصحح، ثم لن يرجع إلى الخطأ مرة ثانية، ثم ينتقل بعدها إلى البقرة وهكذا، وبهذا يفهم القرآن ويعينه مثل هذا على التدبر وفهم القرآن، وأيضًا لأن فهم الكلام مبني على معرفة مواقع الكلمات.

على كل حال العلماء رسموا طرقًا لدراسة هذا العلم، ورتبوا كتب هذا الفن للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين، وكل بلد لهم اهتمامات بكتب معينة، فمثلًا عندك كافية ابن الحاجب هذا متن من أعظم متون هذا الفن، ومن أوسعها انتشارًا حتى وُجد من نُسب إليها، فلان كافيجي، الكافيجي، ما هي نسبة إلى بلد أو إلى جد، أو إلى قبيلة، لا، إلى هذا الكتاب؛ لأنه يُدّرس كافية ابن الحاجب، لكن هذا الكتاب ليس مشهورًا في بلادنا، السلم عند علمائنا الأجرومية، ثم القطر ثم الألفية، الأجرومية متن متين في هذا الباب.

المقدم: وشرحتموه أنتم يا شيخ؟

شرحناه مرارًا وسجل شرحه، وهناك شروح مكتوبة ومطبوعة، لكن من أهم شروحه: الكفراوي، هذا الشرح يعرض جميع ما يمر عليه في هذا الكتاب، ويأتي بأمثلة وقد يعرب.. المقدم: سماه شرح الأجرومية هكذا؟

شرح الكفراوي على الأجرومية، معروف، وميزته الإعراب، لا يقرأه طالب العلم بعناية وينهيه إلا وقد تولدت لديه ملكة إعرابية، إن لم يكن من النوع الملول؛ لأنه في موضع واحد أعرب من ثمانية عشر مثالًا أعرب ستة عشر، بقي اثنان قال: إعرابهما كما مر.

أيضًا هناك شرح العشماوي، يمتاز بتوضيح الأجرومية من جهة، وأيضًا إضافة بعض الضوابط والقواعد التي يحتاجها طالب العلم.

شرح الشيخ خالد الأزهري، وعلى كل شرح من هذه الشروح حواش، حاشية إسماعيل الحامدي، حاشية أبي النجاء، حاشية كذا، حواش كثيرة جدًّا يعنى بها طالب العلم، وكانت العناية بها عند أهل العلم قبل التعليم النظامي شيء منقطع النظير، وبلغنا عن شيخنا الشيخ عبد الرزاق -مباشرة ما أقول بلغنا- سمعته الشيخ عبد الرزاق العفيفي -رحمه الله- يقول: كان الكفراوي مقررًا على أولى ابتدائي في الأزهر، والثانية شرح القطر، والثالثة (شرح شذور الذهب) كتب كاملة، والسنة الرابعة (شرح ابن عقيل) كامل، على ألفية بن مالك.

لا شك أن التعليم كان فيه متانة عندنا مثلًا متأخر وتعليمه نظامي، يعني لما أراجع شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وأراجع بعض الأبيات في الأيام هذه، يعني أستغرب جدًّا كيف اجتزنا شرح ابن عقيل في المرحلة الثانوية في المعاهد العلمية، ومع ذلك ما كان يشكل علينا شيء نعتبره طلاسم، لا، أذكر بيت هو الذي أشكل وصعب فهمه على كثير من الطلاب وفيه تعقيد.

وعلقةٌ حاصلةٌ بتابعِ

 

كعلقة بنفس الاسم الواقعِ

يعني هذه كأنها لغز، لكن هات طلاب الثانوية الآن يقرءون مثل هذه الكتب! لا شك أن العقول هي العقول، لكن هناك صوارف، الآن هناك صوارف تصرف الطلاب عن فهم مثل هذه الكتب.

أيضًا (ملحة الإعراب) من مهمات هذا العلم، وهي متن سهل، يعني الناظم بارع الذي هو الحريري، لكن عناية أهل هذه البلاد كما ذكرنا، هذا الكتاب مثل كافية ابن الحاجب.

المقدم: لم تكن معروفة عندهم؟

يعرفونها لكنهم ما يقررونها على الطلاب، ما هي مثل (قطر الندى) مثلًا الذي هو الدرجة الثانية بعد الأجرومية، الذي يتصدر القائمة بعد الأجرومية والقطر ألفية ابن مالك، وهي ألفية من أبدع ما نظم في هذا العلم، ولها شروح كثيرة، شرحها ابن عقيل، كما أشرنا، وشرحها قبله ابن الناظم، ابن ابن مالك، وله استدراكات كثيرة على أبيه، شرحها ابن هشام في أوضح المسالك، وشرحها الأشموني والمكودي وغيره، وشروح كثيرة ، وكل شرح عليه حواش، حاشية الخضري على ابن عقيل، حاشية السجاعي، كتب كثيرة جدًّا، ابن هشام أيضًا التصريح على التوضيح، الأشموني حاشية الصبان على الأشموني، والأشموني مع حاشية الصبان من أراد أن يُجود هذا العلم عليه بهذا الكتاب، ويضبطه إن كان لديه صبر، وكثير من الإخوان يقولون: هذه كتب مطولة تعوقنا عن تحصيل المقاصد، لكنها في الوقت نفسه تحل كثير من الإشكالات لدى طلاب العلم.

من الكتب المؤلفة المتينة في النحو (المفصل) للزمخشري، وشروحه كثيرة جدًّا من أشهرها شرح ابن يعيش، لكن هذا كتاب مطول يعنى به المتخصصون في هذا الفن، ولا يمنع من طالب العلم أن يراجعه طالب العلم عند الحاجة.

من أهم كتب في هذا الفن بعد أن يتدرج ويقرأ الأجرومية ثم القطر ثم الألفية، كتاب سيبويه الذي هو كتاب هذا الفن، وهو ديوان النحو، وإذا أطلق الكتاب انصرف إليه، ويقول بعض أهل العلم: أنه أخذ ثلاثين سنة يفتي من كتاب سيبويه، كيف يفتي من كتاب سيبويه؟ لأنه إذا فهم كتاب سيبويه، صار في مصاف العرب المتقدمين، الذين يفهمون النصوص مباشرة، بهذه يعني وإلا ما يمكن الإنسان أن يفتي ما فيه حلال وحرام، تقال مثل هذه الكلمة لا للاعتماد عليها، ولاعتمادها وترك الكتب، لا، إنما لبيان أهمية هذا الكتاب.

مما ينبغي أن يعنى به طالب العلم (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) لابن هشام، كتاب في غاية الأهمية، وله شروح حاشية الأمير، حاشية الدسوقي، ولو كان معنا وقت حقيقة بسطنا الكلام في هذه الكتب.

فيه أيضًا كتاب مهجور اسمه (العوامل للجرجاني) نحو مائة عامل، يحتاجه طالب العلم باستمرار، يعني لو قرأ العوامل بعد الأجرومية وشرحها، لا شك أنه يستفيد فائدة عظيمة، والخلل في التحصيل هو بسبب إهمال بعض هذه الكتب المهمة.

هناك قواعد للإعراب، وهناك أيضًا كتب لا نلقي لها بالًا؛ اهتمامًا بالدراسة النظامية، ثم إذا التفتنا بعد ذلك وجدنا الوقت ما يسعف، لكن إذا وفق طالب العلم لعالم يدله على الطريقة التي يحصل بها على الطريقة والجادة المعروفة عند أهل العلم، لا شك أنه يختصر له الوقت اختصارًا شديدًا، كما ألمحنا في الحلقة السابقة عن الشيخ عبد القادر بدران بسبب شيخه، وتوجيهه أنه ما احتاج في الطلب إلا ست سنوات، وبعض الناس طلب العلم ستين سنة.

المقدم: ألاحظ يا شيخ أنك ذكرت أسماء كثيرة كلها من الأعاجم في اللغة.

بلا شك، أيضًا الصرف من المهمات من أهم كتبه (الشافية) لابن الحاجب شقيق الكافية، ولها شروح كثيرة، الكافية الذي أشرنا إليها لها شروح، ولها طبعات، منتشرة انتشارًا واسعًا، من أهم شروحها شرح الرضي على الكافية، وإعراب شواهده في خزانة الأدب للبغدادي أيضًا يحتاجه طالب العلم، خزانة الأدب في ثلاثة عشر جزءًا مما يحتاج إليه طالب العلم؛ لأن شرح الشواهد إضافة إلى ما يفيده في الباب الأصلي الذي هو النحو يفيده في فنون الأدب الأخرى، الله المستعان، كتب تحتاج إلى علو همة.

الشافية لابن الحاجب -شوف إن العلوم مترابطة- في بحب (المتصل) من كتب المصطلح (المتصل) قالوا: (المؤتصل) لغة الشافعي، كما أشار إليه ابن الحاجب في شافيته، بحثت عن (المؤتصل) في الشافية ما وجدت، بحثت عن نسخ مطبوعة ومخطوطة وجدت (مؤتعد ومؤتثر) لغة الإمام الشافعي، وهذه في نسخة مخطوطة في المسجد النبوي.

المقصود أن مثل هذه الكتب لا بد منها، والله المستعان.

هناك كتب في التصريف لابن جني وغيره، ولكن الشافية لابن الحاجب، يعني لو تقول للطلاب: هذه الكلمة من باب نصر، أو من باب ضرب، ما يعني من باب ضرب من باب نصر؟ كثير من -مع الأسف- الخريجين لا يدرك هذه الأمور، والسبب الغفلة عن هذه العلوم التي طالب العلم بأمس الحاجة إليها.

المقدم: كان ابن باز -رحمه الله- يكررها كثيرًا من باب كذا، من باب كذا.  

العلماء كلهم، الشراح كلهم على هذا، لكن إذا أردت أن تراجع كتب اللغة، وأنت لا تعرف الصرف، كيف ترجع الكلمة إلى أصلها؟ إذا أردت أن تبحث عن التقوى مثلًا في القاموس كيف تقف عليها؟ لا بد أن تعرف أن أصل المادة (وقى) يعني من الوقاية.

المقصود أن هذه الكتب العربية لا تنتهي، من أهم ما يبحث في هذا الفن البلاغة، وفيها كتب عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة، و(دلائل الإعجاز) من أعظم ما سطر في هذا الفن، لكنه للمنتهي، لا يُربى عليه طالب العلم؛ لأنها ليست بمتون، وأيضًا: (الطراز) للعلوي كتاب مهم جدًّا في هذا الباب يقول في مقدمته -وهو الطراز- يقول في مقدمته: "إن أول من أسس قواعد هذا العلم وأوضح براهينه، وأظهر فوائده، الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني في كتابيه المذكورين" ولكن العلوي رغم شدة إعجابه بهما -بهذين الكتابين- لم يقف منهما على شيء؛ لأن الذي يقرأ عنوان الكتاب يظن أنه أودع الكتابين في كتابه (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) يظنه اطلع على أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، لكنه يقول: لم يقف على شيء إلا ما نقله العلماء في تعليقاتهم عليهما.

قد يقول قائل: ما دام هذه الكتب بهذه المثابة لماذا لا يُربى عليها طالب العلم؟ نقول: كما قلنا في الفنون الأخرى لا يمكن أن يربى طالب مبتدى على الرسالة للإمام الشافعي، ولا يمكن أن يربى طالب مبتدئ على (المحدث الفاصل) للرامهرمزي، يربى بالمتون التي جعلت مناسبة لمستواه، ثم يترقى، ويحتفل بهذه الكتب إذا تأهل لها.

سبب تأليف (الطراز) وهو كتاب بالنسبة للمدركين في هذا الباب لا يستغنون عنه، سببه أن بعض الإخوان قرأ عليه في تفسير الكشاف للزمخشري وهو حفيل من مباحث علوم البلاغة عند الزمخشري، رغم أنه معتزلي، يعني يُقرأ على حذر، فهذه الكتاب مفيد لارتباطه بإعجاز القرآن.

من أهم الكتب الذي يربى عليها الطلاب المبتدئون (تلخيص المفتاح) أولًا: المفتاح للسكاكي، ضم فيه أكثر من علم، جاء القزويني هذا فلخص ما يتعلق بعلوم البلاغة، وصار متن معتمد عند أهل العلم ودار الناس في فلكه، فلا يحصى كم شارح؟ وكم محشٍّ؟ وطبعات يعني مذهلة لهذا الكتاب.

للقزويني كتاب آخر جعله كالشرح لـ(التلخيص) أسماه (الإيضاح) وكمله بما خلا عنه (المفتاح) من كلام الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابيه.

وكأني بالإخوة الذين لهم عناية في هذا الفن أن يقولوا: أهملت كتاب كذا، وأهملت كتاب كذا يعذرونا؛ لأن الوقت ما يسعف، وإلا الذهن فيه شيء كثير وكبير، ولكن الوقت ما يسعف.

ولكن عندنا من أهم المهمات كتب اللغة التي يحتاجها كل طالب علم؛ مفسر، محدث، فقيه، يحتاج كتب اللغة باستمرار، لا غنية لطالب العلم عن كتب اللغة، وهي إما في متن اللغة، في بيان مفرداتها، أو في فقه اللغة، وكل منهما في غاية الأهمية لطالب العلم؛ لأنك مثلًا..

المقدم: تمر بك كلمة في الكتاب أو السنة أو غيرها...

تمر بك كلمة لا بأس، لكن قد يمر بك معنى، تريد معنى كلمة تترجم هذا المعنى..

المقدم: مثل (الهرج) لما مر معنا في حديث مثلًا كيف كان خلاف أهل اللغة.

لا بأس أنا أنت عندك كلمة (الهرج) تراجعها في كتب اللغة، جيد، لكن أنت عندك معنى من المعاني ولد الغزال ماذا يسمى؟ كيف تراجعه في كتب اللغة؟ كتب فقه اللغة تحل هذا الإشكال، اللغة رائد التأليف فيها هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، على خلاف طويل جدًّا في كتابه هل ألفه هو أو لم يؤلفه، أو وضع أركانه وقواعده وزيد عليه، وكلام كثير جدًّا، وهو كتاب سماه مؤلفه (العين) باعتبار أن (العين) أول الكتب التي في هذا الكتاب، رتبه على حسب مخارج الحروف، فبدأ بحروف الحلق؛ لأنها أبعد المخارج، وبدأ بالصعود تدريجيًّا حتى تنتهي إلى الشفة هكذا (ع، ح، ه، غ، خ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س) إلى أن وصل إلى الألف آخر شيء، سمى كل حرف كتابًا، افتتح المعجم بحرف العين، وسماه كتاب (العين) وهو في هذا مبتكر غير مقلد، وطعن في نسبته إلى الخليل، طعن فيه جمع من المتقدمين والمتأخرين، الرازي في (المحصول) يقول: "أصل الكتب المصنفة في اللغة كتاب (العين)، وقد أطبق الجمهور من رجال اللغة على الطعن فيه".

المسألة وتحقيقها يطول على كل حال، لكن يجوز أن الخليل ابتكر الفكرة، ابتدأ الفكرة مثلًا وضع أصل الكتاب، فزيد فيه من بعده؛ لأنه في داخل الكتاب أمور تتشكك في نسبته، وتبعه على تأليفه الأزهري في (تهذيب اللغة)، وهذا الكتاب من أولى ما يُرجع إليه في بيان الحقائق اللغوية؛ لأنه كتاب متقدم، وابن سيده في المحكم تبع صاحب العين، وهو من أنفس ما يقتنيه طالب العلم.

لكن مراجعة هذه الكتب الثلاثة قد تكون متعذرة بالنسبة للمتعلمين؛ لأنهم اعتادوا الترتيب الألف بائي، فيصعب عليهم إلا من خلال الفهارس، من أمهات كتب اللغة (الجمهرة) لابن دريد، مرتب على الحروف، وطعن في ابن دريد من أجله، والكلام كثير جدًّا.

(معجم المقاييس) لابن فارس، ويهتم بأصول الكلمات، و(المجمل) له، ومن المهمات أيضًا (الصحاح) للجوهري، وإن شئت فقل: الصِّحاح، وإن شئت فقل: الصَّحاح، الصِحاح جمع صحيح، والصَّحاح مفرد، كيف مفرد؟

المقدم: والصِّحاح هذا جمع صحيح.

 يعني مثل: صحيح وصَحاح مثل: بريء وبراء؛ لأن جمع بريء وبراء: برآء، لكن براء مفرد؛ مثله، لكن الصحاح أشهر، الضبط بجمع صحيح أشهر، وهو مرتب على الحروف باعتبار أواخر الكلمات، وهذا الترتيب اعتمده جل من جاء بعد الجوهري، لا سيما الكتب التي انتشرت بعد تأليفها، مثل (لسان العرب) لابن منظور، والفيروز آبادي في (القاموس) اعتمدوا هذا الترتيب باعتبار آخر الكلمة، مثلًا (قرأ) في باب الهمزة في أول الكتاب.

المقدم: في باب الهمزة فصل القاف.

نعم، لكن لو رتب على أوائل الحروف وجدت هذه الكلمة في حرف القاف، وقد رتبت هذه الكتب على أوائل الحروف، ولا أرى الحاجة داعية إلى ترتيبه؛ لأن المدرك يدرك الحرف الأول ويدرك الحرف الأخير، ولا بد أن يربى الطلاب على شيء من فهم الكتب، والصحاح يعتبر بالنسبة لكتب العربية فتح في جمعه وترتيبه وسهولة تناوله، حتى قال بعضهم: إنه بالنسبة لكتب العربية مثل صحيح البخاري، لم يثبت فيه إلا ما صح عنده، لكني يبقى أن الكتاب ليس معصوم صاحبه، فيه أوهام، يعني مثلًا: (قرن المنازل) الذي هو ميقات نسب إليه أويس القرني، خطأ ونبه العلماء، فيه أوهام، وألفت عليه كتب كثيرة جدًّا، ومختصرات، وحواشي وتعليقات، واستدراكات، وبيان لأوهامه، المقصود أن الكتاب مهم جدًّا في الباب، وهو يحتوي على ما قيل: على أربعين ألف مادة، لكن قد تكون هذه المواد قليلة إذا قلنا: إن القاموس حصر ما فيه بستين ألف مادة، وهو بنصف حجمه، لسان العرب وهو من أوسع كتب اللغة، مطبوع في عشرين مجلدًا فيه ثمانين ألف مادة، أما شرح القاموس المسمى تاج العروس للزبيدي بلغت المواد فيه إلى مائة وعشرين ألفًا.

على كل حال هذه الكتب يحتاجها طالب العلم، ولها طبعات، على كل حال هذه الكتب التي أشرنا إليها كالصحاح والقاموس ولسان العرب وتاج العروس لا بد من اقتنائها، إضافة إلى تهذيب اللغة والمحكم، وينبغي أن نكون على حذر إذا أردنا أن نفسر كلمة من كتاب الله -جل وعلا-، أو من سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- برجوعنا إلى هذه الكتب، وهي تذكر للكلمة الواحدة معاني كثيرة، كيف ننزل مراد الله -جل وعلا- ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام- على معنى واحد من هذه المعاني، كيف نختار؟ ولذا يقرر أهل العلم أنه لا يجوز أن يتصدى لبيان غريب الكتاب والسنة إلا العالم بهما مع إحاطته باللغة العربية؛ لأن المتخصص في اللغة وهو يشرح كلمة جاءت في سياق حديث قد يُبعد في خضم هذه المعاني التي يريدها أمثال هؤلاء.

هناك أيضًا كتب فقه اللغة، وهي مهمة جدًّا، من أهمها (فقه اللغة) للثعالبي، ومن أوسعها وأشملها (المخصِّص) لابن سيدة، وبعضهم يقول: (المخصَّص) على كل حال المسألة هو مخصِّص باعتباره يخصص هذا المعنى الذي تبحث عنه بكلمة، وبعضهم يقول: مخصَّص خصص لهذا الفن، والأمر فيه سعة.

من مؤلفات المعاصرين في الباب (الإفصاح في فقه اللغة)، أيضًا المجامع اللغوية لها دور كبير في إحياء اللغة في هذا العصر، (مجمع القاهرة، مجمع دمشق، مجمع بغداد) كلها لها أثرت اللغة، وبعثتها من جديد، وألفت معاجم تناسب العصر.

ينبغي لطالب العلم إضافة إلى ما ذكر أن يعنى بكتب الغريب، كتب غريب القرآن كالمفردات للراغب، كتب غريب الحديث كأبي عبيد مثلًا، (غريب الحديث) لأبي عبيد، (الفائق للزمخشري) (النهاية ) لابن الأثير.

كتب غريب الفقه (المُغرب) للمطرزي، يعنى بكتب الحنفية، كتاب (المصباح المنير) للفيومي، هذا كتاب رغم أنه في مجلد واحد لكنه يسعف الفقيه، وكان شيخنا الشيخ صالح البليهي -رحمه الله- يقولها بالعامية ليحبب الكتاب إلى طلابه، هذا كلمة عامية تدور لا بد من ذكرها يعني العوام إذا شافوا شيء يجمع كثير من  الأمور.... قالوا: .....، يعني ما شاء الله، فهذا الكتاب من هذا الباب، (المصباح المنير) للفيومي.

(تهذيب اللغات) ومعه (تهذيب الأسماء) للنووي، هذا كتاب في غاية الأهمية، (المطلِع على أبواب المقنِع) هذه يحتاج إليها الفقهاء، لكن ينبغي أن ننبه على شيء مهم، وهو أننا ونحن نريد أن نبين حقيقة شرعية للفظ شرعي، مما يختلف فيه الفقهاء، قد يكون اعتمادنا على هذه الكتب، قد يسوقنا إلى أن نبين نظر الشارع من خلال فقه هذا الرجل؛ لأن المذاهب عمومًا الأصلية والفرعية تؤثر على أصحابها شاءوا أم أبوا، فلو نظرنا إلى اختلاف الحنفية مع الجمهور في حقيقة الخمر، ونظرنا في (المُغرب) للمطرزي، يبغي يسوقنا سياقًا إلى مذهبه، إن نظرنا إلى (المطلع) نفس الشيء، أيضًا (المصباح المنير) و(تهذيب اللغات) كلها أثرت فيها المذاهب، فإما أن نجمع بين كتاب أو بين كتب تجمع هذه المذاهب ولا نعتمد على واحد، فلا بد من الانتباه إلى مثل هذا.

هناك أيضًا كتب الأدب، وهي كتب كثيرة جدًّا جدًّا، ولا يمكن الإحاطة بها، يقول ابن خلدون: "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها" لا موضوع له علم الأدب، يعني هل تقول مثلًا: ترتيب العقد الفريد مشى على أبواب وترتيب معين مثل ما مشى عليه (الأغاني) أو....؟ لا، ما يمكن، كل حسب ما يعنّ له، يرتب على كيفه، يقول: "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيه، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجازة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عالي الطبقة، وسجع متساوٍ في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو المبثوثة، أثناء ذلك... إلى أن قال: "وأركانه أربعة دواوين هي: (أدب الكاتب) هو قال: (الكُتاب) لابن قتيبة، وهذا كتاب نفيس لا يستغنى عنه، وكتاب (الكامل) للمبرّد -أدب الكاتب لابن قتيبة طبع مرارًا، طبعه الشيخ محيي الدين عبد الحميد، وطبعه أيضًا محب الدين الخطيب، وطبع على هوامش كتب كثيرة، طبعت قديمًا من غير عناية، لكن طبعة الشيخ محب الدين الخطيب جيدة، أيضًا طبعة الدالي طبعة محققة، وهي متأخرة، وكتاب (الكامل) للمبرد، طبع مرارًا، ومن أنفس طبعاته الطبعة التي شارك في إخراجها الشيخ أحمد شاكر، مطبعة الحلبي.

كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، كتاب (النوادر) لأبي علي القالي، يعني النوادر، ومعه (الأمالي) وذيوله و(التنبيه) وما سوى هذه الأربع فتبع لها وفروع عنها".

 من أشهر كتب الفن: (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، (العقد الفريد) لابن عبد ربه، هذه الكتب لا شك أن فيها شيء من المتعة، لكنها مع ذلك تحوي من سقط القول، وسفاسف الأمور، وغرائب الأخبار التي ينبغي أن يترفع عنها طالب العلم الشيء الكثير، لكن اقتناؤها والإطلاع عليها مع التحفظ الشديد، وهي موجودة في مكتبات شيوخنا قاطبة، يعني لا يقال: إن اقتناءها باعتبار ما اشتملت عليه مخل بالدين أو المروءة، لا، لكن ينبغي أن يكون الإنسان منها على حذر، وهي تجمع الغث والسمين، يعني لو قلنا: إن الأغاني مثلًا لا يلتفت إليها طالب العلم، هل تعلم أن الحافظ ابن حجر عرف كلمة في الجرح، وأنها تدل على جرح الراوي من خلال كتاب الأغاني؟ (بين يدي عدل) أطلقها أبو حاتم في حق جبارة بن المغلّس، الحافظ العراقي يظن أنها تعديل للرجل، الحافظ ابن حجر يقول: "وقفت في قصة في كتاب الأغاني للقائد طاهر، وهو على مأدبة مع بعض أولاد الرشيد، مأدبة يأكلون، فجاء أحد أولاده ليمازح طاهر، فأخذ هنثبات، يكون مثلًا قرع وإلا كوسة وإلا شيء هنثبات، فرمى بها في وجه طاهر، وطاهر أعور، فضرب بها العين السليمة، فاشتكاه إلى أبيه، وقال: ابنك يفعل هذا في عيني كذا، والأخرى بين يدي عدل، يعني تالفة، إذًا (بين يدي عدل) تالف، ثم تتبعوا هذا الأمر، الآن مسكوا بطرف الخيط، تتبعوا السبب، وقالوا: إن العدل ابن سعد العشيرة، كان على شرطة تبع، وكان إذا سلمه شخص قال: خذه يا عدل، معناه: اقتله، فقالوا: (بين يدي العدل) يعني انتهى.

(العقد الفريد) كتاب لطيف ونفيس، وفيه درر وفوائد.

(زهر الآداب) للحصري مع أنه أمتع هذه الكتب وأسلمها من السقط، رغم أن المحقق انتقد الحصري في تركه لهذا الجانب، يقول: "أهمل جانب مهم من جوانب الأدب، وهو المجون"  لكن من وجهة نظره؛ لأنه هو ماجن، ويقول: "إن إغفال هذا الجانب يفقد الحياة حيويتها" لكن هذا من وجهة نظره، وهو رجل معروف، والله المستعان.

ولكن مما ينبغي الاهتمام به والعناية به في هذا الباب كتب الآداب الشرعية، أهم من هذه الكتب، لكن هذه الكتب فيها فوائد، لكن كتب الآداب الشرعية مثل: (الآداب الشرعية) لابن مفلح، أو (منظومة الآداب) لابن عبد القوي، وشرحها للسفاريني، أهم من الكتب التي ذكرناها، لكن يبقى أن تلك لها فوائد، وينبغي أن يعنى بها طالب العلم، هناك موسوعات ورحلات وذكريات طويلة..

..سردًا يا شيخ ؟

صعب أن نأخذها الآن.

إذًا نتركها لمناسبة أخرى، وجزاك الله خير، شكر الله لكم فضيلة الدكتور على ما بينتم، على أن يكون هناك وعد للمستمعين الكرام بإخراجها إما مكتوبة أو مسموعة أكثر تفصيلًا يستفيد منها طالب العلم  فأشكر لكم فضيلة الدكتور

The website encountered an unexpected error. Please try again later.