شرح كتاب العلم لأبي خيثمة (2)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب العلم لأبي خيثمة (2)
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب العلم لأبي خيثمة
تاريخ النشر: 
جمعة 14/ شعبان/ 1435 7:45 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن الأعمش قال: بلغني عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال: "فضل العلم أحب إليَّ من فضل العبادة، وخير من دينكم الورع".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن الأعمش: جرير بن عبد الحميد الضبي، من أوائل المصنفين في السنة.

عن الأعمش قال: بلغني عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال..: ومطرف سيد من سادات الأمة وعابد من عبادها، وعالم من علمائها، أخباره ملأت الكتب لا سيما في العبادة والورع.

يقول: "فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير من دينكم الورع": وهذا الخبر جاء مرفوعًا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- عند الطبراني وغيره وبإسناد لا بأس به -إن شاء الله تعالى- والعلماء يختلفون في أفضل العبادات بعد الفرائض، فمنهم من يفضل الجهاد، ومنهم من يفضل الصلاة، ومنهم من يفضل الصيام، ومنهم من يفضل..، لكن الأكثر على تفضيل العلم، على تفضيل الاشتغال بالعلم على جميع نوافل العبادات.

الشرع نوع هذه العبادات، تنوع العبادات مقصد من مقاصد الشرع، أما بالنسبة للواجبات فلا مندوحة، ولا مفاضلة بينها، لا بد من فعلها كلها، لا بد من فعل الواجبات كلها، ما يقول: والله الآن رمضان، والجهاد أفضل من الصيام ويجاهد، ما يقول: والله رمضان والعلم أفضل من الصيام أتعلم العلم، لا، الصيام لا بد منه، في وقته، الصلاة في وقتها لا بد منها، فلا يفضل على العبادات المحددة الموجبة في أوقاتها عليها شيء، وكون الشرع يأتي بالعبادات القاصرة والعبادات المتعدية النفع، هذا أيضًا من مقاصد الشرع؛ لأن الناس يتفاوتون، لو فضلت العبادات القاصرة –مثلًا- على العبادات متعدية النفع أو العكس لتضرر كثير من الناس، كثير من الناس عنده استعداد يصلي ألف ركعة ولا يتصدق بدرهم، لكنه فرضت عليه الزكاة لينظر مدى امتثاله، وشرع في حقه الصلاة هذا أمر يسير بالنسبة له، وبعض الناس عنده استعداد يدفع الأموال الطائلة ولا يصلي ركعتين، فتنوعت العبادات في الشرع ليدلي ويسهم كل مسلم منها بسهمه، فتنوع العبادات من مقاصد الشرع، هذا بالنسبة للواجبات لا مندوحة من الإتيان بها ولا مفاضلة، بل كل شيء في وقته المحدد له، لكن ما زاد على ذلك، ما زاد على الواجبات يأتي التفضيل عند أهل العلم، وكل من فتح له باب خير فليلزمه؛ لأنه يأتي إليه مقبل راغب منشرح الصدر، فمن فتح له في الصلاة: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) الصيام: ((من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا)) الزكاة ((من أنفق كذا... إلى آخره، لكن بعض الناس ينشغل بالأمور المتعدية، والنفع المتعدي، وينفع هذا، وينصح هذا، ويقدم لهذا، نقول: نعم، النفع المتعدي في الجملة يعني في الغالب أعظم أجرًا، لكن ليس على إطلاقه، ليس معنى هذا أنك تهمل نفسك من العبادات الخاصة، وإلا لو نظرنا في أركان الإسلام لوجدنا الصلاة أفضل من الزكاة، وأعظم منها، مع أن نفعها قاصر وهذه متعدٍّ، فليست المسألة على إطلاقها.

إذا فتح للإنسان باب خير، باب من أبواب الدين فتح له ونشط للصلاة، صار ما يدرى يصلي مائة ركعة في اليوم، نقول: الحمد لله هذا باب من أبواب الخير، والحمد لله أنك وفقت لهذا العمل، فتح له باب الصيام وسهل عليه بينما غيره يشق عليه أن يصوم في مثل هذه الأيام، من الناس من يصوم صيام داود، نقول: هذا وفق لخير عظيم، يلزم هذا الباب، ولن يحرم أجره، وقد يلج الجنة من هذا الباب، لكن في الجملة -في العموم- العلم من أفضل نوافل العبادات، العلم؛ ولذا يقول: "فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة"؛ لأنه مصحح للعبادات؛ لأن العبادات بدون علم قد تكون على الوجه غير المرضي في الشرع، قد تكون مع خلل، قد تكون مع فقد شرط، مع ارتكاب مبطل من غير علم، لكن إذا تعلم وعبَد اللهَ على بصيرة تضاعفت أجوره في جميع أبواب الدين، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [(9) سورة الزمر]، وهذا جاء بعد ماذا؟ هذا الكلام ما جاء عبثًا، تذييلًا لقوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر]؛ لأنه لا يتصور أن هناك عالم ما يتعبد، أبدًا، ما يتصور هذا؛ لأنه متى يسمى عالم؟ من خلال هذه الآية، واضحة، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر]، معناه الذي يقوم، يقوم الليل قانتًا آناء الليل، أوقات الليل، ساجدًا وقائمًا يصلي لله -جل وعلا- نعم يقطع الليل بالصلاة والتلاوة والذكر، التذييل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} الذين هذه أفعالهم، {وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الذين لا يفعلون هذه الأفعال، فالعلم مقرون بالعمل.

"فضل العلم أحب إليَّ من فضل العبادة": يعني أنت بالخيار، أنت أمامك ساعة، ساعة جالس المغرب في المسجد، هل الأفضل أن تصلي، تصلي في المغرب ثلاثين ركعة مثلًا، تقول: أصلي ثلاثين ركعة بين الصلاتين، أو أقرأ أربعة أجزاء من القرآن، أو أحرر لي مسألة علمية، والمراجع بين يديك؟ أنت بين خيارات، أيهما أفضل؟ الأخير، العلم، تحرر هذه المسألة لماذا؟ لكي تصحح لك ما احترت فيه من الصلاة ومن التلاوة ومن الصيام ومن الحج ومن غيره، هذا هو السبب.

"فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع": وهنا تنقطع الأعناق، خير دينكم الورع: هذا الذي يشكل على كثير من الناس، وأحيانًا تكون الأمور سهلة يمكن تجاوزها، مبالغ يسيرة تشك فيها تترك –تتركها- لكن إذا كانت مئات الملايين وسبيل الحصول إليها فيه ما فيه، تتورع أم لا تتورع؟ هذا الامتحان، هذا الابتلاء، من يتورع من مثل هذا إلا القليل النادر، هو موجود في السلف كثير، ويوجد -ولله الحمد- ما زال، لكن هو عند بعض الناس أظهر من بعض.

يقول حسان بن أبي سنان: "ما رأيت شيئًا أهون من الورع؛ ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))"، هذا سهل الباب، لكن في نظره ما هو من وجهة نظرك، من وجهة نظره صحيح، ما رأيت شيئًا أهون من الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يربك.

سفيان الثوري إمام من أئمة المسلمين في الزهد والورع والعلم والعمل يقول: هذا الذي يقوله حسان بالنسبة له سهل، لكن لغيره -لنا مثل سفيان- يقول: صعب، ولا شك أن الناس منازل ومقامات، أقول: الناس لهم منازل ومقامات، فكل له منزلته ومقامه، ولذلك لو قيل لك: إن فلانًا من الناس يختم كل يوم، قلت: مستحيل، يصلي ثلاثمائة ركعة، الإمام أحمد يصلي ثلاثمائة ركعة في اليوم والليلة تقول: مستحيل، قس الناس على نفسك، مستحيل صحيح، نعم، لو يقول لك مثلًا:  إنه يشرب قارورة الببسي هذه الكبيرة بنَفَس، قلت: مستحيل، لكنه موجود، كل إنسان على ما وطّن نفسه وتعود عليه، قد يشق على الإنسان في بداية الأمر أن يجلس فيقرأ جزءًا من القرآن متتابع، يعني من غير أن يقطع القراءة، لكن في النهاية يوجد من يقرأ العشرة وهو في مجلسه، ما غير جلسته، لا شك أن الجسم على ما تعود.

"وخير دينكم الورع": الورع: أن تترك أي شيء تشك فيه، تتركه، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، اترك كل ما تشك فيه، والسلف وجد فيهم -من الصحابة ومن دونهم- من يترك تسعة أعشار الحلال؛ خشية أن يقع في الحرام، ثم يتفلسف بعض الناس يقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ} [(32) سورة الأعراف

يا أخي ما حرموا، أهم قائلون لك: حرام؟ ما قالوا لك: حرام يا أخي، نعم الذي يحرم ويحلل هذا يقال له: قف، ما دليلك؟ لكن الذي يمتنع ويكف، يربي نفسه على هذا؛ لأن النفس تواقة، فإذا حصل لها شيئًا لا بد أن تتوق إلى ما وراءه؛ ولذا جاء في الحديث الصحيح: ((لو أن لابن آدم واديًا من ذهب تمنى ثاني وثالث)) ما يكفيه، وإلا بالله عليكم الذي يملك مليار أو مليارين، ما الفرق؟ ما الفرق بين الاثنين، فيه فرق؟ فرق عملي ما فيه، لا هو...... ولا عشر المعشار ولا الزكاة ما هو......، فكونه ما يحتاج إلى القدر الزائد هذا وجوده مثل عدمه.

يتركون تسعة أعشار الحلال؛ لأنك إذا استوعبت الحلال تبغي تطلب هذا الحلال؛ لأن النفس تعودت عليه، أحيانًا لن تجده من أبوابه، ما كل يوم يتيسر لك هذا الشيء الذي اعتدته من وجهه، تبغي تتجاوز تقول: المكروه ما فيه إثم، المكروه ما فيه إثم، ثم تجرؤ على المكروه، ثم بعد ذلك قد تحتاجه وتضطر إليه، ما تجده إلا من طريق المحرم، والنفس......عليه.

قد يكون الإنسان في أول الأمر لا يقدم على محرم صريح، لكن مع الوقت، مع الوقت يسهل عليه؛ لأنه مع كثرة الإمساس يقل الإحساس؛ ولذا تجدون كثيرًا من الإخوان -كثير لا أقول الجميع- الذين صاروا في المقاولات، تجده في أول الأمر من أورع الناس، ووجد منهم من صار نصابًا، ماذا يصير؟

يصير أول الأمر يتحرى، عنده حسابات دقيقة، أنا أخذت عمارة من فلان، كشف حساب مستقل، ودراهمه لها رقم خاص، والثاني كذلك، والثالث، والرابع، والخامس، أعطاه هذا الأول مبالغ ما يحتاجها اليوم يحتاجها الثاني، صار يقترض من هذا لهذا، سهل عليه الأمر، سهل عليه التصرف في أموال الناس، ثم صار يحتاج هو لنفسه، حوائج البيت والله نقصت اليوم، عندنا حساب لفلان جالس متى ما احتاجه ومتى ما احتاجه أخرجه، ثم بعد ذلك مع الوقت يتساهل، فالورع وحزم النفس وأطرها على الوقوف عند حد الله -جل وعلا- هذا خير الدين، لكنه من أشق الأمور إلا على من يسره الله عليه، مثل ما يقول: "ما رأيت شيئًا أهون من الورع" وذكر في ترجمته أمور؛ لأن النفس مجموعة ملكات، يعني مجموعة متراكبة من أمور يكمل بعضها بعضًا.

هل تظن الذي يقول: "ما رأيت شيئًا أهون من الورع" مخل في صلاته، أو مخل بصيامه، أو..؟ لا، لا أبدًا، هذه أمور متكاملة عنده يدعم بعضها بعضًا، ويسهل بعضها بعضًا، فلا يتصور من إنسان يتساهل بالصلاة يبغي يقول: أريد أن أحصل علمًا، لا يمكن، أو مقصر في صيام أو يتناول بعض المحرمات ويريد أن يُعان، لا أبدًا، لا بد أن تتعرف على الله -جل وعلا- في الرخاء ليعرفك في مثل هذه الأمور، في الشدائد.

سم

أحسن الله إليكم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن سليم عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه- قال: "بحسب المرء من العلم أن يخشى الله -عز وجل- وبحسبه من الكذب أن يقول: "أستغفر الله وأتوب إليه ثم يعود".

يقول -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن سليم عن حذيفة قال: "بحسب المرء من العلم أن يخشى الله -عز وجل-": العلم الشرعي الذي جاءت النصوص بالحث عليه، هو العلم المورث للخشية {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر]، إنما: أداة حصر، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}، فالعلم الذي يورث الخشية هو العلم الشرعي المطلوب في النصوص، قد يوجد ممن يزاول العلوم الكونية -مثلًا- أو العلوم التطبيقية، يوجد من الأطباء من أورثه علمه خشية الله -جل وعلا-، يوجد هذا، ومن خلال طبه صار واعظًا بارعًا، وبضاعته من العلم الشرعي قليلة، إلا أنه أخذ ليدعم ما يقوله من علوم تجريبية، ومن خلال مشاهدات ومواقف بالنصوص الشرعية، وإلا فالأصل ما عنده شيء، وصار من أبرع الناس لماذا؟ لأنه تأمل في هذا المخلوق الذي دخل في شيء من خفاياه في قلبه –مثلًا- وهذا الباب باب عظيم جدًّا، والطب المورث للخشية داخل في قوله -جل وعلا-: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [(21) سورة الذاريات]، ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما تكلم على هذه الآية أتى بالعجائب، والأطباء من خلال المشاهدة وقع لهم أمور مذهلة، وهناك مواقف يعانيها الأطباء ومن يزور المرضى، ما يلزم أن يكون طبيبًا، وقد جاء الشرع بالحث على زيارة المريض، يرى العجائب، يرى إنسانًا لا يحس بشيء، ولا يشعر بشيء البتة؛ مغمًى عليه، فإذا جاء وقت الأذان انتبه وأذن، تجد من يحصل له حادث بحيث يفقد الدنيا بالكلية ويسمع القرآن منه واضحًا؛ لأنه صاحب قرآن، يرى مثلًا بعض الناس إذا جاء وقت إقامة الصلاة استقبل القبلة وكبر وهو في العناية مغمًى عليه؛ لأنه صاحب صلاة، وهكذا، فالعلم الحقيقي هو المورث لخشية الله -جل وعلا-، أما العلم الذي لا يورث الخشية فليس بعلم.

بحسب المرء من العلم أن يخشى الله -عز وجل-: أن يخشى الله، ويتقي الله، والخشية والخوف باب عظيم من أبواب الدين، من أراد أن يطلع على شيء من أسرار الخشية والخوف من الله -جل وعلا- ينظر إلى منزلة الخشية في مدارج السالكين وفي غيرها من كتب ابن القيم تكلم كثيرًا عن الخشية.

بحسب المرء من العلم أن يخشى الله -عز وجل- وبحسبه من الكذب أن يقول: يعني بلسانه،: أستغفر الله وأتوب إليه ثم يعود": يعني يعصي الله -جل وعلا- ثم يقول: أستغفر الله، ثم يعود، هذا يسمى كذبًا؛ لأنه يخالف الواقع، لكن الإنسان مفترض فيه أنه غير معصوم، تقع منه الهفوة، وتقع منه الزلة وهو مأمور بالاستغفار، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يستغفر الله -جل وعلا- في اليوم أكثر من مائة مرة، وفي المجلس قد يستغفر الله سبعين مرة، فالاستغفار مطلوب، وفي الحديث الذي فيه مقال: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا)).

وجاء في الباب قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [(33) سورة الأنفال]، فالاستغفار يدفع الله به الشرور والآفات، ويرفع الله به الدرجات ويحط به الخطيئات، فهو مطلوب، ومع ذلك نستغفر، والإنسان وهو يستغفر بلسانه يعالج قلبه في الاستحضار، ومعنى الاستغفار، ولماذا يستغفر، ومم يستغفر، يعالج قلبه، أما لو عملنا بهذا وقلنا: إن الاستغفار مجرد باللسان ما ينفع معناه ما نذكر الله أبدًا؛ لأن كثير من الناس يستغفر الله ويسبح ويهلل ويذكر الله -جل وعلا- قائمًا وقاعدًا ومع ذلك بلسانه، والحمد لله أن أكثر النصوص جاءت بلفظ من قال: كذا، يعني رتبت الأجور على مجرد القول، وهذا من فضل الله -جل وعلا-، كونك يستحضر قلبك لهذه الأذكار قدر زائد على مجرد القول؛ ولذا كان الأجر المرتب على قراءة القرآن هو مجرد النطق بالقرآن، على الحروف فقط، لكل حرف عشر حسنات، لكن تدبرت لك أجر قدر زائد، رتلت لك أجر زائد، استنبطت لك أجر زائد، عملت لك أجر زائد، كل شيء بأجره، كل هذا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يحرص الإنسان.

فالمراد من كلام حذيفة هنا: الذي يستغفر وهو مصر على الذنب، يستغفر..، هذا لا شك أنه كذاب؛ لأنه يخالف، لكن من استغفر من عموم الذنوب التي تقع منه بقصد أو بغير قصد، هذا يؤجر على هذا الاستغفار، لكن إذا استغفر من ذنب هو مصر عليه وعازم على ارتكابه، هذا الذي يدخل في كلام حذيفة، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: "بحسب الرجل من العلم أن يخشى الله -عز وجل- وبحسب الرجل من الجهل أن يعجب بعلمه": الأثر هذا عن مسروق ابن الأجدع يسمونه مقطوعًا، والأول موقوف؛ الأول عن صحابي، والثاني عن تابعي، مقطوع.

يقول: بحسب الرجل": يعني يكفيه من العلم: ما يورث في قلبه خشية الله -عز وجل-، وهذا موافق لكلام حذيفة: وبحسب الرجل من الجهل: يكفيه أن يعجب بعلمه: إذا أعجب الإنسان بنفسه، إذا أعجب الإنسان بما حصل له من علم هذا في غاية الجهل، والعجب بالنفس والإعجاب بها آفة، آفة من الآفات من أخطر الأمور على دين الإنسان

والعجب فاحذره إن العجب مجترف

 

أعمال صاحبه في سيله العرم

فإعجاب الإنسان بنفسه آفة؛ لأنه إذا أعجب متى يعرف ما تشتمل عليه هذه النفس من نقائص وعيوب وخلل ومخالفات، ليعالج هذه النقائص؟ من أعجب بنفسه فقد ادعى لها الكمال، من أعجب بنفسه احتقر غيره، ولا شك أن العجب آفة، وهو قبيح بالنسبة لعموم الناس، وهو فيمن ينتسب إلى العلم وطلبه أقبح، تجد الإنسان في روضة المسجد يقرأ القرآن، فإذا خرج زيد من الناس قال: هاه، ماذا يريد؟ ما الذي أخرجه من المسجد؟ يا أخي انشغل بنفسك، اشتغل بعيوبك، اترك الناس، وما يدريك أنه انصرف إلى عمل أفضل من عملك، وإذا قام آخر أتبعه بصره إلى أن يخرج مع الباب، مثل هذه التصرفات تورث الإعجاب، فعلى الإنسان أن يغفل عن عيوب الناس وينشغل بعيبه، نعم إذا لاحظت على أحد شيئًا بينك وبينه تسدي له النصيحة والدين النصيحة، أما أن تتبعه نظرك وتلقه بلسانك، هذا ليس من شأن المسلم فضلًا عن طالب العلم، والله المستعان، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي خالد شيخ من أصحاب عبد الله -رضي الله تعالى عنه- قال: "بينما نحن في المسجد إذ جاء خباب بن الأرت -رضي الله عنه- فجلس فسكت، فقال له القوم: إن أصحابك قد اجتمعوا إليك لتحدثهم أو لتأمرهم قال: بم آمرهم؟ فلعلي آمرهم بما لست فاعلًا".

يقول: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي خالد شيخ من أصحاب عبد الله قال..: سمي وإلا ما سمي؟

طالب: ما سمي.

لا، هو مجهول، شيخ من أصحاب عبد الله، لكن يكفيه أنه من أصحاب عبد الله بن مسعود، نعم؟

طالب:........

معروفين أصحاب عبد الله كلهم أثبات.

قال: "بينما نحن في المسجد إذ جاء خباب بن الأرت: الصحابي الجليل، فجلس فسكت، فقال له القوم: إن أصحابك قد اجتمعوا إليك لتحدثهم أو لتأمرهم قال: بم آمرهم؟: يعني ينتظر من صحابي مثل خباب ألا يضيعوا الفرصة في هذا الاجتماع، ينتظر من طالب علم أن ينفع الناس، ينتظر من عالم أن يوجه الناس إذا اجتمعوا ويستغلون الفرص، ينتظر منهم ذلك، وهذا المؤمل وهذا المرجو ألا تفوت الفرص، لكن على الإنسان أن يهتم بنفسه، إذا رأى أن النفس..، يحاسب نفسه إذا رأى أنه يستفيد من كلامه يتكلم، إذا رأى أنه يتضرر من كلامه يسكت، ولا يمكن أن يكون هذا الكلام على عمومه، فلعلي آمرهم بما لست فاعلًا: لا تأمرهم إلا بما أنت فاعل، نعم، لكن مثل هذا الكلام لا يصد العالم ولا طالب العلم من نفع الناس، وإلا لو فتحنا هذا الباب قلنا: لا يتكلم أحد، يتكلم الإنسان ويأمر الناس وينهاهم ويوجههم بما يفعل، فلا يأمر الناس ويترك، فقد جاء في الحديث الذي يرى في النار ((فيقال: ما بالك يا فلان كنت تأمرنا وتنهانا؟ قال: نعم، آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه))، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [(88) سورة هود]، فعلى الإنسان أن يأتمر وينتهي بدءًا من نفسه، ثم بعد ذلك يأمر غيره وينهاهم.

وهذه المسألة عند أهل العلم -وإن كانت الأدلة تدل على أن من ارتكب شيئًا لا يجوز له أن ينهى عنه، ومن ترك شيئًا لا يجوز له أن يأمر به- لكن أهل العلم يقررون أن الجهة منفكة، يعني تدل النصوص أن الإنسان لا يأمر بما يترك ولا ينهى عما يفعل، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [(44) سورة البقرة]، توبيخ، لكن هل معنى هذا هو نهي عن مخالفة الأمر، أو هو نهي عن الأمر بالمخالفة؟ ما معنى هذا الكلام؟ هل هذه الآية تدل على أنك تمتثل قبل أن تأمر، أو لا تأمر حتى تمتثل؟

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [(44) سورة البقرة]؛ لأن عندنا مخالفة، شخص يشرب الدخان، هل نقول لهذا الشخص: لا يجوز لك أن تنهى الناس عن الدخان، أو نقول: لك أجر الأمر بالمعروف وعليك إثم الفعل؟ والله -جل وعلا- يقول: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [(44) سورة البقرة]، وأنتم أولى بالامتثال، انتهوا، لكن الأمر بالبر له أبواب، والنهي عن المنكر له نصوص، فالجهة منفكة، فأنت تأمر بالأمر وتحرص على أن تمتثل، فإذا أمرت لك أجر الأمر، نهيت لك أجر النهي، لكن يبقى أن عليك إثم ارتكاب المحظور أو ترك المأمور، ما لم يكن الظاهر من فعلك أنه استخفاف، حينئذ نقول: لا يجوز لك أن تأمر؛ لأن هذا الأمر استخفاف فهو منكر.

يعني تصور اثنين جالسين على كرسي حلاق، اثنين، نعم، وحلاقين واثنين جالسين على الكرسي والحلاق شغال بلحاهم، يلتفت واحد على الثاني لا تحلق لحيتك، هذا يدل على أيش؟ نعم، هذا يدل على استخفاف، فنهيه مثل هذا النهي واضح أنه استخفاف، يعني لا نبالغ في انفكاك الجهة، نعم شخص ابتلي بالدخان وجاهد وحاول يقول: عجزت، ينهى عن الدخان، وإلا فالأصل أن أول من ينتهي عن المنكر من ينهى عنه، ولا نبالغ في انفكاك الجهة حتى قال بعضهم: إنه على الزاني أن يغض بصره عن المزني بها، الجهة منفكة، هذا له نصوص، وهذا له نصوص!!

لا، لا؛ هذا ما حرم إلا من أجل هذا، أنت إذا لم تكن وصلت الغاية الباقي يهون، ما حرم النظر إلا من أجل الوقوع فيما هو أعظم منه.

على كل حال على الإنسان أن يأمر وينهى، وعليه أن يجاهد نفسه في أن يأتمر وينتهي؛ ولذلك يقررون في رجل الحسبة أنه ليس بشخص معصوم، لا، لكن عليه أن يكون أول من يأتمر وأول من ينتهي.

"فلعلي آمرهم بما لست فاعله": فعلى الإنسان أن يبدأ بنفسه

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

 

.............................

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

 

عار عليك إذا فعلت عظيم

فعلى الإنسان أن يحرص على نفسه وينفع غيره، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبو سنان سعيد بن سنان قال: حدثني عنترة قال: سمعت بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- يقول: "ما سلك رجل طريقًا يلتمس فيه علمًا إلا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة".

يقول: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبو سنان سعيد بن سنان قال: حدثني عنترة قال: سمعت ابن عباس يقول: "ما سلك رجل طريقًا يلتمس فيه علمًا إلا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة".

الحديث مرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وإن كان هنا موقوفًا، وسيأتي المرفوع بعد بضعة أحاديث من حديث أبي هريرة برقم خمسة وعشرين: ((من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)).

"ما سلك رجل طريقًا يلتمس فيه علمًا إلا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة": وهذا من نعم الله -جل وعلا- أن رتب الأجور على بذل الأسباب وترك النتائج بيده، فالنتائج بيد الله -جل وعلا-، الإنسان يجتهد، يبذل السبب، هو مأمور ببذل السبب على ألا يعتمد على هذا السبب، فالمسبب هو الله -جل وعلا- والمسهل والميسر هو الله -جل وعلا-، عليه أن يبذل السبب ويسلك الطريق، ولو طال الطريق، بعض الناس يطلب العلم خمسين، ستين سنة، الأمر سهل، أنت يكفيك مثل هذا الوعد: "ما سلك رجل طريقًا يلتمس فيه علمًا إلا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة": ما قصدك؟ قصدك تنجو من النار وتدخل الجنة، هذا الطريق، أما كونك تكون عالمًا أو لا تكون هذا بيد الله، اسأل الله -جل وعلا-، فالسبب سلوك الطريق، والمسبب هو العلم، والمسبِب هو الله -جل وعلا- والنتائج بيده، وهذا في جميع أبواب الدين، أن تبذل السبب وتترك النتائج لله -جل وعلا-، تأمر، وهدفك أن ينتشر الخير بسببك، تنهى وقصدك أن ينكف الشر بسببك، وتمتثل أمر الله وأمر نبيه -عليه الصلاة والسلام- كون المأمور يأتمر أو المنهي ينتهي أو لا ينتهي هذا ليس بيدك، أجرك ثبت ووزره عليه، فهذا الطريق طريق إلى الجنة، وهذا الوعد من الصادق المصدوق كما في الخبر المرفوع الآتي، هذا مرتب على مجرد بذل السبب، والإنسان ليس بيده إلا هذا، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وكيع عن مسعر عن معن بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله: "إن استطعت أن تكون أنت المحدَّث فافعل".

وهذا الأثر عن ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "إن استطعت أن تكون أنت المحدث فافعل": وهذا من باب التدافع والتدارؤ المعروف عند السلف، الناس يتسابقون على الكلام وابن مسعود يقول: "إن استطعت أن تكون أنت المحدث، أنت المستفيد من غيرك فافعل، لكن هل هذا يطرد؟ يستمر الإنسان طول عمره يستمع للناس ولا يفعل شيئًا؟

لا، يعني إذا وجد الأقران الذين ينفع بعضهم بعضًا احرص على أن تكون مستفيدًا، أما إذا وجد عالم وجاهل فيحرص أن يكون هو المفيد العالم، والمستفيد الجاهل، ما نقول للعالم: انتظر دع هذا يتكلم، أو نقول للكبير: انتظر دع هذا، لا، لا لكن إذا وجد أقران وكأنه يوصي أصحابه وهم من طبقة واحدة وعلى درجة واحدة وكل واحد عنده من العلم ما ينفع به غيره، فليحرص الإنسان على أن يستفيد؛ لأن أهم ما على الإنسان نفسه.

وفي هذا أيضًا كبح لجماح كثير من الناس الذين يريدون أن يتصدروا، ويريدون أن يستلموا المجالس دون غيرهم، وبعض الناس يستلم المجلس بفائدة وبغير فائدة، نقول: لا يا أخي، احرص على أن تستفيد من غيرك بقدر الإمكان، لا سيما إذا وجدت مع من هو أولى منك -أولى منك بالكلام- دعه يتكلم تستفيد أنت ويستفيد غيرك، أو أكبر منك سنًّا، نعم، اترك المجال للكبير، كبير القدر، كبير السن، ثم بعد ذلك إن وجد لك مجال تكلم، إذا وجد عندك علم تظن اندراسه أو لا يحمله إلا أنت عليك أن تؤديه، نعم.

طالب:........

لا، هو معروف؛ لأن بعض الأخبار هذه يوجد –مع الأسف- يوجد من طلاب العلم عنده شيء من العلم ومع ذلك لا يوجد لهم ذكر في النفع العام ولا التعليم ولا التوجيه ولا...، ما لهم ذكر، يستدلون بمثل هذه الأخبار، نقول: لا، يا أخي، من عنده شيء يتعين عليه، من عنده علم لا بد أن ينشره، ومضى من الآثار ما يدل على فضل تعليم الناس، لكن إذا وجد الأقران، وجد مثلًا عشرة زملاء في مجلس احرص تستفيد من غيرك، فإذا انتهوا من كلامهم وجمعت فوائدهم إذا كان عندك شيء تتحفهم به فالحمد لله، إذا وجدت مجالًا لفائدة عندك ابدي لهم نصيحة، ابذلها لهم ولا تكتم ما عندك، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وكيع عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة قال: "كان ناس يأتون سلمان فيستمعون حديثه يقول: هذا خير لكم وشر لي".

يقول -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وكيع عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة قال: "كان الناس يأتون سلمان فيستمعون حديثه: سلمان من؟

طالب:.......

نعم الصحابي الجليل الفارسي.

فيستمعون حديثه فيقول: "هذا خير لكم": يعني لكم غنم هذا الكلام، تستفيدون منه وتنتفعون به.

وشر لي": لأنه مظنة، المتكلم مظنة، مزلة قدم أن يداخله ما يداخله، قد يداخل الإنسان في أثناء كلامه الذي يتأثر به الناس ويستفيد منه الناس قد يداخله ما يحبط عمله؛ ولذا يقول: هذا خير لكم: تستفيدون من هذا الكلام لكن بالنسبة لي أنا، نعم قد يكون شرًّا للمتكلم، وليس العلاج في الترك، إنما العلاج بالمجاهدة؛ لأنه قد يقول قائل: إنه ما دام هذا خيرًا للمستمع وشرًّا للمتكلم لماذا يتكلم، هو يبحث عن الشر؟ لا، يبحث عن الخير، إذن لماذا لا يكون مستمعًا؟

نقول: يا أخي بلا شك أنه خير للمستمع إذا فقهه وعمل به، وهو شر للمتكلم إن عرض له شائبة رياء أو حب مدح أو ثناء، ويحمله ذلك على تزيين الكلام وتحسينه، هذا لا شك أنه شر له، لكن إذا أخلص لله -جل وعلا- وقصد بذلك، هو خير للجميع، بل هو خير منهم، وأفضل منهم، نعم.

حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن يونس عن الحسن قال: "إن كان الرجل ليجلس مع القوم فيرون أن به عيًّا وما به من عي إنه لفقيه مسلم".

نعم يقول: حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو خيثمة: من عبد الله هذا؟

طالب:.......

الراوي، لما ذكرنا السند في الأول عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، الراوي عن المؤلف -عن أبي خيثمة- وهذا مثل ما يقول في المسند: حدثنا عبد الله قال حدثني أبي، وهذه أشرنا إليها في بداية الدرس الأول.

يقول: حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن يونس عن الحسن قال: "إن كان الرجل ليجلس مع القوم فيرون أن به عيًّا: عجزًا، يظنون أنه ما يعرف التكلم، وقد رمي ابن عمر بالعي، لكن كما قال الله -جل وعلا-: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [(148) سورة النساء]، فقال -رضي الله عنه- وأرضاه: "كيف يكون عييًا من في جوفه كتاب الله؟!

ليجلس مع القوم: يستمع يظنون ما يعرف يتكلم، وما به من عي: ما به عجز عن الكلام، ولا به جهل، ولا شيء، عنده علم وعنده قدرة على الكلام لكنه فقيه مسلم، يحرص على سلامة نفسه، سلامة لسانه من الزلل، سلامة قلبه من التأثر، سلامة أحكامه من الخطأ.

المقصود أنه إذا وجد من يقوم مقامك فلا تحرص على الكلام، وإذا لم يوجد يتعين عليك أن تنفع، ويتعين عليك أن تتكلم، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأنصار، ما منهم أحد يسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه، ولا يحدثه حديثًا إلا ودَّ أن أخاه كفاه".

يقول -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأنصار: على وجه الخصوص، ما منهم أحد يسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه، يعني إذا كانت المسألة فيهم من يكفيك تحرص، السلامة لا يعدلها شيء، والكلام واللسان له تبعات، له تبعات، يعتريه ما يعتريه، يعتريه الخطأ، يعتريه الذهول والنسيان، نعم، فإذا وجد من يريحك ويتحمل عنك هذه المسئولية وهذه التبعة فافرح.

ما منهم أحد يسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياه؛ لأن الواجب يسقط بإجابة أحد ممن تبرأ الذمة بإجابته، لكن ليس معنى هذا أن الكفء يتأخر ليتصدر غير الكفء، يفتح المجال للجهال أن يجيبوا على أسئلة الناس وحوائجهم، لا، هذا لا شك أنه كفء، ومع ذلك يود أن كفؤًا يكفيه الأمر، لا يجوز له أن يتأخر حتى يتصدر الجهال؛ ولذا جاء عن بعضهم أنه كان على ما سيأتي، عروة كان يتألف الناس على حديثه، وبعضهم يقول: اسألوني؛ لأنه لا يرى من يقوم مقامه، إذا تعين عليه الأمر لا بد أن يقوم به، وليست له مندوحة، لكن إذا وجد من يكفيه من الأكفاء ودَّ أن أخاه يكفيه؛ لأن الكلمة لها تبعة، وعليها حساب، فيحرص الإنسان على التقلل بقدر الحاجة إذا وجد من يكفيه.

"ولا يحدثه حديثًا إلا ودَّ أن أخاه كفاه": نعم حتى الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- مزلة قدم، قد يزيد وقد ينقص وقد يهم، وقد ...، إذا كان بعض أهل العلم يرى أن من يلحن في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- يدخل في حديث: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) يعني لو قال قائل: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمالَ بالنيات)) قلنا: كذبت، كذبت على الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما قال: إنما الأعمالَ بالنيات، إنما قال: ((إنما الأعمالُ بالنيات)) انظر مثل هذه الأمور تجعل للإنسان حساسية بالغة من أن يحدث عن الله -جل وعلا- أو عن رسوله بشيء يجزم بأن هذا مراد الله -جل وعلا- من كلامه، أو هذا مراد النبي -عليه الصلاة والسلام- من حديثه، يجزم به، هذا مزلة قدم؛ ولذلك أهل العلم الكبار يتوقون الكلام في النصوص، وجاء في القرآن: "من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ وإن أصاب".

وجاء الوعيد الشديد على من كذب على النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ ولذا كان أهل التحري من الأئمة الكبار الأثبات كالإمام أحمد وغيره يتحرون ويتوقون الكلام في الحديث؛ لأن الذي يشرح الحديث يقول: هذا مراد الرسول -عليه الصلاة والسلام- من هذا القول، وقد لا يصيب المراد، فيتقول على الرسول ما لم يقل.

الأمام أحمد يسأل عن الغريب فيقول: اسألوا أبا عبيد، ويسأل الأصمعي عن معنى كلمة معروفة في لغة العرب ((الجار أحق بصقبه))، فيقول: أنا لا أفسر كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن العرب تزعم أن الصقب اللزيق، يعني الجار الملاصق، هكذا تزعم العرب.

شخص يحفظ مئات الألوف من الأبيات من لغة العرب التي هي ديوان العرب، والتي يفسر بها الكلام العربي من نصوص الكتاب والسنة، ومع ذلك يقول هذا الكلام، وقد وجد من أهل العلم -لأن أهمية العربية لطالب العلم لا تخفى على أحد - وجد من أهل العلم من يقول: إنه أخذ مدة طويلة ثلاثين، ما أدري أربعين سنة، يفتي الناس من كتاب سيبويه، الواحد منا يقلب كتاب سيبويه ما فيه ولا حكم شرعي، لكنه بكتاب سيبويه يفهم النصوص، فالعربية لطالب العلم في غاية الأهمية، فإذا كان من قال: إنما الأعمالَ بالنيات يدخل في حديث: ((من كذب)) ماذا بقي، كيف الناس التي ما تسعفهم الحافظة يتخمطون قيلان بس هات يسمع كلامًا يظنه خبرًا ولا يسنده.

"ولا يحدثه حديثًا إلا ود أن أخاه كفاه إياه": لأن المسألة مسألة تعبة ومسألة نقاش، ولمَ قلت، وكيف قلت، لا بد، ومن لم يحسب كلامه من عمله هلك، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان عن الزهري قال: "كان عروة يتألف الناس على حديثه".

 يقول -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان عن الزهري قال: "كان عروة: ابن الزبير التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة المعروفين، متفق على إمامته وجلالته.

فخذهم عبيد الله عروة قاسم

 

سعيد أبو بكر سليمان خارجة

هذا أحد هؤلاء الفقهاء السبعة وواحد منهم.

يتألف الناس على حديثه": إذا رأى العالم من الطلاب شيئًا من الإدبار والانصراف والفتور لا بد أن يتألفهم؛ إشفاقًا عليهم، وإرادة لهم، ونصحًا لهم، لا لتكثر الجموع عليه، لا يختلف مع ما قلنا سابقًا: إن الإنسان يبحث عمن يكفيه المئونة، يفرح إذا قيل: إن الشيخ الفلاني العالم الفلاني، عنده مئات، عنده ألوف يفرح، لكن إذا وجد هو في بلد ما وعنده عشرون طالبًا، ثلاثون طالبًا، ثم أخذوا ينقصون، من باب الشفقة عليهم أن يتألفهم، ويحثهم على الحضور وأحيانًا ييسر لهم الأمر بأن يهديهم الكتب التي يحتاجونها، بأن يلين لهم الكلام، المقصود أنه يتألفهم، لا ليكثر الجمع عنده، ليس معنى هذا أنه ليصرف وجوه الناس إليه، لا، إنما لينتفعوا، لينفعهم بما عنده، ليثبت له أجر التعليم ويثبت لهم أجر التعلم، ويتعاونوا على البر والتقوى، لا أكثر ولا أقل، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان قال: قال عمرو: لما قدم مكة -يعني عروة- قال: ائتوني فتلقوا مني".

نعم قد يكون الإنسان في وقت أو في مكان أو في ظرف لا يوجد من يقوم مقامه، والناس لا يعرفونه، هو بحاجة إلى أن يصل إلى بلد لا يكون معروفًا فيها، ويجد الجهل المطبق في هذا البلد، وعنده شيء من العلم لا مانع أن يبين لهم الواقع من باب مجرد الإخبار أنه عنده شيء من العلم بفن كذا، أو باب كذا، ويتألفهم ويطلب منهم أن يقرؤوا عليه، ما المانع؟ لأن المسألة مسألة إفادة، ولا يرجو بذلك إلا وجه الله -جل وعلا-؛ ولذا قال عروة: "ائتوني فتلقوا مني": نعم، علم، لا يضيع هذا العلم، يعني مثل ما الإنسان يسعى أن يسجل كلامه، ينتفع منه من لم يسمعه، يحرص على أن ينتفع منه من حوله، فلا ضير في أن يقول الإنسان إذا كان في بلد لا يعرف فيه قدره أن يبين لهم أنه يحسن هذا الشيء، نعم، يحسن هذا الشيء فيود أن يتلقى عنه هذا العلم، وإن حصل بالتعريض أو بالتعرض كان أولى من التصريح، يعني لو أبدى لهم شيئًا من الفوائد أو بين لهم وقصده بذلك أن ينشر ما عنده من علم لينفع وينتفع بعلمه، لا شيء في ذلك، نعم، يعني بدلًا من أن يبقى مركونًا لا يستفاد منه، يريد أن ينشر العلم، ونشر العلم عبادة، وتعليم الناس من أفضل العبادات، وجد هذا الشخص -هذا العالم- في بلد الناس بحاجته وهم لا يعرفونه يتعرض لهم أو يعرض، إن اضطر إلى التصريح يصرح؛ لأن الأمور بمقاصدها، لكن إذا وجد من هو أولى منه بالتحديث أو من يكفيه أمر الحديث لا يحرص على هذا، نعم.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعلقمة: ألا تقعد في المسجد فيجمع إليك وتسأل ونجلس معك؛ فإنه يسأل من هو دونك؟ قال: فقال علقمة: "إني أكره أن يوطأ عقبي، يقال: هذا علقمة، هذا علقمة".

يقول: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعلقمة: ابن النخعي.

ألا تقعد في المسجد فيجمع إليك: يعني يجتمع إليك الناس، فيأخذون عنك، وعادة السلف الفرار من الشهرة، واشتهار الأمر، واجتماع الجموع، والفئام، يكرهون هذا ويفرون منه، ولا يتعرضون ولا يعرضون أنفسهم، لكن إذا حصل، وقد حصل لكثير منهم من يحضر عنده الألوف، لكنهم يكرهون هذا أشد الكراهية؛ لأن هدفهم أن يستفاد من علمهم وينتشر علمهم من غير أن توطأ أعقابهم ويجتمع الناس إليهم، ويتبعونهم في المشي ويأتون وراءهم، هذا ليس بالمقصد، من كان هدفه هذا فلا شك أن في نيته شيء، من كان هدفه الكثرة، ومن غضب من القلة أو أثرت فيه الكثرة والقلة هذا في نفسه شيء؛ لأن بعض الناس إذا قيل له: لماذا ما تدرس؟ قاضي في بلد لا يوجد غيره مثلًا، لماذا لا تنفع وتنتفع، تنتفع أنت قبل الطلاب وتنفع الطلاب؟

يقول: والله يا أخي ما عندنا طلاب، جلسنا من أول ما جئنا وجلس عشرة طلاب ما يسوون من يفتح لهم الكتاب، ثم بعد يوم جاء رمضان انقطعوا -انقطع خمسة- ويوم جاءت إجازة الحج ما جاء إلا اثنان!!

يا أخي يكفيك واحد، واحد يكفيك يقرأ عليك، الكثرة ما هي بعبرة، ((يأتي النبي وليس معه أحد، النبي ومعه الرجل والرجلان))، فيه أفضل من الأنبياء؟!!

الأمر الثاني أن هذه مرحلة امتحان، الله -جل وعلا- يختبرك، يختبر ثباتك ويختبر صدقك، واحد الآن من كبار أهل العلم يحضره يعني درس الفجر يحضره ألف، وغيره أكثر وأكثر، أنا أدركت ما عاد حضر عنده إلا واحد، وهذا الواحد ما هو سعودي بعد، المسألة امتحان، هذا ما حد لا الشيخ ولا الطالب كلهم يختبرون، يتعرضون لمرحلة امتحان، فإذا ثبت الإنسان وعرف الله منه الصدق يبشر.

فهذا علقمة وهو من كبار علماء الأمة يقال له: ألا تقعد في المسجد فيجمع إليك وتسأل: نعم فيه من يكفيه، أهل العلم متوافرون، ونجلس معك فإنه يسأل من هو دونك؟ قال: فقال علقمة: "إني أكره أن يوطأ عقبي: لا يحبون الشهرة ولا الظهور، ولا كثرة الأتباع، ولا ليقال: الناس عند فلان انصرفت إليه وجوه الناس، هذا ما هو بهدف، يقال: هذا علقمة، هذا علقمة": ذهب علقمة جاء علقمة، ما يبغون هذا.

وواحد ينتسب إلى العلم قيل له: تخرج في القنوات المشبوهة؟ قال: أين من إذاعة القرآن ما يعرفني أحد، الآن أمراء ووزراء يتصلون عليَّ.

هل هذا يدل على الصدق؟ هذا كلام واحد بالحرف، يعني هل هذا يتفق مع ما أثر عن سلف الأمة؟ الله المستعان، نعم.

حدثنا جرير والضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أرى قال جرير: ((من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)).

يقول -رحمه الله تعالى- أبو خيثمة: حدثنا جرير بن عبد الحميد، والضرير هو محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير يقول: عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما أُرى قال جرير: هذا من التحري، فيما أُرى قال جرير: ((من سلك طريقًا)): يعني عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، السند المذكور من النبي -عليه الصلاة والسلام-.

((من سلك يبتغي فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)): هذا سبق الحديث عليه -الكلام عنه- وهو في الصحيح مرفوعًا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-.

((ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)): يفترض أن هذا من الذرية الطاهرة من نسل محمد -عليه الصلاة والسلام- من نسل فاطمة، لكن عمله أقل، وهذا من نسل بلال وعمله أعظم، أيهما أفضل عند الله جل وعلا؟ لا شك أن الثاني أفضل.

((من أبطأ به عمله)): من تأخر به عمله، ((لم يسرع به نسبه)): فالنسب لا ينفع، {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} [(101) سورة المؤمنون]، ما تنفع الأنساب، نعم من آمن وعمل صالحًا وعرف بالفضل لا شك أن أولاده وذريته ينتفعون بهذا إذا كانوا على هديه وسننه، نعم، ودونه في المنزلة في الجنة يلحقون به، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [(21) سورة الطور]، ما نقصناهم، نعم يستفيد من نسبه، لكن إذا كان عمله لا يوصله إلى أدنى مرتبة لم يصل، فمن أبطأ به عمله لن يستفيد من نسبه، نعم.

حدثنا أبو خيثمة زهير قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة قال: "أراد عمر أن يكتب السنة، ثم كتب في الناس: من كان عنده شيء من ذلك فليمحه".

يقول: حدثنا أبو خيثمة زهير: أي بن حرب قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة: ويحيى بن جعدة لم يدرك عمر، الخبر منقطع.

أراد أن يكتب، قال: "أراد عمر أن يكتب السنة، ثم كتب في الناس: من كان عنده شيء من ذلك فليمحه": جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد: ((لا تكتبوا عني)) مرفوعًا، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب شيئًا غير القرآن فليمحه))، هذا في الصحيح - صحيح مسلم- عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان هذا في أول الأمر؛ خشية أن يكتب مع القرآن شيء في صحيفة واحدة فيلتبس الأمر على الناس، وخشية أن يعتمد الناس على المكتوب فيضيع الحفظ، ولا علم إلا بالحفظ، ولا شك أن من يعتمد على الكتابة تضعف عنده الحافظة.

فنهي الناس أول الأمر عن ذلك؛ ليعتمدوا على الحفظ، ثم بعد ذلك أذن بالكتابة، وجاء الأمر بها في بعض النصوص: ((اكتبوا لأبي شاه))، وحصل الخلاف في الصدر الأول في كتابة الحديث، ثم بعد ذلكم أجمعوا على مشروعية الكتابة وارتفع الخلاف.

والكتابة والتدوين أمر مشروع، بل جعله بعضهم من الواجبات؛ لأنه لا يتم الواجب إلا به، لا يتم الواجب الذي هو حفظ السنة وحفظ الدين إلا به، فهو واجب، فالكتابة حفظت لنا الدين.

وهنا يقول: أراد أن يكتب: في الناس، يكتب السنة، ثم من كان عنده شيء من ذلك فليمحه: أولًا: الخبر صحيح بالنسبة للمرفوع من حديث أبي سعيد، لكنه منسوخ؛ جاء الأمر بالكتابة، والهدف منه والقصد ألا يلتبس الحديث بالقرآن -لا يلتبس غير القرآن به- ولا يعتمد الناس على الكتابة في أول الأمر، وهذا أمر معروف مجرب ومشاهد، كان الناس يحفظون، ثم بعد ذلك كتبوا فضعف الحفظ وضبطوا بالكتابة، لكن الآن تركوا الكتابة، مع ذلك تركوا الكتابة، اعتمدوا على الآلات فضعف التحصيل جدًّا، الآن تجد الإنسان لا يحفظ رقم والده، تلفون والده ما يحفظه، لماذا؟ لأنه خزنه في جواله، يضغط رقم وخلاص يطلع رقم أبوه، لماذا؟ اعتمد على هذه الآلة، قبل يحفظون، الإنسان يحفظ الذي يحتاجه، يحفظه، لكن إذا سجله ما هو بحافظه، إذا خزنه بالجوال يفتح الله ما فيه شيء، يسأل الإنسان عن رقم أبيه أو عن رقم أمه يقول: والله ما أدري، لكن سهل عندنا قريب.

كل شيء له أثر على التحصيل، كل شيء له أثر على الحافظة، لو الناس يحفظون من أول ما يسمعون؛ لأنهم يهتمون بالحفظ ما فيه بديل، ثم انتشرت الكتابة، اعتمد الناس على الكتابة ضعف الحفظ؛ لأنه خلاص ما دام مدون لماذا تكلف نفسك الحفظ، والكتابة لا شك أنها حفظت العلم، وحفظت لنا الدين، ومن عانى الكتابة استفاد فائدة عظيمة، لكن الكلام على الذي يعتمد على كتابة غيره.

ثم بعد ذلك جاءت المطابع، صارت تزف بألوف الكتب، الكتاب بعشرة مجلدات، كان الإنسان إذا أراد كتابًا يستعيره من زميله من شيخه من كذا، يجلس له يومين، ثلاثة، مثل هذا ينسخه وخلاص ينتهي، لكن إذا انتهى من النسخ أفضل من قراءة الكتاب عشر مرات، نعم، لو ما يعرف يكتب ولا فيه كتابة ولا أذن بالكتابة يبغي يمسكه ويحفظه، هذا أفضل، لكن الآن الكتابة انتهت، اعتمد الناس على المطابع، يحضر الكتاب عشرة مجلدات عشرين مجلدًا، آخر عهده إذا رصه في الدالوب، في درج الكتب، المطابع أثرت في التحصيل بلا شك، يعني هي نعمة من نعم الله وفرت الكتب، والإنسان الجاد يدرك، لكن الكثير من الطلاب إذا ضمن الكتاب وأقفل عليه الدالوب قال: خلاص، هذا غاية جهدي، فأثر هذا، ويسر تحصيل الكتب، وكثرة الكتب لا شك أنها مع أنها نعمة لكنها مشغلة عن التحصيل، مشغلة عن التحصيل، ثم بعد ذلك ظهرت هذه الآلات -الإنترنت وغيره والكمبيوتر- صار الإنسان لا يكلف نفسه شيئًا، إذا أراد مسألة ضغط زر طلعت عنده المسألة بمصادرها بالجزء والصفحة، لكن ما هي الحصيلة وما النتيجة؟ النتيجة أنه يطلع عليه وهو جالس مثل ما يمر على لوحات المحلات وهو بسيارته، كم يستطيع أن يحفظ من لوحة؟ نعم، ما يحفظ شيئًا، لكن لو كان بالمراجعة، أراد المسألة وراجع الكتب كم يستفيد من فائدة قبل أن يصل إلى مسألته؟

يستفيد عشرات المسائل كثير منها أهم من مسألته التي يبحث عنها، ابن حبان لما ألف الأنواع والتقاسيم على طريقة مذهلة معجزة ما تستطيع أن تصل إلى الحديث، ماذا قصده؟ قصده من أجل ألا تأتي وتقول: والله كتاب الصلاة في أول الكتاب تطلعه وتفتش لك صفحتين قبل وإلا بعد وتجده، لا، تقرأ الكتاب من أوله إلى آخره، من أجل أن تصل إلى حديثك التي تريده ، وكم تستفيد من فائدة بهذه الطريقة، قد يقول قائل: العمر ما يسعف يا أخي، نريد حديثًا ونضيع يومًا؟ قال: ضيع سنة وليس يومًا، يعني هو كثير يوم على حديث تمر بعشرات الأحاديث؟

ألم يسافر جابر بن عبد الله شهرًا من أجل حديث على الراحلة، وأنت الآن في بيتك عندك الكتب مطبوعة بأفخر طباعة ما عندك استعداد تفتح كتابًا تستفيد، تقول: يسر الله هذا الكمبيوتر يوفر لنا كل شيء، لكن لا شك أن أثره بالغ على التحصيل؛ ولذا النهي عن الكتابة في أول الأمر ليس عبثًا، وحرص العلماء على حفظ الصدر حتى منع بعضهم من حفظ الكتاب، وجعله ليس بحفظ، ولا يعتمد على الكتاب، نعم.

هذه أسئلة وردت إلينا من ليبيا عن طريق الإنترنت:

يقول السائل بعد السلام يقول: سلام عليكم فضيلة الشيخ: مر علي بعض الأحاديث ولم أجد لها شرحًا، أرجو من فضيلتكم توضيحها لي، منها: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم ما صغر الله، وصغر ما عظم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه -هكذا شكلت- أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتد فيمن يحتد، ولكن يعفو ويصفح بفضل القرآن)) [رواه الطبري].

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: هذه أسئلة جاءت من خارج المملكة، وكلها في الغالب عن القرآن، ((من قرأ القرآن...))، هذا يذكر في فضائل القرآن مستفيض عند أهل العلم، ((من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه)) ومعناه صحيح؛ لأن القرآن نزل على النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو كتاب الإسلام الأول، ودستوره الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

((كأنما استدرجت النبوة بين جنبيه)): يعني أصول الدين كلها موجودة في القرآن {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [(38) سورة الأنعام]، وما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- إنما هو مبين للقرآن وموضح للقرآن، وشارح للقرآن، إلا أنه لا يحال إليه؛ لأن الوحي انقطع بوفاة النبي -عليه الصلاة والسلام-.

((ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم ما صغر الله)): لأنه إذا أعطي القرآن، ولا شيء أعظم من القرآن، وهو كلام الله، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، ولا شك أن ما دون القرآن يصغر بالنسبة للقرآن، وإذا استثنينا ما يبين القرآن ويشرح القرآن من كلام المعصوم -عليه الصلاة والسلام- فبقية كلامك لا شيء بالنسبة لكلام الله -جل وعلا-.

من أعطي الدنيا بحذافيرها والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، قد صغرها الله، وصغرها نبيه -عليه الصلاة والسلام- وصار أمرها كذلك ووضعها كما شرح عند العقلاء، ((وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))، الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فمن رأى أن من أعطي الملايين بل أعطي المليارات بل من جاءته الدنيا بحذافيرها أفضل ممن أعطي القرآن، فلا شك أن هذا عظم ما صغر الله، عظم الدنيا وقد صغرها الله، وصغر ما عظم الله -وهو كتابه- وكتابه ما يشرح كتابه هذا عظمه الله -جل وعلا-، فإذا فضل غيره عليه فقد صغر ما عظمه الله، فالمعنى صحيح، وهو مشهور ومتداول عند أهل العلم، لكن درجته بدقة الآن ما تحضرني، يذكر في فضائل القرآن.

يقول: ((وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه)): لا شك أن حامل القرآن ينبغي أن يعرف بالقرآن، يعرف بخشوعه يعرف بتواضعه، يعرف بإخباته، يعرف بصيامه النوافل، يعرف بقيام الليل، يعرف بالتلاوة، يعرف بما حمل من قرآن، لا شك أن القرآن من تأدب بآدابه، وائتمر بأوامره، وازدجر عن نواهيه، مثل هذا لا بد أن يكون متميزًا عن غيره.

((وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه)): مع الناس: يعني إذا لغط الناس واستغلوا بالكلام المباح وغير المباح فصاحب القرآن ينبغي أن يعنى بما يحمله من كتاب الله -جل وعلا-.

((أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتد فيمن يحتد)): أما الغضب بالنسبة لما يفوت من أمور الدنيا، أو على أمور الدنيا ومشاكلها، فقد جاء النهي عنه، النبي -عليه الصلاة والسلام- كرر لمن قال له: أوصني، قال: ((لا تغضب))، ولا شك أن الغضب آفة، إلا أن تنتهك محارم الله، فالغيرة لله ولرسوله ولدينه هذا أمر مطلوب في الشرع.

((أو يحتد فيمن يحتد ولكن يعفو ويصفح بفضل القرآن)): لأنه ينبغي أن يجعل ما أمامه نصب عينيه، وإن كان همه الآخرة ما غضب من أجل الدنيا، ولا سفه مع من يسفه في أمور الدنيا، ولا خاض مع من يخوض في أمور الدنيا.

وهذا الحديث مخرج في السنن، وعند ابن حبان والحاكم يقول: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: أتى رجل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: أقرئني يا رسول الله؟ فانتهى إلى قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [(7 - 8) سورة الزلزلة]، فقال: يكفيني وانصرف، وانصرف الرجل فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((انصرف الرجل وهو فقيه)).

هذه الآية فيها الحديث الصحيح، لما تكلم النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الخيل وأنها لثلاثة رجال سئل عن الحمر فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((لم ينزل علي فيها شيء إلا ما كان من قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [(7 - 8) سورة الزلزلة]. يعني هذه آية عامة شاملة لكل خير ومن كل شر، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

يقول: عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كل مؤدِّب يحب أن تؤتى مأدبته)): المؤدبة الوليمة، كل صاحب وليمة يحب أن تؤتى مأدبته وأن يؤكل منها.

((ومأدبة الله القران)): ومأدبته يعني وليمته ونزله وإكرامه لخلقه هذا الكتاب، فهو يحب أن تؤتى هذه المأدبة وهذا القرآن.

((فلا تهجروه)): نعم؛ لأن من هجر بمنزلة من لم يأكل من هذه المأدبة.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن لله أهلين))، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته)).

هذا معروف مخرج عند الدارمي في المسند وابن ماجه بإسناد حسن، عند الدارمي إسناده جيد، لا بأس به.

((هم أهل الله وخاصته)): فأهل العناية بكتاب الله -جل وعلا- هم أهل الله وخاصته.

ويقرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم أهل العناية به والاهتمام بقراءته وتدبره وترتيله والعمل به، يقول: هم أهل القرآن وإن لم يحفظوه، على أنه جاء في الحفظ على وجه الخصوص ما جاء من نصوص تحث عليه، لكن لا ييأس من لم يستطع حفظ القرآن، تكن له عناية بالقرآن، وورد يومي من القرآن، يعنى بكتاب الله -جل وعلا-، ينظر في عهد ربه، بحيث لا تغيب شمس يوم إلا وقد قرأ حزبه من القرآن، والمسألة تحتاج إلى همة، تحتاج إلى عزيمة، والتسويف لا يأتي بخير، وإذا فات ورد النهار قرأناه في الليل، فات ورد الليل نضاعف حزب الغد، ما ينفع هذا.

أناس نعرفهم إذا جاء وقت الورد -وقت الحزب- وهو في سفر في طريق في البراري والقفار يوقف السيارة يقرأ حزبه ويواصل إذا لم يحفظ، هنا لا يضيع الحفظ بهذه الطريقة.

من حدد لنفسه وردًا وحزبًا يوميًا بحيث لا يفرط فيه مثل هذا يفلح، ولا يفرط في نصيبه من القرآن، وتلاوة القرآن لا تكلف شيئًا ترى، لا تكلف شيئًا، يعني بالتجربة من جلس بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس قرأ القرآن في سبع، يعني في كل جمعة يختم القرآن، ما تكلف شيئًا، المسألة تحتاج إلى ساعة، لكن مع ذلكم تحتاج إلى همة، أما من يقول: إذا جاء الصيف والله الآن الليل قصير، فإذا طال الليل أجلس بعد صلاة الصبح -إن شاء الله- وإذا جاء الشتاء قال: والله برد إذا دفينا قليلا جلسنا، الفجر برد في الشتاء معروف، لكن إذا قال مثل هذا لن يصنع شيئًا.

ومعروف أن أناسًا ما ينامون بالليل ويجلسون بعد صلاة الصبح؛ لأنهم اعتادوا هذا ووطنوا أنفسهم على هذا، وجعل هذا جزءًا من حياته كغداه وعشاه، كأكله وشربه، ما يفرط في هذا وإذا جلس إلى أن تنتشر الشمس يقرأ السبع بدون أي مشقة -سبع القرآن- فتكون هذه القراءة بتعهد القرآن والنظر في عهد الله -جل وعلا- في هذا الكتاب، وأيضًا من أجل اغتنام الأجر المرتب على الحروف أقل الأحوال، ويكون له ساعة أيضًا من يومه قراءة تدبر يقرأ فيها ولو يسيرًا، يراجع عليه ما يشكل من التفاسير الموثوقة، وبهذا يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، لكن المشكل التسويف، هذا الإشكال، والله إذا دفينا إذا بردنا ما ينفع يا أخي، ينتهي العمر وأنت ما دفيت، أو الآن والله انشغلنا جاءنا ما يشغلنا نجعل نصيب النهار إلى الليل، ثم جاء الليل والله جاءنا ضيف، جاءنا كذا، والله الإخوان مجتمعون بالاستراحة، أو...، ما يجدي هذا، هذا ما يمشي، فإذا اقتطع الإنسان من وقته جزءًا لا يفرط فيه مهما بلغت المساومة، مهما بلغت المغريات حينئذ يستطيع أن يقرأ القرآن بالراحة في كل سبع، وقد جاء الأمر بذلك في حديث عبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد))، نعم لا يزيد على سبع؛ لأنه مطالب بواجبات أخرى لكن الذي عنده من الفراغ أكثر وارتباطاته العامة أقل مثل هذا لو قرأ القرآن في ثلاث ما كلفه شيئًا، يزيد ساعة من بعد صلاة العصر يقرأ القرآن في ثلاث، والدنيا ملحوق عليها ترى ما فاته شيء، والرزق المقسوم يأتي، وليت الناس ما ينشغلون إلا بما ينفعهم؛ لأن من اليسير أن يجلس الإنسان بعد صلاة العشاء يتحدث مع الآخرين إلى أذان الفجر، سهل مع الإخوان ومع الأقران، ومع الأحباب، يمشي سهل، لكن تقول له: اجلس، وهو ما تعود يقرأ ما يستطيع، والمسألة تحتاج إلى أن الإنسان يُري الله -جل وعلا- منه شيئًا في حال الرخاء، ويتعرف عليه في حال الرخاء بحيث إذا أصابه شدة أو مأزق أو جاءه ضائقة أو شيء يعرفه الله -جل وعلا- ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة))، أنتم جربتم كثيرًا من الإخوان ومن الأخيار ومن طلاب العلم يهجرون بلدانهم وأهليهم إلى الأماكن المقدسة في الأوقات الفاضلة من أجل أن يتفرغ للعبادة، ثم إذا فتح المصحف عجز يقرأ مع الجهاد يقرأ جزءًا بين صلاة العصر وهو جالس ما طلع من المسجد الحرام إلى أذان المغرب يا الله يقرأ جزءًا، يقرأ ويتلفت ويناظر، عسى الله أن يأتي أحد، إن جاء أحد وإلا هو قام يبحث عن أحد؛ لأنه ما تعود، ما تعود، صعب، وهو بالراحة بعض الناس ما يغير جلسته يقرأ عشرة وهو مرتاح؛ لأنه تعود، فالمسألة مسألة تعود.

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال: "إن كان الرجل يكتب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- يسأله عن الأمر فيقول للرجل الذي جاء بالكتاب: أخبر صاحبك بأن الأمر كذا وكذا، فإنا لا نكتب في الصحف إلا الرسائل والقرآن".

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال: "إن كان الرجل: طاووس بن كيسان اليماني التابعي الجليل المعروف.

 

قال: إن كان الرجل يكتب إلى ابن عباس يسأله عن الأمر: فتوى، يريد أن يحرر له فتوى مكتوبة، وهذا يكتب في باب تقييد العلم، يسأله عن الأمر فيقول للرجل الذي جاء بالكتاب: أخبر صاحبك بأن الأمر كذا: الجواب كذا، يجوز أو لا يجوز، أخبر صاحبك بأن الأمر كذا وكذا، فإنا لا نكتب في الصحف إلا الرسائل: يعني ما يكتبه النبي -عليه الصلاة والسلام- ويبعث به إلى عماله وإلى ملوك الأرض وأقطارها، ما يكتب إلا ما يؤثر عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، والقرآن: أما ما عدا ذلك فلا يكتب، وهذه المسألة مسألة تدريجية، تدرج تاريخي في هذا العلم، جاء النهي عن الكتابة لغير القرآن، ثم جاء الإذن بكتابة الحديث، ثم تتابع الناس على الكتابة -كتابة الحديث- ثم بعد ذلك كتبت الآثار من أقاويل الصحابة والتابعين، ثم دونت أقوال الناس كلهم، المسألة تدريجية، يعني في أول الأمر يخشى من الاختلاط -اختلاط الأمر بغيره- أول الأمر يخشى من اختلاط السنة بالقرآن، ثم بعد ذلك يخشى من اختلاط أقوال الصحابة بكلام النبي -عليه الصلاة والسلام- ثم بعد ذلكم يخشى اختلاط الآراء بالآثار، ثم لما أمن اللبس انتهت المشكلة وارتفع السبب الذي من أجله امتنعوا من الكتابة، فصاروا يكتبون كل شيء، هذه مسألة تدريجية، نعم، والله المستعان، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك.