كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 21

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 21
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين وللمستمعين يا رب العالمين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله- في محرره:

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وفي لفظ له: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع)).

وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) فقال له قائل: ما أكثرُ ما تستعيذ من المغرم.

أكثرَ، أكثرَ.

ما أكثرَ ما تستعيذ من المغرم فقال: ((إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف)) متفق عليه، واللفظ للبخاري.

يكفي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا تشهد أحدكم))" إذا تشهد يعني فرغ من التشهد، إذا فرغ من التشهد، وفرغ بعد ذلك من الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- الصلاة الإبراهيمية التي سبقت في درس الأمس، وجاء ما يدل على أن المراد بالتشهد هو التشهد الآخر كما في اللفظ الذي يشير إليه المؤلف بعد ذلك، فالدعاء محله التشهد الأخير لا الأول؛ لأن الأول مبني على التخفيف، حتى جاء في وصفه -عليه الصلاة والسلام- وهو في التشهد الأول أنه كأنه على..، على إيش؟ الرُضف أو الرْضف، على الضبطين يعني الحجارة المحماة، مما يدل على أنه يستعجل في هذا، وإن كان الحديث فيه ما فيه، يعني تكلموا فيه عند أهل العلم.

على كل حال التشهد الأول مبناه على التخفيف، فالدعاء إنما يكون بعد التشهد الأخير.

((فليستعذ بالله)) والسين والتاء للطلب، يعني فليطلب الإعاذة من الله -جل وعلا-، أو بالله -جل وعلا- والطلب من الله، واللام لام الأمر ((فليستعذ بالله من أربع)) يطلب من الله -جل وعلا- أن يعيذه من هذه الأربع.

اللام هذه لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، وقال به الظاهرية، وطاوس بن كيسان من جلة التابعين أمر ابنه أن يعيد الصلاة كما في صحيح مسلم لما لم يستعيذ من هذه الأربع، أمره أن يعيد الصلاة، فدل على أنها واجبة عنده، وعامة أهل العلم على أنها سنة، وليست بواجبة، وإن كان الأصل في الأمر الوجوب.

((فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم)) من عذاب جهنم، جاءت الاستعاذة من النار، ومن عذابها في نصوص كثيرة.

((ومن عذاب القبر)) كذلك إثبات عذاب القبر هو الذي عليه عامة من يعتد بقوله من أهل العلم، وقول أهل الحق من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والأحاديث فيه تبلغ حد التواتر، وإثبات عذاب القبر بالكتاب والسنة، من أدلته:

قوله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [(46) سورة غافر] {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [(46) سورة غافر] هذا في البرزخ، في القبر {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} [(46) سورة غافر] هذا بعد البعث.

المقصود أن من أهل العلم من استدل أيضاً بقوله -جل وعلا-: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} [(21) سورة السجدة] منهم من يقول: إن هذا العذاب في الدنيا، ومنهم من يقول: المراد به عذاب القبر، ولم يعرف إنكار عذاب القبر إلا عند المعتزلة الذين لا يثبتون عذاب القبر، وأما أهل السنة فإنهم مجمعون عليه، والنصوص فيه قطعية.

((ومن فتنة المحيا والممات)) يعني جاء في الحديث الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- مر بقبرين وقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير)) وجاء في صحيح مسلم: ((لولا أن تدافنوا)) وفي وراية: ((لولا ألا تدافنوا لأسمعتكم)) فلا مجال للتردد في إثباته.

قال: ((ومن فتنة المحيا والممات)) فتنة المحيا ما يتعرض له الإنسان أثناء حياته، وقد يفتن وهو لا يشعر {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [(126) سورة التوبة] وأحياناً يفتن أكثر من ذلك.

فتنة المحيا ما يتعرض له حال حياته، والممات عند مماته، عند مماته يتعرض لفتنة من الشيطان ليختم له بالسوء.

((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) وأي فتنة أعظم من فتنته، وأخوف ما خافه النبي -عليه الصلاة والسلام- فتنته، ومعه المغريات من الترغيب والترهيب، وجاء في أخباره الشيء الكثير، لكن هل التعوذ المطلوب من فتنته أو من شر فتنته؟ نعم؟ الحديث: ((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) وبعض الروايات ما فيها شر: ((وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)) هل نقول: إننا نقيد المطلق بالمقيد بشر، أو نقول: يعمل به على إطلاقه؟ فيتعوذ من فتنة المسيح الدجال مطلقاً، يعني كون الإنسان يتعرض لفتنة المسيح الدجال هل الأفضل أن يتعرض لها ولو ثبت على الحق أو ألا يتعرض أصلاً؟ هو ما في شك أن الذي يثبت تمر به الفتن، تمر به المحن ويثبت هذا أفضل بلا شك، لكن ما الذي يدري الإنسان أنه يثبت؟ فيقتصر على شرها، أو أنه إذا وقي شر الفتنة فمعناه أنه يثبت، فيكتب له خيرها دون شرها.

((ومن شر فتنة المسيح الدجال)) والنصوص الأخرى مطلقة ليست مقيدة بالشر، بل لعموم فتنته خيرها وشرها، كون الإنسان يقيه الله -جل وعلا-، ويعيذه من شر الفتنة هذا لا شك أنه ناجي، وكونه يعيذه من الفتنة كلها يستعيذ بالله من الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن، ولذلك يستعيذ من فتنة المحيا والممات، ترى من فتنة المحيا النساء، الأزواج، والأولاد، والأموال، فهل معنى هذا أنه يستعيذ من شر فتنة أو من فتنة الأموال والأولاد والزوجات؟ كأنه يقول: اللهم لا ترزقني مالاً ولا ولداً ولا زوجة لأنها فتنة، إذا قلنا بالإطلاق، وإذا قلنا: إنه يستعيذ من شرها فهو يريد المال، يريد الزوجة، يريد الأولاد؛ لكنه شرهم يتقيه، ويسأل الله -جل وعلا- أن يقيه شرهم.

الكلام يحتاج إلى تأمل يا الإخوان، يحتاج إلى تأمل؛ لأن من فتنة المحيا {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [(15) سورة التغابن] {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [(14) سورة التغابن] المقصود أنها فتن، هذه فتنة المحيا فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة لكنها فتنة، هل يستعيذ بالله منها أو من شرها؟ هل يستعيذ بالله منها بحيث يقيه الله -جل وعلا- الأموال والأولاد والزوجات، أو يستعيذ بالله من شرها؟ لأن طلب هذا مطلوب ((تزوجوا)) ((تكاثروا)) هذا مطلوب، يعني إذا نص على شر فتنة المسيح الدجال، فماذا عن فتنة المحيا والممات؟ هل يستعاذ بالله من شرها وعموم الفتن؟ عموم الفتن يعني كم شخص سمع يتمنى أن لو لم يدرك هذه الفتن التي نعيشها، فهل كون الإنسان يقبض قبل هذه الفتن أفضل، أو كونه يوجد في هذه الفتن ويجاهد ويصبر ويحتسب ويخفف منها بقدر ما يستطيع أيهما أفضل؟ يعني الأفضل كونه لا يدرك الفتن، أو الأفضل كونه يدرك الفتن ويساهم في تخفيفها أو القضاء عليها؟ الثاني أفضل بلا شك، لكن من يضمن؟ الكلام على من يضمن؛ لأنه قد يكون بهذه النية ثم إذا جاءته الفتن ما ثبت ولا صبر بل انحرف، ولذا جاء الإطلاق ((من فتنة المحيا والممات)) لكن ماذا عن فتنة المسيح الدجال؟ نعم؟

طالب:.......

ومن هذا الدجال، من هذا أيضاً الفتن، ما يدعو الله -جل وعلا- أن يحييه حتى تأتي فتن فيساهم في تخفيفها والقضاء عليها، هذا أمر مفروغ منه، لكن التنصيص على شر فتنة المسيح الدجال، هل نقول: إن فتنة المسيح الدجال كلها شر فالتنصيص عليه وعدم التنصيص واحد كما جاء في الحديث الثاني؟ لكن ماذا عن الذي شقه الدجال بنصفين، نشره بالمنشار، ثم أعاده، ثم كذلك وثبت على..، هل هذا أفضل له أو الأفضل أن يوقى شر هذه الفتنة ولا يدخل فيها؟ نعم الكلام للعموم لعموم الناس، الأصل أن يسأل الله -جل وعلا- فتنة المسيح الدجال بشرها وما ينجم عن هذا الشر من خير، نعم لأنه قد ينجم من هذا الشر خير لهذا الذي يثبت ويصبر، لكنه في الجملة شر، يعني ما تعرض له من أذى شر، فيكون التنصيص على شر فتنة المسيح الدجال كالتعميم مثل اللفظ المطلق، ويكون حينئذٍ وصف كاشف لا مفهوم له؛ لأنه ليس معناه أن تتعوذ من شر فتنة المسيح الدجال أن تتمنى خير فتنة المسيح الدجال، يعني لا يفهم منه هذا، يعني هذا من باب التنظير، يعني إذا قرأنا حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) هل مفهوم هذا الحديث أن من لم يتفقه في الدين أن الله -جل وعلا- أراد به شراً؟ أو أنه قد لا يريد به الخير، لكن لا يريد به الشر أيضاً؛ لأن الشر والخير ضدان أو نقيضان؟

طالب: نقيضان.

نعم يعني ما في واسطة لا شر ولا خير؟

طالب: لا يوجد.

وقلنا في مناسبات يمكن في هذا الدرس في حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) عامي من عوام المسلمين لا يقرأ ولا يكتب ما عنده من الفقه شيء، لا يقرأ القرآن ولا غير القرآن، لكنه محافظ على الواجبات، وتارك للمحرمات، ورزق أموال وهو يضرب بهذه الأموال في جميع أبوب الخير، هل نقول: إن هذا أراد الله به شراً لأنه لم يتفقه في الدين، أو أن من تفقه في الدين أراد الله به خيراً وليس معنى هذا أنه أراد بغيره شراً؟ ونقول مثل هذا يعني من باب المقابل إن فتنة المسيح الدجال كلها شر، والمطلق مثل المقيد فيستعيذ بالله منها كلها.

متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي لفظ له: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر)) يعني الأخير ((فليتعوذ بالله من أربع)) فالأدعية كلها في آخر الصلاة ((ثم ليتخير من المسألة ما شاء)) يعني في آخر الصلاة.

ثم قال:

"وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر))" هذا تقدم: ((وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)) وهذا أيضاً جاء في الحديث السابق: ((وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات)) وهذا أيضاً يشتريك فيه هذا الحديث مع السابق ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) هذه زيادة على ما جاء في الحديث السابق ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) المأثم ما يترتب وما ينشأ عنه الإثم، والمغرم هو الغرم وهو الدين.

"فقال له قائل: ما أكثرَ ما تستعيذ من المغرم" أفعال تفضيل يعني كثيراً ما تستعيذ بالله -جل وعلا- من المغرم، فيما السبب في ذلك؟ "فقال: ((إن الرجل إذا غرم حدث فكذب))" الرجل إذا غرم حدث فكذب، ويعد ويخلف، قد يحتاج إلى أن يكذب من أجل فك التضييق عليه، الغارم الدائن قد يأتي إلى هذا المدين، ثم يضغط عليه من أجل أن يسدد، فيقول: أنا بصدد بيع بعض الأمتعة وسوف أسدد، فيكذب عليه ما عنده أمتعة، ليس عنده شيء يباع، والغارم لم يرض، ولم يمتثل قول الله -جل وعلا-: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [(280) سورة البقرة] وشدد عليه وضيق عليه، فاحتاج إلى أن يكذب مثل هذا الكذب، ويحتاج أن يعد فيخلف، إذا جاء رأس الشهر سددت، فإذا جاء رأس الشهر ما عنده شيء.

((إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف)) كذبه من أجل أن يصرف الغارم أو الغريم، ووعده من أجل أن يصرفه، ولذا جاء التقييد بالمماطلة بكون المماطل واجد ((لي الواجد ظلم)) مفهومه أن غير الواجد ليس بظلم، بل هو معذور، فإذا غرم ولا يستطيع السداد فإنه قد يضطر إلى الكذب، وقد يضطر إلى إخلاف الوعد، وهو في ذلك معذور؛ لأنه إن صدقه ضيق عليه، وإن لم يعده ضيق عليه أيضاً، فيحتاج إلى مثل هذا، وإذا وعده وعداً مقروناً بالمشيئة خرج من عهدته، فقال: إن شاء الله، ثم جاء آخر الشهر والله إن شاء الله أني أقضيك، خرج من عهدته، فإذا وعده وعداً مقروناً بالمشيئة فإن هذا فيه مندوحة.

بعضهم تحايل على الغريم أو الغارم الدائن لأنه يطلق غارم وغريم في الطرفين، فعيل بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، تحايل من أجل إثبات الإعسار، فلما جاءه الدائن قال: موعدك القاضي يوم السبت، فذهبوا إلى القاضي فادعى الدائن بالدين، فلان الماثل بين يديك لي في ذمته مبلغ كذا، قال: ما تقول؟ يعني المدعى عليه، قال: صحيح، لكن أطلب منه النظرة إلى أن أبيع أرضي الفلانية وبستاني والعمارة التي في شارع كذا، والاستراحة التي في بلد كذا، قال: أنظره، المسألة شهر ما يضرك -إن شاء الله-، والمال كبير خليه يبيع، قال: يا شيخ يكذب، والله ما عنده استراحة، ولا عنده عمارة، ولا عنده أرض، ولا عنده مزرعة، ولا عنده شيء، أبد، قال المدعى عليه: هذا الذي أريده، أثبت الإعسار بشهادته، هو الذي يشهد أني معسر، حدث وكذب ووعد وأخلف، كله من أجل أن يثبت الإعسار بشهادة الغريم، فهذا أمر مشاهد وملاحظ يعني الإنسان قد يكون من خيار الناس يعني من طلاب العلم، بل من أهل العلم ويحصل له مثل هذا، من أجل أن ينصرف صاحبه، ويقول: هذا ذنب مضطر إليه، وأتوب إلى الله منه، وهذا ينصرف من أمامي الآن الساعة، وتنفرج -إن شاء الله-، فهذا هو الذي يجعل النبي -عليه الصلاة والسلام- يكثر من التعوذ بالله من المأثم أو المغرم، ولا شك أن الدين شأنه عظيم، هم بالليل، وذل في النهار، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((صلوا على صاحبكم)) يعني المدين حتى ضمن الدين، والشهادة تكفر كل شيء إلا الدين، فهذا الذي جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- يستعيذ بالله من المأثم والمغرم.

يقول: "متفق عليه، واللفظ للبخاري".

التعوذ بالله -جل وعلا- من هذه الأربع، والزيادة عليها في الحديث الثاني، هل يستعمل المصلي الأول أو يستعمل الثاني أو يلفق بينهما؟ يستعمل الثاني باعتباره أكمل؟ أو اللفظ الأول باعتباره أول ما حفظ مثلاً، ثم يضيف إليه الأدعية الأخرى الواردة وغير الواردة مما يتخيره من المسألة؟ الأمر في هذا واسع، وليحرص المصلي على الوارد.

سم.

قال -رحمه الله-:

وعن وائل بن حجر قال: صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

في بركاته الثانية؟

طالب: إي نعم، الثانية فيها بركاته.

نعم هي موجودة في بعض النسخ، يقول: في سين وميم زيادة وبركاته بعد التسليم الثانية، نعم.

 رواه أبو داود بإسناد صحيح.

إذا انتهى المصلي من التشهد، والصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم استعاذ بالله من هذه الأربع، وتخير من المسألة ما شاء فإنه حينئذٍ يسلم، والسلام ركن عند الجمهور وليس بركن عند الحنفية، بل إذا انتهى من التشهد فقد تمت صلاته على ما جاء في حديث ابن مسعود، وفيه كلام لأهل العلم.

المقصود أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما حفظ منه ولا صلاة واحدة أنه خرج منها بغير سلام، وقال: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) فالسلام ركن عند جمهور أهل العلم على خلاف بينهم هل الركن التسليمة الأولى فقط أو التسليمتان معاً؟ معروف عند الحنابلة أن التسليمتين كلاهما ركن، ولا تتم الصلاة إلا بالتسليمة الثانية، وعند غيرهم التسليمة الأولى كافية، والثانية مستحبة.

صيغة السلام جاء في هذا الحديث حدث وائل بن حجر الذي حفظ من صلاة النبي -عليه الصلاة والسلام- ما حفظ، وبلغ في نصوص تقدمت قال: "صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله" السلام جاء من حديث بضعة عشر صحابياً، وكلها ليس فيها: "وبركاته" كلها: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله" جاء في حديث وائل زيادة: "وبركاته" وحديثه مصحح عند أهل العلم، يعني من حيث الصناعة لا إشكال فيه، صحيح، لكن هل تعد هذه مخالفة أو تعد زيادة؟ بضعة عشر صحابياً ينقلون السلام من لفظه -عليه الصلاة والسلام- دون قوله: "وبركاته" ووائل بن حجر جاءت أيضاً من حديث ابن مسعود، لكن ما يسلم، وهذا الحديث مصحح، فهل يقال: إن هذه زيادة والزيادة من الثقة مقبولة، ووائل حفظ ما لم يحفظه غيره، أو يقال: إنها مخالفة؟ فتكون حينئذٍ شاذة لست بمحفوظة، أو نقول: زيادة وحفظ وائل بن حجر ما لم يحفظه غيره من الصحابة؟ أو نقول: تنوع، مرة يقول كذا، ومرة يقول كذا؟

ها يا الإخوان؟ يعني مقتضى قول من يقول بقبول زيادة الثقة مطلقاً أن يعمل بهذه؛ لأنها زيادة غير منافية، والأئمة الذين يحكمون على هذه الزيادات بالشذوذ لندرة من ينقلها في مقابل الجمع، ومر بنا لهذا نظائر، تجد الكتاب أحياناً يعلون مثل هذه الرواية، طيب فيها مخالفة؟ ما فيها مخالفة، بل هي زيادة، ومن أهل العلم من ينقل الاتفاق على قبول زيادة الثقة كالحاكم وغيره، والمتأخرون لهم كلام كثير في هذا، لكن جمهورهم على قبول الزيادة.

لكن الشأن في كون الإنسان يتفرد بشيء دون غيره، يعني الروايات في الصحيحين وغيرهما ليس فيها "وبركاته" هذه الزيادة "وبركاته" في سنن أبي داود، فماذا يقال عن مثل هذا؟ وله نظائر سبقت، لكن الحكم بحكم عام مطرد في مثل هذه المسائل ليس من عمل الكبار، المتأخرون لهم أحكام مطردة في مثل هذا، لكن الأئمة أئمة هذا الشأن ليس لهم حكم عام مطرد، فأحياناً يحكمون عليها بالشذوذ ولو تضمن مخالفة، إذا كان راويها ممن لا يحتمل تفرده مثلاً، أو غلب على ظنهم بالقرائن أن هذا الراوي الذي يحتمل تفرده لم يضبط ولم يحفظ في هذه الرواية.

طالب العلم أمام مثل هذه المضايق كيف يصنع؟ هل يقول إذا سلم: وبركاته أو لا يقول؟ الخلاصة يعني خلاصة الكلام يعني دعنا من المقدمات السابقة هذه لا يدركها كثير من طلاب العلم، بل جل طلاب العلم لا يدركون مثل هذا، يعني مثل طبيب باكستاني دخل عنده شيخ مصري، الطبيب الباكستاني لحيته كثة، وشيخ تخصصه بالفقه والأصول يعني حليق، فقال له الطبيب: أين اللحية يا شيخ؟ قال الشيخ: اللحية سنة، قال: أنا ما يعرف سنة ما سنة، الرسول مثلي وإلا مثلك؟ فهذه الأمور حقيقة يعني هذه العلل الخفية التي يحكم بها الأئمة، وقد لا يتفقون على الحكم الواحد، يعني مع ذلك لا يتفقون على الحكم الواحد، قد يلوح للإمام أحمد من القرائن ما يدل على أن هذه اللفظة ليست محفوظة، بينما أبو حاتم يحكم بأنها محفوظة أو العكس، فمثل هذه الأمور لا شك أن طلاب العلم دون تحقيقها خرط القتاد، يحتاجون إلى مدد متطاولة، ومران طويل حتى يستطيعوا أن يحكموا على مثل هذه الأمور.

الخلاصة يعني هل المصلي يقول: وبركاته أو لا يقول؟ نعم؟ يعني لو قالها أحياناً باعتبار أن الغالب من أحواله -عليه الصلاة والسلام- أنه لا يقولها؛ لأن كل من وصف صلاة النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يذكرها إلا وائل بن حجر، ورواية عن ابن مسعود، فلو قالها أحياناً مرة بالشهر مثلاً، لا سيما إذا كان منفرداً لكن النص في الإمام؛ لأنه يقول: "صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان يسلم" أما بالنسبة للمنفرد فهذا ما يحصل فيه إشكال، المأموم قد يقال: إنه إذا زادها خالف إمامه، لكن الزيادة في الأقوال يحتمل فيها أكثر من الزيادة في الأفعال.

الإمام والحديث في الإمام؛ لأنه يقول: "صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" وإذا زادها تشوش المأموم، لكنه تشويش لا يؤثر على صلاته، يعني ما هو مثل التشويش الحاصل بسجود السهو مثلاً قبل السلام أو بعده، قد يحصل شيء من التشويش في مسائل فيها تشويش، لكن مثل هذا ما فيه إلا أنه قد يستغرب، ثم إذا سلم ورأى الإمام ونبه الإمام على أن هذه اللفظة ثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأننا نقولها أحياناً ينتهي الإشكال، ينتفي، وهذا هو الأقرب، نعم.

قال -رحمه الله-:

وعن وراد كاتب المغيرة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) متفق عليه.

الجَد، الجَد.

((ذا الجَد منك الجد)) متفق عليه.

وعن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، وقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهلل بهن دبر كل صلاة" رواه مسلم.

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من...

من أن

((من أن أرد إلى أرذل العمر))

أردَ، أُردَ.

((من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، ومن عذاب القبر)) رواه البخاري.

وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)).

عند ياء؟ عندك ياء، تباركت؟

نعم ((يا ذا الجلال والإكرام)).

قال الوليد بن مسلم: فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار؟ قال: تقول: "أستغفر الله" رواه مسلم.

مرة واحدة.

سم يا شيخ؟

استغفر الله، استغفر الله.

مرة واحدة.

وروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)).

وعن معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ والله إني لأحبك))

إني، إني؟

لأحبك.

نعم.

((أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي.

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من قرأ آية الكرسي، وقل هو الله أحد دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)) رواه النسائي والرواياني...

الروياني، الروياني.

والروياني وابن حبان والدارقطني في الأفراد، والطبراني، وهذا لفظه، ولم يصب في ذكره في الموضوعات.

ولم يصب من ذكره.

ولم يصب من ذكره في الموضوعات، فإنه حديث صحيح.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة" مكتوبة يعني مفروضة، المكتوبة هي المفروضة، ويخرج بذلك النوافل، فلا يقال بعد النوافل هذا الذكر، والمراد بالمكتوبة الخمس، وهل يدخل في المكتوبات الواجبات عند بعض أهل العلم دون بعض، يعني صلاة الجنازة مثلاً فرض كفاية تدخل في المكتوبة؟ صلاة العيد عند الحنفية واجبة تدخل في المكتوبة؟ صلاة الوتر عندهم تدخل في المكتوبة؟ الظاهر أنه لا يدخل في هذا إلا الصلوات الخمس، مثل ما قيل في دعاء الاستفتاح، دعاء الاستفتاح في حديث أبي هريرة: "أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟" يعني هل هذا يشمل الجنازة فيه دعاء استفتاح؟ أو أن المراد بالصلاة الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود الفرائض والنوافل؟ هنا في دبر كل صلاة مكتوبة يعني مفروضة، وكون صلاة العيد واجبة، وصلاة الوتر واجبة عند الحنفية، لا يعني أنها مفروضة، فيختص هذا الذكر بالصلوات الخمس.

((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) لا إله إلا الله كلمة التوحيد، متضمنة للنفي والإثبات، ((وحده)) حال مؤول بنكرة منفرداً ((لا شريك له)) مؤكدة لجملة النفي من كلمة التوحيد ((له الملك، وله الحمد)) يعني لا لغيره؛ لتقديم المتعلق، تقديم الجار والمجرور لا شك أنه يدل على القصر والاختصاص، مثل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [(5) سورة الفاتحة] ((له الملك)) يعني لا لغيره ((وله الحمد)) لا لغيره ((وهو على كل شيء قدير)) هذه الجملة من العموم المحفوظ، كما يقرر أهل العلم، بحيث لم يستثن منه شيء، ولم يخرج منه صورة من الصور، والمفسرون وعلى رأسهم الطبري في أوائل تفسير سورة الملك قال: إنه على ما يشاء قدير، وفي تفسير الجلالين وغيره: "وهو على كل شيء يشاؤه قدير" والتقييد بالمشيئة لا شك أن مفهومه أن الذي لا يشاؤه لا يقدر عليه، وهذا المفهوم باطل.

جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ} [(29) سورة الشورى] وجاء أيضاً في حديث: آخر من يدخل الجنة: ((فإني على ما أشاء قادر)) في صحيح مسلم، هذا يشكل وإلا ما يشكل؟ هذا فيه إشكال وإلا ما فيه إشكال؟ يعني أهل العلم يقررون على أن الله -جل وعلا- كما قال: على كل شيء قدير، وهذا من العموم المحفوظ، تقييد القدرة بالمشيئة مفهومه أن الذي لا يشاؤه معناه أنه لا يقدر عليه، لا يقدر إلا على ما يشاؤه، وهذا المفهوم باطل بالاتفاق، لكن استعمله أهل العلم مثل الطبري، وكثير من المفسرين قيدوه بالمشيئة، لكن لا إشكال في كلام أهل العلم، يرد، سهل، يعني رده سهل، الإشكال في مثل قوله: {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ} [(29) سورة الشورى] وفي قوله في الحديث الصحيح في صحيح مسلم: ((فأنا على ما أشاء قادر)) هل نقول: إن مثل هذا وصف كاشف لا مفهوم له؟ وجاء بعض القيود ما هو ملغى الاعتبار، حتى في نصوص الكتاب والسنة، يعني يقول أهل العلم: لا مفهوم له، وهذا متجه في مثل هذا: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [(130) سورة آل عمران] يعني لو أكل الربا ضعف واحد يجوز وإلا ما يجوز؟ ما يجوز {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ} [(80) سورة التوبة] لو استغفرت لهم واحد وسبعين أو سبعمائة مرة يغفر لهم وإلا ما يغفر؟ فيكون مفهوم الحديث ملغى.

((فإني على ما أشاء قادر)) من أهل العلم من يقول: إن هذا في الأمر الذي انتهى لا في المستقبل، يجوز لأنه شاءه وقدره وانتهى، فما في إشكال، الإشكال في المستقبل الذي تتعلق به القدرة مستقبلاً، هل يعلق بالمشيئة؟ هذا لا يجوز بحال {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ} [(29) سورة الشورى] تكون المشيئة مرتبطة بالجمع لا بالقدرة، وهذا تأويل من بعض أهل العلم، أبداه بعض المفسرين وهو جيد، فالمشيئة ارتبطت بالجمع لا بالقدرة، فالقدرة مطلقة من المشيئة.

((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)) الله -جل وعلا- هو المعطي لا غيره، والمخلوق الذي بيده المال، بيده شيء من مال الله الذي آتاه إنما هو قاسم، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) فالذي يعطي في الحقيقة هو الله -جل وعلا-، والذي يمنع في الحقيقة هو الله -جل وعلا-، ومن الأمثلة المحسوسة تجد الرجل الغني الباذل المحتسب المتلمس لمواضع الإنفاق يدخل عليه من عنده مشروع خيري فيبذل له ما يبذل من المال، ثم يدخل عليه آخر بمشروع أعظم وأظهر فائدة، ثم يقول: والله ما كتب الله شيء، ما عندنا شيء، من الذي أعطى الأول ومنع الثاني؟ هو الله -جل وعلا-، وإلا لو كانت بيد هذا الذي يحتسب الأجر لقدم الثاني على الأول، فالله -جل وعلا- هو المعطي وهو المانع.

((لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد)) صاحب الحظ، ولا ينفع صاحب الحظ منك حظه، جده، يعني حظه لا ينفع، ولا يغنيه عنك ولا منك حظه ولا جده ولا غناه ولا قوته ولا بأسه ولا أعوانه، ولا أنصاره، لا ينفع من الله أحد، فإذا نزل أمر الله، وجاء وقت قضائه فإنه لا راد لما قضاه.

قال: "متفق عليه".

"وعن أبي الزبير قال: كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" حين يسلم، يعني مباشرة، فور ما يسلم يقول: لا إله إلا الله، وسيأتي ما جاء في الاستغفار، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: ((استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله)) ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) قبل أن ينصرف، فهذه مقدمة، الاستغفار مقدم، وما يتلوه، ثم بعد ذلك يقول: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله)) لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة.

((لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن)) هذه الأذكار ثابتة في الصحيحين وغيرهما ((لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)).

"وقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهلل بهن دبر كل صلاة" يعني دبر كل صلاة كما جاء القيد في حديث المغيرة "مكتوبة".

"رواه مسلم".

"وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة" يعني يعلمهم قراءتها، يعلم أولاده قراءتها ولفظها وحفظها، والمداومة عليها، ويقول: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن))" البخل منع ما يجب أداؤه من الزكوات والنفقات وغيرها.

((وأعوذ بك من الجبن)) يقابل البخل الجود والكرم، فإذا عوذ من البخل فلأنه مذموم، ويقابله الجود والكرم مقابل المذموم ممدوح، لكن بالضوابط الشرعية؛ لأن كل صفة من هذه الصفات فيها الطرفان والوسط.

...................................


 

كلا طرفي قصد الأمور ذميم


ج

فالبخل مذموم، والإسراف مذموم، وبينهما الجود والكرم والإنفاق بعقل هذا هو الشرعي.

((أعوذ بك من الجبن)) وهو عدم الإقدام في الوقت الذي يطلب فيه الإقدام في الجهاد مثلاً وفي غيره من الأمور التي يطلب لها مثل هذا، يقابله الشجاعة، فإذا كان الجبن مذموماً فالشجاعة ممدوحة، لكن بضوابطها الشرعية.

((وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر)) العمر -عمر الإنسان- له مراحل، قبل أن يخرج من بطن أمه وبعد أن يخرج في الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم أرذل العمر {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [(70) سورة النحل] وتصرفاته مزيج من تصرفات الصبيان والمجانين، لا يعرف ما ينفعه ولا يضره، وتصرفاته ليست كتصرفات الصبي التي لا يدري ما وراءها، لكنه يرجى، أما إذا رد إلى أرذل العمر، فإنه لا يرجى، التصرفات من الصغير مقبولة، ولو كانت غير معقولة لكنها مقبولة، يعني صبي يأخذ جمرة ويضعها في فيه مقبولة، لكن شايب كبير في التسعين من عمره يأخذ جمرة هذه ليست مقبولة، يتكلم بكلام يهذي بكلام، أو يخلط في كلامه هذا غير مقبول، لكن الصبي الطفل الصغير من أجمل ما يكون إذا قال كلمات غير مترابطة أو..، يعني في بداية عمره مقبولة، ولذا لا يقال: إن أرذل العمر موجود حتى في الصبا، يعني تصرفات الكبير جداً مثل تصرفات الصبي الصغير؛ لماذا يقال: هذا أرذل وذاك؟ لا ليس بأرذل، الطفولة مقبولة، التصرفات فيها مقبولة، ولذا يرجى أن يكمل الصبي، وتكمل تصرفاته، لكن إذا رُد إلى أرذل العمر في آخره يؤس من رجائه، ولذلك تعوذ من أن يرد الإنسان إلى أرذل العمر.

((وأعوذ بك من فتنة الدنيا)) الدنيا فتنة، تفتن الإنسان عن دينه، وينشغل بها عن دينه، والفتنة منها الفتن العظمى الكبرى التي قد تصل بالإنسان إلى أن ينسلخ من دينه بالكلية، ووجد مثل هذا كثير على مر التاريخ، وجد أيضاً من ينفتن بأمور يترك فيها واجبات، ويرتكب محرمات، ووجد ما هو دون ذلك، حتى الانشغال بالشيء عما خلق من أجله، ولو كان مباحاً فتنة، والكساء الذي أهداه أبو جهيم للنبي -عليه الصلاة والسلام- أعاده إليه، وقال: ((كاد أن يفتنني)) عليه الصلاة والسلام، يعني كاد أن يشغلني عن صلاتي، والأموال والأولاد والزوجات فتنة يعني تشغل.

((ومن عذاب القبر)) وهذا تقدم "رواه البخاري".

"وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً" إذا انصرف من صلاته يعني سلم قبل أن يستقبل المأمومين بوجهه.

"استغفر ثلاثاً" يعني طلب المغفرة بلفظ: ((أستغفر الله، أستغفر الله)) كما قال الأوزاعي وهو من رواة الحديث.

"استغفر ثلاثاً" يعني طلب المغفرة ثلاثاً، ويشرع بعد كل عبادة الاستغفار لجبر الخلل الواقع في هذه العبادة، "وقال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام))" ((اللهم أنت السلام)) هذا من أسمائه الحسنى السلام، السالم من كل عيب، ومن كل نقص ((ومنك السلام)) التسليم والسلامة لخلقك ((تبارك)) بعضهم يقول: "وتعاليت" لكنها لم تثب.

((ذا الجلال والإكرام)) بدون ياء، وهذه رواية محفوظة في الصحيح وغيره، مع أنه جاء بالياء، ياء النداء، يا ذا الجلال، وإثباتها وحذفها سيان، يعني سواء قال: يا ذا الجلال أو قال: ذا الجلال.

"قال الوليد بن مسلم: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال تقول: أستغفر الله، أستغفر الله" يعني بلفظ: أستغفر الله، لكن لو قال بدل: أستغفر الله أطلب الله المغفرة، أو اللهم اغفر لي؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا انصرف استغفر ثلاثاً، وطلب المغفرة: اللهم اغفر لي هذا استغفار، لكن الراوي فسر هذا الاستغفار في هذا الموضع: أستغفر الله، أستغفر الله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحفظ عنه في المجلس الواحد أكثر من مرة يستغفر الله، قال: ((إنه ليغان على قلبي حتى إني أستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة)) المقصود أن هذا الاستغفار مطلوب من كل أحد، وإذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله فغيره من باب أولى.

وجاء في الحديث: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن ضيق مخرجاً...)) إلى آخره.

وجاء عن حذيفة أنه كان جبل على شيء من الشدة في الخلق، فوجهه النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الاستغفار أن يكثر من الاستغفار، فمن جبل على حرارة الطبع، أو كثرة الكلام، وكثرة الخصومات، وشيء من هذا عليه أن يلزم الاستغفار، والاستغفار مطلوب منه ومن غيره.

ترتيب الأذكار التي مرت، يعني مات في يقول كذا، ثم يقول كذا، ثم يقول كذا، ونجد المصلي عموماً، وهذا يجده كل إنسان من نفسه رتبها ترتيباً في أول الأمر، واستمر عليه، فهل يلام على هذا الترتيب؟ يعني جاء بترتيب لم يرد به الشرع، وقدم وأخر على حسب ما حفظ في أول الأمر، نعم ما جاء ما يدل على أنه يُقدم يقدم، وما يؤخر يؤخر، لكن في الأثناء من هذه الأذكار وغيرها مما جاءت به السنة؛ لأن الإنسان حتى في ذكره اليومي تجده يرتب ترتيب ما عليه دليل، لكنه لو أخل به قد يرتبك وينسى، لكنه مشى عليه، يعني جاءت أذكار في الصباح والمساء، ودخول البيت والخروج منه ومسجد وغيره، أذكار كثيرة يعني، ورتب عليها أجور عظيمة، تجد المسلم رتبها في أول الأمر، واستمر على هذا الترتيب، يعني أذكار الصباح رتبها في نفسه واستمر عليه، وما جاء ترتيبها في النصوص، هل يلام على هذا الترتيب؟ نقول: إنك وضعت هذا الترتيب من تلقاء نفسك بدون دليل؟ أو نقول: إنه هذا الترتيب يعينه على استحضارها؛ لأنه لو قدم وأخر في يوم كذا وفي يوم كذا قد ينسى بعضها، لكنه بهذا الترتيب الذي لا يتعبد به، ولا يعتقد أنه عبادة بهذا النسق المعين هذا لا يلام عليه، ولذلك تجدون الأدعية في مثلاً القنوت تجدها مرتبة طول الشهر أو طول السنة عند الإنسان مرتبة، كونه يرتبها يسهل عليه استحضارها، لا أنه يتعبد بهذا الترتيب، وأنه لا يجوز التقديم والتأخير أبداً، فهذا يخفف، وإلا فالأصل أن الترتيب الترتيب من قبل الشارع، ولا يمشي على ترتيب معين، ولذلك كتب الأذكار تجدونها مرتبة، وإن كان بعضهم يرتب على غير ما يرتب غيره، لكن مع ذلك هو رتبها وسلسلها ليجعل القارئ يسلسلها كما سلسلها، لكنه لا يستند إلى دليل في هذا الترتيب، لكنه لا يتعبد بهذا الترتيب أيضاً، فلا يلام على هذا.

"وروى -يعني مسلم- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من سبح الله تعالى دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر))".

((من سبح الله تعالى دبر كل صلاة)) الدبر كما يقرر أهل العلم من اللغويين وغيرهم أنه قد يكون متصلاً كدبر الدابة، وقد يكون منفصلاً، ولذا جاء في النصوص ما يجعله أهل العلم في آخر الصلاة كدبر الدابة، وجاء في النصوص ما يجعله أهل العلم بعد الفراغ منها، وشيخ الإسلام له رأي في المسألة، وهو أنه يقول: أن ما كان من دعاء فإنه يكون في آخر الصلاة قبل الفراغ منها، ما دام متصلاً بربه لم ينصرف عنه، والأذكار تكون بعد الصلاة، هذا رأي شيخ الإسلام -رحمه الله-، مع أنه جاء أنه إذا انصرف من صلاته قال: ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)) وهذا دعاء ويكون بعد الانصراف، الاستغفار دعاء، يعني طلب المغفرة دعاء، ومع ذلك يقوله المصلي بعد انصرافه من الصلاة، فالقاعدة ليست مطردة، فالصلاة فيها أذكار وبعد الصلاة فيه أدعية، إلا أن الغالب يعني الذي جمعوا، ما فيه وقت محدد أن الإنسان من الأدعية يتخير قبل ما يسلم؛ لأنه مظنة إجابة، والأذكار تكون بعد الصلاة، لا سيما ما جاء في أذكار الصلاة وغيرها.

((من سبح الله تعالى دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين)) فقال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله ثلاثاً وثلاثين ((وحمد الله ثلاثاً وثلاثين)) ثم بعد الثلاث والثلاثين قال: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله ((وكبر الله ثلاثاً وثلاثين)) فقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثاً وثلاثين ((ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له...)) إلى آخره، فيجعل التسبيح متتابع، والتحميد متتابع، والتكبير متتابع، ثم يختم المائة بلا إله إلا الله... إلى آخره.

وجاء ما يدل على المزج بين الجمل الثلاث، فيقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، جاء في حديث فقراء المهاجرين حينما جاءوا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقالوا: "ذهب أهل الدثور بالأجور... إلى آخره، فقال: ((تسبحون وتحمدون وتكبرون الله ثلاثاً وثلاثين)) فهذا فيه مزج، وجاء أيضاً في روايات أخرى، المقصود أن المسلم مخير بين أن يفرد التسبيح، ويفرد التحميد، ويفرد التكبير، وبين أن يمزج الجمل الثلاث في ثم يقول في تمام المائة: لا إله إلا الله... وهذا على التخيير، وإن فعل هذا مرة وهذا مرة كان أكمل.

((وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)).

يعني ما يعلو البحر، ما يعلو فوق الماء من الزبد، ولكثرته شبهت به هذه الذنوب الكثيرة التي تمحوها هذه الأذكار.

وجاء أيضاً: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)) وأهل العلم يختلفون في هذه الخطايا هل تشمل الكبائر أو لا تشملها؟ المسألة معروفة عند أهل العلم، ولكن الجمهور على أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، أو رحمة أرحم الراحمين، وأما الصغائر فتكفرها مثل هذه الأذكار والصلوات الخمس والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، واجتناب الكبائر مكفر للصغائر عند أهل العلم.

"وعن معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيده وقال: ((يا معاذ والله إني لأحبك))" أقسم له وهو الصادق المصدوق، لكنه من باب التأكيد، وجاء بـ(إن) حرف توكيد ونصب، واللام أيضاً لام تأكيد وليست نافية، يعني لو قال: والله إني لا أحبك هذه مشكلة هذه، هذا نفي قلب للمعنى، كما سمع إمام يصلي بالناس فقال: ثم لا تسألن يومئذٍ عن النعيم، هذا قلب، هذا مبطل للصلاة، ففرق بين هذا وهذا.

((والله إني لأحبك)) وفي هذا منقبة لمعاذ بن جبل، وهو من النبي -عليه الصلاة والسلام- بالمحل الأسنى كما هو معلوم.

((أوصيك يا معاذ)) لكن هل هذا خاص بمعاذ؟ لا ليس خاصاً به، الخطاب موجهاً له، لكنه له ولغيره، لأن هذا المطلوب من معاذ مطلوب لغيره.

((يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) ودبر هنا ((لا تدعن)) يعني لا تتركن الفعل المصدر ودع ((لينتهين أقوام عن ودعهم)) مستعمل، وتدع الفعل المضارع مستعل و((دع ما يريبك)) فعل الأمر مستعمل، لكن الماضي أميت ودع، استغني عنه بترك، وإن كان جاء في الشواذ {ما ودَعَك ربك}.

((يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) المكلف المسلم من الجن والإنس خلق لتحقيق العبودية، والعبودية فيها تكليف بالأوامر والنواهي، وهو بحاجة ماسة إلى عون الله -جل وعلا-.

وإذا لم يكن عون من الله للفتى
       
ج

 

فأول ما يقضي عليه اجتهاده


لا بد من عون الله -جل وعلا-، ولذلك قال: ((اللهم أعني)) أصلها يا الله أعني يطلب العون والمساعدة من الله -جل وعلا-؛ لأن هذه التكاليف فيها ما تكرهه النفوس، والجنة حفت بالمكاره، فإذا لم يكن عون من الله -جل وعلا- لهذا المصلي فإنه حينئذٍ لا يستطيع أن يصنع شيئاً.

((أعني على ذكرك)) والذكر من أيسر الأمور، يعني لا يحتاج إلى كلفة، لا يحتاج إلى عناء، لا يحتاج إلى إشعال مصابيح ولا كهرباء، ولا أن تجلس على الأرض، ولا أن تتوضأ ولا شيء، تذكر الله بلسانك وأنت على أي حال كنت، هذا ما فيه أدنى كلفة، لكن إذا لم تتحقق المعونة من الله -جل وعلا- فإن المرء يصعب عليه هذا الذكر، وإن كان سهلاً ميسراً، فتجد كثيراً من الناس من السهل عليه أن يتحدث الساعات بالقيل والقال، لكن يصعب عليه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، غراس الجنة، فيطلب من الله -جل وعلا- أن يعينه على الذكر، ولا يقول هذا أمر سهل ما نحتاج إلى أن نطلب العون، نطلب العون في الأمور العظيمة التي تشق علينا.

انظر ترى، شوف أكثر الناس محروم من هذه اللذة لذة الذكر والاتصال بالله -جل وعلا-، وأيضاً الشكر شكر النعم أمره وشأنه عظيم {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [(7) سورة إبراهيم] يعني في مقابل الشكر {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} فلا بد من سؤال الله الإعانة على الذكر والشكر وعلى حسن العبادة ما قال وعلى عبادتك قال: ((وعلى حسن عبادتك)) فالشأن في تحسين وحسن العبادة، وليس الشأن في كثرة العبادة {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [(7) سورة هود] ما قال أكثر، فالمعول على حسن العبادة لا على كثرتها، فيسأل الله -جل وعلا- أن يعينه على حسن العبادة.

"رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه والنسائي" والحديث صحيح.

في الحديث الأخير يقول:

"وعن أبي أمامة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من قرأ آية الكرسي، وقل هو الله أحد دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت))" الآن الدبر هذا يمكن أن يختلف فيه، هل هو في أثناء الصلاة أو بعدها؟ يعني يقرأ آية الكرسي قبل أن يسلم أو بعد أن يسلم؟ بعد أن يسلم، وكذلك أكثر الأذكار التي تقدمت موضعها بعد السلام.

((من قرأ آية الكرسي)) هذا آية الكرسي النص، بل الرواية فيها صحيحة: ((وقل هو الله أحد)) تباينت فيها الأنظار.

طالب:.......

من قرأ آية الكرسي ما في، ما في قل هو الله أحد؟ ما عندكم؟

طالب: لا، عندي قل هو الله أحد.

لا، هي ثابتة في النسخ الأصلية كلها، ويش الطبعة اللي معك؟

طالب:.......

لا لا، هي موجودة، لكن قلت: زيادة قل هو الله أحد رواها الطبراني فيه.

قال بعد ذلك: زيادة قل هو الله أحد رواها الطبراني، حدثنا إلى آخره قلت: إسناده ضعيف جداً؛ لأن فيه محمد بن إبراهيم... إلى آخره.

المقصود أن آية الكرسي ثابتة ما فيها إشكال، والخلاف الطويل بين أهل العلم في ثبوت قل هو الله أحد، كذلك قراءة المعوذتين ما فيه إشكال صحيح، قل هو الله أحد هي محل الإشكال، فمن مصحح ومن مضعف، ومن أهل العلم من حكم عليها بأنها موضوعة، لا أصل لها.

((دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)) يعني مجرد أن يموت يدخل الجنة، لن يحول دونه ودخول الجنة إلا أن يموت، فإذا مات دخل، يعني لم يمنعه من دخول الجنة كما يقدر أهل العلم إلا عدم الموت.

يقول: "رواه النسائي والروياني وابن حبان والدارقطني في الأفراد، والطبراني وهذا لفظه، ولم يصب من ذكره في الموضوعات، فإنه حديث صحيح".

أما بالنسبة لآية الكرسي فالأمر مسلم، أما قل هو الله أحد ففيها كلام لأهل العلم، ولا شك أن في رواتها من هو مضعف، محمد بن إبراهيم بن العلاء ضعيف عند أهل العلم، وعلى كل حال الجمهور الذين يعملون بالضعيف في مثل هذا يثبتون، ويقولون مثل هذا.

وعلى كلٍ يقول: لم يصب من ذكره في الموضوعات، ويقصد بذلك ابن الجوزي، وانتقد ابن الجوزي في إدخال بعض الأحاديث الضعيفة كثير من الأحاديث الضعيفة التي لا تصل إلى حد الوضع، وبعض الأحاديث الحسنة، بل بعض الأحاديث الصحيحة، بل أدخل حديثاً في صحيح مسلم في الموضوعات، وأدخل حديثاً في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر في الموضوعات، فلم يصب، وضرره بهذا الصنيع كبير، كضرر الحاكم في مستدركه، في تساهله في تصحيح بعض الموضوعات، هذا حكم على بعض الأحاديث الصحيحة بالوضع، وذاك حكم على بعض الأحاديث الموضوعة بالصحة، والضرر الحاصل بصنيعهما واحد، هما عملان متضادان متقابلان، التساهل في التصحيح والتساهل في الحكم في الوضع، ولذا يقول الحافظ العراقي:

وأكثر الجامع فيه إذ خرج

 

لمطلق الضعف عنى أبا الفرج

يعني ابن الجوزي، مطلق الضعف يجعله موضوع، تعدى ذلك حكم بعض الأحاديث حسنة بأنها موضوعة، تعدى ذلك بعض الأحاديث الصحيحة حكم بأنها موضوعة، والضرر الحاصل بصنيعه مثل الضرر الحاصل بصنيع الحاكم سواء بسواء؛ لماذا؟ لأن الحاكم يجعل الأمة تعمل بأحاديث لا أصل لها، وهذا يحرم الأمة من أحاديث صحيحة، فالضرر واحد، فحرمان الأمة من أحاديث صحيحة نظير كونهم يعملون بأحاديث لا أصل لها؛ لأن العمل والترك كله دين، إما أن تترك دين مشروع فيأتيك الخلل من هذه الحيثية، أو تعمل بشيء لا أصل له فيأتي الخلل من هذه الحيثية.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك.