شرح المحرر - كتاب الزكاة - 06

بسم الله.

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

باب: صدقة التطوع

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله -عز وجل-، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفق عليه.

وعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس -أو قال- حتى يحكم بين الناس)) قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكعة أو بصلة" رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.

وعن أبي خالد -الذي كان ينزل في بني دالان- عن نبيح عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)) رواه أبو داود، ونبيح العنزي وثقه أبو زرعة وابن حبان، وأبو خالد اسمه يزيد، وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل -عليه السلام- يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل -عليه السلام- كان أجود بالخير من الريح المرسلة، متفق عليه.

وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)) رواه البخاري بهذا اللفظ، وروى مسلم أكثره.

وعن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول)) رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وليس كذلك، فإن يحيى لم يرو له مسلم، ولكن وثقه أبو حاتم وغيره.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تصدقوا)) فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: ((تصدق به على نفسك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك)) قال: عندي آخر، قال: ((أنت أبصر به)) رواه أبو داود والنسائي، وهذا لفظه، وصححه الحاكم.

وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إن سبقته يوماً- فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر بكل مال عنده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً، رواه عبد بن حميد في مسنده، وأبو داود وهذا لفظه، والترمذي وقال: حديث صحيح، وقد أخطأ من تكلم فيه لأجل هشام، فإن مسلماً روى له، وقال أبو داود: هشام بن سعد من أثبت الناس في زيد بن أسلم.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً)) متفق عليه، وفي رواية: ((من بيت زوجها)).

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أضحى -أو فطر- إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: ((أيها الناس تصدقوا)) فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء)) ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة عبد الله ابن مسعود تستأذن عليه...

عبد الله بنِ.

امرأة عبد الله بنِ مسعود -رضي الله عنه- تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: ((أي الزيانب؟)) فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: ((نعم ائذنوا لها)) فأذن لها، فقالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) رواه البخاري.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

باب: صدقة التطوع

التطوع: النفل، القدر الزائد على الواجب، ومن نعم الله -جل وعلا- أن جعل العبادات منها ما هو واجب، يأثم الإنسان بتركه، ومنها ما هو نفل يكمل به الواجب، إذا حوسب الإنسان عن صلاته فوجد فيها الخلل قال الله -جل وعلا-: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟)) إذا حوسب الإنسان عن زكاته فوجد فيها الخلل، قال الله -جل وعلا-: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟)) يعني فيكمل به الخلل، وكذلك الصيام والحج وسائر العبادات، شرعية التطوع من نعم الله -جل وعلا- على عباده، إذ لا يسلم الإنسان بحال من الأحوال مهما حرص على عباداته لا يسلم بحال من الأحوال من الخلل الذي يتطرق إلى هذه العبادات، فيكمل للإنسان، يكمل هذا الخلل من هذه التطوعات، والعبد لا يزال يتقرب إلى الله -جل وعلا- حتى يحبه، حتى يكون ولياً من أولياء الله، يتقرب إليه، وأفضل ما يتقرب به الإنسان ما افترض الله عليه، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله -جل وعلا-، فإذا أحبه كفاه كل شيء، صار سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي..، كفاه كل شيء، فصارت تصرفاته على مراد الله -جل وعلا-، وصارت معاداته هذا الذي تقرب إلى الله حتى صار من أوليائه صارت معاداة لله -جل وعلا-، فلا يحرم الإنسان نفسه.

بعض الناس يقول: إذا قيل له: تصدق، قال: خلاص أنا لا عليّ زكاة، ليست عندي أموال أزكي، وإذا كان يزكي قال: أنا أخرجت الواجب، أنت غني عن فضل الله -جل وعلا-؟! غني عن رفع الدرجات؟! حتى يصل الأمر ببعض الناس أنه إذا قيل له: افعل كذا، أو اترك كذا من الواجبات، أو من المحرمات، قال: وهل أنا كفرت إذا تركت هذا الواجب؟ لأن الإنسان يستدرج، لا بد أن يجعل الإنسان لنفسه احتياط؛ لأنه لو اقتصر على الواجبات فقط، وترك المحرمات لا يأمن في يوم من الأيام أن يجد نفسه وقد ترك بعض الواجبات، وارتكب بعض المحرمات.

ضع لنفسك احتياط، احتط لنفسك بفعل المندوبات، وترك المكروهات، ويؤثر عن كثير من السلف أنه يترك الحلال خشية أن يقع في الحرام، يتركون الشيء الكثير مما أباحه الله -جل وعلا- خشية أن يقعوا في الحرام؛ لأن النفس إذا ضرت على شيء، وتعودت عليه، وألفته صعب عليها المفارقة، فإذا ألفت المباح من هذا النوع وضرت عليه وفقدته في يوم من الأيام التفتت النفس إلى ما فيه شيء من الشبهة أو الكراهة أو خلاف الأولى، وقد لا يتيسر ذلك، فتتجاوز النفس إلى ما هو أشد من ذلك، فالاحتياط للنفس لا بد منه، فالإنسان يقي نفسه بهذه النوافل، والابتعاد عما منع منه ونهي عنه ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [(187) سورة البقرة].

باب: صدقة التطوع

قال -رحمه الله-: "عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله))" التنصيص على السبعة لا ينفي من عداهم، أو أنه في أول الأمر أخبر بالسبعة ثم زاد عليهم، وهذا لا يقتضي الحصر، هذا الأسلوب لا يقتضي الحصر، فقد جاء في النصوص أعداد غير هؤلاء السبعة جاء الوعد بأن الله -جل وعلا- يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وصلت عند ابن حجر إلى الأربعين في رسالة أسماها: (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) والسيوطي أوصلها إلى سبعين في كتاب أسماه: (بزوغ الهلال في معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) هذا الأسلوب ليس فيه حصر بدلاً من أن يكونوا سبعة زيد في العدة حتى وصلوا إلى السبعين، لكن أحياناً يأتي الحصر ومع ذلك تأتي نصوص أخرى بقدر زائد على العدد المحصور ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) وثبت أنه تكلم غيرهم حتى وصلوا إلى سبعة، فأهل العلم يقولون: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أو أُخبر في أول الأمر بالثلاثة ثم زيد عليهم؛ لأن هذه أمور غيبية لا بد من أن يكون الخبر عن الله -جل وعلا-، يعني خلاف ما قاله بعض من أساء الأدب من الشراح، لما قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) قال: في هذا الحصر نظر، يعني يتكلم في كلام نظير له؟ يستطيع أن يقول: في هذا الحصر نظر؟ الذي قال هذا الحصر من لا ينطق عن الهوى، والخبر في الصحيح، ليس لأحد كلام، لكن هذه إساءة أدب وغفلة.

((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) الله -جل وعلا- نور السماوات والأرض: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [(35) سورة النــور] فهل النور له ظل، أو الظل لما يقع بين النور وما دونه؟ نعم النور ليس له ظل، الظل إنما يكون لما يحول بين النور وبين ما دونه، ولذا جاء في بعض الروايات: ((في ظل عرشه)) وهذا متصور، والمسألة ما يتعلق بالله -جل وعلا- لا يمكن إنزاله على ما يدركه المخلوق بفهمه، أو تصويره أو تصوره، ما دام الخبر ثبت فليس لأحد كلام، من أهل العلم من يقول: ذاك قيد في ظل عرشه، وإضافة الظل إلى الله -جل وعلا- من باب إضافة التشريف والتكريم، ولا يلزم أن يكون بسبب حاجز، ولا يلزم أن يكون الله -جل وعلا- حائل بين المستظل والنور، لا يلزم، فما يتعلق بالله -جل وعلا- فوق ما تتوهمه الأوهام، وما تبلغه الأفهام، وبعض أهل العلم يقول: هذا الحديث محمول على الآخر، والظل للعرش، وأما الله -جل وعلا- فهو نور السماوات والأرض.

منهم من يؤول الظل هذا يقول: المراد به الكنف والرعاية، فهؤلاء السبعة في حفظ الله ورعايته وكنفه وحياطته، ولا يلزم أن يكون الظل ناشئ عن شيء له إشراق وإحراق، نحتاج إلى الاستظلال دونه؛ لأن النور الذي يكون بسببه الظل إما أن يكون نور إشراق بدون إحراق كنور القمر هذا لا يحتاج أن تستظل دونه؛ لأنه ليس فيه إحراق، وإما أن يكون معه إحراق كنور الشمس، وهذا تحتاج أن تستظل دونه، والشمس تدنو يوم القيامة، حتى تكون على مقدار ميل، ويعرق الناس، ويحتاجون إلى الظل حاجة أمس من حاجتهم إلى الظل في الدنيا؛ لبعد الشمس عنهم.

فهؤلاء السبعة، ومثلهم من جاءت النصوص بالزيادة على هؤلاء السبعة يأمنون من هذا الضيق، وهذا الحرج الذي يحصل في المحشر.

((يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل)) ((يوم لا ظل إلا ظله)) في الدنيا هناك الظلال التي تكون بسبب بني آدم كالسقوف مثلاً، والجدران التي يستظل بها، والأشجار التي يستظل بها، لكن في يوم القيامة؟ ما في ظل إلا الظل الذي ينشئه الله -جل وعلا- لمثل هؤلاء ((يوم لا ظل إلا ظله)).

((إمام عادل)) سلطان متصف بالعدل بين الرعية، لا يتلبس بظلم، وليس معنى هذا أنه معصوم، لكنه يحرص على تحقيق الظلم، ولا يقع الظلم منه قصداً، وقد يقع الظلم من بعض من ينوب عنه بغير علمه؛ لاتساع رقعة مملكته مثلاً، لكن لا يعني أنه معصوم، إنما يحرص على العدل بقدر إمكانه وبقدر استطاعته.

((وشاب نشأ في عبادة الله)) يعني ليست له صبوة، منذ أن نشأ وهو في عبادة الله -جل وعلا-، ما عرف بنزوات في شبابه، ولا عرف بمخالفات، ولا عرف بجرائم ولا منكرات، إنما من تكليفه أو من نشأته وهو مطيع لله -جل وعلا-.

((نشأ في عبادة الله)) شخص منذ أن نشأ، وهو في عبادة الله -جل وعلا- إلى أن بلغ الثمانين أو التسعين سنة، ما عرف أنه ارتكب منكراً، وإذا ارتكبه بادر بالتوبة منه والندم عليه، المقصود أنه جار على الاستقامة في جميع أطواره، وآخر قد يكون توأماً معه ولد معه، لكنه نشأ على الضد من ذلك، على المعاصي والفواحش والجرائم والمنكرات إلى أن بلغ مثلما بلغ ذاك ثمانين سنة، أو قل سبعين سنة، ثم تاب الثاني، الأول استمر على استقامته إلى أن مات، والثاني تاب بعد أن بلغ هذا السن توبة نصوحاً بشروطها، وبدلت سيئاته حسنات، أيهما أفضل؟ هذا شاب نشأ في عبادة الله، ومستحق لأن يظله الله في ظله، والثاني نشأ في معاصي وجرائم ومنكرات عقود، سبعون، أو ثمانون سنة، ثم تاب توبة مقبولة صحيحة، فبدل الله سيئاته حسنات، هل يستويان؟ في الحديث: ((شاب نشأ في عبادة الله)) وذاك: نشأ في المعصية، نعم بتوبته بدلت سيئاته حسنات، هل يستويان؟

طالب:.......

لماذا؟ هذاك جرائمه كلها بدلت حسنات {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [(70) سورة الفرقان] بدلت هذه الجرائم والمنكرات حسنات.

طالب:.......

الظل لا يستوون، هذا شاب نشأ في عبادة الله، وذاك شاب نشأ في معصية الله، ومع ذلك لا يستويان، نعم؟

طالب:.......

والله ما أسمع يا أخي، هل من مبلغ؟ ويش يقول؟

طالب:.......

يعني ما حيا حياة طيبة.

طالب:.......

لا، أقول: هل يستويان في المنزلة في الجنة؟ هذا عنده حسنات أصلية، وهذا عنده حسنات منقلبة عن سيئات.

طالب:.......

هاه؟

طالب:.......

الله أعلم.

طيب.

طالب:.......

نعم حسنات المطيع مضاعفة، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والحسنات المنقلبة عن سيئات غير مضاعفة؛ لأن البدل له حكم المبدل، فلا يستويان، وشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- يرى أن هذه الحسنات المبدلة عن سيئات مضاعفة أيضاً، وأشار إليه ابن القيم في مدارج السالكين، لكن لا يستوين عند الله؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((وشاب نشأ في عبادة الله)) فرق بين من ينشأ في عبادة الله، وبين من ينشأ في معصية الله.

((ورجل قلبه معلق بالمساجد)) يعني إذا خرج من المسجد ووصل إلى عمله أو منزله ينظر إلى الساعة متى يرجع إلى المسجد؟ يعني عكس ما يعيشه كثير من الناس اليوم إذا دخل المسجد ينظر إلى الساعة متى يخرج؟ هذا قلبه معلق بغير المساجد، لكن العبرة بمن قلبه معلق في المساجد ((ورجل قلبه معلق بالمسجد)) ما يخرج من المسجد إلا ويتمنى الرجوع إليه، وينظر إلى الوقت متى يذهب الوقت حتى يعود إلى المسجد، وقد يجلس في المسجد ويمكث في المسجد إذا لم يكن له ما يدعوه إلى الخروج، فقلبه معلق بالمساجد.

((ورجلان تحابا في الله)) وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ((رجلان تحابا في الله)) وضابط هذه المحبة في الله -جل وعلا-؛ لأن كثير من الناس يدعيها، ويحب أخاه، يحب صديقه، يحب زميله وهو في الظاهر يحبه لله، لكن الابتلاء والامتحان إذا حصل أدنى خلل في المصلحة المتبادلة بينهما ماذا يكون مصير الحب في الله؟ قالوا: الحب في الله لا يزيد مع الصفاء، ولا ينقص مع الجفاء، هذه المحبة الخالصة التي هي لله -جل وعلا-، والتي يترتب عليها الوعود الكثيرة.

((ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) يعني تجد بعض الناس يحرص على زيارة إخوانه، ويحرص على زيارة الأخيار والفضلاء من العلماء والعباد، وما أشبه ذلك، وتجده يخصص يوم في الأسبوع لزيارة هؤلاء، لكن هل زيارته لفلان وفلان على حد سواء؟ أو تختلف باختلاف نوعية الاستقبال من هذا وهذا؟ تجد اللي يستقبله استقبال طيب يمكث عنده، وينبسط، ويتردد عليه كثيراً، لكن لو حصل منه أدنى التفاتة إلى نظيره أو عنه فقط تجد النفس يحصل فيها شيء، ويستثقل الزيارة الثانية، هذه المحبة فيها خلل، والله المستعان.

النفوس لها حظ، وتراعي مثل هذه الأمور جبلة، لكن ينبغي أن يأطر الإنسان نفسه على مراد الله -جل وعلا-.

((اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) يعني صار سبب الاجتماع الحب في الله، والافتراق أيضاً تفرقا على نفس المستوى من المحبة لله -جل وعلا-.

((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)) ذات منصب: يعني من أشراف الناس، ومن علية القوم، ولها جمال أيضاً، ذات منصب تدعوه تغريه بمالها، وقد تهدده إذا انصرف، كما فعلت امرأة العزيز مع يوسف -عليه السلام-، ولها أيضاً جمال مغري يغري بها، فلما دعته ((قال: إني أخاف الله -عز وجل-)) وهو في مأمن تام من اطلاع الخلق عليه، لكنه يخاف الله -جل وعلا-، فقال: ((إني أخاف الله -عز وجل-)).

((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) هذا الذي في الصحيحين، وفي رواية لمسلم: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وهذه يذكرها أهل العلم في المقلوب من الحديث، وأن الخبر انقلب على الراوي، وصوابه ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) لأن الإنفاق يكون باليمين لا بالشمال، فأطبقوا على ذكر الرواية بالمقلوب، المقصود من الإنسان أن يخفي الصدقة هذا الذي يمدح عليه في هذا الحديث، وهو الذي يتحقق به الغرض الذي هو الاستظلال بظل الله -جل وعلا-، الإخفاء، ((حتى لا تعلم)) يعني من شدة الإخفاء ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) هذا الغالب أن الإنفاق يكون باليمين، لكن قد يستدعي الحال أن ينفق الإنسان بشماله، قد يستدعي الحال بأن يكون عن يمينه أحد، عن يمينه شخص، وعن يساره سائل هل يقول: تعال من هنا أعطيك باليمين أو ينفق باليمين ليعلم من عن يمينه؟ لا يتم الإخفاء بهذا، فليعطيه بشماله، ويمكن حمل الرواية التي في صحيح مسلم على هذا؛ لأن المقصود الإخفاء، فإذا أراد أن يخفي هذه الصدقة عن الجالس بيمينه احتاج أن ينفق بشماله، وحينئذٍ لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، وعلى هذا فالرواية مستقيمة وليست منقلبة.

وفي الحديث الصحيح في البخاري وغيره: ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصد لدين، إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا)) عن يمينه وشماله ومن أمهامه ومن خلفه، ينفق من كل جهة، وعلى كل وجه، فالرواية ليس فيها قلب، يعني يمكن حملها على وجه يصح، وإن كان الأصل أن الأخذ والإعطاء باليمين، ولا يمنع أن يقع ذلك بالشمال لظرف من الظروف؛ ليتم الإخفاء الذي المقصود من سياقه هو الإخفاء، الإخفاء لا شك أنه أدعى إلى الإخلاص، لكن قد يستدعي الحال أن يكون الإنفاق علانية، قد يستدعي بعض الأحوال أن يكون الإنفاق علانية أفضل {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} [(271) سورة البقرة] لا شك أن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأدعى إليه، لكن قد يكون الإنسان بحيث لا ترتفع منزلته عن التهمة، إذا كانت كل صدقاته خفية اتهمه الناس بأنه لا يؤدي ما أوجب الله عليه، ووقعوا في عرضه، كما هو الحال في التطوعات والصولات في المسجد مثلاً، صلاة التطوع في البيت أفضل إلا المكتوبة، لكن إذا كان بصدد أن يقتدي به الناس عالم لا يصلي نوافل في المسجد، ثم يخرج العامة بدون نوافل، لماذا؟ والله لو أن النوافل فيها فضل كان صلاها الشيخ فلان، طيب صلوا مثل الشيخ فلان في بيوتكم، هم ما يدرون، فإذا كان إظهار العمل من أجل الاقتداء، فجاء فيه: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) وهذا في صدقة العلانية، ويبقى أن الأصل الإخفاء؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص.

جاء في السنن حديث: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) ويش معنى الجاهر بالقرآن؟ والمسر بالقرآن؟ هل المراد به الذي يرفع صوته بقراءة القرآن كالجاهر بالصدقة؟ على ما هو مقتضى الجهر وهو بالصوت؟ أو المراد به الذي يقرأ القرآن بين الناس كالذي يتصدق بين الناس، والذي يقرأ القرآن في الخلوة كالمتصدق سراً؟ أيهما أقرب؟ لأن الجهر يحتمل معنيين، جهر بالصوت وهذا يناسب قراءة القرآن، والإخفاء إخفاء الصوت وهو يناسب أيضاً، لكن الذي يناسب الصدقة أن تكون بين الناس وبين أن تكون سراً، وتتم المطابقة إذا كانت القراءة بين الناس كالصدقة بين الناس، أو تكون القراءة سراً فتكون كالصدقة سراً، يعني بعض الناس يقرأ القرآن، ولا يسمع منه حرف، ويستدل بمثل هذا الحديث، هل الاستدلال صحيح وإلا غير صحيح؟ نعم؟

طالب:.......

يعني الصحيح أن تقرأ في بيتك بدل من أن تقرأ بين الناس، كما أن الصحيح في الصدقة أن تتصدق سراً بين أن تتصدق أمام الناس، لكن الجاهر بالقرآن يحتمل أن يكون برفع الصوت، وجاء الأمر بالتوسط بين الجهر والإسرار في القراءة وفي الصلاة، ويأتي أيضاً في قراءة القرآن سواءً كانت في المسجد، أو بين الناس وبين القراءة في السر في الخلوة، ولا شك أنها أفضل، لا سيما إذا كانت في جوف الليل، ويأتي أيضاً أن كون طلاب العلم لا يرون قدوات يقرؤون القرآن، فما الذي يدريهم أن العلماء يقرؤون القرآن في بيوتهم، أو في تهجدهم، أو في صلواتهم؟ تجد كثير من طلاب العلم يهجر القرآن؛ لأنه لا يجد ما يحدوه، ما يرى من أهل العلم من يقرأ القرآن، هم يقرؤون القرآن قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، وعلى كل وقت، وعلى كل حال، وفي كل آن، ويوجد الآن من أهل العلم من يقرأ..، منهك بالأعمال الرسمية، ومع ذلك يختم كل ثلاث، لكن طلاب العلم ما يدرون عنه، لا يحتاج أن يقول فلان: إني أقرأ القرآن بالليل أو أقرأ..، لكن إذا فهم طلاب العلم أن العلماء لا يقرؤون القرآن، أو يهجرون القرآن، والأمر ليس كذلك، وهم معروفون بكثرة الذكر والتلاوة، لكن لا يلزم أن يبرزوا ذلك للناس إلا بقدر ما يحقق المصلحة، بأن يكون قدوة للناس، إذا رأى الناس انصرفوا لا مانع من أن يعلن هذا العمل الصالح ليقتدى به.

((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) يعني بغير حضور الناس؛ لأن بعض الناس سهل عليه أن يبكي إذا كان بين الناس، فاضت عيونه بالدموع، وأجهش بالبكاء، ثم إذا صار خالياً ليس هناك ما يدعو، هذا فيه خلل، لكن المطلوب أن يحصل منه هذا في حال الخلوة؛ ليكون خالصاً لله -جل وعلا-.

وهذه المسألة مسألة البكاء من خشية الله و((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)) وأصيب كثير من..، قلوب كثير من الناس بالقسوة لا تراه باكياً، لا في الخلوة ولا في الجلوة، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، لكن يحرص الإنسان أن يتخذ خبيئة ينفرد بها بربه دون أن يراه أحد، ويلجأ إليه، ويتلذذ بمناجاته، لكن هذا يحتاج إلى قلوب سليمة، وقلوب حية، فعلى الإنسان أن يعالج القلب قبل ذلك ليحصل له مثل هذه النتائج.

((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) الإنسان قد يذكر الله خالياً وتفيض عيناه لا من خشية الله، إنما يتذكر أو يتصور موقف أو شيء من هذا، فلا يلزم أن يكون خالياً، ويذكر الله ثم تفيض عيناه بسبب خشية الله -جل وعلا-، وإنما المطلوب أن يكون هذا البكاء من خشية الله -جل وعلا-، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، القدر على النار، وهو يصلي -عليه الصلاة والسلام-، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بغيره ممن تلطخ بالذنوب، وزاول الذنوب، وباشر الذنوب بعدد أنفاسه؟! والله المستعان.

"متفق عليه".

"وعن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كل امرئ في ظل صدقته))" قد يكون الظل الذي جاء في الحديث السابق مثل هذا الظل الذي في هذا الحديث، تجسد هذه الأعمال الصالحة حتى تكون ظلاً، ولا مانع أن يقلب الله -جل وعلا- المعاني إلى أجسام، البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان تحاجان عن صاحبهما، تظلانه، مثلما هنا: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس -أو قال- حتى يحكم بين الناس)) تجسد هذه المعاني حتى تكون أجساماً ينتفع بها صاحبها.

"قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء" هذا من الامتثال، من تمام الامتثال، من تمام التطبيق.

"لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء" الإنسان قد يتقال الشيء اليسير ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ((ولو بشق تمرة)) لا تحقر من المعروف شيئاً ((لا تحقرن جارة لجارتها ولو بفرسن شاه)) يعني أمر يسير جداً ظلف محرق، فكيف بما هو أعلى منه، والتوفيق ظاهر عند بعض الناس تجده ينتبه لمثل هذه الأمور، فلا يضيع منه شيء لا قليل ولا كثير، وبعض الناس يهدر الأموال لعدم توفيقه، ويتكاسل عن حملها إلى من يستفيد منها، وقد تكون أشياء يستفيد منها الناس، ومع ذلك المحروم من حرمه الله، تجدون المزابل أحياناً مملوءة بالأطعمة التي يتمناها كثير من المسلمين، بل وجد ما هو أوضح من ذلك، وجد من فقراء المسلمين من يأخذ من هذه المزابل، ومن يأكل من هذه المزابل؛ لأن هذا الطعام الذي ألقي في هذه المزبلة طعام صالح وجيد، ويتمناه كثير من الناس، بل قد تمر الأيام والشهور على بعض الأسر ما رأوا مثله، والآن -ولله الحمد- الجمعيات تستقبل على مدار الأربعة والعشرين ساعة، وتريحك من عناء طرق البيوت، ولو فعلت ذلك أنت لكان ذلك أفضل، كما كان يفعله خيار هذه الأمة.

أبو بكر -رضي الله عنه- يتعاهد بعض العجائز، وهو خليفة المسلمين في منتصف الليل، يطرق البيوت ومعه الأطعمة، يحمل الأطعمة على ظهره، وكذلك عمر وغيرهما من سادات الأمة، فمن دونهما من باب أولى، ونحن نأنف ونستنكف أن نحمل هذا الطعام الذي بقي إلى من يستفيد منه، والله المستعان.

"وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكعة" يعني كسرة خبز، أو شابورة، أو شيء من هذا يعطيها فقير "أو بصلة" رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

نعم الناس يعيشون في هذه الأيام ومنذ ثلاثة عقود أو أكثر في سعة من العيش، وفي رغد من العيش، ويظنون أن الناس لا يأكلون مثل هذه الأمور التي تبقى في الموائد، قياساً على أنفسهم مع أنه يوجد في البيوت من هو بأمس الحاجة إلى مثل هذه الأطعمة حتى ما يبقى على السفر من بقايا الطعام، وفضلات الطعام أناس يحتاجونها، وهي إن لم يحتجها الإنسان يحتاجها الحيوان.

يعني لو عدنا قليلاً إلى الوراء، يعني قبل خمسين أو ستين سنة يطرق الطارق السائل البيت فيعطى عظم ليس عليه طعام، ويقال له: هذا العظم ما طبخ إلا مرة أو مرتين، يعني فيه بقية من طعم، يعني لو طبخته مرة ثالثة صار لطعامك شيء من الطعم بسببه، يعني شيء لا نتصوره؛ لأنا ما عشناه، لكن الجيل الذي قبلنا يقولون مثل هذا، خذ هذا والله ما طبخ إلا مرة أو مرتين، هذا بدون لحم عظم مجرد، ونحن نتقلب بنعم، لكن هذه النعم تحتاج إلى شكر {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [(7) سورة إبراهيم] والناس وهم يتحدثون عن الماضي يخشى أن يكونوا مثل من قال: {قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء} [(95) سورة الأعراف] يعني نسوا، نسوا ما مس آباءهم، ثم صاروا يتحدثون به على سبيل التفكه من باب سرد تاريخي فقط، لكن علينا أن نعتبر ونتعظ، الناس أكلوا أشياء لا يأكلها ولا الحيوان بسبب الحاجة والفاقة والجوع، فعلينا أن نشكر الله -جل وعلا-، هذه النعم ليضمن لنا المزيد من فضله {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [(7) سورة إبراهيم] والله المستعان.

هذا أبو الخير يتصدق كل يوم بصدقة، والإنسان يجب عليه، ويصبح عليه في كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة بعدد مفاصل جسده ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة)) لكن الله -جل وعلا- لا يكلف ما لا يستطيعه الإنسان؛ لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يتصدق، فجعل في مقابل ذلك التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الأعمال الصالحة، كل جملة بصدقة، ثم في الأخير، قال: ((ويكفي من ذلك ركعتان تركهما من الضحى)) يرضى بالقليل -جل وعلا-، لكن كثير من الناس محروم، يمر عليه الأيام ما صلى ركعتين من صلاة الضحى، وبدلاً من أن يتصدق بثلاثمائة وستين صدقة، أو بثلاثمائة وستين من الأذكار، أو من الأعمال الصالحة ((يكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى)) والله المستعان.

"رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

"وعن أبي خالد الذي كان ينزل في بني دالان" يقال له: خالد الدالاني؛ لأنه كان ينزل فيهم، وليس منهم "عن نبيح عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة))" الحديث فيه أبو خالد، وفيه كلام لأهل العلم، أبو خالد الدالاني، ولذلك ضعفه بعضهم، وهو قابل للتحسين؛ لأن الضعف ليس بشديد، وله ما يشهد له، والجزاء من جنس العمل ((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)) {جَزَاء وِفَاقًا} [(26) سورة النبأ] والجزاء من جنس العمل، فمن كسا كسي، وأول من يكسى يوم القيامة من؟ إبراهيم -عليه السلام-، لماذا؟ لأنه جرد من ثيابه حينما أرادوا إلقاءه في النار.

((أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة)) من السندس والإستبرق ((وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع)) يدل على أنه كلما كثرت الحاجة زاد الفضل، كلما كان المتصدق عليه أكثر حاجة من غيره كان الأجر أعظم، هذا على عري، وهذا على جوع، وهذا على ظمأ.

((أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ)) لأنك قد تكسو، وقد تطعم، وقد تسقي شخص عنده ثياب، بينما يوجد غيره، على كل حال أنت مأجور على هذه الصدقة؛ لأنك ظننت أنه من أهلها فتصدقت عليه، لكن لو دفعتها إلى من لا يجد ما يكتسيه فإنك تستحق هذا الوعد، ومثله لو أطعمت جائعاً، أو سقيت على ظمأ، ((سقاه الله من الرحيق المختوم)) الرحيق اللذيذ الذي له طعم لا يدانيه شيء من مشروبات الدنيا، وهو مختوم عليه في إنائه لم يمسه أحد، والله المستعان.

"رواه أبو داود، ونبيح العنزي وثقه أبو زرعة وابن حبان، وأبو خالد اسمه يزيد، وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه" على كل حال هو فيه ضعف، لكن الخبر قابل للتحسين.

قال -رحمه الله-: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير" النبي -عليه الصلاة والسلام- أكرم الخلق، وكان -عليه الصلاة والسلام- أجود من الريح، بالخير من الريح المرسلة "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان" حينما تكون المضاعفات في شهر الجود والكرم "أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل" ولا شك أن لقاء الصالحين له أثر في نفوس الأخيار، يشجعهم ذلك على المزيد من البذل، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- هذا وصفه: "أجود الناس" " كان أجود بالخير من الريح المرسلة" أكرم الناس، ومع ذلك يزداد جوده حينما يزداد الجود الإلهي في رمضان، وحينما يلقاه جبريل "وكان جبريل -عليه السلام- يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ" كل ليلة "يدارسه القرآن" ورمضان هو شهر القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [(185) سورة البقرة] فهو شهر القرآن، فينبغي للإنسان أن تكون عنايته في رمضان إضافة إلى الصيام والقيام تلاوة القرآن "فيدارسه القرآن" مدارسة القرآن سنة لا سيما في ليالي رمضان اقتداءً بما حصل منه -عليه الصلاة والسلام- مع جبريل، فلو أن كل واحد من طلاب العلم اختار له من يناسبه من زملائه وأقرانه فصاروا يتدارسون القرآن، والمدارسة مفاعلة بين الاثنين، ما هي بدراسة، مدارسة، يعني كل واحد يقرأ على الثاني، ويسأل الثاني عما يشكل عليه، هذه، وهذا يكون بين الأقران، وهذه سنة، فإذا جلس الاثنان من طلاب العلم بعد صلاة التراويح مثلاً لمدة ساعة يتدارسون فيها جزءاً من القرآن، هذا يقرأ، وهذا يقرأ، وهذا يستمع، وهذا يستمع، وهذا يسأل عن مشكل، ويكون بين أيديهم كتاب مختصر فيه غريب ألفاظ القرآن، أو شيء ينتفعون به مما يتعلق بالقرآن استفادوا فائدة عظيمة، في كل ليلة جزء من القرآن، ينتهي القرآن بنهاية الشهر، وسوف يجدون غب ذلك، والفائدة العظمى من هذه المدارسة ولو لم يكن فيها إلا إحياء هذه السنة، بدلاً من أن يقضى الليل كامل بالقيل والقال يقتطع منه ساعة للمدارسة؛ لأن الليل تنقطع فيه المشاغل، وأما النهار فيه مشاغل الناس، وفيه التشويش، المقصود أن هذه سنة ينبغي إحياؤها.

"فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل -عليه السلام- أجود بالخير من الريح المرسلة" وصفه -عليه الصلاة والسلام- أنه أجود الناس، هذا الوصف الثابت له -عليه الصلاة والسلام- في كل حال، وفي كل زمان، وفي كل مكان، لكن في رمضان شهر الجود، شهر الكرم، حينما يتضاعف الجود الإلهي، وحينما يلتقي النبي -عليه الصلاة والسلام- بجبريل أفضل الملائكة، لا شك أن مثل هذا له أثر في الزيادة، وكل إنسان يحس هذا من نفسه، يعني فرق بين أن تلتقي بعالم عابد تتأثر به، وتنوي العمل الصالح من حين أن تفارقه، وتعمل الأعمال الصالحة؛ لأن رؤية مثل هذا، ومدارسة مثل هذا، ومجالسة مثل هذا مما يعينك على الخير، بخلاف من كان بضد ذلك {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [(28) سورة الكهف].

"متفق عليه".

"وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))" اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي الآخذة، جاء تفسير ذلك،

وهذا هو المعتمد عند عامة أهل العلم، وإن كان بعض المتصوفة الذين حبوا الإخلاد إلى الراحة، وعاشوا على فضل غيرهم يرون العكس، يقولون: اليد العليا هي الآخذة، واليد السفلى هي المعطية، لماذا؟ لأن الآخذة نائبة عن الله -جل وعلا-: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [(17) سورة التغابن] هذا نائب عن الله في هذا القرض، الذي يأخذ..، قلنا: هذا تبرير لهذا الكسل الذي يعيشونه، وعلى هذا التواكل، نعم قد يضطر الإنسان إلى الأخذ، ويكون من أهل الصدقة، ومن أهل الزكاة، لكن لا شك أن المعطي أفضل منه.

((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)) ابدأ بمن تعول، الذي يلزمك نفقته ابدأ به، والذي تحت يدك لا تعرضه للضياع ((ولئن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) ابدأ بمن تعول، فإذا كان الذي عندك لا يكفي فابدأ بنفسك، ثم بولدك، ثم بزوجك، ثم بخادمك، على ما سيأتي في حديث الدنانير الآتي.

((وابدأ بمن تعول)) ((وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يمون)) ((وخير الصدقة -ما كان- عن ظهر غنى)) لأنه يبقي لك..، إذا تصدقت يبقى لك ما تقوم به حاجتك ومصالحك، ومصالح من تحت يدك.

((ومن يستعفف يعفه الله)) كل أمور الدنيا بالتمرين والتدريج، العلم بالتعلم، الحلم بالتحلم، العفة بالتعفف، ((من يستعفف يعفه الله)) يتحمل يصبر فيعينه الله -جل وعلا- على هذا التحمل، وعلى هذا الصبر، ويكفيه ما يعرضه لامتهان نفسه، ويجازيه الله -جل وعلا- برفع حاجته، إذا أنزلها بالله -جل وعلا- عن خلقه.

((ومن يستغن يغنه الله)) يستغني بالله عن خلقه يغنه الله، وبالعكس من أنزل حاجته بالمخلوق زادت الحاجة، وما ارتفعت، والأمر كله أولاً وآخراً بيد الله -جل وعلا-، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) فعلى الإنسان أن يتصبر، ليس لكل حاجة أو لكل، كلما احتاج شيئاً ذهب يسأل الناس، لا، يتصبر، ويستعفف، فسوف يغنيه الله من فضله.

"رواه البخاري بهذا اللفظ، وروى مسلم أكثره".

"وعن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول))" ((ابدأ بمن تعول)) هذا مشترك بين الحديث ((ابدأ بمن تعول)) هذا متفق عليه في الحديثين، لكن في الأول "ما كان عن ظهر غنى" هو خير الصدقة، وهنا: ((جهد المقل)) أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل)) فكأن في هذا شيء من التعارض، لا شك أن جهد المقل المتصف باليقين الواثق بالله -جل وعلا- عنده شيء قليل فدفعه إلى السائل هذا جهد مقل، لكن هل هذا يصلح من كل الناس؟ يصلح ممن عنده اليقين والرضا بالله -جل وعلا-؟ كما جاء في حديث أبي بكر قصة أبي بكر وعمر، الذي يقينه بالله -جل وعلا- يجعله يتجاوز هذا الأمر فيتصدق بجميع ما عنده، ولو كان قليلاً، هذا جهد المقل، ويحمد منه إذا كان على يقين من الله -جل وعلا-، وبوعد الله؛ لأن بعض الناس قد يفعل هذا، ثم لا يلبث أن يسأل، أو يتحدث في المجالس، والله أنا دفعت اللي عندي وقعدت، خلاص، الله يعوض خير، ويندم على ذلك، مثل هذا لا يتصدق إلا بالقدر الزائد عن حاجته، يعني بعض الناس يترك العلاج يترك الرقية، يترك الكي، يترك..، طمعاً في حديث السبعين الألف، وما أشبه ذلك، ثم تجده في المجالس يتحدث ويتأفف ويتشكى، ومن زاره ذكر له حالته بالتفصيل على سبيل الشكاية، وأنا تركت، وأنا فعلت، هذا يا أخي ابذل جميع الأسباب للشفاء أفضل من شكايتك إلى الخلق، وإخبارك بما بينك وبين ربك، فالناس يتفاوتون، من كان عنده من اليقين ما يتحمل به ما تحمل، من إنفاق للمال أو لتحمل الأمراض والمصائب دون أن يتعرض للأسباب؛ ليدخل في حديث السبعين، مثل هذا يمدح، لكن إذا ترك هذه الأمور المباحة في الأصل، فعل الأسباب مباحة، ولا يلزم الإنسان يتصدق بجميع ماله، لكن مع ذلك إذا تصدق بجميع ماله، وكان من النوع الذي عنده من اليقين والتوكل على الله -جل وعلا-، هذا يمدح، لكن إذا لم يكن عنده يقين ولا توكل، كل من دخل عليه: قال: والله تورطنا دفعنا كل اللي عندنا وقعدنا، هذا يصلح أن يتصدق بجميع ما عنده؟ هذا يتصدق بالقدر الزائد عن حاجته، وإن أمسك بعض القدر الزائد بعد أفضل، والله المستعان.

"رواه أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود والحاكم، وقال: على شرط مسلم" ومقتضى كونه على شرط مسلم أن يكون الإمام مسلم قد خرج لجميع رواته، قال المؤلف: "وليس -الأمر- كذلك، فإن يحيى" هذا يحيى بن جعده "فإن يحيى لم يرو له مسلم" والحديث ليس على شرطه "ولكن وثقه أبو حاتم وغيره" فهو ثقة، فالحديث صحيح وإن لم يكن على شرط مسلم.

قال -رحمه الله-: "وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تصدقوا)) فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار" يعني اصنع به ما شئت هذا صدقة هذا الدينار "قال: ((تصدق به على نفسك))" يعني إن كان ما عندك غيره فأنفقه على نفسك "قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك))" يعني أنفقه على زوجتك "قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك))" من ذكور وإناث، "قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك)) قال: عندي آخر، قال: ((أنت أبصر به))" ولا شك أن النفقات الواجبة مقدمة على الصدقة، وجاء في أكثر من حديث: ((وابدأ بمن تعول)) وهؤلاء تلزمهم نفقته، فهم أولى ببره وإحسانه من غيرهم، والحديث حسن؛ لأنه من رواية ابن عجلان، وعنده بعض الأخطاء، ولذا قالوا: إنه صدوق له أوهام، فالحديث حسن.

"رواه أبو داود والنسائي، وهذا لفظه، وصححه الحاكم".

"وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق" حث النبي -عليه الصلاة والسلام- على الصدقة "فوافق ذلك مالاً عندي" عمر يقول: وافق ذلك مال عندي، فقلت: فرصة، أنا الآن عندي مال لعلي أسبق أبا بكر؛ لأنهم يسارعون ويسابقون {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [(26) سورة المطففين] يتنافسون على فعل الخير "اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا" يعني إن كان لي فرصة في العمر أسبقه فاليوم؛ لأن عندي مال "فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك؟))" كأنه رآه كثير "((ما أبقيت لأهلك؟)) قلت: مثله" يعني النصف "قال: وأتى أبو بكر بكل مال عنده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أبقيت لأهلك؟)) فقال: أبقيت لهم الله ورسوله" يعني ما أبقى شيئاً، وهذا أبو بكر عنده من اليقين والثقة بالله -جل وعلا- ما عنده، فمثل أبي بكر يحصل منه أن يتصدق بجميع ما عنده، لكن من مثل أبي بكر؟! يقول عمر: "فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً" يعني في هذه الفرصة التي عنده المال ما استطاع أن يسبقه، فكيف يسبقه إذا لم يوجد مثل هذه الفرصة؟!

"رواه عبد بن حميد في مسنده، وأبو داود، وهذا لفظه، والترمذي، وقال: حديث صحيح، وقد أخطأ من تكلم فيه لأجل هشام" يعني هشام بن سعد راوي الحديث "فإن مسلماً روى له" يعني جاز القنطرة، من رواة الصحيح "وقال أبو داود: هشام بن سعد من أثبت الناس في زيد بن أسلم" وهو يروي الحديث عن زيد بن أسلم عن عمر -رضي الله عنه-.

"وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة))" غير مفسدة يعني لا تقصد بذلك الإفساد، وإنما تقصد بذلك الإصلاح، تنفق من بيت زوجها؛ لأنها لها نوع صلاحية، فلها شبهة فيما يوجد في البيت؛ لأنها شريك للزوج المنفق، لا سيما إذا عرفت من حال الزوج أنه لا يتأثر بمثل ذلك، ولو لم يأذن لها؛ لأن كل امرأة تعرف حال زوجها، بعض الناس شحيح يحاسب المرأة على النقير والقطمير، مثل هذا لا بد أن يستأذن، وبعض الناس لا يدري ما في بيته، مجرد ما يقال: والله انتهت الأغراض يحضر بدلها، مثل هذا يتصدق من ماله، يعان على نفسه، ولو لم يعلم، وبعض الناس يعطي إذن عام، يكل الأمر إلى المرأة بقدر الحاجة، كلما مر فقير تصدقي، فالناس يتفاوتون، فالمرأة إذا أنفقت من طعام بيتها غير مفسدة، إذا صنعت الطعام ثم طرق الباب طارق وأعطته شيء يسير ما يؤثر هذه لها أجرها ((كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب)) لأن المال أصله من الزوج، هو الذي كسبه فالزوج له أجره بما بذل من المال، والزوجة لها أجرها بما أنفقت، وبما سعت في إعداد هذا الطعام وإصلاحه، المقصود أنها شريكة في الأجر.

((وللخازن مثل ذلك)) الخازن الأمين إذا تصدق بما لا يفسد على صاحب المال ماله أعطى الشيء اليسير بما ينفع ولا يضر مثل هذا له أجر، وبعض الناس تجده خازن مأمور مستودع وتأتيه أوامر الصرف من المسئولين ويبخل على الناس، ويقتر على الناس، ويؤذي الناس، يعني بدلاً من أن تكون خازن أمين، تيسر على الناس، مأجور على هذا التيسير، وعلى هذا العطاء، وهذا موجود مع الأسف، وقد يكون على جهة خيرية، ويشق على الأخيار، قد يكون خازن لكتب علم في جهة توزيع من بيت المال، فإذا جاءه طلاب العلم آذاهم ورددهم مع أوامر الصرف الصريحة، تجدوه يقول: بعد شهر شهرين ثلاثة، ثم إذا جاء قال: والله ما عندنا شيء، انتهت الكتب، هذا فقد، والكتب موجودة، نسأل الله السلامة والعافية، فعلى الإنسان أن يتقي الله -جل وعلا-، الآن هنا الخازن قد لا يكون مصرح له أن ينفق، لكنه ينفق ويبذل بشيء لا يضر بصاحب المال، يعطي الشيء اليسير هذا له أجر، أما إذا صرح له، وبعث له بأوامر الصرف فإنه لا يجوز له حينئذٍ أن يتردد أو يردد، بل عليه أن يصرف فوراً، وما وضع في هذا الموضع إلا لخدمة الناس.

((وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً)) لا ينقص شيء، وهل يستوون في الجر؟ الزوج اشترى المواد، الزوجة طبخت، طرق الباب فناولت الزوجة شيئاً من المطبوخ الخادم وقالت: أعطه الذي في الباب، هؤلاء كلهم مأجورون، يشتركون في الأجر، لكن هل هم في الأجر سواء؟ أو كل له بقدر نصيبه منه؟

جاء ما يدل على الاستواء، وفضل الله واسع.

"متفق عليه، وفي رواية: ((من بيت زوجها))" ليس معنى هذا أن هذا يخول للمرأة أن تتصرف تصرفاً فوق هذا، جاء بالطعام فطرق طارق فأعطته الطعام كله، زوجها أين الغداء؟ أين العشاء؟ والله جاءنا مسكين وأعطيناه إياه، ليس هذا هو المراد، إنما بهذا القيد ((غير مفسدة)) لأن هذا يترتب عليه فساد، حتى فساد حياة الأسرة، وعيش الأسرة، تصور أنه جاء من العمل وتعبان وجائع، ثم قالت: والله طبخنا الغداء، ويش صار عليه؟ والله مر فقير وأعطيته إياه، ليس هذا هو المقصود، إنما تعطي هذا السائل من هذا الطعام من غير إفساد، ومن غير إضرار بأحد.

"وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أضحى أو فطر" يعني في يوم عيد "إلى المصلى ثم انصرف فوعظ الناس" يعني صلى، صلى العيد، ثم لما انصرف من صلاته خطب خطبة العيد، وفيها وعظ الناس "وأمرهم بالصدقة" هذا بالنسبة للرجال "فقال: ((أيها الناس تصدقوا))" فلما فرغ من موعظة الرجال ذهب إلى النساء فوعظهن، وحثهن على الصدقة "فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟" الصحابيات يسألون عن السبب الذي به كثرن في النار، وصرن أكثر من الرجال، يسألن عن السبب لاجتنابه "وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن))" نعم اللعن في أوساط النساء أكثر، وعلى ألسنة النساء أكثر من الرجال، وإن كان هذا في بعض المجتمعات دون بعض، لكن هذا الأصل، ولذا في آيات اللعان في الخامسة الرجل يقول: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها؛ لأن النساء يكثرن اللعن فقد لا تكترث، قد تلعن.

"قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير))" والعشير: الزوج، يعني الزوج ينفق ليل نهار، وقد يكون الرجل كريماً، وقد يكون مسرفاً، ويعطي المرأة كل ما يملك، ويجعلها تتصرف بجميع أمواله، لكن لو وجد يوم من الأيام طلبت منه شيء، وهو معروف بالإسراف والإكرام الزائد، ومع ذلك لو تخلف يوم من الأيام، قالت: ما رأيت خيراً قط.

((تكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين)) نعم المرأة ناقصة عقل ودين، نقصان عقلها شهادتها بنصف شهادة الرجل، ونقصان دينها تمكث الأيام لا تصوم ولا تصلي، لا يقول قائل: إن نقصان العقل أن النساء مجانين ما هو بصحيح، وتفضيل جنس الرجل على جنس المرأة لا يعني أن كل رجل أفضل من كل امرأة، هذا الكلام ليس بصحيح، فكم من امرأة تعدل فئاماً من الرجال، لكن الجنس أفضل من الجنس {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [(36) سورة آل عمران].

((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل)) وتسمعون وتقرؤون الخبط والخلط الذي سببه الشعور بالنقص، يعني حينما يتهم الإسلام بظلم المرأة، تجد كثير من الناس يدافع دفاع المتهم حتى يصل به الأمر إلى أن يقول بعض الناس: إن الإسلام كرم المرأة، وجعلها أفضل من الرجل، هذا الكلام ليس بصحيح، الإسلام وضع المرأة موقعها المناسب لها، ومن ظلمها أن تُكلف بما يكلف به الرجال، والذين يدعون المساواة والحرية وحقوق المرأة وكذا، يريدونها تعمل في المصانع، وتشارك في بناء المنشآت، هذا الكلام ليس بصحيح، هذا ظلم للمرأة، تركيبها لا يحتمل هذا، ومع الأسف الشديد أن يقال لامرأة تربي وتنشئ الجيل على الدين وعلى الخير وعلى الفضل على الكتاب والسنة في بيتها أن يقال: هذه امرأة ساذجة، امرأة عاطلة، لكن ماذا يريدون؟ يريدون أن تخرج لتربي أولاد الناس من أجل أن يقال: عاملة، وتأتي بمن يربي أولادها، مسخ للفطر، التي تربي أولادها يقال: عاطلة، والتي تربي أولاد الناس يقال: عاملة، كله من أجل إيش؟ أن تخرج من بيتها، هذا هو المقصود، لا تربي، ما يبونها تربي، المقصود أن تخرج من بيتها، والله -جل وعلا- يقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [(33) سورة الأحزاب] وبعض من ينتسب إلى..، قد يزعم أنه يدافع عن الإسلام، ويرد هذه الشبهات، لكنه يقع من خلال ما يعيشه من ضعف وشعور بنقص بأمر أشد مما فر منه، عندنا الكتاب والسنة ليس فيها خفاء ولا غبش، أمور ظاهرة وواضحة، هل يراد منا أن نخفي ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- من أجل إرضاء الأعداء؟ أبداً والله، ليقولوا ما يشاءون {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [(33) سورة فصلت] كيف تستخفي بإسلامك؟ بدينك مصدر عزك؟ فخر للمرأة أن تصان، وتكرم ولا تهان، كما فعل بها الإسلام.

كم يتمنى نساء الشرق والغرب أن تكرم المرأة مثلما أكرم الإسلام المسلمات، ومع ذلك نعقد المؤتمرات والندوات، ونكتب البحوث، ونتنازل عن كثير مما جاء في شرعنا، ما هو بصحيح.

((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) نعم تجد بعض الرجال مثلما قال الشاعر:

وإني لتعروني لذكراك هزة

 

كما انتفض العصفور بلله القطرُ

تجد الرجل المهيب المقدم في قومه فإذا جاء في موضوع النساء ضاع.

((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء)) نعم فتنة، المرأة فتنة، وبحوزتها شيء تستطيع أن تساوم عليه، وتغلب به الرجل، وهذه من الحكم الإلهية أن يكون بيد الرجل أمور يستطيع أن يضغط بها على المرأة، وعند المرأة أشياء تستطيع أن تضغط بها على الرجل؛ ليتكامل المجتمع، ولتتم مطالب هذا، وتتم مطالب هذه، وإلا لو كان الأمر كله بيد جهة واحدة ما تم العيش على الوجه المراد، تجد الذي بيده كل شيء يضغط الضغط التام على الجهة الثانية، لكن الجهة الثانية بيدها ما تستطيع به أن تذهب عقل الرجل؛ ليتم التوازن والتكامل؛ وليحصل كل واحد من الطرفين على حقوقه كاملة.

"ثم انصرف، فلما صار إلى منزله" حصل استجابة من النساء فتصدقن ((ولو من حليكن)) فتصدقن، هذا تلقي القرط، وهذه الفتخ، وهذه كذا، فحصل في حجر بلال شيء كثير، واستدل به أهل العلم على أن للمرأة أن تتصدق ولو بغير رضا زوجها، مع أن هذا محمول على اليسير؛ لأن في سنن أبي داود أن ((من كانت ذا مال فلا تتصدق إلا بإذن زوجها)) يعني الشيء الكثير، يعني لا تتصرف بالشيء الكثير إلا بإذن زوجها.

"ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب" هذه زينب يعني بالباب "فقال: ((أي الزيانب؟))" في أكثر من زينب "فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: ((نعم، ائذنوا لها)) فأذن لها، فقالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي" تلبسه وتتجمل به "فأردت أن أتصدق به" استجابة لله ورسوله "فزعم ابن مسعود" عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي ابن أم عبد الصحابي الجليل المشهور زعم "أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم" يعني ابن مسعود غني وإلا فقير؟ نعم محتاج، والفقر ليس بعيب ولا ذم، هذا من خيار الأمة ابن مسعود ((من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد)) ومقامه ومناقبه لا تحصى -رضي الله عنه وأرضاه-، ولديه حاجة يحتاج والحاجة ليست بعيب ولا نقص.

وكل كسر فإن الدين يجبره

 

وما لكسر قناة الدين جبرانُ

ابن مسعود من كملة الرجال، ومع ذلك محتاج، والتفاضل إنما هو بالتقوى لا بالمال.

"زعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم" تعني زوجها "فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم))" ما دامت الحاجة موجودة في البيت والصدقة صدقة نفل تطوع، فلا شك أن إنفاقها على الزوج والولد أفضل مع الحاجة من إنفاقها على غيرهم.

((صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) رواه البخاري.

أما بالنسبة لصرف الزكاة فالفرع والأصل لا تصرف لهم الزكاة بالاتفاق، واختلف في الزوج، الزوجة لا تدفع لها زكاة زوجها اتفاقاً؛ لأن نفقتها عليه، فلا يجوز أن يقي ماله بزكاته، الزوجة لا يلزمها نفقة زوجها فهل تدفع الزكاة لزوجها؟ خلاف بين أهل العلم، في حديث الباب يستدل به من يقول: إن الزوجة تدفع الزكاة لزوجها؛ لأن نفقته ليست واجبة عليها، والذي يقول: إن مآل هذه الزكاة أن ترجع إليها إذا دفعتها إلى زوجها ثم أنفق عليها من هذه الزكاة رجعت صدقتها إليها، فلا تجوز، فلا تجوز أن تدفع الزكاة إلى زوجها، والحديث محمول على الصدقة النفل، والمسألة خلافية بين أهل العلم، والأوضح أن الزوج لا يدفع زكاته إلى زوجته وهذا أمر معروف ومقرر عند أهل العلم، وكذلك الزوجة لا تدفع إلى زوجها؛ لأنه سوف ينفق منها عليها فتعود زكاتها إليها.

"رواه البخاري" والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

"
يقول: هل يسن للخطيب في هذا الزمان –يعني مع وجود المكبرات- أن يفرد في خطبته موعظة للنساء مع أنهن يسمعن جميع الموعظة لتوفر المكرفونات المسمعة؟

هناك أمور تختص بالنساء، وأمور تختص بالرجال، يأتي بالأمور العامة، ثم يثني بما يخص الرجال، ثم إن وجد ما يدعو إلى تخصيص النساء بشيء يخصصهن، ولا يلزم أن ينتقل إليهن في مقرهن، يعني في مصلاهن المعزول عن الرجال، إنما يصل إليهن ما يراد من خلال هذه المكبرات، والله أعلم.