كتاب الغصب والشفعة من المحرر في الحديث - 04

نعم.

"بسم الله، بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك الله لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

 قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتاب المحرر:

باب اللقطة واللقيط:

 عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله عن اللقطة، فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: فضالة الغنم؟ فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، متفق عليه.

 ولمسلم عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرِّفها».

 وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يكتم، ولا يغيّب، فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، رواه أحمد، وهذا لفظه وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ورجاله رجال الصحيح.

 وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-."

عن..

عبد الرحمن..

عن عبد الرحمن بن عثمان، ما فيه عبد الله.

"وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لقطة الحاج، رواه مسلم.

 وعن عمرو بن مسلم، عن عكرمة قال: أحسبه عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ضالة الإبل مكتومة غراتها، ومثلها معها».

 وعن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا لا يحل، ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهَد إلا أن يستغني عنها، وأيما رجل ضاف قومًا فلم يقروه فإن له أن يعقبهم بمثل، فإن له أن يعقبهم بمثل قراه»، رواهما أبو داود.

 وعن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.

 وعن سليم بن أبي جميل، وعن سنين أبي جميلة أنه وجد منبوذًا في زمن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: فجئت به إلى عمر، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة، فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح، فقال له عمر كذلك قال: نعم، قال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته، رواه مالك في الموطأ."

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب اللقطة واللقيط" اللقطة من الأموال هي الضائعة التي لا يعرف صاحبها، واللقيط هو الطفل المنبوذ الذي نبذته أمه، الطفل المنبوذ الذي نبذته أمه، وفي الغالب أنه ولد زنا، هذا هو الغالب، قد ينبذ الطفل؛ من أجل التخفف من نفقته، لكن هذا قد يكون نادرًا جدًّا، لكن الغالب أن الطفل المنبوذ أنه ولد زنا.

 لُقَطَة بهذا اللفظ فُعَلة تطلق على المال الملتقط، وهذا يكاد يكون متفقًا عليه بين أهل العلم، ومن أهل اللغة من قال: إن اللقطة اللاقط اللاقط، كهُمَزَة ولُمَزَ، يعني مقتضى الوزن أنه لاسم الفاعل، لكن الاستعمال عند أهل العلم جعلوا هذه الزنة للملتقَط.

 واللقيط فَعِيْل بمعنى مفعول، فهو ملتقط وملقوط.

 قال -رحمه الله-: "وعن زيد بن خالد الجهني.. عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله عن اللقطة"، فبيَّن له النبي -عليه الصلاة والسلام- أن اللقطة وهي المال الملتقط الذي يجده الإنسان بعيدًا عن صاحبه لا يُعرَف له صاحب، إما أن يكون من الحيوانات كالإبل والغنم، أو يكون من سائر الأموال غيرها كالنقود والأمتعة، "سأله عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها»الوعاء الكيس الذي وضعت فيه «ووكاءها»، ما يُربَط به هذا الوعاء.

 «ثم عرفها سنة»، اعرف عفاصها، يعرف الوعاء الكيس الذي توضع فيه، ويعرف أيضًا الوكاء الحبل الذي تربط به من أجل أن يستدل بذلك على صدق مدعيها؛ لأنه إذا جاء إذا قال: من ضاع له شيء يأتي شخص يقول: ضاع لي مال، فيقول له: أي نوع من الأموال؟ فيقول ذهب أو فضة، فإن كان ذهبًا، قال: ذهب، عرف صفة، طيب ذهب سائب أم في وعاء؟ في وعاء، ما هذا الوعاء، من صوف، أو من قماش، أو من حديد، أو من خشب؟ إذا عرفه غلب على الظن أنه له، ثم بعد ذلك ما الرباط؟ وما الوكاء الذي شُدَّ به هذا الوعاء؟ إذا عرف ذلك استحق هذا المال، وعرفنا أنه له، وهل يلزَم أن يحضر بيِّنة أو لا؟ على أنه له هذه، أدلة معرفة الوعاء، ومعرفة الوكاء، ومعرفة نوع المال، وعدد المال، كل هذه أدلة تدل على أن هذا المال له.

 وهل يلزم في النقود أن يقول لمدعيها: اذكر لنا أرقام هذه النقود؟ إذا جاء قال: ضاع لي ألف ريال، طيب ألف ريال من أي فئة؟ قال: عشر من فئة مائة، والأمر كذلك عشر من فئة مائة، وإن قال: خمس من فئة مائة، وخمسمائة كاملة، أو خمسمائة من ذوات خمسين أو غير ذلك، وطابق قال: ما وعاؤها؟ قال: بدون وعاء، قال: سقطت من جيبي بدون وعاء، طيب الوكاء من باب أولى هل يلزم أن يقول: اذكر أرقام هذه النقود؛ لأن فيه أرقامًا يلزم أم ما يلزم؟

لا، ما يلزم؛ لأنه ما فيه أحد يحفظ الأرقام، لكن إذا فصلها قال: من فئة مائة كذا، ومن فئة خمسين كذا، ومن فئة عشرة كذا، هذا يغلب، يندر أن يقوله من غير معرفة وخبرة بها، ثم يوافق اللهم إلا لو كانت خمسمائة برأسها ويقول: خمسمائة، وتوافق وتصير فئة واحدة، ممكن، لكن إذا فصَّل خمسمائة كاملة، ومائتين من فئة المائة، ومائتين من فئة الخمسين، وفصل تفصيلًا دقيقًا، خلاص ما فيه أحد يتفق له أن يصيب في مثل هذا التفصيل، فلا يلزم أن يطالب بالأرقام، «اعرف عفاصها ووكاءها»، كما أنه لا يلزمه أن يحضر بيِّنة؛ لأنه يلزمه أن يحضر بينة؛ لأن الحديث قال: «اعرف عفاصها ووكاءها»، وهو لم يزد على ذلك.

 «ثم عرفها سنة» يعرف عفاصها ووكاءها لأمرين:

 الأول: ألا تضيع بين أمواله، يحتاج أن يعرف ما يميزها بين أمواله، الثاني: أن يعرف صدق المدعي إذا وصف بدقة، ثم عرفها سنة في الأسبوع الأول يقف على أبواب المساجد، أو باب المسجد الذي وجدها بقربه ويقول: من ضاع له مال من غير أن يبين نوع هذا المال؛ لئلا يستدل به على شيء مما يميزها من ضاع له مال، ثم ادعى شخص أنه ضاع له مال، ما هذا المال إذا قال: ساعة أو جوَّال، طيب ما نوع هذه الساعة؟ وما نوع هذا الجوال، التلفون؟ ثم إذا بيَّن يمكن الجوال بالإمكان معرفة الوصول إلى صاحبه؛ لأنه مخزن فيه أشياء تدل عليه يعرفها سنة في الأسبوع الأول، يمكن أن يقف على باب المسجد في كل يوم في الأسبوع الثاني يمكن يقف ثلاث مرات، في الأسبوع الثالث يقف مرة واحدة، في الأسبوع الرابع والخامس يمكن أن يخف هذا التكليف بالتدريج.

 «ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها»، وادعاها مدَّعٍ، وطابق الواقع، يعني فادفعها إليه، وليس فيه ذكر للبينة، هذا مدعٍ، هل نقول: البينة على المدعي، يحضر بينة أن هذا المال له؟ الحديث ما فيه شيء من هذا، ما فيه ما يدل على ذلك، وعموم الحديث البينة على المدعي ما يذكره من وصف دقيق مطابق هو البينة، فبينة كل شيء بحسبه.

 «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك» بها يعني تصرف فيها، يتصرف بها تصرف المالك بملكه بعد السنة، بعد التعريف سنة، وما جاء أحد، لكن يتصرف بها على نية الضمان أو على نية التملك المطلق الذي لا ضمان فيه؟

 جاء في بعض الروايات: «فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه»، يعني فإن كانت قائمة فادفعها إليه، وإن كانت مستهلَكة فقيمتها، وهذا هو المرجَّح، وإلا فشأنك بها.

"قال: فضالّة الغنم، فضالَّة الغنم؟ قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»" مقتضى ذلك أن لك أن تأخذها، هي لك، الغنم لك، خذها، لكن ما يأتي شخص ليتحسس قرب بيوت الناس وقرب منازلهم، فإذا استطرف شيئًا أخذه وقال: لك أو لأخيك أو للذئب، لا، يأخذ الشيء الشاذ البعيد الذي يخشى عليه من التلف، قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، يأتي إلى شخص أو إلى دابة من غنم أو إبل أو بقر موسوم، عليها وسم لأناس معروفين ويقول: لك أو لأخيك أو للذئب، لا يجوز، لكن إذا غلب على ظنه أنها تتلف إن لم يأخذها فلا شك أن أخذها فيه حفظ للمال، وعدم تضييع له.

 لك أو لأخيك من ملتقط آخر أو للذئب؛ لأن الغنم لا تمتنع من السباع، الغنم لا تمتنع من السباع، فهي مظنة لأن تفترس، والمراد بالذئب السبع المفترس، الذئب: أسد، فهد، نمر، أو غير ذلك مما يفترس.

 "قال: فضالّة الإبل، قال: فضالّة الإبل؟ قال: «ما لك ولها»" يعني دعها، اتركها، «ما لك ولها، معها سقاؤها» بطنها الذي يستوعب من الماء والأكل ما يكفيها لمدة طويلة فليس عليها خوف من التلف.

 «وحذاؤها»" وهو خفها الذي تستطيع أن تسير به الليالي والأيام، وتطأ به في الحر والقر والحصى والشوك، «معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر»، فليس عليها خطر لا من جوع ولا من  عطش، ولا من سباع؛ لأن الإبل تمتنع من السباع ليست مثل الغنم.

 «وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، يعني صاحبها، والتقاطها ولو لإرادة الحفظ لصاحبها لا يجوز؛ لأنك إذا أخذتها، وغيرت مكانها، وأبعدتها عن مضارب أهلها ومساكنهم شق عليهم البحث عنها، فكونها قريبة من أصحابها وأربابها إذا بحثوا عنها وجدوها يتبعون الأثر، وقد تكون من النوع الذي يذهب ليرعى ثم يرجع بنفسه من البهائم، ما هو من هذا النوع، لا يحتاج إلى راعٍ فأخذها يفوت الفرصة على صاحبها بوجودها ولو كانت نيته صالحة.

 «ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، متفق عليه. ولمسلم عنه" يعني  عن زيد بن خالد، "عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من آوى ضالة، من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرِّفها»".

 ضالّة، الأصل أن تقال للإبل، ويلحق بها كل ما لم يُعرَف له مالك، الضال الضائع عن صاحبه، والضَّلال نسأل الله السلامة والعافية عن الصراط المستقيم الحيد والميل عن الصراط المستقيم، ومنه الضياع، وهو الحيد والميل عن الصراط الحسي الطريق، ومن الرواة من اسمه معاوية بن عبد الكريم الضالّ، معاوية بن عبد الكريم الضال هذا ثقة أم ضعيف؟ ضال! نعم ضائع في طريق مكة، ضل في طريق مكة وإلا فهو ثقة.

 «من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرِّفها»، يعني يأخذها بهذا القيد، يأخذها بهذا القيد، إذا لم تكن من النوع الذي قيل له: «ما لك ولها؟» كالإبل، «من لم يعرفها».

 "وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل»".

 الحديث الأول حديث زيد بن خالد ما فيه إشهاد، ما فيه إشهاد، «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل»، يُشهِد عليها، يُشهِد عليها إذا جاء مدعيها أو يشهد عليها إذا وجدها بحيث لا يتطرق النسيان كالإشهاد على سائر العقود والكتابة أيضًا؛ لأن من الناس من يتصرف بعض التصرفات وينسى، هذا كثير في الناس، ولذلك شرعت كتابة الوصية، وشرعت كتابة العقود، والكتابة سنة عند أهل العلم، {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [سورة البقرة 2/282] سنة؛ لأن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا كتب ثبت، تذكروا بالكتابة، فلم يحصل هذا النسيان.

 طيب {فَاكْتُبُوهُ} [سورة البقرة 2/282]، إذا عرفنا العلة في الكتابة، وهذا أمر صريح من الله -جل وعلا-، لماذا لا يكون للوجوب؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- باع واشترى، والصحابة باع بعضهم من بعض، وما كتب، فدل على أن هذا أمر إرشاد، «فليُشهِد ذوي عدل» طيب باع واشترى من غير شهادة، {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [سورة الطلاق 65/2]، هل هذا للوجوب أو للاستحباب؟

للاستحباب أيضًا للاستحباب «فليُشهِد ذوي عدل»؛ لئلا ينسى، يضعها مع ماله وينساها، أو ينسى صفاتها، فإذا أشهد فالشهادة الشاهِد يذكِّره بأصلها، ويذكِّره بصفاتها، وهذا يتفاوت فيه الناس تبعًا لقوة الذاكرة وضعفها، بعض الناس يطلق زوجته، ينسى أنه طلق مرة، ثم بعد عشر سنوات يطلق ثانية، احتمال أنه نسي الأولى، وبعد عشر سنوات يطلق ثالثة، ثم تبين منه، فلا يجوز له أن يضاجعها؛ لأنها بانت منه، فإذا كان من النوع الذي ينسى يلزمه أن يكتبه، ويلزمه أن يشهد؛ لئلا ينسى، فيقع في المحظور.

 «فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها» يحفظ عفاصها إذا كان ذا حافظة، أو يقيده عنده في دفتر يحفظه لعقوده.

 «ووكاءها» قد يقول قائل: قوي الحافظة قد يموت، نقول: هذه الأمور من نوع الوصية، من نوع الوصية إذا كان هناك طلقات، إذا كان هناك عقود، وهناك أشياء، ديون، هذه كلها لا بد من كتابتها إذا خشي الضياع.

 «اعرف عفاصها» الوعاء، «ووكاءها» ما تربط به وتشد، «ثم لا يكتم، ولا يغيِّب، ثم لا يكتم، ولا يغيب»، هذه أمانة، هذه وديعة عنده، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [سورة النساء 4/58] لا يجوز له أن يكتمها، ولا يجوز له أن يغيبها، يعني لو أخذها ولم يعلم به أحد بإمكانه أن يكتم، بإمكانه أن يغيب، حتى لو أخذها بحضرة آخرين بإمكانه أن يقول: جاءني مدعيها ووصفها وأعطيتها إياه، لكنها أمانة يسأل عنها يوم القيامة، وكتمها وتغييبها خيانة وتضييع للأمانة.

 «فإن جاء ربها» صاحبها «فهو أحق بها» إن جاء صاحبها خلال سنة التعريف، خلال سنة التعريف فهو أحق بها، فليؤدها إليه، «وإلا» يعني بعد مضي سنة التعريف «فهو مال الله يؤتيه من يشاء، فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، وظاهر الحديث أنه يتصرف به لا على نية الضمان، لكن الرواية الأخرى مفسِّرة، فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فليؤدها إليه.

 "«وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ورجاله رجال الصحيح.

وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لقطة الحاج، نهى عن لقطة الحاج" هل المراد به الحاج ذاته أو مكان الحج الذي هو مكة؛ لأنه جاء من خصائصها أنها لا تلتقط لقطتها إلا لمنشد، فإذا قلنا: المراد ما يدل عليه صريح اللفظ عن لقطة الحاج وهو من دخل في النسك نقول: من تلبسه بالحج وتلبيته به حكمه يختلف عن الناس، لكن أنت وجدت لقطة خارج حدود الحرم، وما يدرك أنها لحاج أو لغير حاج، أنت إذا وجدت علامة تدل على أنها لحاج أن هذا الشخص حاج وجائٍ من خارج الحرم قد يقال: إنه يدخل في هذا؛ لأن الحاج ضيف، ومن أكرم الضيوف، جاء ليؤدي شعيرة، ركنًا من أركان الإسلام فهو بصدد أن يعان، ولذا جاء التأكيد عليه.

 ومن الشراح من يرى أن المراد لقطة الحاج ما كان في موضع الحج، وهو مكة، وفي هذا يلتقي مع حديث الخصائص خصائص مكة، وأنها لا تلتقط لقطتها إلا لمنشد، لا تملك على مر الدهور، على مر الأعصار، وجَد بمكة لقطعة لا يتملكها لا بعد سنة ولا بعد سنتين ولا بعد عشر سنين ولا إلى الأبد، لا تُملَك، يستمر في تعريفها، ويختلف أهل العلم في الأفضل في لقطة مكة هل تلتقط بنية تعريفها إلى الأبد أو تُترَك؟

 بعضهم يفضل تركها، بعضهم يفضل تركها ولو كان منشدًا؛ لأن الأصل أنها لا تُلتَقط، استُثني المنشد على خلاف الأصل، فالأفضل أن يتركها، منهم من يقول: إنه يأخذها وينشدها، ينادي في المجامع وفي المشاعر في جموع الحجاج حتى يجد صاحبها.

 طيب حاج جاء لأداء الفريضة، فضاعت منه هذه اللقطة، فالتقطها وعرَّفها خلال أيام المناسك، وبعد ذلك غادر صاحبها، وليس في نيته أن يحج مرة ثانية، كيف تصل إلى صاحبها؟ هناك جهات مسؤولة عن هذه الأمور عن الأمانات وعن الضوائع والضوالّ تسلَّم لها، وبطريقتهم يوصلونها أصحابها، ويعرف الحجاج أن هناك جهة مسؤولة فيذهبون لسؤالهم، فيصلون إلى ما يضيع منهم وإلا فمشكلة.

 شخص حج ومكث بمكة أسبوعًا مدة الحج أو أقل، ثم سافر إلى المشرق أو المغرب، هذا يستحيل أن تصله هذه .. نعم وسائل الإعلام الموجودة قد تيسر بعض الشيء، وتوصل الأخبار إلى القاصي والداني، لكن المسألة مفترضة في أوقات توجد هذه الوسائل وأوقات لا توجد هذه الوسائل، فكونها يتركها في مكانها ليأتي ربها ليبحث عنها في نفس المكان لا شك أنه أفضل وأحوط وأبرأ للذمة. "رواه مسلم.

 وعن عمرو بن مسلم عن عكرمة قال: أحسبه عن أبي هريرة، أحسبه عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها، ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها»".

 طيب نما إلى علم صاحب هذه الناقة أو هذا الجمل أن فلانًا اقتادها وساقها إلى رحْله، وأغلق عليها بابه، ثم جاء وطرق عليه الباب قال: ناقتي الضائعة هل هي عندك أم لا؟ قال: أبدًا، ما رأيت شيئًا، كتم، بلغنا، أو ذُكر لنا، أو كذا قال: ولا شيء، ثم يسمع صوتها من وراء الباب يقول: ما عندي شيء، ولست بصاحب إبل ولا شيء، يسمع صوتها من وراء الباب، الآن تأكد أن هذه الدابة عنده، ورفع أمره إلى الوالي، وألزمه بدفعها يكفي أم ما يكفي؟

هذا كتم وأصرّ، قال: «ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها»، ومثلها معها، جاء في الزكاة أن «من أداها طيبة بها نفسه تقبلت منه، ومن جحدها فإنا آخذوها وشطر ماله، فإنا آخذوها وشطر ماله»، هذا مما يستدل به من يقول بجواز التعزير بالمال، «ضالة الإبل المكتومة غرامتها»، يعني قيمتها إذا كانت غير موجودة أو عينها إذا كانت موجودة، ومثلها معها عقوبة له، عقوبة له، فمثل هذا يستحق التعزير، والعلماء يختلفون في حكم التعزير بالمال، لكن حتى على القول حتى على القول بجوازه، وهو قول متجه، وله أدلته، التوسع فيه كما هو حاصل في كثير من أقطار المسلمين غير مرضي شرعًا، التوسع الموجود في كثير من بلدان المسلمين غير مرضي عند أدنى مخالفة لا تستحق شيئًا يغرَّم أموالًا طائلة من أجل ماذا؟ لا شك أن التوسع الموجود ليس بمرضي، نعم الناس يحتاجون إلى من يؤدبهم ويلزمهم الجادّة، هذا لا إشكال فيه، ويعزَّرون على المخالفات، لكن فيه شيء من المبالغة، شخص سهى عن طبلون السيارة وزادت عشر درجات أو شيئًا من هذا، ويغرَّم نصف راتبه إذا كان من ذوي الدخل الضعيف؟ لا، هذا فيه مبالغة، ومبالغة غير مرضية، والغرامة العقوبة بالمال، لا شك أن القول بها راجح، لكن يبقى أن الأمور تقدَّر بقدرها، وبقدر ما يصلح الناس لا بقدر ما يؤذيهم ويشق عليهم، «ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها»، هذا يستحق هذه العقوبة.

طالب: ...........

دخلت مع إبلها يعرِّفها، هو لا يجلس في بيته إلى أن يجيء أحد، لا، إما أن يخرجها عن إبله أو يعرِّفها.

 قال -رحمه الله-: "وعن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم"- الحديث السابق عند أبي داود، وهو قابل للتصحيح، وأقل أحواله أن يكون حسنًا، والذي يليه كذلك عند أبي داود، "عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا لا يحل» ألا أداة تنبيه، «لا يحل»" يعني لا يجوز، بل يحرم؛ لأن الذي يقابِل الحِلّ التحريم، يقابل الحلال الحرام، «ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي»، وهذا محل الكلام فيه كتاب الأطعمة، كتاب الأطعمة.

 «ولا اللقطة من مال معاهَد إلا أن يستغني عنها»، ولا اللقطة من مال معاهَد لا يُعرَف صاحبها، وهذا معاهَد دخل بأمان، أعطي أمان من المسلمين من ولي أمرهم، فنفسه محترمة، وماله محترم، لا يجوز التعدي على دمه ولا ماله ولا عرضه، محترَم بهذا العهد، وكذلك الذمي الذي يدفع الجزية، فمن دخل بعهد وجب على المسلمين صيانة حقوقه من دم ومال وغيرهما، فلا يعتدى على دمه ولا ماله ولا عرضه.

 بعض الناس يقول: هذا كافر الأصل كافر، لكنه بالعهد الذي أبرمه مع المسلمين يجب الوفاء له، ولذا قال: ولا اللقطة من مال معاهد، لقطة لا يعرف صاحبها فضلاً عن كونه يعرف ويعتدى عليه وتؤخذ، وهذا في بلاد المسلمين فضلاً عن كونه يذهب إلى بلادهم، ويدخل معهم بأمان، ويدخل معهم بعهود ومواثيق ثم يعتدي على أموالهم، ويتأوَّل في ذلك، وهذا مع الأسف موجود من تصرفات بعض من ينتسب إلى الإسلام، وهذا كله حرام في شريعة الإسلام، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [سورة المائدة 5/1]، بعضهم يتعدى على الأعراض ويقول: هؤلاء كفار، ومع الأسف أن منهم من يستدل بقوله تعالى: {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [سورة التوبة 9/120] يقول: إذا وطأت زوجته أو بنته فهذا يغيظه، هذا ضلال في الفهم، وهذا تحريف لمعاني كلام الله -جل وعلا-، ونسب إلى بعض العلماء، لكن لا يصح ولا يثبت، ولا يمكن أن يثبت مثل هذا.

 ولا اللقطة من مال معاهَد، اللقطة لا يُعرَف صاحبها، فكيف إذا عُرِف معاهَد أو ذمي، وجدت كتابًا من كتبه يملكه وعليه ما يدل عليه أو ما عليه اسم، ما يدل على أنه معاهَد، فيه تعليقات تدل على أن الشخص ليس بمسلم، تدل على أن الشخص ليس بمسلم إما ذمي أو معاهَد، وتقول: هذا ليس بمسلم، ماله حلال، لا يدخل في هذا، قد يكون في هذا الكتاب إلحاد وزندقة، هل يلتقط أم ما يلتقط؟ هذا يتلف؛ لأنه ليس بمال؛ لأنه ليس بمال، لكن ليس لكل أحد أن يأخذ ويتلف؛ لأن تقدير هذه الأمور لأهل العلم، والتنفيذ لأهل الولاية وإلا ضاعت الأمور بهذه الطريقة يعتدي ويأخذ ويتلف، هذا ليس بصحيح.

 من مال معاهَد إلا أن يستغني عنها، إلا أن يستغني عنها، قد يكون في المعاهَدين والذميين منهم من أهل ثراء فتجده يتخفف ويستغني عن كثير من من متعلقاته من الأثاث وغيرها، وهو نظيف، وصالح للاستعمال، إذا عرفنا أنه استغنى عنها فالأمر سهل.

 «إلا أن يستغني عنها، وأيما رجل ضاف قومًا فلم يقروه»  وإكرام الضيف واجب، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، مر بهم فلم يقروه، ما قدموا له شيئًا، «فإن له أن يعقبهم بمثل قراه» يأخذ من أموالهم بمثل، يعني بما يقارب قيمة هذا القرى، هذا جارٍ على القواعد أم على خلاف القواعد أو الحديث قاعدة وأصل بذاته؟ المرأة إذا كان زوجها شحيحًا يقصِّر في نفقتها فإن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف، كما جاء في الحديث الصحيح المخرَّج في الصحيحين وغيرهما، في قصة هند امرأة أبي سفيان حينما قالت للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ويكفيني وولدي، قال: «خذي من ماله ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف»، وهذا حق له، القرى لازم، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وفي هذه المناسبة قصتان الأولى ما جاء في كتاب الله -جل وعلا- من قصة الخَضِر وموسى {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا} [سورة الكهف 18/77].

طالب: ............

فأبوا أن يضيفوهما، أخذوا منهم شيئًا أم أحسنوا إليهم؟ أحسنوا إليهم، ما أخذوا شيئًا، وأحسنوا إليهم، القصة الثانية قصة أبي سعيد حينما مر بقوم طلبوا منهم القرى فلم يقروهم، فلُدِغ سيدهم فطلبوا منهم أن يرقوه قالوا: ما نرقيه إلا بجعل ثلاثين من الغنم، فقرأ عليه أبو سعيد سورة الفاتحة فبَرِأ، بَرِأ، أيهما أفضل في التصرف أن تأخذ بمقتضى هذا الحديث، تعقبه بمثل قراه، تأخذ من ماله أو لا تأخذ وتحسن إليه، أو لا تأخذ وتقايضه بالعدل، شيء اسمه حق، فيه شيء اسمه عدل، وفيه شيء اسمه فضل، قدر زائد على العدل، ففي هذا الحديث حق، هذا من حقك بإذنه- عليه الصلاة والسلام- «فإن له أن يعقبهم بمثل قراه».

 قال -رحمه الله- "وعن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها، لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»".

 كم بقي؟

طالب: ........

"مر النبي -عليه الصلاة والسلام- بتمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»"؛ لأن الله -جل وعلا- حرم على محمد -عليه الصلاة والسلام- وآل محمد الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس فهذا الغاية في الورع، تمرة واحدة يعني لو لم تكن من الصدقة لو جزم النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنها ليست من الصدقة يأكلها أم ما يأكل؟ يأكل، وكذلك من وجد تمرة في الطريق وليس من آل محمد فليأكلها؛ صيانة لها وحفظًا لهذه النعمة من أن تداس وتضيَّع، وصاحبها لا يتضرر بذلك، ولذا يقرر أهل العلم أن ما لا تلتفت إليه همة أوساط الناس يُملَك بمجرد التقاطه، أن ما لا تلتف إليه همة أوساط الناس فإنه يُملَك بالتقاطه، فجاء تمر الصدقة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاء الحسن وأخذ تمرة فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «كخ كخ».