الشمائل النبوية (25)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم الشمائل النبوية مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض فأهلاً ومرحبًا بكم يا شيخ عبد الكريم.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

لازلنا نقرأ في أحاديث كتاب شمائل النبي للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي في باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حدثنا هناد بن السري.

 سرِي.

السرِي في نسختنا حركوا حتى الراء يا شيخ أو السين شدد السين فقط.

إيه معروف.

قال حدثنا هنّاد بن السَّرِي قال حدثنا وكيع عن شعبة عن أبي التياح عن أنس بن مالك قال إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير «يا أبا عمير ما فعل النغير» قال أبو عيسى وفقه هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمازح وفيه أنه كنى غلامًا صغيرًا فقال له يا أبا عمير وفيه أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به وإنما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- «يا أبا عمير ما فعل النغير» لأنه كان له نغير يلعب به فمات فحزن الغلام عليه فمازحه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال «يا أبا عمير ما فعل النغير».

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، حديث أنس رضي الله عنه خرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب في باب الانبساط على الناس وباب الكُنية وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأدب في باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته فالحديث متفقٌ عليه، والمزاح بكسر أوله مصدر مازحه فهو بمعنى الممازَحة يقال مازحه يمازحه ممازحة ومزاحًا كقاتل مقاتلة وقتالاً، والمزاح بضم أوله مصدر سماعي، والقياسي الكسر: فاعل الفعال والمفاعلة، قال ابن مالك رحمه الله: (لفاعل) يعني مازح (الفِعال) المِزاح (والمفاعلة) الممازحة يعني الممازحة هذا القياس، وسمع من العرب المُزاح بالضم فهو مصدر سماعي والمزاح الانبساط مع الغير من غير إيذاء له؛ لأنه إذا قارنه الإيذاء صار استهزاء وسخرية فلايكون مزاحا، وإنما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يمزح لأنه كانت له المهابة العظمى فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع له والتلقي عنه هيبة له -عليه الصلاة والسلام- لكنه يمازح أصحابه ويداعبهم من أجل أن يجرؤوا عليه فيستفيدوا منه ويطيقوا الاجتماع معه وهذا شأن كل مهيب؛ لأن هذا كل إنسان يدركه من نفسه، فإذا كان عندك شخص مهيب تقدره وتحترمه لو لم ينبسط معك بشيء من التنازل إلى حد مقبول هبته واستثقلت مجلسه لأن الشخص الجاد عمومًا ثقيل إن لم يمزج هذا الجد بشيء من الهزل في حدود المشروع، وينبغي مع ذلك -إذا قلنا إن هذا المزاح مشروع لفعله -عليه الصلاة والسلام- ألا يخرج هذا المزاح صاحبه إلى السفه بالقول والفعل، فقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال «إني لا أقول إلا حقًا » وهذا يختلف مع حال كثير ممن يمتهن هذا الخلق، تجده يمازح الناس من أجل أن يسخر بهم ويستهزئ بهم ويترفع عليهم وتجده أيضًا يمازحهم بشيء من الكذب مثلاً والافتراء من أجل من أجل يعجبوا به، وقد جاء في حديث ابن عباس رفعه عند الترمذي لا تمار أخاك ولا تمازحه، قال ابن حجر: الجمع بينهما –يعني بين ما ثبت من كونه -عليه الصلاة والسلام- يمزح وبين ما جاء في حديث ابن عباس من النهي عن المزاح- يقول الجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط والمداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله، فإذا داوم الإنسان على المزاح وصار ديدنه المزاح انشغل بلا شك، وتجده حتى الأمور الجادة يقلبها إلى هزل وحينئذٍ لا يفرق الناس بين جده وهزله فلا يوثق بكلامه، يقول: والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين ويؤول كثيرًا إلى قسوة القلب والإيذاء. قسوة القلب لماذا؟ لأن المزاح غالبًا يبعث على الضحك .

وكثرة الضحك تقسي القلب.

بلا شك وأيضًا كثرته لا تسلم من إيذاء الآخرين وهذا شيء مشاهد، لأنه قد يمزح على شخص في مزحة مقبولة معقولة تتلقى عنه و قد تكون المزحة ثقيلة تؤدي إلى الحقد، فقد لا يوفق الإنسان في أن يأتي في كل الأمور بما يستخف، وحينئذٍ قد يمزح على إنسان بمزح لا يطيقه وقد يفسره بتفسير آخر غير ما يقصده المازح وحينئذ يحمل عليه ويؤول كثيرًا إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار والذي يسلم من ذلك هو المباح، و الذي يباح من المزاح ما سلم من الكثرة التي تصد وتشغل عن ذكر الله وما كان بلا شك حقا لا بد أن يكون حقا؛ لأن الباطل باطل،  فالقاعدة العامة أن يكون المزاح حقا هذا الأصل فيه، وألا يُكثَر منه وإن كان حقًا وأيضًا لا يؤول إلى أن يسف في كلامه بحيث يضحك القوم فيدعوه ذلك إلى قسوة القلب وألا يؤذي بها أحدًا ولا يكون سببًا في حقد الناس عليه أو سقوط مهابته. يقول والذي يسلم من ذلك هو المباح فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطَب ومؤانسته فهو مستحب، كأن تجد شخصًا مهمومًا فأردت أن تنفس عنه بشيء يسره ولا تسترسل في ذلك، والأمور بمقاصدها والوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا أردت أن تؤنس صاحبك بأمر أصله مشروع  استحب لك ذلك، وإلا فالأصل فيه إذا سلم من جميع ما ذكر أنه مباح، ونسب للإمام الشافعي رحمه الله أنه يقول:

أفد طبعك المكدود بالجد راحة

 

 

 

بجد وعلله بشيء من المزح

 

ولكن إذا أعطيته المزح فليكن

 

 

على قدر ما يعطى الطعام من الملح

 

نعم الجد الدائم لا شك أنه.

ثقيل على بعض النفوس.

ثقيل أيضًا يكل الذهن، يعني لو الإنسان من أهل العلم ومن طلاب العلم بحثه ودراسته كلها جد في أمور الكتاب والسنة وما يخدم الكتاب وما يعين على فهم الكتاب والسنة والعقائد والأحكام وغير ذلك لا شك أنه سوف يمل لكن لو خرج إلى شيء من المباح مما في كتب التواريخ وما فيها من أعاجيب وما في كتب الأدب وما فيها من رصيد وثروة لغوية وطرائف وحكايات مباحة بحيث لا تصل إلى حد المجون فمثل هذا لا شك أنه يستجم به الإنسان، فهو متعة من جهة واستجمام من جهة أخرى، وهو أيضًا بالنسبة لما ذكرنا عبرة، فكتب التواريخ والأدب فيها عبر وفيها أخبار من مضى وهي أيضًا محطة للاستجمام والراحة ولذا يقول:

أفد طبعك المكدود بالجد راحة

 

 

 

بجد وعلله بشيء من المَزح

 

ولكن إذا أعطيته المزح فليكن

 

 

على قدر ما يعطى الطعام من الملح

 

يعني لا تكثر لأنك إذا أكثرت الملح في الطعام فسد، فإذا كان المسلم وعلى وجه الخصوص من ينتسب إلى العلم وطلبه كثير المزاح لا شك أن هذا على حساب ما هو بصدده من تحصيل للعلم وتأصيله وضبطه وإتقانه، علّق الإمام البخاري في ترجمته على حديث أنس عن ابن مسعود بقوله: باب الانبساط إلى الناس، ثم علّق عن ابن مسعود بعد الترجمة قوله خالط الناس وعاشرهم وامزح بقدر الحاجة ودينك لا تكلمنه.

قول ابن عباس.

لا، ابن مسعود هذا.

خالط الناس ودينك لا تكلمنه.

ودينك لا تكلمنه يعني لا تجرح دينك، نعم انبسط مع الناس وخالط الناس ومازحهم لكن يبقى الدين رأس المال لا تكلمنه يعني لا تجرحنه يكون رأس مالك دينك وما عدا ذلك مكسب والله المستعان.

 

الله المستعان نستأذنك فضيلة الدكتور نظرًا لأهمية هذا الباب وما جاء في المزاح وخلط كثير من الناس حول معاني هذا الباب نستأذنك لنستكمل وأن يكون البسط أكثر في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى، مستمعي الكرام سوف نستكمل بإذن الله ما تبقى من هذا الحديث والحديث عن ألفاظه أيضًا وبعض الفوائد التي فيه في الحلقة القادمة وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مباشر شرح المقنع في فقه الإمام أحمد