التعليق على تفسير القرطبي - سورة الشعراء (01)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى-:

سورة الشعراء هِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مِنْهَا مَدَنِيٌّ، الْآيَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الشُّعَرَاءُ، وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ}. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَكِّيَّةٌ إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ قَوْلِهِ:{ وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ} إِلَى آخِرِهَا. وَهِيَ مِائَتَانِ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: سِتٌّ وَعِشْرُونَ. وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ مِنَ الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَأُعْطِيتُ طه وطسم مِنْ أَلْوَاحِ مُوسَى، وَأُعْطِيتُ فَوَاتِحَ الْقُرْآنِ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، وَأُعْطِيتُ الْمُفَصَّلَ نَافِلَةً». وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي السَّبْعَ الطِّوَالَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَأَعْطَانِي الْمَئينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَأَعْطَانِي الطَّوَاسِينَ مَكَانَ الزَّبُورِ، وَفَضَّلَنِي بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي».

قوله تعالى: {طسم} [سورة الشعراء:1]"

الأحاديث مخرجة هذه؟

طالب:......

الأول.

طالب: ......

ما هذه الطبعة؟

طالب:......

ما فيه غيره؟ هذا الذي يخرجه أفضل من هذا.

طالب:....

ما فيها؟

طالب:.....

موجودة الآن مع الإخوان أم لا؟

طالب:.....

...........

طالب:.....

الألباني ما قصد الكتاب.

طالب:......

والثاني الذي يليه؟

طالب:......

" بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى: {طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)} [سورة الشعراء:1-9]

قَوْلُهُ تَعَالَى: {طسم} [سورة الشعراء:1] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ بِإِمَالَةِ الطَّاءِ مُشْبَعًا فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي أُخْتَيْهَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ مُشْبَعًا. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهِيَ كُلُّهَا لُغَاتٌ فَصِيحَةٌ. وَقَدْ مَضَى فِي (طه) قَوْلُ النَّحَّاسِ فِي هَذَا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَرَأَ الْمَدَنِيُّونَ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ: {طسم} بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي الْمِيمِ، وَالْفَرَّاءُ يَقُولُ بِإِخْفَاءِ النُّونِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: وَحَمْزَةُ:" طسين ميم" بِإِظْهَارِ النُّونِ. قَالَ النَّحَّاسُ: للنون السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: يُبَيَّنَانِ عِنْدَ حُرُوفِ الْحَلْقِ، وَيُدْغَمَانِ عِنْدَ الرَّاءِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَيُقْلَبَانِ مِيمًا عِنْدَ الْبَاءِ وَيَكُونَانِ مِنَ الْخَيَاشِيمِ، أَيْ لَا يُبَيَّنَانِ، فَعَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْسَامِ الَّتِي نَصَّهَا سِيبَوَيْهِ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ فَتُبَيَّنُ النُّونُ عِنْدَهُ"

يعني تُظهر، يعني تُظهر، ليس هذا من مواطن الإظهار.

" وَلَكِنْ فِي ذَلِكَ وُجَيْهٌ: وَهُوَ أَنَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ حُكْمُهَا أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهَا، فَإِذَا وُقِفَ عَلَيْهَا تَبَيَّنَتِ النُّونُ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: الْإِدْغَامُ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ قِيَاسًا عَلَى كُلِّ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَهَا أُولَئِكَ لِلتَّبْيِينِ وَالتَّمْكِينِ، وَأَدْغَمَهَا هَؤُلَاءِ لِمُجَاوَرَتِهَا حُرُوفَ الْفَمِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ" فِيمَا يَجْرَى وَفِيمَا لَا يَجْرَى" أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ:" طسينَ ميمُ" بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الْمِيمِ، كَمَا يُقَالُ هَذَا مَعْدِي كَرِبُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَرَأَ خَالِدٌ:" طسينَ مِيمُ". ابْنُ عَبَّاسٍ: {طسم} قَسَمٌ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً} [سورة الشعراء:4]."

كسائر الحروف المقطعة، هي عند ابن عباس قسم.

" وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقال مُجَاهِدٌ: هُوَ اسْمُ السُّورَةِ، وَيُحَسِّنُ افْتِتَاحَ السُّورَةِ. وقال الرَّبِيعُ: حِسَابُ مُدَّةِ قَوْمٍ. وَقِيلَ: قَارِعَةٌ تَحُلُّ بِقَوْمٍ." طسم" وَ" طَس" وَاحِدٌ. قال:

وَفَاؤُكُمَا كَالرَّبْعِ أَشْجَاهُ طَاسِمُهْ

بِأَنْ تُسْعِدَا وَالدَّمْعُ أشقاه ساجمه

وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وَسَنَائِهِ وَمُلْكِهِ."

قالوا: معنى الطاسم الدارس، طاسم الدارس، وسبب هذا الاندراس هو القارعة التي تحل بالقوم، التي أشار إليها المفسر.

"وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وَسَنَائِهِ وَمُلْكِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: الطَّاءُ طُورُ سَيْنَاءَ، وَالسِّينِ إِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَالْمِيمُ مَكَّةُ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: الطَّاءُ شَجَرَةُ طُوبَى، وَالسِّينُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَالْمِيمُ مُحَمَّدٌ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَقِيلَ: الطَّاءُ مِنَ الطَّاهِرِ وَالسِّينُ مِنَ الْقُدُّوسِ، وَقِيلَ: مِنَ السَّمِيعِ، وَقِيلَ: مِنَ السَّلَامِ، وَالْمِيمُ مِنَ الْمَجِيدِ. وَقِيلَ: مِنَ الرَّحِيمِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمَلِكِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ). وَالطَّوَاسِيمُ وَالطَّوَاسِينُ سُوَر الْقُرْآنِ جُمِعَتْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ."

سور في، سور في القرآن.

" وَالطَّوَاسِيمُ وَالطَّوَاسِينُ سُوَرٌ في الْقُرْآنِ جُمِعَتْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ."

كالحواميم.

" وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:

وَبِالطَّوَاسِيمِ الَّتِي قَدْ ثُلِّثَتْ

وَبِالْحَوَامِيمِ الَّتِي قَدْ سُبِّعَتْ

يعني الطواسيم التي هي ثلاث سور فقط، والحواميم التي هي سبع.

" قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والصواب أن تجمع بذوات وَتُضَافَ إِلَى وَاحِدٍ، فَيُقَالُ: ذَوَاتُ طسم وَذَوَاتُ حم. قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ} [سورة الشعراء:2] رفع على إضمار مبتدأ أي هذه {تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ} الَّتِي كُنْتُمْ وُعِدْتُمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ وُعِدُوا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: {تِلْكَ} بِمَعْنَى هَذِهِ. {لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ} [سورة الشعراء:3] أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ وَمُهْلِكُهَا. وَقَدْ مَضَى فِي (الْكَهْفِ) بَيَانُهُ."

{تِلْكِ} مثل قوله- جلَّ وعلا-:{ ذَلِكَ الْكِتَابُ} [سورة البقرة:2] في سورة (البقرة)، فالإشارة إليه التذكير والتأنيث جائز باعتبار أنَّه آيات، يُشار إليه بالتأنيث، وباعتباره القرآن يُشار إليه بالتذكير. والإشارة للبعيد (تلك)، و(ذلك) بُعد مكانته، وعلو منزلته ورفعته.

"{أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:3] أَيْ لِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: (أَنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَإِنَّمَا يُقَالُ: بِإِنْ مَكْسُورَةً؛ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ، كَذَا الْمُتَعَارَفُ. وَالْقَوْلُ فِي هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: (أَنَّ) فِي مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْمَعْنَى لَعَلَّكَ قَاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ. {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً} [سورة الشعراء:4] أي مُعْجِزَةً ظَاهِرَةً وَقُدْرَةً بَاهِرَةً فَتَصِيرُ مَعَارِفُهُمْ ضَرُورِيَّةً، وَلَكِنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِأَنْ تَكُونَ الْمَعَارِفُ نَظَرِيَّةً وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: بلغني أنَّ لهذه الآية صوتًا يُسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، تَخْرُجُ بِهِ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ وَتَضِجُّ لَهُ الْأَرْضُ. وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ قريش لا غيرهم. {فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ} أَيْ فَتَظَلُّ أَعْنَاقُهُمْ {لَها خاضِعِينَ} قَالَ مُجَاهِدٌ: أَعْنَاقُهُمْ كُبَرَاؤُهُمْ، وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: جَاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ أَيْ رُؤَسَاءُ منهم.  وقال أبو زيد والأخفش:"

لأنَّ العنق أرفع ما في الإنسان، والحيوان، وغيرها. وما ذكره من أنَّ هذه الآية لها صوت يُسمع من السماء لا أصل له، ليس بصحيح.

"وقال أبو زيد والأخفش: {أَعْناقُهُمْ} جماعاتهم، يُقَالُ: جَاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ أَيْ جَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ أَصْحَابَ الْأَعْنَاقِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. قال قَتَادَةُ: الْمَعْنَى لَوْ شَاءَ لَأَنْزَلَ آيَةً يَذِلُّونَ بِهَا، فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عُنُقَهُ إِلَى مَعْصِيَةٍ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِي بَنِي أُمَيَّةَ سَتَكُونُ لَنَا عَلَيْهِمُ الدَّوْلَةُ فَتَذِلُّ لَنَا أَعْنَاقُهُمْ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ، ذكره الثعلبي والغزنوي، فالله أعلم. وَخَاضِعِينَ وَخَاضِعَةً"

لكنه في وقت ابن عباس هذا غيب، في وقت ابن عباس هذا غيب إلا إن كان فيه شيء، خبر عن النبي- عليه الصلاة والسلام- يستدل به، وإلا فهذا غيب.

"وَخَاضِعِينَ وَخَاضِعَةً هُنَا سَوَاءٌ، قَالَهُ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَاخْتَارَهُ الْمُبَرِّدُ. وَالْمَعْنَى: إِنَّهُمْ إِذَا ذَلَّتْ رِقَابُهُمْ ذَلُّوا، فَالْإِخْبَارُ عَنِ الرِّقَابِ إِخْبَارٌ عَنْ أَصْحَابِهَا. وَيَسُوغُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ تَتْرُكَ الْخَبَرَ عَنِ الْأَوَّلِ وَتُخْبِرَ عَنِ الثَّانِي، قَالَ الرَّاجِزُ:

طُولُ اللَّيَالِي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي

طَوَيْنَ طُولِي وَطَوَيْنَ عَرْضِي

فَأَخْبَرَ عَنِ اللَّيَالِي وَتَرَكَ الطُّولَ. وَقَالَ جَرِيرٌ:

أَرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي

كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ

وَإِنَّمَا جاز ذلك؛ لأنه لو أسقط مر وطول مِنَ الْكَلَامِ لَمْ يَفْسَدْ مَعْنَاهُ، فَكَذَلِكَ رَدَّ الْفِعْلَ إِلَى الْكِنَايَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ}؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ الْأَعْنَاقَ لَمَا فَسَدَ الْكَلَامُ، وَلَأَدَّى مَا بَقِيَ مِنَ الْكَلَامِ عَنْهُ حَتَّى يَقُولَ: فَظَلُّوا لَهَا خَاضِعِينَ. وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ. وَالْكِسَائِيُّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى خَاضِعِيهَا هُمْ، وَهَذَا خَطَأٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْفَرَّاءِ. وَمِثْلُ هَذَا الْحَذْفِ لَا يَقَعُ فِي شي مِنَ الْكَلَامِ، قَالَهُ النَّحَّاسُ.

 قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [سورة الشعراء:5] تَقَدَّمَ فِي (الْأَنْبِيَاءِ)."

الإخبار عن الطول أو الليالي أو مر أو السنين معروف أنَّه إذا كان الصدر مركبًا من مضاف ومضاف إليه جاز الإخبار عن المضاف، وترك الإخبار عن المضاف إليه، وجاز الإخبار عن المضاف إليه، والإخبار عن المضاف. المقصود أنَّ السياق والقرائن هي التي تدل على المراد، لو قلت: غلام زيد كريم، فالخبر عن الغلام، لكن لو أردت أن تخبر أو تصف زيد المضاف إليه لقلت: غلام زيد الكريم، ويجوز هذا وهذا، لكنَّ القرائن هي التي تدل على المراد.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [سورة الشعراء:5] تَقَدَّمَ فِي (الْأَنْبِيَاءِ). {فَقَدْ كَذَّبُوا} [سورة الشعراء:6] أي أعرضوا ومن أعرض عن شي ولم يقبله فهو تكذيب له. {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} وَعِيدٌ لَهُمْ، أَيْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ عَاقِبَةُ مَا كَذَّبُوا وَالَّذِي اسْتَهْزَءُوا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [سورة الشعراء:7] نَبَّهَ عَلَى عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُمْ لَوْ رَأَوْا بِقُلُوبِهِمْ وَنَظَرُوا بِبَصَائِرِهِمْ لَعَلِمُوا أَنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، إِذْ هُوَ القادر على كل شي. والزوج هو اللون، قاله الفراء. و{كَرِيمٍ} حسن شريف، وأصل الْكَرَمِ فِي اللُّغَةِ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ"

يعني الزوج الشبيه، {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [سورة الصافات: 22] يعني أشباههم.

"وأصل الْكَرَمِ فِي اللُّغَةِ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ، فَنَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ أَيْ فَاضِلَةٌ كَثِيرَةُ الثَّمَرِ، وَرَجُلٌ كَرِيمٌ شَرِيفٌ، فَاضِلٌ صَفُوحٌ. وَنَبَتَتِ الْأَرْضُ وَأَنْبَتَتْ بِمَعْنًى. وَقَدْ تقدم في سور (البقرة) والله سبحانه الْمُخْرِجُ وَالْمُنْبِتُ لَهُ."

النبات والإنبات بمعنى واحد، إلا أنَّ المصدر هو الإنبات، المصدر أنبت إنباتًا، واسم المصدر نباتًا، {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [سورة نوح:17] ما جاء بالمصدر جاء بالاسم، فيجوز هذا وهذا.

" وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، فَمَنْ صَارَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَهُوَ كَرِيمٌ، وَمَنْ صَارَ إِلَى النَّارِ فَهُوَ لَئِيمٌ. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} [سورة الشعراء:8] أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْإِنْبَاتِ فِي الْأَرْضِ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ، لَا يعجزه شيء. {وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:8] أَيْ مُصَدِّقِينَ لِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِي فِيهِمْ. وَ (كانَ) هُنَا صِلَةٌ فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [سورة الشعراء:9] يُرِيدُ المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى} [سورة الشعراء:10] (إِذ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، الْمَعْنَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ {إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى } ويدل على هذا أنَّ بَعْدَهُ. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ} [سورة الشعراء:69] ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وقيل: المعنى، واذكر إذا نَادَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرْ أَخا عادٍ} [سورة الأحقاف: 21]، وَقَوْلِهِ: {وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ} [سورة ص:45]، وَقَوْلِهِ: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ} [سورة مريم:16]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى} [سورة الشعراء:10] كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَالنِّدَاءُ والدعاء"

والنداء الدعاء.

"وَالنِّدَاءُ الدعاء بـ (يا فُلَانُ)، أَيْ قَالَ رَبُّكَ يَا مُوسَى: {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة الشعراء:10] ثُمَّ أَخْبَرَ مَنْ هُمْ فقال: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} [سورة الشعراء:11] فَـ {قَوْمَ} بَدَلٌ، وَمَعْنَى{ أَلا يَتَّقُونَ} أَلَا يَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ؟ وَقِيلَ: هَذَا مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وَدَلَّ قَوْلُهُ:{ يَتَّقُونَ} عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتَّقُونَ، وَعَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّقْوَى. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، قُلْ لَهُمْ" أَلَا تَتَّقُونَ" وَجَاءَ بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ غُيَّبٌ وَقْتَ الْخِطَابِ، ولو جاء بالتاء لَجَازَ."

يعني على الحكاية، على حكاية ما مضى، يأتي بـ (التاء) على حكاية ما مضى، وبـ (الياء) على أنَّهم غُيَّب وقت الخطاب ليسوا بموجودين.

" وَمِثْلُهُ{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [سورة آل عمران:12] بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ. وَقَدْ قَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَأَبُو حَازِمٍ" أَلَا تَتَّقُونَ" بِتَاءَيْنِ أَيْ قُلْ لَهُمْ" أَلَا تَتَّقُونَ". {قالَ رَبِّ} [سورة الشعراء:12] أَيْ قَالَ مُوسَى: {رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [سورة الشعراء:12] أَيْ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ. {وَيَضِيقُ صَدْرِي} [سورة الشعراء:13] لِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ{ وَيَضِيقُ}، {وَلا يَنْطَلِقُ} بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَقَرَأَ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حَيْوَةَ:" وَيَضِيقَ- وَلَا يَنْطَلِقَ" بِالنَّصْبِ فِيهِمَا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ:{ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [سورة الشعراء:12]"

يعني عطفًا عليه.

" قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقِرَاءَةُ بِالرَّفْعِ، يَعْنِي فِي{ يَضِيقُ صَدْرِي .. وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي} [سورة الشعراء:13]من وجهين أحدهما الابتداء، والآخر بمعنى وإني يضيق صدري ولا ينطلق لساني، يعني نسقًا عَلَى { إِنِّي أَخافُ} [سورة الشعراء:12]. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ. حكي ذلك عن الأعرج وطلحة وعيسى بن عُمَرَ، وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْهٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ الرفع؛ لِأَنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلَى { يُكَذِّبُونِ} [سورة الشعراء:12] وَهَذَا بَعِيدٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ- عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} [سورة طه:27] فَهَذَا يَدُلُّ على أن هذه كذا. ومعنى {وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي}  [سورة الشعراء:13] فِي الْمُحَاجَّةِ عَلَى مَا أُحِبُّ، وَكَانَ فِي لِسَانِهِ عُقْدَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي (طه). {فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ} [سورة الشعراء:13] أَرْسِلْ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالْوَحْيِ، وَاجْعَلْهُ رَسُولًا مَعِي.."

يعني كما جاء في الخبر أنَّه أخذ جمرة بدل التمرة ووضعها في فيه فحصل له ما حصل بلسانه.

"{فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ} [سورة الشعراء:13] أَرْسِلْ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالْوَحْيِ، وَاجْعَلْهُ رَسُولًا مَعِي لِيُؤَازِرَنِي وَيُظَاهِرَنِي وَيُعَاوِنَنِي. وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا لِيُعِينَنِي، لِأَنَّ الْمَعْنَى كَانَ مَعْلُومًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي سُورَةِ (طه): { وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً}  [سورة طه:29] وَفِي الْقَصَصِ:{ فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} [سورة القصص:34] وَكَأَنَّ مُوسَى أُذِنَ لَهُ فِي هَذَا السُّؤَالِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِعْفَاءً مِنَ الرِّسَالَةِ، بَلْ طَلَبَ مَنْ يُعِينُهُ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَمْرٍ، وَيَخَافُ مِنْ نَفْسِهِ تَقْصِيرًا، أَنْ يَأْخُذَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ لَوْمٌ."

نعم، لا يُلام إذا غلب على ظنه أنَّه لا يطيق العمل بمفرده، لا يُلام وقد أجيبت دعوته، وأجيب طلبه في نبوة هارون أخيه، فكان كما يقول أهل العلم: أنفع أخ لأخيه على الإطلاق، حيث سأل له النبوءة فحصلت.

" {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [سورة الشعراء:14] الذَّنْبُ هُنَا قَتْلُ الْقِبْطِيِّ، وَاسْمُهُ فَاثُورُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي (الْقَصَصِ) بَيَانُهُ، وَقَدْ مَضَى فِي (طه) ذِكْرُهُ. وَخَافَ مُوسَى أَنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ قَدْ يَصْحَبُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْفُضَلَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ وَأَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا هُوَ، إِذْ قَدْ يُسَلِّطُ مَنْ شَاءَ عَلَى مَنْ شَاءَ."

نعم، هذا الخوف الجبلِّي، لا خوف التعظيم الذي هو خاص بالله- جلَّ وعلا-، فالخوف الجبلِّي يشترك فيه الناس كلهم. أمَّا خوف التعظيم فلا يكون إلا مع الله- جلَّ وعلا-، وهو من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله.

" {قالَ كَلَّا} [سورة الشعراء:15] أَيْ كَلَّا لَنْ يَقْتُلُوكَ. فَهُوَ رَدْعٌ وَزَجْرٌ عَنْ هَذَا الظَّنِّ، وَأَمْرٌ بِالثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَيْ ثِقْ بِاللَّهِ وَانْزَجِرْ عَنْ خَوْفِكَ منهم، فإنهم لا يقدرون على قتلك، وَلَا يَقْوَوْنَ عَلَيْهِ. {فَاذْهَبا} [سورة الشعراء:15] أَيْ أَنْتَ وَأَخُوكَ فَقَدْ جَعَلْتُهُ رَسُولًا مَعَكَ. {بِآياتِنا} [سورة الشعراء:15] أَيْ بِبَرَاهِينِنَا وبالمعجزات. وقيل: آيَاتِنَا. {إِنَّا مَعَكُمْ} [سورة الشعراء:15] يُرِيدُ نَفْسَهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-. {مُسْتَمِعُونَ} [سورة الشعراء:15] أَيْ سَامِعُونَ مَا يَقُولُونَ وَمَا يُجَاوِبُونَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ قَلْبَيْهِمَا وَأَنَّهُ يُعِينُهُمَا وَيَحْفَظُهُمَا."

نعم، فالمعية هنا معية النصر والتأييد والحفظ.

" وَالِاسْتِمَاعُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِصْغَاءِ، وَلَا يُوصَفُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وَقَالَ فِي (طه): { أَسْمَعُ وَأَرى} [سورة طه:46] وَقَالَ: {مَعَكُمْ} [سورة الشعراء:15] فَأَجْرَاهُمَا مَجْرَى الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَلِمَنْ أُرْسِلَا إِلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ بَنِي إسرائيل."

على كل حال صفة السمع ثابتة لله- جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، ثابتة في الكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف هذه الأُمَّة، أمَّا قوله: (وَلَا يُوصَفُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ) مسألة الإصغاء التي لم يرد بها الدليل يتوقف فيها، وأمَّا أصل السمع والاستماع فثابت بنصوص الكتاب والسُّنَّة فلا محيد عن إثباته على ما يليق بجلال الله وعظمته.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء:16]، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: رَسُولُ بِمَعْنَى رِسَالَةُ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: إِنَّا ذَوُو رِسَالَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ الهذلي:

أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو

لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرِ

أَلِكْنِي إِلَيْهَا مَعْنَاهُ أَرْسِلْنِي. وَقَالَ آخَرُ:

لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ

بِسِرٍّ ولا أرسلتهم برسول

وقال آخَرُ:

أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا

بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ

وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي خُفَافَا

رَسُولًا بَيْتُ أَهْلِكَ مُنْتَهَاهَا

الفُتاح هي الحكم، الفتَّاح الحاكم، تعالى أفاتحك يعني أحاكمك، أما قوله: الرسول بمعنى الرسالة فليس بظاهر، فالرسول على وجهه وهو المرسل من قِبل غيره، وإفراده وإن كان المبتدأ جمع إلا أنَّه؛ لأنَّ المعنى واحد، بأنَّ رسالة الاثنين واحدة، فكانا في حكم الواحد.

"يَعْنِي رِسَالَةً فَلِذَلِكَ أَنَّثَهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ فِي مَعْنَى الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، فَتَقُولُ الْعَرَبُ: هَذَا رَسُولِي وَوَكِيلِي، وَهَذَانِ رَسُولِي وَوَكِيلِي، وَهَؤُلَاءِ رَسُولِي وَوَكِيلِي."

لا سيما إذا أرسل لشيء واحد، واتفقا على هذا المرسل به ولم ينفصل أحدهما عن الأخر، فهما في حكم الرسول الواحد.

" وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [سورة الشعراء:77] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ} [سورة الشعراء:17] أَيْ أَطْلِقْهُمْ وَخَلِّ سَبِيلَهُمْ حَتَّى يَسِيرُوا مَعَنَا إِلَى فِلَسْطِينَ وَلَا تَسْتَعْبِدْهُمْ،.."

الإرسال بمعنى الإطلاق؛ لذا لمَّا جاء عمر- رضي الله تعالى عنه- إلى النبي- عليه الصلاة والسلام- بمن سمعه يقرأ على غير ما أقرأه النبي- عليه الصلاة والسلام- قال له:" أرسله" يعني أطلقه.

" وَكَانَ فِرْعَوْنُ اسْتَعْبَدَهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَانْطَلَقَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا سَنَةً فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ الْبَوَّابُ على فرعون فقال: ها هنا إِنْسَانٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَقَالَ فرعون: ائذن لَهُ لَعَلَّنَا نَضْحَكُ مِنْهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَأَدَّيَا الرِّسَالَةَ. وَرَوَى وَهْبٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُمَا لَمَّا دَخَلَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَجَدَاهُ وَقَدْ أَخْرَجَ سِبَاعًا مِنْ أُسْدٍ وَنُمُورٍ وَفُهُودٍ يَتَفَرَّجُ عَلَيْهَا، فَخَافَ سُوَّاسُهَا أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فَأَقْبَلَتْ تَلْحَسُ أَقْدَامَهُمَا، وَتُبَصْبِصُ إِلَيْهِمَا بِأَذْنَابِهَا، وَتُلْصِقُ خُدُودَهَا بِفَخِذَيْهِمَا، فَعَجِبَ فِرْعَوْنُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ما أنتما؟ قالا: { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء: 16] فَعَرَفَ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ نَشَأَ في بيته، ف {قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً} [سورة الشعراء:18] عَلَى جِهَةِ الْمَنِّ عَلَيْهِ وَالِاحْتِقَارِ. أَيْ رَبَّيْنَاكَ صَغِيرًا وَلَمْ نَقْتُلْكَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَتَلْنَا، {وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} فَمَتَى كَانَ هَذَا الَّذِي تدعيه. ثم قرره بقتل القبطي بقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} [سورة الشعراء:19] وَالْفَعْلَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ الْمَرَّةُ مِنَ الْفِعْلِ. وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ: (فِعْلَتَكَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَالْفَتْحُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَالْكَسْرُ بِمَعْنَى الْهَيْئَةِ وَالْحَالِ، أَيْ فَعْلَتَكَ الَّتِي تَعْرِفُ، فَكَيْفَ تَدَّعِي مَعَ عِلْمِنَا أَحْوَالَكَ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا

مَرُّ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ

وَيُقَالُ: كَانَ ذَلِكَ أَيَّامَ الرِّدَّةِ وَالرَّدَّةِ. {وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ} [سورة الشعراء:19]"

طالب: وجه الاستشهاد بالبيت؟

نعم؟

طالب: الاستشهاد بالبيت.

الاستشهاد، مشية.

طالب: مشية، والفعلة.

والمشية هي الهيئة، والمقصود الفعلة التي هي المرة، هو يسأله عن المرة {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ}، وليست الفِعلة التي هي الهيئة.

"وَيُقَالُ: كَانَ ذَلِكَ أَيَّامَ الرِّدَّةِ وَالرَّدَّةِ."

والرِّدة الهيئة، والرَّدة المرة.

" {وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ} [سورة الشعراء:19] قَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي قَتْلِكَ الْقِبْطِيَّ؛ إِذْ هُوَ نَفْسٌ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ. وَقِيلَ: أَيْ بِنِعْمَتِي الَّتِي كَانَتْ لَنَا عَلَيْكَ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْكَ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقال الْحَسَنُ: {مِنَ الْكافِرِينَ} فِي أَنِّي إِلَهُكَ. قال السُّدِّيُّ:{ مِنَ الْكافِرِينَ} بِاللَّهِ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ مَعَنَا عَلَى دِينِنَا هَذَا الَّذِي تَعِيبُهُ. وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ وَبَيْنَ رُجُوعِهِ نَبِيًّا أَحَدَ عَشَرَ عَامًا غَيْرَ أَشْهُرٍ."

لمَّا أتم المدة التي طُلبت منه مهرًا لزوجته، وهي عشر سنين؛ لأنَّه أتم العشر والاتفاق على الثمانية، فأتم أطول الأجلين، رجع فالمدة عشر سنين مؤكدة، وما زاد على ذلك فبقدره، ما يُدرى كم المدة التي بعد عشر.

" فَ {قالَ فَعَلْتُها إِذاً} [سورة الشعراء:20] أَيْ فَعَلْتَ تِلْكَ الْفَعْلَةَ، يُرِيدُ قَتْلَ الْقِبْطِيِّ. {وَأَنَا} إِذْ ذَاكَ {مِنَ الضَّالِّينَ} أَيْ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ الْكُفْرَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجَهْلِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، {مِنَ الضَّالِّينَ} مِنَ الْجَاهِلِينَ. ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الْجَاهِلِينَ بِأَنَّ الْوَكْزَةَ تَبْلُغُ الْقَتْلَ. وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ" مِنَ الْجَاهِلِينَ" وَيُقَالُ لِمَنْ جَهِلَ شَيْئًا ضَلَّ عَنْهُ. وَقِيلَ: { وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} مِنَ النَّاسِينَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقِيلَ: { وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} عَنِ النبوة ولم يأتني عن الله فيه شيء، فَلَيْسَ عَلَيَّ فِيمَا فَعَلْتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَوْبِيخٌ. وَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّرْبِيَةَ فِيهِمْ لَا تُنَافِي النُّبُوَّةَ وَالْحِلْمَ عَلَى النَّاسِ، وَأَنَّ الْقَتْلَ خَطَأٌ أَوْ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْعٌ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ."

يعني هو ما بلغه في حكمه شيء، والحكم إنَّما يلزم منه بلوغه؛ وعلى هذا الكلام في عصمة الأنبياء قبل النبوة، منهم من يرى أنَّهم معصومون قبل وبعد، ومنهم من يرى أنَّ العصمة إنَّما تكون بعد النبوة، وهذا هو المرجح لما حصل من الأنبياء، لما حصل من موسى قبل ذلك، آدم أكل من الشجرة، ثم بعد ذلك اصطفاه الله وجعله نبيًّا.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} [سورة الشعراء:21] أَيْ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِكُمْ إِلَى مَدْيَنَ كَمَا فِي سُورَةِ (الْقَصَصِ): { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [سورة القصص:21] وَذَلِكَ حِينَ الْقَتْلِ. {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} [سورة الشعراء:21] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ. وقال الزَّجَّاجُ: تَعْلِيمُ التَّوْرَاةِ الَّتِي فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ. وَقِيلَ: عِلْمًا وَفَهْمًا. {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء:21].

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ} [سورة الشعراء:22] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ السُّدِّيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَالْفَرَّاءُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَى جِهَةِ الْإِقْرَارِ بِالنِّعْمَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: نَعَمْ! وَتَرْبِيَتُكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِنْ حَيْثُ عَبَّدْتَ غَيْرِي وَتَرَكْتَنِي، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسَالَتِي. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، أَيْ أَتَمُنُّ عَلَيَّ بِأَنْ رَبَّيْتَنِي وَلِيدًا وَأَنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَتَلْتَهُمْ؟! أَيْ لَيْسَتْ بِنِعْمَةٍ؟"

فيكون هذا من باب تأكيد الذنب بما يُشبه المدح، تأكيد الذنب بما يُشبه المدح، يعني تمن عليَّ بنعمتك أن عبَّدت بني إسرائيل وأنا واحد منهم، يعني هذه المنة التي تمنها علينا، جعلتهم عبيدًا لك.

" أَيْ لَيْسَتْ بِنِعْمَةٍ؟ لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ أَلَّا تَقْتُلَهُمْ وَلَا تَسْتَعْبِدَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَوْمِي، فَكَيْفَ تَذْكُرُ إِحْسَانَكَ إِلَيَّ عَلَى الْخُصُوصِ؟! قَالَ مَعْنَاهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: فِيهِ تقدير استفهام، أي أو تلك نِعْمَةٌ؟ قَالَهُ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ أَيْضًا، وَأَنْكَرَهُ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ تُحْدِثُ مَعْنًى، وَحَذْفُهَا مُحَالٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ أَمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ

وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ اخْتِلَافًا فِي هَذَا إِلَّا شَيْئًا قَالَهُ الْفَرَّاءُ. قَالَ: يَجُوزُ حذف أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ فِي أَفْعَالِ الشَّكِّ، وَحُكِيَ تَرَى زَيْدًا مُنْطَلِقًا؟ بِمَعْنَى أَتَرَى. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ يَقُولُ فِي هَذَا: إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامَّةِ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: قَالَ الْفَرَّاءُ وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا إنكار قال: معناه "أو تلك نِعْمَةٌ؟" عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ، كَقَوْلِهِ:{هَذَا رَبِّي} [سورة الأنعام:76]، {فَهُمُ الْخالِدُونَ} [سورة الأنبياء:34]. قال الشَّاعِرِ:

رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ

فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ

وَأَنْشَدَ الْغَزْنَوِيُّ شَاهِدًا عَلَى تَرْكِ الْأَلِفِ قَوْلَهُمْ:

لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتَهَا

وَجَفْنُهَا مِنْ دُمُوعِهَا شَرِقُ

وَقَوْلَهَا وَالرِّكَابُ وَاقِفَةٌ

تَرَكْتَنِي هَكَذَا وَتَنْطَلِقُ

قُلْتُ: فَفِي هَذَا حُذِفَ أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ عَدَمِ (أَمْ) خِلَافَ قَوْلِ النَّحَّاسِ."

إذا وجد في الكلام ما يدل على الاستفهام، إذا وجد في الكلام ما يدل على إرادة الاستفهام جاز ذلك.

" وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّبْكِيتِ، وَالتَّبْكِيتُ يَكُونُ بِاسْتِفْهَامٍ وَبِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ، وَالْمَعْنَى: لَوْ لَمْ تَقْتُلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَرَبَّانِي أَبَوَايَ، فَأَيُّ نِعْمَةٍ لَكَ عَلَيَّ! فَأَنْتَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِمَا لَا يَجِبُ أَنْ تَمُنَّ بِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَيْفَ تَمُنُّ بِالتَّرْبِيَةِ وَقَدْ أَهَنْتَ قَوْمِي؟ وَمَنْ أُهِينَ قَوْمُهُ ذَلَّ."

نعم، فالإهانة أشد من التربية، أعظم من التربية، أشد وقعًا على النفس من التربية، ولو تركه دون تربية ودون إهانة لكان أكثر منة له عليه.

" وَ{أَنْ عَبَّدْتَ} [سورة الشعراء:22] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ" نِعْمَةٌ" وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنَى: لِأَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيِ اتخذتُهم عبيدًا."

اتخذتَهم.

" لِأَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيِ اتخذتَهم عبيدًا. يقال: عبدته وأعبدته بمعنى، قاله الفراء وأنشد:

علام يُعْبِدُنِي قَوْمِي وَقَدْ كَثُرَتْ

فِيهِمْ أَبَاعِرُ مَا شاءوا وعبدان

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء:23] لَمَّا غَلَبَ مُوسَى فِرْعَوْنَ بِالْحُجَّةِ وَلَمْ يَجِدِ اللَّعِينُ مِنْ تَقْرِيرِهِ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حُجَّةً رَجَعَ إِلَى مُعَارَضَةِ مُوسَى فِي قَوْلِهِ: رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهَامًا عَنْ مَجْهُولٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ. قَالَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ: كَمَا يُسْتَفْهَمُ عَنِ الْأَجْنَاسِ؛ فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ بِـ (مَا). قَالَ مَكِّيٌّ: وَقَدْ وَرَدَ لَهُ اسْتِفْهَامٌ بِـ (مَنْ) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُشْبِهُ أَنَّهَا مَوَاطِنُ،.."

يعني مرة قال هذا، ومرة قال هذا، مرة تصوره على جهة النقص لا على أنَّه من من يعقل فقال: {وَما رَبُّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء:23] التي ليست للعاقل، ثم عرف عنه ما عرف، وأنَّه الذي خلق السماوات والأرض، وجاء غير ذلك، ما جاء في أوصافه فجاء الاستفهام بلفظ من يعقل، فهي مواطن، وعلى كل حال الكلام كله على لسان فرعون الذي يُنكر وجود الله- جلَّ وعلا- في الظاهر وإن اعترف به في الباطن،{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [سورة النمل:14].

" فَأَتَى مُوسَى بِالصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اللَّهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا مَخْلُوقٌ، وَقَدْ سَأَلَ فِرْعَوْنُ عَنِ الْجِنْسِ وَلَا جِنْسَ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْأَجْنَاسَ مُحْدَثَةٌ، فَعَلِمَ مُوسَى جَهْلَهُ فَأَضْرَبَ عَنْ سُؤَالِهِ، وَأَعْلَمَهُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي تُبَيِّنُ لِلسَّامِعِ أَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ لِفِرْعَوْنَ فِيهَا. فَقَالَ فِرْعَوْنُ: {أَلا تَسْتَمِعُونَ} [سورة الشعراء:25] عَلَى مَعْنَى الْإِغْرَاءِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ سَفَهِ الْمَقَالَةِ؛ إِذْ كَانَتْ عَقِيدَةُ الْقَوْمِ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ، وَالْفَرَاعِنَةُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ. فَزَادَ مُوسَى فِي الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [سورة الشعراء:26] فَجَاءَ بِدَلِيلٍ يَفْهَمُونَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ آبَاءٌ، وَأَنَّهُمْ قَدْ فَنُوا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُغَيِّرٍ، وَأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا، وَأَنَّهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُكَوِّنٍ. فَقَالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ عَلَى جِهَةِ الاستخفاف: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [سورة الشعراء:27] أَيْ لَيْسَ يُجِيبُنِي عَمَّا أَسْأَلُ، فَأَجَابَهُ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالَ: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [سورة الشعراء:28] أَيْ لَيْسَ مُلْكُهُ كَمُلْكِكَ، لِأَنَّكَ إِنَّمَا تملك بلد وَاحِدًا لَا يَجُوزُ أَمْرُكَ فِي غَيْرِهِ، وَيَمُوتُ مَنْ لَا تُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ، وَالَّذِي أَرْسَلَنِي يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ {وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة الشعراء:28]. وَقِيلَ: عَلِمَ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّ قَصْدَهُ فِي السُّؤَالِ مَعْرِفَةُ مَنْ سَأَلَ عَنْهُ، فَأَجَابَ بِمَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الْيَوْمَ. ثُمَّ لَمَّا انْقَطَعَ فِرْعَوْنُ- لَعَنَهُ اللَّهُ- فِي بَابِ الْحُجَّةِ رَجَعَ إِلَى الِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّغَلُّبِ فَوَعَدَ مُوسَى بِالسَّجْنِ، وَلَمْ يَقُلْ مَا دَلِيلُكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِلَهَ أَرْسَلَكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ ثَمَّ إِلَهًا غَيْرُهُ. وَفِي تَوَعُّدِهِ بِالسَّجْنِ ضَعْفٌ. وَكَانَ فِيمَا يُرْوَى أَنَّهُ يَفْزَعُ مِنْهُ فَزَعًا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ اللَّعِينُ لَا يُمْسِكُ بَوْلَهُ."

لا شك أنَّ السجن ضعف؛ لأنَّه لو كان من منطلق قوة، قوة حجة لناقش خصمه حتى يلزمه بالحجة والبرهان، لكن إذا عرف أنَّه ليس له حجة ولا برهان وضعُف من هذه الحيثية وليس بيده إلا القوة توعده بالسجن.

" وَرُوِيَ أَنَّ سِجْنَهُ كَانَ أَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ، وَكَانَ إِذَا سَجَنَ أَحَدًا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ سَجْنِهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَكَانَ مَخُوفًا. ثُمَّ لَمَّا كَانَ عِنْدَ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَرَعْهُ تَوَعَّدَ فِرْعَوْنَ {قالَ} لَهُ.."

توَّعُدُ، ما لا يرُعه توعُدُ فرعون.

" ثُمَّ لَمَّا كَانَ عِنْدَ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَرُعْهُ تَوَعدَ فِرْعَوْنَ {قالَ} لَهُ .."

يعني مطمئن؛ لأنَّ الله وعده أن ينجيه من فرعون.

" {قَالَ} له عَلَى جهة اللطف به والطمع في إيمانه: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [سورة الشعراء:30] فَيَتَّضِحُ لَكَ بِهِ صِدْقِي، فَلَمَّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ طَمِعَ فِي أَنْ يَجِدَ أَثْنَاءَهُ موضع معارضة {فقال} لَهُ: {فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [سورة الشعراء:31]. وَلَمْ يَحْتَجِ الشَّرْطُ إِلَى جَوَابٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ يَكْفِي مِنْهُ. {فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ} [سورة الشعراء:31] مِنْ يَدِهِ فَكَانَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ مِنْ قِصَّتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَشَرْحُهُ فِي (الْأَعْرَافِ) إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. وَقَالَ السَّحَرَةُ لما توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل {لَا ضَيْرَ} [سورة الشعراء:50] أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَيْنَا فِيمَا يَلْحَقُنَا مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، أَيْ إِنَّمَا عَذَابُكَ سَاعَةً فَنَصْبِرُ لَهَا وَقَدْ لَقِينَا اللَّهَ مُؤْمِنِينَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ اسْتِبْصَارِهِمْ وَقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: دَعَا مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِرْعَوْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ السَّحَرَةَ آمَنُوا بِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. يُقَالُ: لَا ضَيْرَ وَلَا ضَوْرَ وَلَا ضَرَّ وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضارورة بمعنى واحد، قاله الْهَرَوِيُّ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:"

بمعنىً واحد.

"بمعنىً واحد"

لأنَّك لو أضفت لقلت: بمعنى واحد، صارت كلها معانيها واحدة، بمعنى واحد كانت كلها بمعنى شيء واحد.

طالب:.......

يكون تفسير لا ضير واحدًا، لا ضير معناه واحد، ولا ضور معناه واحد، وهكذا لكن لو قلت يكن بمعنىً واحد أي هذه الألفاظ المكررة معناها واحد. نعم.

" يُقَالُ: لَا ضَيْرَ وَلَا ضَوْرَ وَلَا ضَرَّ وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضارورة بمعنى واحد، قاله الْهَرَوِيُّ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:

فَإِنَّكَ لَا يَضُورُكَ بَعْدَ حَوْلٍ

أَظَبْيٌ كَانَ أُمَّكَ أَمْ حِمَارُ

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ضَارَهُ يَضُورُهُ وَيَضِيرُهُ ضَيْرًا وَضَوْرًا أَيْ ضَرَّهُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: لَا يَنْفَعُنِي ذَلِكَ وَلَا يَضُورُنِي. وَالتَّضَوُّرُ: الصِّيَاحُ وَالتَّلَوِّي عِنْدَ الضَّرْبِ أَوِ الْجُوعِ. وَالضُّورَةُ بِالضَّمِّ: الرَّجُلُ الْحَقِيرُ الصَّغِيرُ الشَّأْنِ. {إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ} [سورة الشعراء:50] يُرِيدُ نَنْقَلِبُ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ رَحِيمٍ {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}[سورة الشعراء:51]. (أَنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لِأَنْ كُنَّا. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ كَسْرَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مُجَازَاةً. وَمَعْنَى { أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَةِ مِمَّنْ كَانَ فِي جَانِبِ فِرْعَوْنَ. قال الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ مُؤْمِنِي زَمَانِنَا. وَأَنْكَرَهُ الزَّجَّاجُ وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ آمَنَ مَعَهُ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَهُمُ الشِّرْذِمَةُ الْقَلِيلُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ:{ إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [سورة الشعراء:54] رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ."

يقول في قوله: {أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء: 51] (أَجَازَ الْفَرَّاءُ كَسْرَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مُجَازَاةً.) يعني شرطية {أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} فإنَّا نطمع أن يغفر لنا ربنا، فيكون جزاؤه متقدمًا.

طالب:...........

أي، ما فيه؟

طالب:..........

نعم، آذنهم بالحجة والبيان.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [سورة الشعراء:52] لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ إِنْجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ مِنْ أوليائه، المعترفين بِرِسَالَةِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَإِهْلَاكُ الْكَافِرِينَ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِ، أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا وَسَمَّاهُمْ عِبَادَهُ؛ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى. وَمَعْنَى أَيْ يَتَّبِعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكُمْ. وَفِي ضِمْنِ هَذَا الْكَلَامِ تَعْرِيفُهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَحَرًا، فَتَرَكَ الطَّرِيقَ إِلَى الشَّامِ عَلَى يَسَارِهِ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْبَحْرِ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقُولُ لَهُ فِي تَرْكِ الطَّرِيقِ فَيَقُولُ: هَكَذَا أُمِرْتُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ وَعَلِمَ بِسُرَى مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَى مَدَائِنِ مِصْرَ لِتَلْحَقَهُ الْعَسَاكِرُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَحِقَهُ وَمَعَهُ مِائَةُ أَلْفِ أَدْهَمَ مِنَ الْخَيْلِ سِوَى سَائِرِ الْأَلْوَانِ. وَرُوِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَإِنَّمَا اللَّازِمُ مِنَ الْآيَةِ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- خَرَجَ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ فِرْعَوْنَ تَبِعَهُ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ أَلْفُ جَبَّارٍ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ تَاجٌ، وَكُلُّهُمْ أَمِيرُ خَيْلٍ. وَالشِّرْذِمَةُ: الْجَمْعُ الْقَلِيلُ الْمُحْتَقَرُ، وَالْجَمْعُ الشَّرَاذِمُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ وَالْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وَثَوْبٌ شَرَاذِمُ أَيْ قِطَعٌ. وَأَنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ قَوْلَ الرَّاجِزِ:

جَاءَ الشِّتَاءُ وَثِيَابِي أَخْلَاقْ ... شَرَاذِمُ يَضْحَكُ مِنْهَا النَّوَّاقْ

النَّوَّاقُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يُرَوِّضُ الْأُمُورَ وَيُصْلِحُهَا، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ."

ولا يبعد أن يكون المراد من النَّوَّاق سائس النوق، وراعيها، والعادة أنَّ مثله تكون ثيابه أسمال بالية.

طالب:............

هو الاحتقار يكون لوصفهم، أو لعددهم، ولا شك أنَّ فرعون معه أكثر بكثير.

"وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ:{لَشِرْذِمَةٌ} [سورة الشعراء:54] لَامُ تَوْكِيدٍ وَكَثِيرًا مَا تَدْخُلُ فِي خَبَرِ إِنَّ، إِلَّا أَنَّ الْكُوفِيِّونَ"

الكوفيين. إلا أنَّ

"إلا أنَّ الكوفيِّين لَا يُجِيزُونَ إِنَّ زَيْدًا لَسَوْفَ يَقُومُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [سورة الشعراء:49] وَهَذِهِ لَامُ التَّوْكِيدِ بِعَيْنِهَا وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى سَوْفَ، قَالَهُ النَّحَّاسُ. {وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ} [سورة الشعراء:55]أَيْ أَعْدَاءٌ لَنَا؛ لِمُخَالَفَتِهِمْ دِينَنَا وَذَهَابِهِمْ بِأَمْوَالِنَا الَّتِي اسْتَعَارُوهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَمَاتَتْ أَبْكَارُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (الْأَعْرَافِ) وَ(طه) مُسْتَوْفًى. يُقَالُ: غَاظَنِي كَذَا وَأَغَاظَنِي. وَالْغَيْظُ الْغَضَبُ، وَمِنْهُ التَّغَيُّظُ وَالِاغْتِيَاظُ. أَيْ غَاظُونَا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ. {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} [سورة الشعراء:56] أَيْ مجتمع مستعد أخذُنا حذرنا وأسلحتنا."

أخَذْنَا.

"أخَذْنَا حذرنا وأسلحتنا، وقرأ"

{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} [سورة الشعراء:56] قراءته.

" {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} [سورة الشعراء:56] أَيْ مجتمع مستعد".

أخذُنا، على هذا أخذُنا.

" أخذُنا حذرنا وأسلحتنا. وقرأ "حذرون" ومعناه معنى {حاذِرُونَ}"

إلا أنَّ حذر صيغة المبالغة، وحاذر اسم الفاعل، فحاذرون أبلغ.

"ومعناه {حاذِرُونَ} أي فرقون خائفون. قال الجوهري: وقرأ { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} و" حاذِرُونَ" و" حاذرون" بِضَمِّ الذَّالِ حَكَاهُ الْأَخْفَشُ، وَمَعْنَى{حاذِرُونَ} مُتَأَهِّبُونَ، ومعنى {حاذِرُون} خَائِفُونَ. قَالَ النَّحَّاسُ:" حَذِرُونَ" قِرَاءَةُ الْمَدَنِيِّينَ وَأَبِي عَمْرٍو، وَقِرَاءَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: { حَاذِرُونَ} وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَ" َادِرُونَ" بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ قِرَاءَةُ أَبِي عَبَّادٍ، وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ عَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلَانَ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَعْنَى" حَذِرُونَ" وَ" حَاذِرُونَ" وَاحِدٌ. وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وَأَجَازَ: هُوَ حَذِرٌ زَيْدًا، كَمَا يُقَالُ: حَاذِرْ زَيْدًا".

فهي تعمل عمل الفعل، الصيغة، صيغة المبالغة تعمل عمل الفعل كاسم الفاعل.

" وَأَنْشَدَ:

حَذِرٌ أُمُورًا لَا تَضِيرُ وَآمِنٌ

ما ليس مُنْجِيِه من الأقدار

مُنْجِيَه خبر ليس.

" ما ليس مُنْجِيَه من الأقدار.

وَزَعَمَ أَبُو عُمَرَ الْجِرْمِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ هُوَ حَذِرٌ زَيْدًا عَلَى حَذْفِ (مِنْ). فَأَمَّا أَكْثَرُ النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر، مِنْهُمُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، فَيَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى حَذِرٌ فِي خِلْقَتِهِ الْحَذَرُ، أَيْ مُتَيَقِّظٌ مُتَنَبِّهٌ".

يعني باستمرار، يكون هذا وصفه المستمر، مبالغة.

"فَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَتَعَدَّ، وَمَعْنَى حَاذِرٍ مُسْتَعِدٌّ، وَبِهَذَا جَاءَ التَّفْسِيرُ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ-: { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ} [سورة الشعراء:56] قَالَ: مُؤْدُونَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ مُقْوُونَ، فَهَذَا ذَاكَ بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: مُؤْدُونَ مَعَناه أَدَاةٌ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى: مَعَنَا سِلَاحٌ وَلَيْسَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَمَّا" حَادِرُونَ" بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَمُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ حَدْرَةٌ أَيْ مُمْتَلِئَةٌ، أَيْ نَحْنُ مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا عَلَيْهِمْ، ومنه قول الشاعر:

وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ

شُقَّتْ مَآقِيهِمَا مِنْ أُخَرْ

وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ: رَجُلٌ حَادِرٌ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئَ اللَّحْمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الِامْتِلَاءُ مِنَ السِّلَاحِ. قال الْمَهْدَوِيُّ: الْحَادِرُ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ."

كالذي يمشي في المنحدر يمشي بقوة وشدة، بخلاف من يمشي في المرتقى فإنَّه بخلاف ذلك.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [سورة الشعراء:57] يَعْنِي مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَتِ الْجَنَّاتُ بِحَافَّتَيِ النِّيلِ فِي الشُّقَّتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ أُسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ، وَبَيْنَ الْجَنَّاتِ زُرُوعٌ. وَالنِّيلُ سَبْعَةُ خِلْجَانٍ: خَلِيجُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَخَلِيجُ سَخَا، وَخَلِيجُ دِمْيَاطٍ، وَخَلِيجُ سَرْدُوسَ، وَخَلِيجُ مَنْفَ، وَخَلِيجُ الْفَيُّومِ، وَخَلِيجُ الْمَنْهَى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وَالزُّرُوعُ مَا بَيْنَ الْخِلْجَانِ كُلِّهَا. وَكَانَتْ أَرْضُ مِصْرَ كُلُّهَا تُرْوَى مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِمَا دَبَّرُوا وَقَدَّرُوا مِنْ قَنَاطِرِهَا وَجُسُورِهَا وَخُلْجَانِهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ النِّيلُ إِذَا غَلَّقَ سِتَّةَ عَشْرَ ذِرَاعًا نِيلَ السُّلْطَانِ، وَيُخْلَعُ عَلَى ابْنِ أَبِي الرَّدَّادِ، وَهَذِهِ الْحَالُ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى الْآنِ. وَإِنَّمَا قِيلَ: نِيلُ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ الْخَرَاجُ عَلَى النَّاسِ."

لأنَّه يفيض بعد الستة عشر يمتلئ، ستة عشر ذراعًا، ولهم عناية في هذا، يعني في كل سنة من تواريخهم يقولون: بلغ النيل كذا، ستة عشر ذراعًا، خمسة عشرة ذراعًا، عشرة أذرع على حسب ما يصل إليه.

" وَكَانَتْ أَرْضُ مِصْرَ جَمِيعُهَا تُرْوَى مِنْ إِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ إِذَا غُلِقَ النِّيلُ سَبْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِصْبَعٌ وَاحِدٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، ازْدَادَ فِي خَرَاجِهَا أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ. فَإِذَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِصْبَعًا وَاحِدًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا نَقَصَ خَرَاجُهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ."

نعم؛ لأنَّه يفيض، يحصل فيضان يتلف الزروع والثمار.

" وَسَبَبُ هَذَا مَا كَانَ يَنْصَرِفُ فِي الْمَصَالِحِ وَالْخِلْجَانِ وَالْجُسُورِ وَالِاهْتِمَامِ بِعِمَارَتِهَا. فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَا يُرْوَى حَتَّى يُنَادَى إِصْبَعٌ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِمِقْيَاسِ مِصْرَ. وَأَمَّا أَعْمَالُ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى، فَإِنَّ بِهَا مَا لَا يَتَكَامَلُ رَيُّهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْمَاءِ فِي الذِّرَاعِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ بِالصَّعِيدِ الْأَعْلَى.

قُلْتُ: أَمَّا أَرْضُ مِصْرَ فَلَا تُرْوَى جَمِيعُهَا الْآنَ إِلَّا مِنْ عِشْرِينَ ذِرَاعًا وَأَصَابِعَ، لِعُلُوِّ الْأَرْضِ وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِعِمَارَةِ جُسُورِهَا، وَهُوَ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَزِيدُ إِذَا انْصَبَّتِ الْمِيَاهُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ حَتَّى يَسِيحَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ، وَتَبْقَى الْبِلَادُ كَالْأَعْلَامِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْمَرَاكِبِ وَالْقِيَاسَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَذَلَّلَ اللَّهُ لَهُ الْأَنْهَارَ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يجْرِيَ نِيلَ مِصْرَ أَمَرَ كُلَّ نَهْرٍ أَنْ يَمُدَّهُ، فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَارُ بِمَائِهَا، وَفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ عُيُونًا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ-، أَوْحَى اللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى كُلِّ مَاءٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عُنْصُرِهِ.

وَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْحَجَّاجِ: لَمَّا افْتُتِحَتْ مِصْرُ أَتَى أَهْلُهَا إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ دَخَلَ بَئُونَةُ مِنْ أَشْهُرِ الْقِبْطِ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ"

فئات من الأشهر، يعني اسمه من الأشهر الأفرنجية المعروفة الآن.

طالب:......

قريبًا لفظ ترى، ترى حرفت وطرأ عليها التغيير في لفظها وفي حروفها.

"فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةً لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً تَخْلُو مِنْ هَذَا الشَّهْرِ عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ بَيْنَ أَبَوَيْهَا، أَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَحَمَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: هَذَا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَيَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ."

نعم، هذا من الشرك- نسأل الله السلامة-، هذا من الشرك؛ لأنَّه ليس بسبب شرعي ولا سبب عادي، يعني لو ألقيت هذه الفتاة، أو هذه البنت في نهر ثانٍ هل يحصل له ما يحصل؟ بينما هو من الشرك الذي ابتلوا به وفتنوا به، فصار يحصل لهم ما يريدون من باب الفتنة- نسأل الله السلامة والعافية-.

" فَأَقَامُوا أَبِيبَ وَمِسْرَى لَا يَجْرِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَهَمُّوا بِالْجَلَاءِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، فَأَعْلَمَهُ بِالْقِصَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَلَا يَكُونُ هَذَا. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِبِطَاقَةٍ فِي دَاخِلِ كِتَابِهِ. وَكَتَبَ إِلَى عَمْرٍو: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي، فَأَلْقِهَا فِي النيل إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخَذَ الْبِطَاقَةَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ إِلَى نِيلِ مِصْرَ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ أَنْ يُجْرِيَكَ. قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ قَبْلَ الصَّلِيبِ بِيَوْمٍ، وَقَدْ تَهَيَّأَ أَهْلُ مِصْرَ لِلْجَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُمْ فِيهَا إِلَّا بِالنِّيلِ. فَلَمَّا أَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ، أَصْبَحُوا يَوْمَ الصَّلِيبِ وَقَدْ أَجْرَاهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السِّيرَةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ.

قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ وَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ، فَسَيْحَانُ نَهْرُ الْمَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَجَيْحَانُ نَهَرُ اللَّبَنِ فِي الْجَنَّةِ، وَالنِّيلُ نَهْرُ الْعَسَلِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْفُرَاتُ نَهْرُ الْخَمْرِ فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: الدِّجْلَةُ نَهْرُ اللَّبَنِ فِي الْجَنَّةِ.

قُلْتُ: الَّذِي فِي الصَّحِيحِين مِنْ هَذَا حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ"

في الصحيح، يعني صحيح مسلم.

"قُلْتُ: الَّذِي فِي الصَّحِيحِ مِنْ هَذَا حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» هذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: « وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهَرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ» لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ: فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهْرَيْنِ يَطَّرِدَانِ فَقَالَ: « مَا هَذَانَ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى فِي السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ، فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ فَقَالَ: « مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟» فَقَال: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأَ لَكَ رَبُّكُ." وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُيُونِ عُيُونُ الْمَاءِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرَادُ عُيُونُ الذَّهَبِ. وَفِي الدُّخَانِ: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(25) وَزُرُوعٍ} [سورة الدخان:25-26]. قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَزْرَعُونَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ مِنْ أَوَّلِ مِصْرَ إِلَى آخِرِهَا. وَلَيْسَ في الدخان {وَكُنُوزٍ} [سورة الشعراء:58] جمع كنز، وقد مضى هذا في سورة (براءة). والمراد بها ها هنا الْخَزَائِنُ. وَقِيلَ: الدَّفَائِنُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْأَنْهَارُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعُيُونَ تَشْمَلُهَا."

نعم، ما الذي نستفيده من كون النيل والفرات من أنهار الجنة؟ هل له ميزة عملية بمعنى أنَّه من وصل إلى النيل أو الفرات إنَّه يغتسل بهذين النهرين؛ لأنَّهما من أنهار الجنة، أو يشرب من هذين النهرين، أو أنَّ هذا مجرد إخبار ويتضمن مدحًا لهذين النهرين وإن لم تكن له فائدة عملية في الدنيا.

طالب:.........

ما فيه شك أنَّ هذا من أعلام النبوة، لكن يبقى أن هل لكون النيل والفرات من أنهار الجنة أنَّ له ميزة، الفرات له ميزة على دجلة؟ ميزة عملية بمعنى نشرب من هذا ولا نشرب من هذا أفضل؟ ونغتسل من هذا ولا نغتسل من هذا أفضل؟ أو أنَّه مجرد خبر، وأنَّ التفضيل يكون في الأخرة؟

طالب:.........

تكون بيد المسلمين، لكن الإشكال كون هذا من، لماذا نهر بردة مثلًا بالشام هل هو أفضل من النيل أم ما هو بأفضل؟ يعني كونه من أنهار الجنة يعطيه فضلًا بمعنى أننا نجد فائدة عملية نشرب ونغتسل؟

طالب:..........

نعم في الدنيا؛ لأنَّه لم يرد في ذلك شيء، لم يرد فيه شيء بخلاف «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» فقد ورد فيه العموم، «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» فنرتع في هذه الروضة من رياض الجنة؛ لأننا أمرنا بالرتع في رياض الجنة، ولم نؤمر بالاغتسال في أنهار الجنة في الدنيا، ففرق بين هذا وهذا.

" {وَمَقامٍ كَرِيمٍ} [سورة الشعراء:58] قَالَ ابن عمر وابن عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْمَقَامُ الْكَرِيمُ الْمَنَابِرُ، وَكَانَتْ أَلْفَ مِنْبَرٍ لِأَلْفِ جَبَّارٍ يُعَظِّمُونَ عَلَيْهَا فِرْعَوْنَ وَمُلْكَهُ. وَقِيلَ: مَجَالِسُ الرُّؤَسَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمَسَاكِنُ الْحِسَانُ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: سَمِعْتُ أَنَّ الْمَقَامَ الْكَرِيمَ الْفَيُّومُ. وَقِيلَ: كَانَ يُوسُفُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ كَتَبَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ) فَسَمَّاهَا اللَّهُ كَرِيمَةً بِهَذَا. وَقِيلَ: مَرَابِطُ الْخَيْلِ؛ لِتَفَرُّدِ الزُّعَمَاءِ بِارْتِبَاطِهَا عُدَّةً وَزِينَةً، فَصَارَ مَقَامُهَا أَكْرَمَ مَنْزِلٍ بِهَذَا، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا الْمَسَاكِنُ الْحِسَانُ كَانَتْ تكرمُ عَلَيْهِمْ. وَالْمَقَامُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ الْمَوْضِعَ وَيَكُونُ مَصْدَرًا. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَقَامُ فِي اللُّغَةِ الْمَوْضِعُ،.."

يعني مكان القيام، ويكون أيضًا مصدرًا بمعنى أن يكون هو القيام نفسه، ويأتي مثل هذا في المقام، مقام إبراهيم- عليه السلام- هل المراد به مكان القيام، أو المراد به موضع القيام الذي هو الحجر، أو القيام نفسه؟ القيام المصدر انتهى مع إبراهيم، لكن هل المراد به الموضع الذي هو الحجر نفسه، أو موضع الحجر؟ بمعنى أننا نتبع الحجر فنصلي خلفه ولو غُيِّر مكانه، ولو دُفع في الخلف، لو وضع في المسعى مثلًا في الأروقة، نتبع هذا الحجر فنصلي وراءه؟ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [سورة البقرة:125] على كل حال المسألة خلافية بالمناسبة، وأصلها في غير الموضع.

"قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَقَامُ فِي اللُّغَةِ الْمَوْضِعُ، مِنْ قَوْلِكَ: قَامَ يَقُومُ، وَكَذَا الْمَقَامَاتُ وَاحِدُهَا مَقَامَةٌ، كَمَا قال:

وَفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ

وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُهَا الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ

وَالْمَقَامُ أَيْضًا الْمَصْدَرُ مِنْ قَامَ يَقُومُ. وَالْمُقَامُ (بِالضَّمِّ) الْمَوْضِعُ مِنْ أَقَامَ. وَالْمَصْدَرُ أَيْضًا مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ} [سورة الشعراء:59] يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَالْكُنُوزِ وَالْمَقَامِ الْكَرِيمِ أَوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: رَجَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْوِرَاثَةِ هُنَا مَا اسْتَعَارُوهُ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قُلْتُ: وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَصَلَ لَهُمْ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [سورة الشعراء:60] أَيْ فَتَبِعَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ.."

فحصل لهم ما ذكر الله- جلَّ وعلا- من الجنات والعيون والكنوز، وحصل لهم أيضًا الحلي الذي استعاروه منهم؛ لهلاك أهله وأربابه آل إليهم.

"{فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [سورة الشعراء:60] أَيْ فَتَبِعَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ السُّدِّيُّ: حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِالشُّعَاعِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حِينَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِالضِّيَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ، وَأَشْرَقَتْ إِذَا أَضَاءَتْ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأَخُّرِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عَنْ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قولين: أحدهما: لِاشْتِغَالِهِمْ بِدَفْنِ أَبْكَارِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ لِأَنَّ الْوَبَاءَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَعَ فِيهِمْ، فَقَوْلُهُ: {مُشْرِقِينَ} حَالٌ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. الثَّانِي: إِنَّ سَحَابَةً أَظَلَّتْهُمْ وَظُلْمَةً فَقَالُوا: نَحْنُ بَعْدُ فِي اللَّيْلِ فَمَا تَقَشَّعَتْ عَنْهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} نَاحِيَةَ الْمَشْرِقِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: { فَاتَّبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ}"

مُشَرِّقِين.

" (فاتبعوهم مُشَرِّقِين) بِالتَّشْدِيدِ وَأَلِفَ الْوَصْلِ، أَيْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَرَّقَ وَغَرَّبَ إِذَا سَارَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ قَدَّرْنَا أَنْ يَرِثَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُشَرِّقِين فَهَلَكُوا، وَوَرِثَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِلَادَهُمْ."

ولا يمنع أن يكون السبب في تأخر فرعون وقومه إلى وقت الإشراق احتقارهم لموسى ومن معه أنَّهم مقدور عليهم في أي وقت لحقوهم به، فتراخوا عن اتباعهم؛ لأنَّهم احتقروهم، وقالوا: لن يفلتوا من أيدينا سواء تبعناهم الآن أو في النهار، ولو تأخرنا لحقنا بهم وهذا من احتقارهم؛ لأنَّهم عندهم في نظرهم هم شرذمة.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ} [سورة الشعراء:61] أَيْ تَقَابَلَا الْجَمْعَانِ بِحَيْثُ يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ صَاحِبَهُ، وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ. {قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [سورة الشعراء:61]، أَيْ قَرُبَ مِنَّا الْعَدُوُّ وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ: {لَمُدْرَكُونَ} بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَدْرَكَ. وَمِنْهُ: { حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ}. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْرَجُ وَالزُّهْرِيُّ:" لَمُدَّرَكُونَ"

"لَمُدَّرِكون".

"(لَمُدَّرِكون) بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ ادَّرَكَ. قَالَ الفراء: حفر واحتفر بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ" لَمُدْرَكُونَ" وَ" لَمُدَّرِكُونَ" بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قال النَّحَّاسُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الْحُذَّاقُ، إنما يقولون: مدرَكون ملحقون، ومدَّرِكون مُجْتَهَدٌ فِي لِحَاقِهِمْ، كَمَا يُقَالُ: كَسَبْتُ بِمَعْنَى أَصَبْتُ وَظَفِرْتُ، وَاكْتَسَبْتُ بِمَعْنَى اجْتَهَدْتُ وَطَلَبْتُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ."

لا شك أنَّ التشديد يدل على التكثير.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ} [سورة الشعراء:62] لَمَّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ جَمْعَ مُوسَى وَقَرُبَ مِنْهُمْ، وَرَأَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْعَدُوَّ الْقَوِيَّ وَالْبَحْرَ أَمَامَهُمْ سَاءَتْ ظُنُونُهُمْ، وَقَالُوا لِمُوسَى عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ وَالْجَفَاءِ: { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [سورة الشعراء:61] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَزَجَرَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ وَعْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالظَّفَرِ { كَلَّا} أَيْ لَمْ يُدْرِكُوكُمْ { إِنَّ مَعِي رَبِّي} أَيْ بِالنَّصْرِ عَلَى الْعَدُوِّ. { سَيَهْدِينِ}  [سورة الشعراء:61] أَيْ سَيَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، فَلَمَّا عَظُمَ الْبَلَاءُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَأَوْا مِنَ الْجُيُوشِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ البحر بعصاه، وذلك أنه- عَزَّ وَجَلَّ- أَرَادَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُتَّصِلَةً بِمُوسَى وَمُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وَإِلَّا فَضَرْبُ الْعَصَا لَيْسَ بِفَارِقٍ لِلْبَحْرِ،.."

يعني الكل بأمر الله- جلَّ وعلا- لكن أراد أن يكون من العبد فعل للسبب، وإلا فالله- جلَّ وعلا- قادر أن يفلق البحر من غير ضرب.

"وَإِلَّا فَضَرْبُ الْعَصَا لَيْسَ بِفَارِقٍ لِلْبَحْرِ، وَلَا مُعِينٍ عَلَى ذَلِكَ بِذَاتِهِ إِلَّا بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِرَاعِهِ. وَقَدْ مَضَى فِي( الْبَقَرَةِ) قِصَّةُ هَذَا الْبَحْرِ. وَلَمَّا انْفَلَقَ صَارَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا عَلَى عَدَدِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَوَقَفَ الْمَاءُ بَيْنَهَا كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، أَيِ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ. وَالطَّوْدُ الْجَبَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

فَبَيْنَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ طَوْدٌ

رَمَاهُ النَّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمَالَا

وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ:

حَلُّوا بِأَنْقِرَةٍ يَسِيلُ عَلَيْهِمْ

مَاءُ الْفُرَاتِ يجئ مِنْ أَطْوَادِ

يعني: يجيء من أطواد، جَمْعُ طَوْدٍ أَيْ جَبَلٍ. فَصَارَ لِمُوسَى وَأَصْحَابِهِ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا، فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ مُوسَى وَتَكَامَلَ آخِرُ أَصْحَابِ فِرْعَوْنَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي( يُونُسَ) انْصَبَّ عَلَيْهِمْ وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُوسَى: مَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ، فَنُبِذَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ."

نعم؛ لشدة بطشه وجبروته ما صدقوا أنَّه غرِق، وهكذا يكون حال الإنسان فيما يضايقه وتشتد المضايقة لا يكاد يصدق عينيه فيما يرى؛ لأنَّه مضى من أفعاله وتواريخه ما يجعله يستحوذ على مشاعره فلا يصدق بما يحصل له.

"وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَ مَعَ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- رَجُلَانِ مِنَ التُّجَّارِ إِلَى الْبَحْرِ فَلَمَّا أَتَوْا إِلَيْهِ قَالَا لَهُ: بِمَ أَمَرَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَايَ هَذِهِ فَيَنْفَلِقُ، فَقَالَا لَهُ: افْعَلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ فَلَنْ يُخْلِفَكَ، ثُمَّ أَلْقَيَا أَنْفُسَهُمَا فِي الْبَحْرِ تَصْدِيقًا لَهُ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ الْبَحْرُ حَتَّى دَخَلَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ كَمَا كَانَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ} [سورة الشعراء:64] أَيْ قَرَّبْنَاهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى أَوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ

فِيهَا النُّفُوسُ إِلَى الْآجَالِ تَزْدَلِفُ

قال أَبُو عُبَيْدَةَ: {أَزْلَفْنا} جَمَعْنَا وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَرِثِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ:" وَأَزْلَقْنا" بِالْقَافِ عَلَى مَعْنَى أَهْلَكْنَاهُمْ، مِنْ قَوْلِهِ: أَزَلَقَتِ النَّاقَةُ وَأَزْلَقَتِ الْفَرَسُ فَهِيَ مُزْلِقٌ إِذَا أَزَلَقَتْ وَلَدَهَا."

ومثله {لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} [سورة القلم:51] يعني يميتونك بأعينهم يعني بالعين التي قد تصل بالإنسان إلى حد الموت، «والعين حق».

" {وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) [سورة الشعراء:65-66] يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهُ."

وقومَه.

"يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} [سورة الشعراء:67] أَيْ عَلَامَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تعالى.

{وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:67]؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِلَّا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَاسْمُهُ حَزْقِيلُ وَابْنَتُهُ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ ذَا مُوسَى الْعَجُوزُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-. وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ أَظْلَمَ عَلَيْهِمُ الْقَمَرُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ أَلَّا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا. قَالَ مُوسَى: فَأَيُّكُمْ يَدْرِي قَبْرَهُ؟ قَالَ: مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عَجُوزٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قَالَ: وَمَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَثَقُلَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَعْطِهَا حُكْمَهَا، فَدَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَاحْتَفَرُوهُ وَاسْتَخْرَجُوا عِظَامَهُ، فَلَمَّا أَقَلُّوهَا، فَإِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَار،ِ فِي رِوَايَةٍ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِهَا فَفَعَلَ، فَأَتَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ، فَقَالَتْ: أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاءَ فَأَنْضَبُوهُ وَاسْتَخْرَجُوا عِظَامَ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَتَبَيَّنَتْ لَهُمُ الطَّرِيقُ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقَدْ مَضَى فِي( يُوسُفَ). وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَزَلَ بِأَعْرَابِيٍّ فَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « حَاجَتَكَ» قَالَ: نَاقَةٌ أُرَحِّلُهَا وَأَعْنُزًا أحبلها، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « فَلِمَ عَجَزْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ» فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَذَكَرَ لَهُمْ حَالَ هَذِهِ الْعَجُوزِ الَّتِي احْتَكَمَتْ عَلَى مُوسَى أَنْ تَكُونَ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ."

نعم؛ لأنَّ هذا طلب ناقة وأعنز، ما طلب مرافقة الجنة كما طلبت العجوز، الخبر مخرج؟

طالب:..........

 

وعلى كل حال ولو وقف هذا لا يدرك بالرأي، فإمَّا أن يكون مرفوعًا إلى المعصوم- عليه الصلاة والسلام-، أو يكون من أخبار بني إسرائيل، مما يُتلقى عن بني إسرائيل، والله أعلم، وصلى الله على محمد.

"
مباشر شرح المقنع في فقه الإمام أحمد