شرح منتهى الإرادات (04)

عنوان الدرس: 
شرح منتهى الإرادات (04)
عنوان السلسلة: 
منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات
تاريخ النشر: 
أحد 28/ شعبان/ 1437 6:00 م

سماع الدرس


...عن الأدلة التفصيلية لكل مسألة بعينها ذكر أن المسائل التي مرت بنا في الدرس الماضي أنه كلما قرب المحظور من الغاية والعبادة صار الأمر فيه أشد، وكلما بعد من الوسائل كان أمره أسهل، ويطلب على هذا دليلًا، ويقول: إن أهل الحديث لا يقتنعون إلا بالأدلة، يقول: هذا إلزام لم يلتزمه أحد، وليست كل المسائل العلمية منصوصًا عليها، ولو كانت منصوصًا عليها لما فتح باب الاجتهاد، ولما رُتب الثواب عليه، ولما اختلف أجر المخطئ من أجر المصيب، حتى الظاهرية الذين عمدتهم النصوص وظواهر النصوص لم يلتزموا بهذا، فتجد عندهم من المسائل ما يُخرجون على مسائل أخرى شاؤوا أم أبوا، وإلا فمعناه أن النوازل لا أدلة عليها، هناك النصوص بعمومها تشمل الفروع، وهناك القواعد العامة، وهناك التخريج على المسائل، والمقصود أن هذا أمر معروف عند أهل العلم، ولا يُطلب الدليل النص في كل مسألة بعينها، نعم إذا وجد الدليل في مسألة فهو الحكم، وإذا لم يوجد دليل فالقياس عند أهل العلم معمول به، تقاس المسائل بأشباهها ونظائرها، وتلحق بقواعدها الكلية والأغلبية، وهذا عمل معروف ومألوف عند أهل العلم، ولو نظرت إلى الفروع فروع المسائل العلمية في كتب الفقه، وحتى في شروح الأحاديث لا تجد أن هذه المسألة مأخوذة من لفظ الحديث، إنما تؤخذ من عمومه، وقد تؤخذ مما يدل عليها من قواعد عامة، كما هو معروف عند أهل العلم. لما طلبوا الدليل على كل مسألة بعينها، الدليل الذي ينص على المسألة بعينها فلا، لا يوجد.

 والمسألة التي هي موضع السؤال لما قلنا في الماء المسروق، وأن الطهارة لا تصح به، ولو سرق ثمنه فاشترى به ماءً بَعُد الأمر ولو سرق مالًا كثيرًا لا للماء نفسه، ثم اشترى بشيء منه ماءً أبعدت المسألة قليلًا، مع أنه ارتكب محرمًا، لا يعفيه أحد منه، لكن أثر هذا المحرم على هذه العبادة، ولو كان ماله خليطًا من المباح والحرام أبعدت المسألة قليلًا، والإثم ثابت، فضلًا على أن يكون في المال شبهة أو ما أشبه ذلك.

 المرابي الذي يزاول الربا، أو يتاجر بأمور محرمة يشتري منه قوته وقوت أولاده، ويبني جسده على هذا السحت وجسد من تحت يده، ويشتري من ذلك ماءً للوضوء، هل فيه أحد من أهل العلم يقول ببطلان صلاته؟ مع أن الله -جل وعلا- قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة:27]، هل معنى هذا أن مثل هذا تُعاد صلاته؟ وهل معنى الآية أن غير الأتقياء من الفساق عباداتهم مردودة؟ لابد أن نعرف الألفاظ الشرعية وسياق هذه الألفاظ وما تدل عليها والتوفيق بينها وبين نصوص أخرى ما فيه أحد يأمر الفاسق بإعادة الصلاة وبإعادة الصيام، مع أن الله -جل وعلا- قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة:27]، لكن الذي لا يتطهر يؤمر بالإعادة وصلاته باطلة مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ».

 فلمَ ألزمناه هذا بالإعادة، وذاك ما ألزمناه بالإعادة؟ لماذا؟ «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، وذاك {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، ما الفرق بينهما؟

 المقصود أنه صلى، أنا أريد أن أقرر أن هذا  نفي للقبول، وهذا نفي للقبول، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} هذا نفي للقبول، بمعنى أن الفساق لا يتقبل الله منهم، وهذا «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، و«لا تقبل الصلاة حائض إلا بخمار» المقصود أن العلماء لهم أنظار في التعامل مع النصوص، وقالوا: إن القبول يرد ويراد به نفي الصحة، ويرد نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على العبادة، ثم بعد ذلك نحتاج إلى التفريق بين النصوص، كيف نفرق بين هذا النص الذي أريد به نفي الثواب وهذا الذي أريد به نفي الصحة؟ نرجع إلى القواعد العامة عند أهل العلم، وهو أنه إذا عاد النهي إلى ذات المنهي عنه أو إلى شرطه بطلت العبادة، لكن إذا عاد إلى أمر خارج عن العبادة وشرطها، فالعبادة صحيحة عند أهل العلم، ومرد هذا الاختلاف إلى مثل هذه النصوص {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. هذا رجل يشرب الخمر أو يزني أو يسرق، ويصلي، هل هناك ارتباط بين الزنا والسرقة، وشرب الخمر وبين الصلاة، عاد النهي إلى أمر خارج عن العبادة وشرطها، فلا أثر له في العبادة من جهة القبول، أما من جهة الثواب المرتب على هذه العبادة، فأهل العلم نزلوا هذه الآية على نفي الثواب المرتب على العبادة، وأما إذا عاد النهي إلى ذات المنهي عنه أو إلى شرطه «لا يقبل الله صلاة من أحدث»، «لا تقبل الصلاة حائض إلا بخمار» عاد إلى الشرط، وإذا عاد إلى الشرط بطلت العبادة، والتفريق لابد منه.

 والنظر الدقيق في مثل هذه الأمور أمر لابد منه عند أهل العلم، هذه هي الجادة المطروقة، يعني هل يتصور أن جميع ما أفتاه ابن عباس معتمد فيه على نص! أو ابن مسعود أو ابن عمر أو غيرهما! أو فهم يفهمه من كتاب الله وسنة نبيه وقواعد الشريعة والمصالح والمفاسد، الشريعة قامت على هذا، ولذا لا يتفقه من جاء بنفسية معينة، وأنه لابد أن يوجد لكل مسألة نصًّا بعينها، بعين هذه المسألة، الصلاة في الدار المغصوبة لابد أن نجد النص «لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة»؟ ما هو بصحيح، ومعنى هذا أن نعطل الشريعة ونحجرها في النص، ولا يطلب مثل هذا إلا شخص إما معاند أو خفي عليه تصرفات أهل العلم. يعني بعض الناس إذا كابر وارتكب محظورًا، يقول لك: هات دليلاً من القرآن على أن هذا حرام، ما أقبل إلا القرآن، أو دليلاً من صحيح البخاري أو غيره. ماذا يريد مثل هذا؟ يريد أن يبرر عمله.

أو شخص سمع كلامًا لأهل العلم: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل. قال: نطلب الدليل لكل شيء.

لا، ما ينفع، إن استطعت، لكن ما استطعت، ما في المسألة دليل ينص عليها بعينها على أنها حرام، تبقى بدون حكم شرعي! يمكن أن تبقى مسألة بدون حكم شرعي؟! لا يمكن، فالمقصود أن هذا يتنبه له الإخوان لاسيما من هو في بداية الطريق، وإلا فالمتوسطون يعرفون مثل هذا الكلام.

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.

 باب المياه ثلاثة: طهور يرفع الحدث، وهو ما أوجب وضوءً أو غُسلًا إلا حدث رجلٍ وخنثى بقليل خلت به امرأة ولو كافرة لطهارة كاملة عن حدثٍ كخلوة نكاح تعبدًا، ويزيل الخبث الطارئ، وهو الباقي على خلقته ولو تصاعدت ما قطر كبخار الحمامات، أو استهلك فيه يسير مستعمل أو مائعٌ طاهر ولو لعدم كفايته ولم يغيره، أو اُستُعمل في طهارة لم تجب، أو غسل كافر، أو غسل به رأس بدلًا عن مسح، والمتغير بمحل تطهير، وبما يأتي فيما كُره وما لا يُكره، وكُره منه ماء زمزم في إزالة خبث وبئر بمقبرة، وما اشتد حره أو برده، ومسخن بنجاسة إن لم يحتج إليه، أو بمغصوب ومتغير بما لا يخالطه من عودٍ قماريٍ أو قطع كافور أو دهن أو بمخالط أصله الماء، لا بما يشق صونه عنه كطحلب وورق شجر ومكث وريحٍ ولا ماء البحر والحمام ومسخن بشمس أو بطاهر ولا يباح غير بئر الناقة من ثمود.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

(بابٌ) الباب في الأصل اسم لما يدخل معه ويخرج منه، الأصل فيه المحسوس، وهذه هي حقيقته اللغوية، وهي أيضًا حقيقته العرفية العامة، وأما في العرف الخاص عند أهل العلم، فهو ما يضم مسائل وفصولًا غالبًا، يضم مسائل علمية وفصولاً، فهذا إطلاق حقيقي لا مجازي، وهو عرف خاص عند أهل العلم؛ لأن الحقائق كما تعلمون ثلاث: حقيقية لغوية وعرفية وشرعية، هذه حقيقة عرفية، لكنها في العرف الخاص لا العرف العام.

 العرف العام عند الناس كلهم أن الباب اسم لما يدخل معه ويخرج منه، هذه حقيقته العرفية العامة، لكن هناك عرف وهو الاصطلاح الخاص يسمون ما يضم المسائل والفصول، يسمونه بابًا، وهو في الترتيب عندهم ضمن كتاب، والفصول ضمن الباب، والمسائل، وعندهم أيضًا التذييل والتذنيب والفروع إلى غير ذلك من الترتيب المعروف عندهم.

الاصطلاح كما يقرر أهل العلم لا مشاحة فيه، فإذا شاع هذا الاصطلاح عند الناس عامة صار عرفًا، كالدابة على ذوات الأربع، وإن شاع عند فئة من الناس صار عرفًا خاصًّ اصطلاحًا، والاصطلاح لا يشاحح فيه، لا مشاحة في الاصطلاح إلا إذا ترتب على هذا الاصطلاح تغيير في مصطلحات أخرى، إذا عارض هذا الاصطلاح اصطلاح آخر، بمعنى أننا لو قلنا: الأكبر نسميه بابًا، والأصغر نسميه فصلاً، الذي دونه، والأخير نسميه كتابًا. مقبول أم غير مقبول؟ هذا يعارض ما عليه أهل العلم، لو أن شخصًا، ومن باب أولى إذا خالف نصًّا أو خالف العادة المضطردة.

 خالف حقائق مثل من يقول: أنا أجعل الشمال جنوبًا والجنوب شمالًا، وأنا أؤلف بالجغرافيا وأكتب بالمقدمة، ولا أحد يلزمني أن أتبع الناس. يريد أن يغير، يقول: اليمن شمالاً والشام جنوبًا، والناس يقولون العكس، نقول: هذا يوافق عليه أم ما يوافق عليه؟ لا يوافق عليه، هذا اصطلاح يشاحح فيه؛ لأنه يترتب عليه تغيير جذري للمصطلحات وقلب للحقائق، لكن لو قال: أنا ما أغير من الحقائق شيئًا، الشام في الشمال، واليمن في الجنوب على وضعه، لكن بدل ما الخارطة يضعها الناس الشمال فوق والجنوب تحت، أنا أقلبه. هذا غيَّر من الحقائق شيئًا؟ هذا ما غير شيئًا، وهذا لا يشاحح فيه، وبعض الجغرافيين ابن حوقل في صورة الأرض فعل هذا. مثل هذا لا يغير من الواقع شيئًا. من الاصطلاحات لو قال: أنا أسمي والد الزوجة عمًّا، الناس يسمونه خالاً أنا أسميه عمًّا. يشاحح أم ما يشاحح؟ لا مشاحة في الاصطلاح، ما يترتب عليه حكم شرعي، سواء سميته عمًّا أو خالاً، وضعه واحد ما يختلف، لكن لو سمى أخ الأب خالًا وأخ الأم عمًّا، قلنا: لا، يترتب عليه تغيير في أحكام شرعية، فمثل هذا يشاحح فيه بدون تردد، فالاصطلاحات يُنتبه إليها من هذه الحيثية؛ لأنهم يطلقون: لا مشاحة في الاصطلاح، وينبغي تقييدها بمثل هذا. المياه، والمياه جمع ماء جمع كثرة، وجمع القلة أمواه.

تطلبه على الأمواه حتى   

تخوف أن يفتشه السحاب

المقصود أن هذا جمع المياه جمع لماء، والماء اسم جنس يشمل القليل والكثير، وما دام يشمل القليل والكثير لماذا نجمع الماء على مياه، والماء يشمل القليل والكثير، ترى البحر تقول: هذا ماء، ترى ما في الإناء تقول: هذا ماء؟ فهو شامل للقليل والكثير، وجمع؛ لتعدد أنواعه، كما جمعوا البيع على بيوع، البيع يشمل جميع أنواع أصول البيع، لكنه جمع على بيوع؛ لتعدد أنواعه.

 المياه ثلاثة، تقسيم الماء إلى ثلاثة هو المعروف عند الجمهور، هو المعروف عند الجمهور؛ وذلكم لأن الماء إما أن يجوز التطهر به أو لا، وهذا عندهم الطهور، والثاني إما أن يجوز شربه أو لا. الأول هو الطاهر، والثاني هو النجس، ويأتي تفصيل هذه الأنواع الثلاثة.

 منهم من قسم الماء إلى قسمين: طاهر ونجس، ولا ثالث لهما، وهذا معروف عند المالكية، ويميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وزاد ابن رزين فجعلها أربعة، بحيث زاد الماء المشكوك فيه، ماء شككت فيه هل هو طاهر أو نجس تستعمله أم ما تستعمله؟

طالب:.................

 المقصود أنه ليس بمنزلة النجس المقطوع به، ولا بمنزلة الطاهر المقطوع به، ولا بمنزلة الطهور، فهو نوع رابع، ويأتي ما في المشكوك فيه إن شاء الله تعالى.

المياه ثلاثة: طهور، القسم الأول الطهور وتعريفه اصطلاحًا كما سمعتم في كلام المؤلف، المذاهب بينها اجتماع وافتراق فالحنابلة والشافعية مذهبهم قريب من بعض في تقسيم المياه وفي كثير من مسائل هذه الأقسام، فيه تشابه كبير بين مذهب الشافعية والحنابلة، الحنفية يتوسعون في الطهور، يتوسعون في الطهور، ويرون أن امتزاج الماء بالطاهرات لا يؤثر فيه، بينما المالكية يتوسعون في النجس، ويرون أن امتزاج الماء بالنجاسات لا يؤثر إلا إذا غير على ما سيأتي تقريره، إن شاء الله تعالى.

 والطهور كما يقول الأزهري في تهذيب اللغة، الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، في اللغة هو الطاهر المطهر؛ لأنه لا يكون طهورًا إلا وهو يتطهر به كالوضوء الذي يتوضأ به. والنَّشوق ما يستنشق به، والفَّطور ما يُفطر عليه، قل مثل هذا في الوجور والسحور وما جاء على هذه الزنة، لكن تلمس أن هذا الكلام مع أنه للغوي متقدم، إلا أنه متأثر بالاصطلاح الفقهي، ولذا نقل قول الشافعي بعد هذا الكلام مباشرة، ومثل هذه الكلمات اللغوية التي تختلف فيها المذاهب، وتأثرت بها كتب اللغة ينبغي ألا يقتصر على مصدر واحد من مذهب واحد؛ لأنه ما ينحل الإشكال أن تبحث عن تعريف الخمر في كتاب شخص تأثر بمذهب الحنفية مثلاً، وأنه ما أُعتصر من العنب خاصةً، أو تأثر بمذهب الجمهور الذين يطردونه في كل ما خامر العقل وغطاه؛ لأن العربية إنما يؤتى بها للاحتكام إليها في تحديد المعنى من هذه الكلمة، فأنت إذا خشيت أن هذا الكتاب تأثر بمذهب من المذاهب فارجع إلى غيره، لا تقتصر عليه، وكل ما بعُد العهد بالكتاب، يعني تقادم العهد به من المصنفات الأولى أفضل فهو أفضل، كل ما كان من المتقدمين؛ لأن كتب المتقدمين تأثرها بالمذاهب أقل، كتب المتأخرين لا شك أنها تأثرت تأثرًا كبيرًا بالمذاهب سواءٌ كانت المذاهب الفرعية أو العقدية الأصلية، فمثل هذه لا يعول على كتاب واحد يمثل وجهة واحدة، يعني إذا أردت أن تبحث مثلًا كلمة الطهور أو الخمر أو غيرها تذهب إلى أكثر من كتاب لشخص حنفي ولشخص مالكي ولشخص حنبلي ولشخص شافعي، يعني تشرح كلمة لغوية من المُطلع ماذا يجيبك؟ هو متأثر شاء أم أبى بكلام الحنابلة، المطرزي متأثر شاء أم أبى بكلام الحنفية، المصباح المنير متأثر بكلام الشافعية، فأنت لابد أن تجمع بين هذه الكتب لتنظر فيها.

 الأمر الثاني: الكتب التي تجمع الأقوال في اللفظة الواحدة مثل لسان العرب، يذكر لك مثلًا في الكلمة الواحدة عشرين قولاً. الشخص الذي لم يتأهل للموازنة بين هذه الأقوال وتحديد المراد من المعنى الذي يريده من هذه الأقوال، لأن كل نص يمكن أن ينزل على معنى من هذه المعاني، فعلى هذا الذي يبحث في غريب الحديث ويراجع هذه الكتب التي تسرد هذه الأقوال، أو في غريب القرآن لابد أن يكون لديه مع معرفته باللغة معرفة بالكتاب والسنة؛ لأنه إذا عرف اللغة مثلًا صار متخصص في اللغة، لكن ما يدري كيف ينزل هذه الكلمة على النص الذي يريد فهمه، فيحتاج إلى مثل هذا، ولذا قالوا: غريب الحديث لا يتكلم فيه اللغوي المحض، بل لابد فيه من أن يكون لديه معرفة بالحديث، وقل مثل هذا في غريب القرآن، ولذا لما سئل الأصمعي وهو من أئمة اللغة، ويحفظ عشرين ألف قصيدة، مئات الألوف من الأبيات من لغة العرب، سئل عن الثَقَب الجار أحق بثقبه، قال: أنا لا أفسر كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن العرب تزعم أن الثقب هو اللزيق. المقصود أن مثل لاسيما ونحن في بداية الكتاب ننتبه له في تحديد المعاني اللغوية للكلمة الواحدة والاقتصار على المقصود منها من معانيها تبعًا لما يطلبه المقام، وأيضًا الاصطلاحات الشرعية.

في شرح السنة للبغوي في شرح حديث أبي هريرة، «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» قال: فيه دليل على أن الطهور هو المطهر. يعني في كل نص الطهور هو المطهر؟! {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}[الإنسان:21] الشراب ما هو؟ هل يتطهر به أو لا يتطهر به؟ ما يلزم أن يكون هذا اللفظ متعدي الفعل في كل مقام، نعم هو مطهر لهم من جهة أخرى، لكن الطهارة الشرعية التي نريدها وهي رفع الحدث لا تتأتى هنا، ولذا يقول: فيه دليل على أن الطهور هو المطهر يعني من خلال الحديث؛ لأنهم سألوا عما يتطهرون به، فأخبرهم أن البحر طهور بمعنى أنه يطهر؛ لأنهم سألوا عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته، ولولا أنهم عرفوا من الطهور المطهر لكان لا يزول إشكالهم بقوله: «هو الطهور ماؤه»، لولا أنهم فهموا أن الطهور هو المطهر كان ما حصل الجواب بكلامه -عليه الصلاة والسلام-.

 وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}[الفرقان:48] قالوا: هو الطاهر، حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة مثل الخل وماء الورد والريق ونحوها، لماذا؟ لأنها طاهرة، قالوا: وجوز الأصم الوضوء بها، ومثله الحسن بن صالح بن حي يتطهر بماء الخل، ويتطهر بماء الورد وماء الزعفران وغيره. والعيني يقول: إن الإضافة مثل ماء الخل وماء الورد لا تخرجه عن كونه ماءً. الحنابلة والشافعية يقولون: لابد أن يكون باقيًا على صفته، وينطلق عليه الاسم، يعني من رأي في كوب خلاّ،ً يقول: هذا ماء؟ إلا أن يقول: ماء الخل، لابد من الإضافة، إذا رأى في كوب ماءً فيه زعفران، هل يقول هذا ماء؟ يقول: هذا ماء الزعفران. فالمقصود أن الحنفية يقولون: هذه الإضافة لا تخرجه عن مسماه؛ بدليل أننا لا نستغني عن المضاف، ما نقبل هذا ورد ولا هذا خل، نقول: هذا ماء الخل، وهذا ماء الورد. يقول: إضافته هذه لا تخرجه عن مسمى الماء، كما نقول: ماء البئر، ماء البحر، هذه إضافة، هل أخرجته؟! لكن فرق بين إضافة لما يؤثر، وبين إضافة لما لا يؤثر. لو أردنا أن نطرد قولهم مثلًا جاءنا مثل حديث: ماء الرجل وماء المرأة، لو أردنا أن نطرد قولهم: إن الإضافة لا تؤثر، لابد أن ننظر في المضاف إليه هل هو مؤثر في الماء أو غير مؤثر، لابد من هذا.

يقول أيضًا البغوي في شرح السنة: وعند بعضهم الطهور ما يتكرر منه التطهير؛ لأن الصيغة تقتضي هذا، مثل الصبور والشكور صيغة مبالغة، ولا يستحق شخص صبر على مصيبة واحدة وجزع في مائة مصيبة، يستحق أن يُسمى صبورًا؟ لا يستحق، وماء تطهر منه مرة واحدة يستحق أن يُسمى طهورًا؟ على كلامهم لا، ما يتكرر منه التطهير كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، وهو قول مالك، ولهذا جوز الوضوء بالماء المستعمل، يعني كأنهم يرون أن الماء المستعمل أفضل من الماء غير المستعمل. يعني يلزم على قولهم أن الماء المستعمل أفضل من الماء غير المستعمل، لماذا؟ لأنه تكرر منه التطهير فاستحق صيغة المبالغة، وهذا ما تُوضِّئ منه إلا مرة واحدة فلم يستحق. لكن هل هذا كلام وجيه أم ليس بوجيه؟

 أولًا الماء مؤثر أم غير مؤثر في الجملة يعني حتى في الشرب وتقذذ الناس منه؟ بمعنى أن هذا الاستعمال هل يزيد الماء نظافة كما يزيد الشكر صاحبه ثوابًا بالتكرر والصبر كذلك؟ لا يمكن. أظن المسألة ظاهرة. هم أخذوا من الصيغة وقالوا: إن صيغة فعول مبالغة، فالصبور من يتكرر منه الصبر، الشكور من يتكرر منه الشكر، الطهور ما يتكرر منه التطهير. أولاً نحتاج إلى أن نفرق بين هذه الصيغة في الأمور الثلاثة، عندنا سلب وعندنا إيجاب، عندنا أيضًا جزوع ومنوع، ليست هذه الصيغة مقتضية للمدح ألبتة، هذه الصيغة لا تقتضي المدح باستمرار، فهذا الماء الذي تأثر، جاء شخص فاغتسل به، ثم جاء ثانٍ واغتسل به، ثم ثالث واغتسل به، ثم رابع واغتسل به، ثم عاشر ومائة اغتسلوا به، هل يقول عاقل: إنه أنظف وأولى بالتنظيف من ماء لم يمسه بشر؟!

طالب: أبدًا.

لا يمكن أن يقوله عاقل، فالمحز ما أدرك هنا، لم يصوبوا صوب المراد من الصيغة هنا، إذًا كيف نفرق بين هذا وهذا؟ عندنا أمور سلبية وعندنا إضافية، الأمور السلبية تتناقص وتتضاءل بالتدريج، يعني كل ما كثر منه التطهير ضعف، والصبور كل ما كثر منه الصبر قوي، والحس والمشاهدة يشهدان بهذا، فلا وجه لقولهم: إن المستعمل أولى بالاستعمال والتطهر من غير المستعمل. نعم رفع به حدث، واستعمل به عبادة، ولاشك أن هذه أمور شرعية ومطلوبة ومثاب عليها، لكن هذا الماء الذي رفع به الحدث أولًا الحدث كمال أم ليس بكمال؟ كمال أم نقص؟ نقص. إذًا رفع هذا النقص ألا يوجد أثر له فيما يرفع به؟ له أثر فيما يرفع به، ويأتي الكلام في الطاهر، إن شاء الله تعالى.

 إذا تقرر هذا، وعرفنا في الجملة المذاهب، التقسيم إلى ثلاثة أقسام: الطهور والطاهر والنجس هو قول الأكثر، والجمهور والمالكية يرون أنه قسمان فقط، وشيخ الإسلام يميل إلى هذا، والغزالي تمنى أن لو كان مذهب الإمام الشافعي مثل مذهب الإمام مالك.

يأتينا ما يتعلق في تأثير النجاسة على الماء، قول الشافعية والحنابلة من جهة، والحنفية من جهة في تأثير الطاهرات على الماء، وقول الشافعية والحنفية والحنابلة من جهة، والمالكية من جهة في تأثير النجاسات على الماء، تأثير النجاسات على الماء هذا هو الذي اعتماده عند الأئمة الثلاثة أوقع في حرج كبير، ومن أجله تمنى الغزالي أن لو كان مذهب الشافعي مثل مذهب الإمام مالك في هذا، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى؛ لأنه ترتب على هذا التأثر بالنجاسات بمجرد ملاقاة النجاسات ترتب عليه حرج وعنت يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في موضعه.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في تعريف الطهور: طهور يرفع الحدث، والحدث تقدم أنه يُطلق بإزاء الخارج وإخراج الخارج، ويُطلق أيضًا على الوصف المعنوي القائم بالبدن الذي يمنع مما اشتُرطت له الطهارة، وهنا اختار الثالث: يرفع الحدث، وهو ما أوجب وضوءًا أو غسلًا، هذا الحدث ما أوجب وضوءً أو غسلًا، يعني وصف قائم بالبدن يمنع من مزاولة ما تُشترط له الطهارة، فيوجب هذا الحدث الوضوء أو الغسل طهور، فالحدث لا يرتفع إلا بالماء الطهور، إلا حدث رجل وخنثى بقليل خلت به امرأة ولو كافرة لطهارة كاملة عن حدث، كخلوة نكاح تعبدًا. الاستثناء إلا حدث رجل، استثناء من أيش؟ من الحدث الأول، يرفع الحدث إلا حدث رجل. إلا حدث رجل وخنثى بقليل خلت به امرأة، هذا الماء الذي خلت به المرأة وتطهرت به طهارة كاملة عن حدث طهور أم ليس بطهور؟ طهور أم طاهر؟ طهور، بدليل الاستثناء، بدليل الاستثناء، الشيء لا يستثنى من غيره إلا في الاستثناء المنقطع، لكن هنا إلا حدث رجل، الآن الحدث هذا مستثنى من الحدث الأول.

طهور يرفع الحدث إلا حدث رجل فهذا الماء باقٍ على أنه طهور، لكنه مع كونه طهورًا لا يرفع حدث رجل ولا خنثى تعبدًا، بقليل خلت به امرأة، والقليل عندهم ما دون القلتين، (خلت به امرأة)، بدليل حديث الرجل الذي صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكم بن عمرو الغفاري أو غيره، قال: «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل»، هذا دليلهم، نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والإشكال أنهم يقتصرون على هذه الجملة، لكن هل يمنعون المرأة من أن تتوضأ بماء قليل خلا به رجل لرفع حدث؟ لا يمنعون، والسياق واحد، فهذا تفريق بين المتماثلات، الذي يمنع في الطرفين له وجه؛ لأن النهي عنده قد يقتضي الفساد، لكن الذي يمنع الرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، ولا يمنع المرأة أن تتوضأ بفضل الرجل، هذا فرق بين المتماثلات، ولذا القول بهذا قول مرجوح؛ لأنه لم يقل أحد بمنع وضوء المرأة بفضل الرجل، إذًا علامَ يُحمل الحديث عند من صححه، والحديث لا إشكال فيه، صحيح، وإن قال البيهقي: إنه مرسل؛ لأن الصحابي لم يسم. والصواب أنه متصل، في إسناده مبهم، وجهالة الصحابي لا تضر.

منهم من حمل النهي على التنزيه، وجاء ما يدل على الطهارة بفضل المرأة: النبي -عليه الصلاة والسلام- توضأ بفضل ميمونة، وهل هناك فرق بين أن تغتسل المرأة وحدها، والرجل وحده، أو يغتسلا جميعًا؟ فيه فرق؟ فرق حسي ما في، إنما أرشد إلى الأولى في مثل هذه الصورة: «أن يغترفا جميعًا» والنبي -عليه الصلاة والسلام- يتوضأ مع زوجاته مع عائشة حتى تقول: دع لي، ويقول: دعي لي. أرشد إلى الأولى والأكمل من أن يتوضأ كل واحد بمفرده، والرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا في عهده -عليه الصلاة والسلام-، فهل يتصور أن هذا النص يدل على أنهم يتوضؤون في مكان واحد رجال ونساء اختلاطًا يتوضؤون في مكان واحد من هذا الخبر؟ لا يتصور، لماذا؟ لأن الرجال والنساء من باب مقابلة الجمع بالجمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفرادًا، يعني أن كل رجل مع امرأته، الرجال والنساء: كل رجل مع امرأته، يعني كما في: ركب القوم دوابهم، كل واحد ركب دابته، فلا يقال مثل هذه الأمور قد تثار في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، وكثر المفتونون الذين يبحثون عن مثل هذا. لا.

 هذا من باب مقابلة الجمع بالجمع، وهي عند أهل العلم تقتضي القسمة آحادًا، بمعنى أن كل رجل يتوضأ مع امرأته، ويغتسل مع امرأته، وأرشد النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى ذلك: «وليغترفا جميعًا» (إلا حدث رجل)، هذا الذي جاء النص عليه في الحديث.

 والخنثى ملحق به. الخنثى إن كان أمره تبين فهو إما رجل وإما أنثى، ما يذكر في مثل هذا، إنما يذكر الخنثى المشكل الذي لم يتبين أمره، هذا يقال: يلحق بالرجل من باب تغليب الحظر على الإباحة، ومن باب الاحتياط.

(إلا حدث رجل وخنثى بقليل) بقليل: عرفنا أنه ما دون القلتين. (خلت به امرأة).

طالب:..................

لا لا يأتي عندهم ما يرفع، عندهم التيمم مبيح، لا لا يأتي هذا فالفقهاء يضبطون عباراتهم، يعرفون ما يأتي، وما يذهب، هم بشر يخفى عليهم شيء، لكن عندهم دقة في هذا الباب، المحترزات عندهم يضبطونها، يضبطون المحترزات؛ لأن هذا محل عنايتهم، وسيأتي في التيمم أنه عندهم مبيح، وليس برافع، ويأتي الخلاف فيه إن شاء الله تعالى، فلا نلزمهم بما نراه، ولا نحاسب كلامهم على ما نراه نحن، لا. (إلا حدث رجل وخنثى بقليل خلت به امرأة) يقولون: كخلوة نكاح، وخلوة النكاح يكفي عندهم فيها إرخاء الستر؛ لتكون مدخولًا بها.

(خلت به امرأة ولو كافرة) ولو كافرة لو هذه للخلاف القوي. إذا كانت المسلمة إذا خلت بالماء يتأثر الماء، فالكافرة عندهم من باب أولى، هل يحتاج مثل هذا إلى تنصيص؟ يحتاج إلى تنصيص. لماذا؟ لأن الكافرة ما رفعت به حدثًا، ومن شرطه أن تكون الطهارة كاملة عن حدث، وهذا ما رفعت به حدثًا؛ لأنه لا يتصور منها رفع حدث؛ لأن النية منها غير متصورة، فاحتاجوا إلى التنصيص عليها، وإلا لا فرق بين خلوة الكافرة وبين خلوة الطهارة غير الكاملة أو الطهارات التي تأتي مستحبة أو ما أشبه ذلك مما لم يرفع حدثًا، لكن احتاجوا إلى التنصيص عليها، وقياسها على المرأة المسلمة من باب قياس الأولى؛ لأنه إذا كانت خلوة المسلمة مؤثرة، فخلوة الكافرة من باب أولى، وكونها تذكر؛ لأنها قد ينازع فيها؛ لأنهم يقولون: عن حدث، وهذه ما رفعت حدثًا.

(ولو كافرة لطهارة كاملة عن حدث) يعني لو أن المرأة خلت بالماء، وتوضأت به وضوءًا كاملًا ما بقي إلا الرجل، قالت: أخرج للخارج أغسل الرجل في المغسلة حتى لا أفسد الماء على الرجل، يصح أم لا يصح؟ على كلامهم يصح؛ لأن الطهارة ما هي بكاملة.

(كاملة عن حدث، كخلوة نكاح) عن حدث، وعلى هذا لو خلت به؛ لتجديد وضوء يضر أم لا يضر؟ ما يضر. خلت به في غسلة ثانية أو ثالثة لا يضر، خلت به في غسل مسنون لا يضر، إنما لابد أن تكون هذه الخلوة في وضوء أو غسل عن حدث (يرفع حدث) كخلوة نكاح، تكون هذه (بإرخاء الستر وإغلاق الباب)، ويزيل الخبث الطارئ.

 (كخلوة نكاح تعبدًا) تعبدًا، لماذا؟ لأن المعنى غير معقول، العقول لا تدرك مثل هذا الكلام، لا تدرك مثل هذا الكلام. كيف يتأثر ماء بمجرد خلوة امرأة‍! ما ندرك، إنما يقال تعبدًا في الأحكام التي لا تدرك عللها، تكون تعبدية، وإلا فما الفرق بين خلوة الرجل وبين خلوة المرأة، وبين خلوة المرأة للوضوء المستحب، وبين خلوتها للوضوء الذي يرفع حدثًا، وبين خلوتها للطهارة الكاملة، وغير الكاملة، ما فيه فرق من حيث النظر، يبقى أنه لثبوت المنع التعبد، وهذا على القول بهذا الحكم، وعرفنا أنه إما أن يقال: بمنع الرجل ومنع المرأة إجراءً للحديث على ظاهره، أو يقال: إن النهي للتنزيه والإرشاد إلى الأولى، «لا يخلو الرجل بالماء، ولا تخلو المرأة بالماء، وليغترفا جميعًا»، ويكون هذا من باب النهي للتنزيه، ولا أثر له في الماء.

(يرفع الحدث ويزيل الخبث الطارئ) الطهور هو الذي يرفع الحدث، وهو الذي يزيل الخبث، يزيل الخبث، أي خبث؟ الطارئ، يعني يزيل النجاسة الحكمية لا النجاسة العينية، لماذا فرقنا؟ الخبث الطارئ النجاسة الحكمية، النجاسة التي وردت على محل طاهر هذه يمكن إزالتها، لكن إذا كانت النجاسة عينية لا يمكن إزالتها، لا يمكن بحال إزالتها. كيف تطهر كلبًا ميتًا! نجاسة عينية، كيف يُطهر عذرة مثلًا! يمكن تطهيرها؟ لا يمكن تطهيرها. الاستحالة، كلب وقع في مملحة، وبعد مدة صار فرش ملح، استحال، يطهر أو ما يطهر؟

طالب:.....................

استحال، والخمرة إن انقلبت بنفسها خلاًّ تطهُر. الكلب الذي وقع في المملحة، وبعد مدة صار فرش ملح، وبحثنا عن أجزائه، هذا إذا تصور في مدة يعيش فيها الإنسان، وإلاف بعد ممد متطاولة، قرون يمكن، يذكرون عن البترول أن أصله من هذه الأنواع، يذكرون عنه هذا، والله أعلم بحقيقته.

على كل حال إذا استحالت النجاسة بعينها من غير صنع لآدمي كالخمر تنقلب خلاًّ؛ لأن النجاسة لا يجوز إمساكها فلا تُعمل، تحلل لكي تطهر. الآن عندك فيه مشاريع لتنقية المياه، مياه المجاري وتطهير ما أدري أيش، هذه على قاعدة المذهب يجوز أم ما يجوز؟ ما يجوز، وعند الحنفية الأمر فيه سعة، وعندهم أي شيء يزيل النجاسة مطهِّر حتى الشمس والريح، فمذهبهم في هذا واسع.

طالب: لكن يا شيخ ... خبث طارئ ويمكن فصلها؟

إذا أمكن، لكن كيف أن نعرف أن هذا البول الذي وقع فيه انتهى، فيه فلترات يصب فيها الشاي أو البيبسي فتعيده إلى مكوناته الأصلية، الماء على حدة، والشاي على حدة، والسكر على حدة، هذه في غاية الدقة، لكن إن أمكن، مثلًا البول كيف نعرف أن هذا البول انفصل عن هذا الماء، لاسيما وأن بعضه لونه لون الماء، والماء عمومًا هل له لون أو لا لون له؟ نقول: لونه لون إنائه، يورد بعضهم حديث «أشد بياضًا من اللبن» في حوض النبي -عليه الصلاة والسلام-، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وله لون أبيض، يعني أقرب ما يكون له اللبن إلا أنه أشد منه بياضًا، يشارك اللبن في صفة البياض، ومع ذلك يسمى ماءً. هذا الماء الذي صار له هذا اللون معروف أنه ماء خاص لا يدخل فيما نحن فيه، والإضافة لا تفارقه، إنما يقال: ماء الحوض، فلا يرد على هذا أن الماء له لون؛ لأن بعضهم أطلق وقال: إن الماء لا لون له، إنما يتلون بلون إنائه؛ لأنه شفاف، وأُورد هذا الحديث ويجاب بهذا.

(يزيل الخبث الطارئ) الحادث الذي ورد على محل طاهر، ويفهم من هذا أن الطاهر القسم الثاني لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، ومن باب أولى الماء النجس.

(وهو) يعني الماء الطهور (الباقي على خلقته) يعني على وصفه المعروف، كل من رآه قال: هذا ماء، سواءٌ نزل من السماء أو نبع من الأرض حكمه واحد، ولا يتغير لونه، هو واحد، فهو باقٍ على خلقته، لكن لو جيء بماء وغُيِّر عن خلقته بلون أو طعم أو ريح أخذ حكم ما غيّره، على ما سيأتي في الطاهر والنجس، وهذا إذا تغير، ولو تصاعد ثم قطر كبخار الحمامات، تصاعد ثم قطر، عندنا ماء طهور أوقدنا تحته ثم تصاعد، ثم قطر ثانيةً يتأثر أم ما يتأثر؟

طالب: لا يتأثر.

 لا يتأثر فحكمه واحد، لو تصاعد ثم قطر، هذه (لو) للخلاف عندهم، متى يتصور الخلاف في الماء المقطر الذي بُخِّر ثم اجتمع؟ لو كان متغيرًا سواء كان بطاهر أو نجس، ثم بخِّر وتصاعد، ثم قطر ثانية على خلقته، باقٍ على خلقته ما فيه تغير ولا تأثر، هذا محل خلاف بينهم إذا تصاعد ثم قطر كبخار الحمامات، والحمامات كانت معروفة في الأقطار في مصر والشام وغيرهما، يعني لا توجد في بلاد الحجاز مع عهد النبي-عليه الصلاة والسلام-، والمراد بها الحمامات العامة التي يرتادها الناس للتنظف، سُميت حمامات؛ لأن ماءها حار، والحار هو الذي يزيل الأوساخ في المشاهد، يعني الآن ما يستعمل في الحمامات من ماء حار وهواء حار ودرجة حرارة مرتفعة من أجل أن يعرق البدن، وتسهل إزالة ما عليه من أوساخ، هنا يُختار الماء الحار، وفي دعاء الاستفتاح اغسلني بالماء والثلج والبرد كلها باردة، نقول: هل يفرق بين النجاسات الحسية فتحتاج إلى حار، والمعنوية تحتاج إلى بارد؟ لأن الذنوب لها حرارة لا يزيلها إلا البارد؟ هل نقول بهذا؟ أم نقول: إن البارد مزيل ومنظف سواء كانت النجاسة حسية أو معنوية؟

الآن الحس والمشاهدة أليس بالحمامات كلها الماء حار، ويفضلون الماء الحار لإزالة الأوساخ، والأواني التي فيها أوساخ وكذا ألا تطبخ؛ من أجل أن يزول ما فيها؟ نعم، لكن لماذا اختير في الدعاء، دعاء الاستفتاح، ودعاء الجنازة الماء والثلج والبرد؟ لأنها نجاسة معنوية ولها حرارة تحتاج، الذنوب لها حرارة تحتاج إلى أن تطفأ بهذه المياه الباردة.

 طيب افترضنا أن هنا ماء حار ليس بحار يعني دافئ، درجة الحرارة فيه مثلًا عشرة، وماء درجة حرارته صفر، أيهما أقوى في التنظيف؟ الدافئ أقوى أو البارد أقوى؟ بغض النظر عن استعمال مؤثرات أخرى؟ يعني ما هي حرارة تسيل ما على البدن، ليست هناك حرارة تسيل ما على البدن، إنما هي حرارة مقبولة، يعني افترض أنك فتحت الصنبور وغسلت يديك أو أحضرت ماءً باردًا وغسلت يديك، أيهما أقوى في التنظيف؟

 طالب: ............

الدافئ أقوى، يعني الذي حرارته حرارة البدن أدفأ مما برودته أشد من درجة البدن؟ ما الذي يؤثره الماء البارد على البدن؟ أقول: ينكمش البدن ويصير فيه خشونة، وإزالة ما على البدن مع الخشونة.

طالب: أعسر.

لا هي من ناحية باعتبار أن بإمكانك مع قوة الفرك مع الخشونة تزول، يعني لو جربت هذه وجدنا أن البارد أحيانًا ما لم يكن الحار مؤثرًا على إزالة ما على البدن، وجدنا أن البارد أبلغ في الإزالة بغض النظر عن المؤثرات، يعني تضع معه صابونًا أو شيئًا لا، فإذا كانت اليد خشنة فإزالة ما عليها؛ لأنها مثل الصنفرة، يعني شيء محسوس، يعني الإزالة بزجاجة أو قرطاس مثل الصنفرة؟ لا، ولذلك يختارون من المناديل للتمسيح المناديل الخشنة، فإذا نظرنا إليها من هذه الحيثية عرفنا ما في النصين من بلاغة.

(أو استهلك فيه يسير مستعمل) يعني ماء مستعمل انتقل من كونه طهورًا إلى كونه طاهرًا، فأخذنا بإناء وصببنا عليه من هذا الطاهر المستعمل، واستهلك فيه.

(أو مائع طاهر) عندنا سطل فيه ماء للغسل، جاء واحد رمى فيه كأس شاي، وما غيرت لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، إذًا يبقى طهورًا.

(أو استهلك فيه يسير مستعمل أو مائع طاهر ولو لعدم كفاية) ولو لعدم كفاية، كيف لعدم كفاية؟ عندك الماء الطهور لا يكفيك لأن تتوضأ به أو تغتسل به، ثم أضفت إليه من هذا الطاهر؛ لكي يكفي لوضوئك أو لغسلك، ولم يتأثر به الماء الطهور الذي في الأصل لا يكفي ثم صار يكفي بالإضافة. قالوا: (ولو لعدم كفاية). أولًا الماء المضاف استُهلِك، و(لو) هذه للخلاف القوي أيضًا؛ لأنك لعدم كفاية الماء الذي اغتسلت له كأنك غسلت بعض أعضائك بماء طهور، وبقية الأعضاء بماء طاهر، هذا في حالة عدم الكفاية، أما في حالة الكفاية وزيادة ظاهر يعني.

طالب:......................

إذا استهلكت الخمرة في الماء، جيء بكأس فيه خمر، ووضع في برميل وذاب، وقل مثل هذا في المشروبات التي يكون فيها واحد بالمائة، اثنان بالمائة، ثلاثة بالمائة، خمسة بالمائة من الكحول، هل نقول: إنها استهلكت وذابت أم نقول: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»؟ الأقرب أنها استُهلِكت؛ لأن القليل، لو استعملت هذا القليل بمفرده قبل إضافته إلى الماء ولم يسكر قلنا: حرام؛ لأن كثيره يسكر، لكن هذا الماء الذي أضيف إليه ما أضيف مما ذاب فيه واستهلك لو تشرب البرميل كاملاً ما سكرت، فهذا استهلاك.

طالب: ...............

الشيخ : ما معنى البيرة؟ خالية من الكحول أم؟

طالب:..............

يا أخي أصل مزاولة النجاسة شيء لا يجوز، يجب الابتعاد عنها، هذا في الجملة، لكن كون شخص شرب ولا يحد، شرب مما فيه شيء من المسكر لا يحد.

طالب:.......................

هم لما قالوا مثلاً عندك ماء يكفي لغسل وجهك ويديك ورأسك وإحدى رجليك، لكن ما يكفي الرجل الثانية، وجئت بكأس طاهرة وصببتها عليها، كأن رجلك هذه الباقية غسلتها بهذه الكأس.

طالب:..............

هكيف؟

طالب:.........................

يا أخي، هم يقولون: ولو لعدم كفاية، صار طهورًا عندهم ورفع الحدث، لكن وجه القول بالخلاف الثاني الذي أشاروا إليه بـ(لو) أنك غسلت بقية أعضائك بماء لا يرفع الحدث طاهر، ما هو بالمقدم عنده هذا، المقدم أن الحدث يرتفع ولو كان الماء لا يكفي  إذا استهلك، ولو لعدم كفاية، فلا تظن أننا نقرر الراجح عنده، لا، انتهينا من الراجح، أنه ولو لم يكفِ أنه ما دام استهلك صار حكمه حكم الطهور، فيرفع الحدث، والقول الثاني أنه إذا لم يكفِ صرت بمنزلة من رفع حدثًا أو بعض الحدث عن إحدى رجليك بهذا الماء المضاف، وهو في الأصل لا يرفع حدثًا. نحن يا إخوان نقرر المسائل على رأي المؤلف، إذا جاء المسائل التي فيها مخالف أو شيء نبين إن شاء الله تعالى، لكن نحن نشرح كلام المؤلف ونوضحه الآن.

(ولم يغيره) وإن غيره، صببنا كأسًا على ماء، كأس لبن مثلًا على ماء وتغير؟ صار طاهرًا إذا تغير.

(أو استُعمِل في طهارة لم تجب) تجديد وضوء، غسل مستحب، غسل للإحرام، غسل لدخول مكة، غسل للجمعة، الأغسال المستحبة على ما سيأتي بيانها، استُعمِل هذا الماء لا لرفع الحدث، يعني شخص يريد أن يغتسل للجمعة، فجاء وانغمس في ماء لا لرفع حدث، أو أراد دخول مكة أو للإحرام فانغمس في هذا الماء يؤثر أم لا يؤثر على كلامهم؟ لا يؤثر، وإن كان خالف النهي «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم» على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. لا يتأثر، الآن تأثر الماء بمن عليه حدث ومن لا حدث عليه، يعني اغتسل للجنابة بعد أن نظف ما لوَّثه، وانغمس في هذا الماء عن جنابة، والثاني انغمس فيه للجمعة أو للإحرام، فيه فرق أم ما فيه فرق؟ ما فيه فرق إلا أن هذا رفع حدثًا، وذاك لم يرفع حدثًا، فهذا باقٍ على طهوريته، وذا ارتفعت عنه الطهورية، هذا من حيث الحكم، لكن من حيث المعنى والواقع تأثر أم ما يتأثر؟ ما فيه فرق، فالمسألة على ما سيأتي في بابها تعبدية.

(أو استُعمِل في طهارة لم تجب أو غسل كافر) اغتسل كافر، كافر يرتفع حدثه؟ لا يرتفع. إذًا لا يؤثر. يعني إذا انغمس مسلم لرفع حدث تأثر الماء، انغمس كافر لا يتأثر الماء. لماذا لا نقول في مثل هذه الصورة مثل ما قلنا في الصورة السابقة (ولو كافرة)؟ لأنه إذا تأثر الماء بالمسلم فلن يتأثر بالكافر من باب أولى؟ لماذا لا نقول مثل هذا؟ (أو خلت به امرأة) تعبدية؛ لأنه نص على أنه تعبد، إذا انغمس مسلم؛ ليرفع حدثًا بماء يتأثر الماء، وإذا انغمس كافر ليتبرد أو ليتنظف ما يتأثر على كلامهم! لماذا لا يتأثر؟

طالب:...........

لا هم منطلقون من قاعدة أن المؤثر ما يرفع به الحدث، والكافر لا يرتفع حدثه، إذًا لا يؤثر، ولذا قال: (أو غسل كافر). طيب غسل كافرة؟ يؤثر أو ما يؤثر؟ إذا خلت به تأثر؛ لأنه قال هناك: (ولو كافرة) أما إذا لم تخلُ به فهي كالكافر كالرجل لا يؤثر.

(أو غسل به رأس بدلاً عن مسحه) فرض الرأس هو فرض من فروض الوضوء، حقه أن يغسل أم يمسح؟ يمسح. هذا قال: أغسل رأسي بدلًا أن أمسحه، أو غُسِل به رأس بدلًا عن مسحه، هذا الماء استعمل في طهارة كاملة عن حدث، لكنه بدلًا من أن يمسح رأسه غسل رأسه، لماذا فرَّقوا بين هذا وهذا؟ لأنه ليس بواجب، فكأنه غسلة ثانية وثالثة. لماذا لا نقول هو الواجب وزيادة، المسح متحقق، الواجب مع زيادة فما يتأثر بالمسح يتأثر بالغسل من باب أولى؟ إذا استصحبنا تعليلهم هذا الحكم بكونه تعبديًّا، ما يرد مثل هذا الكلام، ولو قلنا إن العلة معقولة وهي تأثر الماء تأثرًا حسيًّا أتينا على كل هذه الفروع بالنقض.

 (أو غسل به رأس بدلًا عن مسحه) الآن هل يجزئ غسل الرأس بدلًا عن مسحه؟ يجزئ أم ما يجزئ؟ لو جاء شخص وقال: امسحوا برؤوسكم وأنا أغسله غسلًا مثل ما يغسل الوجه واليدين، يجزئ أم ما يجزئ؟ لا شك أنه زاد وأساء وتعدى وظلم، لكن مسألة الإجزاء؟ يعني إذا أتى بالواجب وزيادة «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» مسألة عدم إجزائه، وقل مثل هذا فيما لو حلقت المرأة رأسها حلقت المرأة شعرها حلقًا بدل التقصير، يعني جاءت بالواجب وزيادة، هل يجزئ أو لا يجزئ؟ مسألة معروفة وقاعدة من قواعد ابن رجب تراجع بفروعها.

(أو غسل به رأس بدلًا عن مسح، والمتغير بمحل التطهير) والمتغير بمحل التطهير، يعني ما دام الماء على العضو فهو طهور، لكن إذا انفصل عنه صار متغيرًا، ولذا من بقي جزء يسير من قدمه ولا ماء عنده هل نقول له ضع يدك تحت لحيتك ليتقاطر عليها الماء، أم نقول خذ من لحيتك قبل أن ينفصل؟ ما الفرق بينهما؟ فيه فرق أم ما فيه فرق؟ نقول: ضع يدك تحت لحيتك ليتقاطر فيها الماء واغسل ما بقي؟ المتصور أن اللحية كثيفة ويمكث فيها الماء لأن بعض الشعور يمسك الماء، هل نقول ضع اليد تحت اللحية ليتقاطر فيها الماء، ثم اغسل به رجلك؟ أو خذ الماء من لحيتك، اعصر لحيتك وهو في محل التطهير، قبل أن ينفصل واغسل به ما بقي من قدمك؟ هذا مرادهم هنا والمتغير بمحل التطهير، فيفرقون بين هذا وهذا، وسيأتي في بحث الطاهر الماء المستعمل إن شاء الله تعالى.

(وبما يأتي فيما كره وما لا يكره) يعني المتغير بإضافة ما يأتي فيما كره وما لا يكره، يعني المتغير بماء مقبرة مثلًا، أو متغير بماء مسخن بنجاسة أو غير ذلك، هذا لا يتأثر ويستمر طهور. لماذا؟ لأنه إذا كان مجرد كراهة، المتغير به كراهة، فالمتغير التطهر به من باب أولى، يعني لو تطهر بالمكروه يضر أو ما يضر؟ يرتفع حدثه أو ما يرتفع؟ يرتفع حدثه. لو أخذنا من هذا المكروه شيئًا يسيرًا وصببناه على ماء، فتوضأنا به لا يتغير، ولذا يجوز التطهر به.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.