شرح جوامع الأخبار (02)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً يا أرحم الراحمين.

قال المؤلف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -عليه رحمة الله- في كتابه جوامع الأخبار:

الحديث الرابع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى أعرابي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتُؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)) قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنْقُصُ منه، فلما وَلَّى، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ سَرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) متفق عليه.

يقول -رحمه الله تعالى-: الحديث الرابع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أتى أعرابي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة" هو يريد الجنة، ويريد أقرب طريق يوصل إلى الجنة، قال: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)) توحد الله -جل وعلا-، لا تشرك معه في أي نوع من أنواع العبادة معه شيئاً، تعبد الله، تحقق الهدف الشرعي من وجودك {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[(56) سورة الذاريات] ((ولا تشرك به شيئاً)) لأنك قد تأتي بجميع أنواع العبادة وتصرف شيئاً منها لغيره فلا تنفعك حينئذٍ، وهذا هو معنى كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص، تعبد الله هو معنى المثبت (إلا الله)، ولا تشرك به شيئاً هو معنى المنفي في كلمة التوحيد (لا إله) وكلمة التوحيد هي أعظم كلمة، أعظم مشهودٍ عليه،   {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ}[(18) سورة آل عمران] شهدوا على هذه الكلمة التي هي أعظم مشهودٍ به، وشهد عليها أعظم الشهود وهو الله -جل وعلا- الخالق، وأعظم الشهود من خلقه الملائكة وأهل العلم، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، الشرك ومنه الأكبر والأصغر والأكبر الذي لا يغفر، الموجب للخلود في النار أمره خطير، والشرك الأصغر أيضاً شأنه عظيم في الشرع، وقد قرر جمع من أهل العلم أن الشرك بنوعيه غير قابل للمغفرة، لعموم قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}[(48) سورة النساء] (أن يشرك به) يدخل به الشرك الأكبر والأًصغر، فلا بد أن يعذب سواء كان شركه أكبر أو أصغر؛ لكن من كان شركه أكبر يخلد، ومن كان شركه أصغر يعذب بقدر ما اقترف ثم يخرج من النار، وجمع من أهل العلم يرون أن حكم الشرك الأصغر حكمه حكم الكبائر، داخل تحت المشيئة.

((وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)) هذه دعائم الإسلام، ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله)) وهي في الحديث معناها في قوله: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)) ((وإقام الصلاة)) وهو يقول: ((وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)) بقي الحج، فإما أن يكون قبل فرضه، قبل أن يفرض الحج، أو يكون هذا الشخص عرف من حاله أنه غير مستطيع للحج، وإلا فالحج هو المتمم للأركان الخمسة، كما جاء في حديث سؤال جبريل عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وحديث ابن عمر: ((بني الإسلام على خمس)) وغيرها مما يدل على أن الحج ركن من أركان الإسلام كالأركان الأربعة.

((تقيم الصلاة المكتوبة)) وهي الصلوات الخمس، وما أوجبه الله -جل وعلا-، وهنا يراد به الصلوات الخمس، أما ما وجب لأمرٍ عارض مما اختلف فيه أهل العلم كالعيد والوتر والكسوف هذه مختلف في وجوبها، والجمهور على استحبابها، الذي يدخل الجنة (إقامة الصلاة المكتوبة) وهل هناك فرق بين الإقامة والأداء؟ لأنه قال: ((تقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة)) تقيم الإقامة والاستقامة لا بد أن يكون هذا المقام قويماً مستقيماً، يُبتغى به ويراد به وجه الله -جل وعلا-، وموافق لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، كما قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فليس معنى إقامة الصلاة مجرد أداؤها على الوجه المسقط للطلب المجزئ وإن اشتمل على مخالفات أو لم يتحقق فيه لب الصلاة وهو الخشوع، (تقيم الصلاة) هذا الشخص الذي خرج من صلاته وليس له منها شيء، نعم ما يؤمر بإعادتها؛ لأنها مكتملة الأركان والشروط؛ لكن هل يدخل في هذا الحديث، هل مثل هذه الصلاة التي خرج صاحبها بالعشر من أجلها تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى؟ لا، يقول شيخ الإسلام: إن كفرت نفسها يكفي، كثير من الناس -والله يعفو ويسامح كثير من طلاب العلم ونحن منهم- ندخل الصلاة ونخرج كأننا ما عملنا شيء، لب الصلاة، حضور القلب، الخشوع، الانكسار بين يدي الله -جل وعلا-، هذا لا يكاد يوجد، ولذا تجد الإمام خلفه خمسة صفوف يخطئ في القرآن، ويخطئ في عدد الركعات ويسهو كثيراً ما يجد من يرد عليه، وكثير من المصلين إذا سلم الإمام تقول: وش قرأ؟ ماذا قرأ الإمام وهو من الحفاظ ما يجيبك بشيء، والله ما يدري وش قال؟ فإقامة الصلاة غير أداء الصلاة، نحتاج إلى إقامة الصلاة، لا بد أن نفقه كيف نقيم الصلاة في ظاهرها وباطنها، كيف نخرج منها بالأجر الكامل.

((وتؤدي الزكاة المفروضة)) هناك تقيم، وهنا تؤدي للفرق بينهما؛ لأن الزكاة مال ينتزع من هذا المبلغ، ويدفع إلى المستحق، ما يختلف في فلان عن فلان، فلان أداه بنفسه، أداه بشيك، أداه بنقد، أعطاه فلان، قال ادفعه لفلان، حول الحساب، ما يختلف، تؤدي المقصود أنك تؤديها إلى مستحقها، من أحد الأصناف الثمانية، أما تقيم لا، يختلف، الزكاة المفروضة مكتوبة، وإن كان الكتب والفرض عند أهل العلم يدلان على الوجوب ولا فرق بين الواجب والفرض عند الجمهور، إلا أن الألفاظ توحي بأن هناك فروق تدل على أن الكتب آكد من الفرض، ولذا جاءت الصلاة لأنها أهم الأركان بكونها مكتوبة، والزكاة وهي التي تليها بكونها مفروضة. ((وتصوم رمضان)) يعني تصوم شهر رمضان إذا شهدت الشهر وثبت عندك دخوله يجب عليك أن تصوم   {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[(185) سورة البقرة] وهذا ركن من أركان الإسلام، والأركان الخمسة عند أهل العلم الركن الأول الذي لم يأت به لم يدخل في الإسلام أصلاً، ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) فالذي لم يأت في الركن الأول هذا لم يدخل في الإسلام أصلاً، من ترك الركن الأول أو الركن الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس الأول تركه كفر على القول المعتمد والمفتى به، وهو المعروف عند الصحابة، وأما بقية الأركان العملية فتكفير تاركها وتارك واحدٍ منها محل خلافٍ بين أهل العلم، نقله شيخ الإسلام في كتاب الإيمان؛ لكن الجمهور على عدم كفر تارك أحد هذه الأركان إلا أنه يبقى أنه على خطرٍ عظيم، خطر عظيم دعامة من دعائم الإسلام، ركن من أركان الإسلام، لا يثبت قدم الإسلام إلا عليه ويترك، وحينئذٍ يتساهل المسلم فيه؟ لا يعني أن كون الإنسان لا يكفر بترك الصيام أو بأداء الزكاة أن الأمر سهل، لا، الأمر عظيم خطير في غاية الخطورة؛ لكن فرق بين أن يكفر الإنسان وبين أن يقال له: أن هذا عمل عظيم وشنيع وقد يؤدي به إلى الخروج من الدين، وهو لا يشعر إذا استخف بهذه الأمور العظيمة، نسأل الله السلامة والعافية؛ لكن الكفر شأنه عظيم عند أهل العلم.

قال: "والذي نفسي بيده" أقسم هذا الأعرابي بحضرة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكثيراً ما يقسم النبي -عليه الصلاة والسلام- بقوله: ((والذي نفسي بيده)) ولم ينكر عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالقسم على الأمور المهمة صدر من النبي -عليه الصلاة والسلام- في مناسبات كثيرة، يقسم على الأمر المهم، ولو لم يستحلف، ولا يعارض هذا قوله -جل وعلا-: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ}[(224) سورة البقرة] لأن هذا أمر مهم، فلا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم في الأمور غير المهمة، فللإنسان أن يحلف ولو لم يستحلف.

"والذي نفسي بيده" قسم والواو واو القسم، والذي نفسي بيده مقسم به، وفيه إثبات اليد لله -جل وعلا-، على ما يليق بجلاله وعظمته، بعض الشراح يقول: "والذي نفسي بيده" يعني روحي في تصرفه، لا شك إن كان هذا القائل ممن لا يعرف بإثبات الصفات ينكر عليه، نقول: تأويل هذا، وإذا كان ممن ينكر اليد لله -جل وعلا- لأنه قال بعضهم "والذي نفسي بيده" روحي في تصرفه، يعني فسر باللازم، ولا يوجد أحد روحه ليست في تصرف الله -جل وعلا-، وهذا من لازم كون النفس التي هي الروح باليد، فإثبات اليد لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته هو مذهب سلف هذه الأمة وأئمتها، والتأويل مذهب الخلف الذي حادوا عن الجادة، وارتكبوا التأويل، وحرفوا النصوص، ونفوا ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه وأثبته له رسوله -عليه الصلاة والسلام-، قال: "والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا" يعني مما ذكر، يعني ولا الحج، يعني ولا الحج، لماذا؟ لأنه لم يلزمه الحج أو لم يكن الحج قد فرض، أو نقل وتركه بعض الرواة، يعني وجد في بعض الروايات.

"لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه" أقسم أن لا يزيد، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) هذا مدح وإلا ذم؟ مدح، لكن لو قلت لك: قم يا فلان أوتر، الآن جوف الليل الثلث الأخير صلي لك ركعتين بين يدي الله وأوتر، ثم أقسم أن لا يوتر، يذم وإلا ما يذم؟ يقول الإمام أحمد: "من ترك الوتر رجل سوء، ينبغي أن ترد شهادته" وهذا أقسم أن لا يزيد على المكتوبة خمس، هذا يشكل وإلا ما يشكل؟ تقول: واحد يقول: صيام عرفة يكفر سنتين، يقول: والله ما أصوم، طيب صيام يوم عاشوراء والله ما أصوم، الصدقة؟ قال: أنا والله دافع الزكاة بالملي، بالقيراط، بالقطمير، والله ما أزيد هللة؟ يذم وإلا ما يذم؟ لكن هنا قال: "والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه" هذه أشكل على كثير من أهل العلم كيف يحسن من لا يزيد من الطاعات، وهذه الطاعات مهما أتى بها لا بد من وجود الخلل الذي يكمل بالنوافل، فالإنسان محتاج إلى النوافل على ما سيأتي، محتاج حاجة ماسة للنوافل ليكمل هذه الفرائض، وهذا يقسم أن لا يزيد ويمدح؟! ((من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) فإما أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- عرف بالوحي أن هذا الرجل لن ينقص شيء بالفعل، فإذا أتى بما افترض الله عليه بحذافيره بحيث لا ينقص منه شيء استحق الجنة، ومنهم من قال أن المعنى: "والله لا أزيد على ما افترض الله عليّ شيء" ما أزيد على الصلوات المكتوبة هذه، ما أجعل الظهر خمس، ولا أنقص منها ما يجعلها ثلاث، ما أزيد على الفجر أخليها ثلاث أو واحدة أو أنقص، وهكذا، فالزيادة في ذات العبادة المفروضة، وبهذا نخرج من الإشكال؛ لكن ينبغي أن ظاهر اللفظ، ظاهر النص يدل على أنه لن يزيد على ما افترض الله عليه، ولذلك المكتوبة المفروضة، تنصيص على رمضان، يدل على أنها مقصودة لذاتها، فلا يزيد عليها من التنقل، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- رأى أن هذا سوف يفي بما التزم به بالوحي، فقرر أنه من أهل الجنة، الذي لا يترك من الواجبات شيء ويترك المستحبات، طبيعة المستحبات أنها لا يعاقب تاركها، فإذا كان لا يعاقب إذاً يدخل الجنة، طيب؟ المحرمات ما لها ذكر هنا، لو عبد الله ولا أشرك به شيئاً، وأقام الصلاة المكتوبة، وأدى الزكاة المفروضة، وصام رمضان، وصار يزني ويشرب ويرتكب المحرمات، يدخل في هذا الحديث أو لا يدخل؟ يدخل وإلا ما يدخل؟ هو عبد الله أتى بهذه الأركان الخمسة وحصل منه ما حصل من المحرمات، هل نقول: أن من سره إلى رجل من أهل الجنة، يعني مآله إلى الجنة؟ يفهم هذا الكلام من النص، هل نقول: مآله إلى الجنة، بمعنى أنه لو ارتكب محرمات عذب بقدرها وخرج؟ لا، النص ما يوحي بهذا، ما يفهم من النص هذا، وإن ألجأ إليه هذا الإشكال عند بعض الشراح؛ لكن من أقام الصلاة، من أقام الإقامة غير الأداء، وأدى الزكاة المفروضة لم ينقص منها شيء، وصام رمضان مثل هذا لن يزاول شيء من المحرمات، وإن أصابه شيء من الغفلة بادر ووفق إلى التوبة؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، إقامة الصلاة على الوجه المأمور به تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذاً ضمن ارتكاب المحرم بإقامة الصلاة، ما يوفق لأداء الزكاة بدقة وقد ارتكب محرمات، ما يوفق لأداء الصلاة لإقامة الصلاة التي تنهى عن الفحشاء وقد أخل ببعض الواجبات، الصيام صوم رمضان الهدف من الصيام إيش؟ ذيل آية الفرض {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}[(183) سورة البقرة] ليش؟ لماذا؟ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يا أخي كيف يتقي وهو صايم رمضان؟ دعونا من صيامنا الذي هو مجرد مظهر شكل، مسقط للطلب، لا نؤمر بإعادة، ولا نأمر بإعادة، لكن الكلام على روح العبادة، هل يتصور أن شخص صائم رمضان لله -جل وعلا- على مراده لم يرفث ولم يفسق؟ هل يتصور أنه يبي يوفق يبي يزاول شيء مما حرم الله، من صام على الوجه المطلوب لا شك أنه سوف يعصم، فإذا أقام الصلاة على الوجه المطلوب نهته عن الفحشاء والمنكر، ويوجد بين كثير من المصلين، كثير من الصوام ارتكاب بعض المحرمات أثناء أداء العبادة، مع الأسف الشديد، تجده وهو صائم يغتاب، تجده يغش، تجده يرتكب محرمات، وهو يصلي، قائم بين يدي الله -جل وعلا-، في أقدس بقعة، وفي أشرف وقت ومكان تجده قد يرتكب محرم، تمر بين يديه امرأة فيتبعها النظرة، أو امرأة يمر بين يديها رجل تتبعه النظرة، وقد أُمر بالغض، تجده يخطط وهو في صلاته لأمورٍ غير محمودة، لماذا؟ لأنها فقدت اللب، وليس معنى هذا أننا نقول: الصلاة هذه بشروطها وأركانها وواجباتها صحيحة، مجزئة مسقطة للطلب لا يؤمر بالإعادة؛ لكن القبول شيء آخر {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[(27) سورة المائدة] الآثار المترتبة على هذه العبادة يفقدها الإنسان إذا لم يوجد اللب، الخشوع والخضوع تقف بين يدي الخالق مخبت منيب، ولو امتثلنا هذا ما حصل بيننا ما يحصل، تجد الإنسان في طول أيامه مفرط، تارك للسانه العنان يقول ويجرح ويعدل وفلان وعلان ويغتاب وينم، ثم بعد ذلك يريد أن يوفق لأداء العبادات على الوجه المطلوب، تجده مثلاً يسمع من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وهو ديدنه الكلام في الناس والغش وسوء المعاملات والرفث والفسوق، ويقول: الحج أربعة أيام لن أتكلم بكلمة، لا يستطيع البتة، لا يمكن أن يحضر حج؛ لأنه لا يعان على هذه الأربعة الأيام، ولم يتعرف على الله -جل وعلا- في الرخاء، هذه أيام شدة لا بد أن يقدم في أيام الرخاء ليعان على الحفظ في أيام الشدة، لا بد، هذا أمر لا بد منه، لا بد أن نجعل هذا نصب أعيننا، تجد كثير من الإخوان فيهم الحفاظ وفيهم الأخيار؛ لكن ما عودوا أنفسهم على نصيب ثابت من كتاب الله -جل وعلا-، يكون ديدناً له في كل يوم ورد يومي لا يتركه سفراً ولا حضراً، ثم بعد ذلك تأتي الأوقات والفرص والمواسم يبي يقرأ القرآن ما يقدر يقرأ، هذا ما تعرف على الله في الرخاء، فنهتم بهذا، نقدم لأنفسنا في أيام الرخاء لنعرف في أوقات الشدة، كثير من الناس نعم صلاة مسقطة مجزئه مسقطة للطلب؛ لكن هل ترتب عليها آثارها؟ والله -جل وعلا- يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[(27) سورة المائدة] وليس نفي القبول نفي للصحة، لا، إنما هو نفي للثواب المرتب على الصحة، الصلاة صحيحة ومجزئة، والله المستعان.

الحديث الخامس: عن سفيان بن عبد الله الثَّقفي -رضي الله عنه- قال: قلت: "يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل: ((آمنت بالله، ثم استقم)) رواه مسلم.

الحديث الخامس: عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: "قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسال عنه أحداً بعدك" يعني قول لا يحتاج إلى استفهام، ولا استيضاح، قول مختصر أحفظه وأطبقه، يريد كلام جامع لخير الدنيا والآخرة، قول مختصر وجامع يمكن تصويره وتطبيقه، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) يعني هل يكفي الشخص أن يقول: آمنت بالله؟ لا بد أن يقول ويفعل، لا بد أن يؤمن بالله -جل وعلا-، يحقق هذه الخصلة العظيمة من خصال الدين وهي الإيمان بالله -جل وعلا-، الذي ربط به صحة الأعمال، ((قل آمنت بالله)) فمعنى هذا آمن الله -جل وعلا-، والإيمان اعتقاد وإقرار وعمل، وبعبارةٍ أخصر: قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فالإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان، فالإيمان مركب من هذه الأمور الثلاثة، يعتقد الإنسان في قلبه، وينطق بلسانه، ويعمل بأركانه، فلو وقر الإيمان في قلبه، واقتنع به وصدق، وآمن بجميع ما يجب الإيمان به؛ لكنه لم ينطق، ما نطق بالشهادة، هذا مسلم وإلا غير مسلم؟ لا بد من النطق؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا...)) لا بد أن ينطق، وإلا القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فقد يقر الإسلام في قلب العبد والإيمان لكنه لا يتمكن من النطق، إن كان لا يتمكن من النطق بسبب آفة أبكم، تكفي منه الإشارة المفهمة؛ لكن إذا كان ينطق، يستطيع أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، هذا لا يقبل منه، ولو عرف من حاله ودلت القرائن على أنه وقر الإيمان في قلبه، ويسأل سائل سؤال قديم يقول: شخص من زملائه في بلد أفريقي هذا مسلم يقول: واحد من زملائي في الجامعة نصراني وعليه مما يلبسون، واقتنع بالإسلام، اقتنع قناعة تامة بقي النطق، قلت له: نذهب إلى الشيخ الفلاني لتعلن إسلامك، فذهبوا إلى الشيخ الفلاني فقال الآن: باقي ربع ساعة على أذان الظهر دعوني حتى أتجهز للصلاة وأصلي، وإذا رجعت -إن شاء الله- تعلن إسلامك، يقول: خرجنا من عند هذا الشخص، وإذا في تبادل إطلاق نار فقتل الرجل، يعني مسألة واقعية، هل ندفنه في مقابر المسلمين؟ نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه؟ لا، ما بعد أسلم؟! لا بد أن ينطق، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالله -جل وعلا- يتولاه، لا أحد يحول بين الله -جل وعلا- وبين رحمته لخلقه؛ لكن هذا في أحكام الدنيا ما نطق، فالإيمان عبارة عن القول باللسان والاعتقاد بالجنان، والعمل بالأركان، وجنس العمل كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ركن من أركان وشرط من شروط الإيمان، لا بد أن يعتقد اعتقاداً جازماً لا يساوره فيه أدنى شك يعتقد ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، هذه أركان الإيمان التي جاءت في حديث جبريل المشهور، لا بد أن يعتقد هذه الأشياء ويؤمن بها، ويعتقد اعتقاداً جازماً لا يساوره أدنى شك، ولا يحتمل النقيض، (قل آمنت بالله) يكفي؟ ثم استقم، استقم يعني استمر على هذا الدين القويم، وعلى هذا الاعتقاد المستقيم، لا بد من الاستمرار على ذلك،   {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[(99) سورة الحجر] لا بد من الاستقامة المستمرة التي لا حد لها ولا تنقطع إلا بانقطاع التكليف، ويوجد من غلاة المتصوفة بعض المراتب لبعض الأولياء الذين ينقطع عنهم التكليف، وهذا ضلال، والله -جل وعلا- يخاطب نبيه -عليه الصلاة والسلام- بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[(99) سورة الحجر] حتى تموت، حتى يأتيك الموت، وإذا كان هذا بحق النبي -عليه الصلاة والسلام- فمن دونه لا شك أنه من باب أولى، في آية فصلت: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}[(30) سورة فصلت] إن الذين قالوا ربنا الله، آمنوا به رباً، خالقاً مدبراً رازقاً، آمنوا بجميع ما يجب الإيمان به، بالإيمان بالله وملائكته وكتبه، بجميع الأركان، ثم استقاموا على ذلك واستمروا عليه، تتنزل عليهم الملائكة عند الوفاة ألا تخافوا مما أمامكم، تأمين، ولا تحزنوا على ما تركتم، وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}[(31) سورة فصلت] لا تخافوا مما أمامكم لأنكم آمنتم وأيقنتم وصدقتم وأذعنتم وانقدتم ثم استمر أمركم على ذلك وحالكم إلى أن متم، إلى أن وصلتم إلى هذا الحد، لا تخافوا ولا تحزنوا على ما خلفتم من ذراري وأموال، وكثير من الناس في مثل الظروف التي نعيشها يصرح أنه الآن الحياة ما فيها لذة ولا فيها طعم، تستوي هي والموت؛ لكن إذا تذكر الإنسان أن خلفه صبية صغار أبو سنة وسنتين وبنات يحتاجون إلى رعاية أنت مع وجودك بين أظهرهم على تستطيع أن تدفع عنهم شيء؟ أنت لا تستطيع أن تدفع عن نفسه فثق بربك واترك، وتوكل عليه، واعتمد عليه، وافعل ما أمرت به، يعني ما هو طلب أو تساوي الحياة والموت والمرجح وهو مجرد وجود هؤلاء الصبية؟ لا، أنت إذا عملت بما أمرت به فلا تخاف مما أمامك، ولا تحزن على ما خلفت، على هؤلاء الصبية لا تحزن لهم من يتكفل بهم؛ لكن ليكن حزنك على نفسك، انظر في حقيقة ما قدمت، هل هو بالفعل يوصلك إلى دار القرار؟ أو فيه ما فيه؟ راجع نفسك، كثير من الناس تجده في المجالس والله لولا هؤلاء البزارين وهؤلاء الأطفال مدري وش يصير عليهم، بهذه الفتن كان الواحد يتمنى الموت، يا أخي ما يجوز تمني الموت لضرٍ نزل بك، نعم إذا غلب على ظنك أنك تفتن في دينك إذا غلب على ظنك فلا بأس جاءت بعض النصوص ما يدل على ذلك، أما أن تتمنى الموت لأنه قد يحصل لك ما يحصل من نقصٍ في دنياك، لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به، وما يدريك أنك تخلف وتبقى مدة تصوم فيها كذا عام، وتصلي فيها كذا فرض، وتنفع نفسك وتنفع غيرك، يمد الله في عمرك أو يمد الله في عمرك فتنفع وتنتفع، وحينئذٍ هذا الكلام لا مجال له، هذه الأيام أيام الفتن لا شك أنها لمن وفق وأسهم في دفع هذه الفتن وفي إنقاذ المسلمين منها لا شك أنه خير له من أيام السعد وأفضل، وأقرب إلى أن تكون منحة سيقت له في هذا العصر الذي تأخر فيه، أما إذا كانت هذه الفتن آثارها عليه بأن يتأثر فيها، ولا يستطيع أن يؤثر في أحد، مثل هذا لو تمنى أن يكون مكان صاحب القبر لما يغلب على ظنه أنه ليست من أهل التأثير وليس من أهل النفع، بل يخشى عليه أن يفتن في دينه مثل هذا جاء ما يؤيد إذا كان الهدف الخوف على الدين، إذا كان خوفه على دينه فمثل هذا لا مانع أن يتمنى الموت.

الحديث السادس: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)‏)‏ متفق عليه‏،‏ وزاد الترمذي والنسائي‏:‏ ‏(‏(والمؤمن من أمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم)‏)‏ وزاد البيهقي‏:‏ (‏(‏والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله‏)‏)‏.‏

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السادس: حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) المسلم من اتصف بهذا الوصف، وهو الإسلام الذي لا يقبل الله -جل وعلا- ديناً سواه، من استسلم لله -جل وعلا-، وانقاد له ظاهراً وباطناً، هذا المسلم حقيقته من سلم المسلمون من لسانه ويده، بعد أن قام بالأركان التي استحق بها أن يكون مسلماً، فالمسلم الكامل الإسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده، والتنصيص على بعض الخصال التي هي من مقتضيات الإسلام للاهتمام بها، والعناية بشأنها، ولكون بعض الناس ممن انتسبوا إلى الإسلام يتساهل فيها، فاحتيج إلى التنصيص عليها، المسلم من سلم، والمهاجر من هجر، والمؤمن من أمن، والمجاهد من جاهد، نرى الاتفاق بين الوصف والموصوف، بين الوصف والموصوف، فالمسلم من سلم، فالسلامة في الإسلام، السلامة في الإسلام في الدنيا والآخرة، والأمن في الإيمان وهكذا، ولا شك أن الاشتراك في أصل المادة يدل على الاشتراك في أصل المعنى، ولذا قال: ((المسلم من سلم المسلمون)) وأيضاً التنصيص على المسلمين للاهتمام بشأنهم والعناية بهم، وأنهم أولى من غيرهم في ملاحظة هذه الأمور، وهي السلامة مما يؤذيهم من قبل إخوانهم المسلمين، وإن كان الوصف لا مفهوم له، وإنما نص على المسلم لكونه أولى ما تنبغي العناية به، وإن كان من دخل في عهد المسلمين وفي أمانهم له من الحقوق ما يوجب عدم التعدي عليهم والإضرار بهم، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه، في الحديث قال: ((من لسانه)) ولم يقل من كلامه، من لسانه ليشمل ما جميع ما يمكن أن يصدر من اللسان من قول أو حركة؛ لأن المسلم قد يسيء إلى آخر؛ لأن الشخص قد يسيء إلى غيره بلسانه من غير أن يتكلم، يعني إذا كان الشخص يخشى أن يضبط عليه شيء من كلامه ويشهد عليه أساء إلى غيره بلسانه باستهزاء أو سخرة وهمز ولمز بلسانه، فهذا أعم من الكلام، ولذا قال: ((من سلم المسلمون من لسانه)) فلا يجوز للمسلم أن يتعدى على غيره بقولٍ أو أي حركةٍ يزاولها بلسانه مما يؤذي غيره به، وعظم الإنسان شأن اللسان وأنه يورد الإنسان موارد الهلاك.

احفظ لسانك أيها الإنسانُ

 

لا يلدغنك إنه ثعبانُ

((كف عليك لسانك)) وإنما لمؤاخذون بما نتكلم به قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟)) فاللسان شأنه عظيم، إن تكلم بخير انتفع صاحبه، ونفع غيره، وإن تكلم بشر تضرر صاحبه وإن سكت وكان له في السكوت مندوحة الحمد لله السكوت هو الأصل، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقول كلمة الحق فأقل الأحوال أن يسكت عن القول الباطل، فاللسان شأنه عظيم وآفاته كثيرة، ومنه تجتمع السيئات الكثيرة؛ لأن حركته أخف من حركة غيره، فالإنسان قد يعصي بلسانه لخفة حركته بحيث لا يحتاج إلى عناء وإلى تعب يفتح هذا الفم ويتكلم، قال فلان وقال علان، وفلان فيه وعلان فيه، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار.

يقول ابن دقيق العيد: "أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها العلماء والحكام"، فالعلماء مضطرون للكلام في الناس جرحاً وتعديلاً وقبول للشهادات لا شك أنها مزلة قدم، وهم مع ذلك مضطرون فكيف بشخص لا تدعو الضرورة إلى أن يتكلم في فلان أو علان؟ بحيث يعمل الأعمال الصالحة أمثال الجبال ثم يأتي مفلساً يوم القيامة، شتم هذا وقذف هذا، أخذ مال هذا، تكلم في عرض هذا، هذا فلان يأخذ من حسناته وفلان من حسناته، والله المستعان، حديث المفلس لا يخفى عليكم، فلننتبه إلى هذا أشد الانتباه، ولنستعمل هذه النعمة، نعمة النطق فيما يرضي الله -جل وعلا-، وهذا هو شكرها، ولو نظرنا إلى فئام من الناس سلبوا هذه النعمة لا يتكلمون، وفي الغالب أن الذي لا يتكلم أصم، فإذا سلب نعمة السمع والكلام في السابق وجوده قريب من عدمه، ورأينا الصم البكم رأيناهم في مواضع الخير لا وجود لهم إلا نادراً؛ لكن الآن وقد تيسرت الأمور يشاركون مشاركةً تامة، التقينا بهم في المناسبات مراراً لا ينقصهم شيء، يفهمون ويعبرون بطرقهم المناسب وبالإشارات لا ينقصهم شيء في كثير من تصرفاتهم أسرع من الذين يتكلمون، فإذا كان هذا الشخص لا يتكلم ولا يسمع ومن العجائب أنه يوجد شخص لا يتكلم ولا يسمع وهو أعمى في الوقت نفسه، هذا كيف يصل إليه العلم والخير، وقد حضر في مجلس كنت أنا موجود فيه فتكلم بكلمة أثرت في جميع الحاضرين لمدة ساعة، أمر عجب، وهذا شخص تعني تكليفه ما هو مثل تكليف الذي يسر الله له النطق، فلماذا لا نشكر هذه النعمة ونصرفها فيما ينفعنا في الدنيا والآخرة؟ وبدلاً من القيل والقال، قال الله وقال رسوله، علم الناس الخير، تعلم أولاً ثم علم غيرك، وأسدي النصيحة لغيرك، والله المستعان.

((وبيده)) فلا يجوز للمسلم أن يتعدى على غيره، لا على نفسه وبدنه ولا على ماله، ولا على ولده، لا يجوز له أن يتعدى ويظلم غيره، فإذا كف الإنسان لسانه عن إخوانه، كف لسانه عما حرم الله عليه، وكف يده فلم يستعملها إلا فيما يرضي الله -جل وعلا-، أو فيما يحتاج إليه، وبإمكانه أن يستعمل هذه الحاجة العادية التي يحتاجها في حياته اليومية بمزاولة يده بإمكانه أن يجعلها عبادة بالنية الصالحة، يرفع اللقمة لفمه ليأكل ينوي بها التقوي على طاعة الله عبادة، يضع اللقمة في فيه امرأته يؤجر على ذلك بالنية الصالحة، وكثير من الناس يغفل عن هذا الباب، ولو استحضر النية في جميع تصرفاته لحصل على الأجور مما لا يخطر له على بال، ولكن الناس معطى ومحروم، والإنسان يسعى لإصلاح نفسه، وفيما يخلصها من عذاب الله -جل وعلا-، ومما يقربها من رضوانه.

((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) عرفنا أن الهجرة هي الترك، وهي في الاصطلاح اصطلاح أهل العلم الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وهنا (من هجر) يعني من ترك ما نهى الله عنه، المهاجر من هجر، التارك الحقيقي هو من ترك ما نهى الله عنه، وبهذا يتبين أهمية ترك المحظورات، ((إذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) (إذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) هذا لا خيار فيه، أما المأمور بالاستطاعة، الأمور لأنه إيجاد، والترك لا يصعب إلا عند منازعة النفس شهواتها هذا أمر آخر؛ لكن يتصور أن الإنسان يعجز عن فعل المأمور؛ لكن لا يتصور منه أن يعجز عن ترك المحظور، لهذا يستدل من يقول: أن ترك المحرمات أعظم من فعل المأمورات؛ لأن فعل المأمورات فيه استثناء، ما استطعتم، مقرون بالاستطاعة، بخلاف ترك المحظورات، وهذا سيأتي الكلام عليه لاحقاً -إن شاء الله تعالى-.

متفق عليه، وزاد الترمذي والنسائي: ((والمؤمن من أمنه الناس)) المؤمن وعرفنا أن الاشتراك في أصل المادة، الاشتراك اللفظي في أصل المادة يوحي بالاشتراك المعنوي؛ لأن الاشتقاق بقسميه الأكبر والأصغر فيه اشتراك، نوع اشتراك، ((والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)) نعم، المؤمن لا بد أن يحقق أركان الإيمان؛ لكن لا يكمل إيمانه إلا إذا أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، هناك قال: ((المسلم من سلم المسلمون)) وهنا قال: ((المؤمن من أمنه الناس)) يعني من مقتضى المقابلة أن يقول: "من أمنه المؤمنون على دمائهم وأموالهم" لكن المسألة أعم في الأموال والدماء، وهي التي يتصور منها الاعتداء بكثرة، هذا يشمل جميع الناس، مؤمنهم ومسلمهم وكافرهم الذي هو غير حربي ((على دمائهم)) وشأن الدماء عظيم في الإسلام، ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)) الدماء شأنها عظيم، وجاء في تعظيم شأن القتل ما جاء من النصوص القطعية من الكتاب وصحيح السنة ما لا يحتاج إلى أن يذكر به مثلكم وأنتم طلاب علم، ولو لم يكن في ذلك إلا آية النساء، {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا}[(93) سورة النساء] ونفي القتل عن المؤمن إلا على طريق الخطأ، هذا الأصل في المؤمن، يخطئ، يريد أن يصيب هدف، يصيب صيد فيقع على مسلم من باب الخطأ هذا يحصل، أما على طريق القصد والعمد فهذا لا يحصل، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا}[(92) سورة النساء] ولذا أعقبه في الآية الأخرى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}[(93) سورة النساء] فالقتل شأنه عظيم {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ}[(68-69) سورة الفرقان] نسأل الله العافية، و((لا يزال المسلم في فسحة من دينه حتى يصيب دماً حراماً)) فشأن القتل عظيم في الإسلام، شأنه خطير، ولذا كان القتل عن عمد أعظم من أن يُكفر، من أعظم من أن تكون له كفارة، وعند أهل العلم أن القتل العمد ليس له كفارة، كما أن اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار ليس لها كفارة، لعظم شأنه أعظم من أن يكفر.

((وأموالهم)) والأموال كذلك، وجاء الإسلام بحفظ الضرورات الخمس ووجوب المحافظة عليها، ومنها الدماء والأموال، وعلى كل حال هذا أمر بين واضح لعامة المسلمين فضلاً عن خواصهم، وترخص مثل هذه الأمور وتكثر وتفحش وتصعب السيطرة عليها في أوقات الفتن، نسأل الله -جل وعلا- أن يجنبنا وإياكم الفتن، وجميع بلاد المسلمين ما ظهر منها وما بطن، فالفتن إذا زادت صعب السيطرة عليها، قد يقول قائل: كيف توجد مثل هذه الفتن في أفضل القرون ولا يستطيعون أن يسيطروا عليها؟ خليفة المسلمين أمير المؤمنين صاحب السوابق يقتل في بيته وهو صائم قائم لا ينقذه المسلمون؟ نقول: نعم هذا شأن الفتن، أم المؤمنين التي أوصت كل من جاءها فيمن يبايع قالت: تبايع علي بن أبي طالب، ومع ذلك تخرج يوم الجمل، فيقال -كما في الصحيح-: "والله إنها زوجته في الدنيا والآخرة؛ ولكن الله ابتلاكم" فأمور الفتن شأنها عظيم جداً، فكل مسلم عليه ما عليه في المساهمة لا سيما طلاب العلم المساهمة في التخفيف أو القضاء على الفتن بقدر الإمكان، ((على دمائهم وأموالهم)) وزاد البيهقي: ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله)) معروف أن الجهاد في النصوص عموماً وحقيقته الشرعية، حقيقته الشرعية بنصوص الكتاب والسنة الذي جاء الثواب العظيم فيه ومن قتل فيه مقبلاً غير مدبر شأنه عظيم أيضاً، وهو شهيد، المقصود به مجاهدة العدو، قتال الأعداء، هذه حقيقته الشرعية في غالب النصوص، وهنا أيضاً من أصل المادة يؤخذ أن من معاني الجهاد جهاد النفس، وجهاد النفس يكون على الطاعة، ويكون أيضاً عن المعصية تجاهد نفسك، وتقهر نفسك، وتمرن نفسك على طاعة الله -جل وعلا- وتأطرها على طاعة الله، وتجتنب محارم الله -جل وعلا-، وحينئذٍ هذا من أعظم أبواب الجهاد، وهذه أيضاً حقيقة شرعية؛ لأن الشارع نطق بها، وقد يكون باللفظ الواحد أكثر من حقيقة شرعية، ويدخل الجهاد، جهاد الأعداء في الجهاد المنصوص عليه هنا دخولاً أولياً، كيف؟ لأنه من طاعة الله، فإذا جاهد نفسه على قتال الأعداء دخل في المجاهد دخولاً أولياً في هذا النص، وقصر العام على بعض أفراده كما هنا لا يقتضي التخصيص، فمجاهدة النفس في طاعة الله فرد من أفراد العموم الذي هو أصل الجهاد، وهذا لا يقتضي التخصيص، كما جاء في تفسير القوة بالرمي، ((ألا إن القوة الرمي)) {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}[(60) سورة الأنفال] جاء في التفسير: ((ألا إن القوة الرمي)) هل القوة الرمي فقط؟ أو جميع ما يتخذ من أسباب لنصر الدين وقمع العدو كلها قوة، فالتنصيص على هذا الفرد من أفراد العموم لا يقتضي التخصيص وله نظائر.

الحديث السابع: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً‏،‏ ومن كانت فيه خَصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها‏:‏ إذا ائتُمِنَ خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجر‏))‏ متفق عليه‏.‏

الحديث السابع: حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أربع من كن فيه كان منافقاً)) أولاً: المنافق هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، هذا هو النفاق الذي جاء الوعيد الشديد في حق أهله، وأنه في الدرك الأسفل من النار، نسأل الله السلامة والعافية، فإذا كان الإنسان يبطن الكفر ويظهر الإسلام فهذا هو المنافق، وإذا أظهر كفره فهو كافر، والنفاق يوجد غالباً في حال قوة المسلمين وعز الإسلام، ليضطر من في قلبه شيء أن يكتمه؛ لأنه لو أظهر ما عنده أخذ بسيف الحق؛ لكن يبرز وينجم النفاق في ظروف يكون فيها الإسلام فيه شيء من الضعف، وفي الأوقات الحرجة والصعبة ينجم النفاق، المقصود أن النفاق الموجود في حديثنا هو النفاق العملي، وهو بريد ودهليز إلى النفاق الاعتقادي، ((أربع)) يعني خصال ((من كنّ فيه)) يعني مجتمعات، ((كان منافقاً خالصاً)) منافقاً خالصاً؛ لأن هذه الأمور أو الخصال الأربع لا تجتمع في قلب سليم البتة، ((ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق)) يعني النفاق مركب من هذه الخصال، والمراد بذلك النفاق العملي، وكما قلنا هو طريق ودهليز يوصل إلى النفاق الاعتقادي، نسأل الله السلامة والعافية، كما أن الأمور يجر بعضها بعضاً، ولذا تورع السلف عن كثيرٍ من المباحات، لماذا؟ لأن الإكثار منها يجرهم إلى ما فوقه من المكروهات والشبهات، ثم بعد ذلك يستمرئ الإنسان ويطلب هذه المكروهات فلا يجدها إلا بوسائل غير مباحة، فيرتكب المحرمات والذنوب والمعاصي، لا شك أنها تجر إلى ما فوقها حتى ينسلخ المسلم عن دينه.

ولذا على الإنسان أن يحتاط لنفسه، وعليه أن يسد جميع الذرائع الموصلة إلى الأمور المحرمة؛ لأن من أكثر من شيء ولو كان في أصله مباح لا شك أنه سوف يطلبه في يوم من الأيام ثم لا يجده إلا بعد ارتكاب أو تجاوز بعض الأمور، فنهمه واعتياده لهذا الأمر يجره إلى من فوقه، ولذا قد يقول قائل: ليش السلف يتركون المباحات؟ المباح لا ثواب لا في تركه ولا في عمله، مستوي الطرفين، نقول: نعم، يتركونه لئلا تجر؛ لأن النفس لا نهاية لها، إذا اعتادت على شيء لا تطيق فراقه، اعتادت على شيء مباح ما تطيق الفراق، فهذا المباح قد لا يصل إليه في يوم من الأيام إلا بارتكاب بعض الأمور التي هي غير مباحة.

((حتى يدعها)) يعني حتى يتركها، ويدع: فعل مضارع ومعناه الترك، وهذه المادة استعمل فيها المصدر، (ودعهم) ((لينتهين أقواماً عن ودعهم الجمعات)) هذا المصدر مستعمل (ودعهم) يعني تركهم، ((وحتى يدعها)) ودع: فعل الأمر أيضاً مستعمل: ((دع ما يريبك)) بقي الماضي، يقول أهل العلم: أنه أميت ماضيه، (ودع) أميت ماضيه وقرئ في الشواذ: (ما ودعك ربك) بمعنى ما تركك، ما ودعك، على كل حال الماضي أميت كما نص على ذلك جمهور أهل اللغة.

((إذا اؤتمن خان)) الأمانة شأنها عظيم، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}[(58) سورة النساء] {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}[(72) سورة الأحزاب] يعني لشدتها وصعوبتها {وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[(72) سورة الأحزاب] هذا هو السبب في كونه حملها، هو حملها التزم حملها؛ لكن هل وفّى بما التزم؟ نعم منهم من وفّى ومنهم من خان، والحديث في حق الصنف الثاني ((إذا اؤتمن خان)) إذا أودع وديعة، أو وضعت عنده أمانة خانها وتصرف فيها وجحدها، أو غيرها وبدلها هذه خيانة، والخيانة شأنها عظيم، والله المستعان.

((وإذا حدث كذب)) حدث تكلم كذب، والكذب أن يخبر عن الشيء على خلاف ما هو عليه، على خلاف الواقع، فإذا أخبر عن شيءٍ على خلاف واقعه مع علمه بذلك فقد كذب، يقول: حضر زيد، وزيد ما حضر، مات عمرو، وعمرو ما مات، هذا كذب نسأل الله العافية، قد يقول قائل: هناك كذب ما يضر، ليش نرتب هذه الآثام على أمور سهلة ميسورة؟ وهذه يرتكبها كثير من الناس، إما نكتة ليضحك القوم، أو ليتخلص من موقف، ما يضره، يعني مجرد إحراج يسير بينه وبين زملائه وين أنت يا فلان؟ والله انشغلت، وهو ما انشغل (والصدق منجاة) كما في حديث الثلاثة الذين خلفوا، قصة الثلاثة الذين خلفوا الصدق منجاة، فتجد كثير من الناس يتساهل في أول الأمر في الأخبار التي لا يترتب عليها شيء، ثم يجره ذلك التساهل إلى أن يكون الكذب ديدن (إذا حدث كذب) قد يحتاج إلى شيءٍ من التورية والمعاريض، وفيها مندوحة عن الكذب، فتقبل المعاريض إذا كان الإنسان مضطراً إليها، ولا يترتب عليها مفسدة لآخر.

أيضاً هناك ظروف وصنوف من العلوم هي على خلاف الواقع، فمثلاً المناظرات بعض العلماء يعقد مناظرات، مناظرة بين سني وقدري، مناظرة بين سني وشيعي، مناظرة بين سني وجهمي، قال السني، قال الجهمي، وما في أحد، هو الذي نسجها، وأخبر عن هذه المناظرة بخلاف الواقع، سلكها أهل العلم ورأوا أن المصلحة راجحة في مثل هذا، أيضاً المقامات، مقامات الحريري خمسمائة صفحة، مقامات البديع، مقامات السيوطي، حدث الحارث بن همام قال: ما حدث ولا حُدث؛ لكن قالوا: أن في هذه المقامات من العلوم لا سيما علوم اللغة يحتاج إليها طلاب العلم، وهذه وسيلة من وسائل التعليم يروا أنها يتجاوز عنها، ولذا قال الحريري تمنى أن لو خرج منها كفافاً لا له ولا عليه، رغم أنها نفعت حقيقةً هذه المقامات نفعت، والنحاة كلهم يتواطئون على قولهم: (ضرب زيد عمراً) لا ضارب ولا مضروب، لا زيد ولا عمرو، مثل هذه الأمور يتجاوزون، ويتسامحون فيها؛ لأن المصلحة المترتبة عليها أعظم من المفسدة، عقد مناظرة بين العلوم، قال علم التفسير كذا، قال علم الحديث كذا، رد علم الفقه بكذا.. الخ، لا راد ولا مردود، هذا لا شك أنه إخبار عما هو في الحقيقة خلاف الواقع؛ لكن أهل العلم يستثنون مثل هذا للمصلحة الراجحة المترتبة عليه.

وأقوال: أن من اتقى حتى مثل هذا، وفي الأمور الصريحة وفي بيان العلم وإيصاله إلى مستحقه ما فيه مندوحة عن ارتكاب مثل هذه الأمور ولا يثرب أيضاً على من فعلها باعتبار المصلحة الراجحة؛ لكن الإنسان يختار لنفسه الأحوط، (إذا حدث كذب) من أعظم الكذب، الكذب الذي يترتب عليه اقتطاع حق مسلم، أو إراقة دم مسلم، من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، هذا شيء عظيم، اقتضاء حق المسلم أيضاً، شهادة الزور جاء فيها ما فيها، أعظم من ذلك الكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام-، وجاء فيه الحديث المتواتر، ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) وبعض أهل العلم يقول: ما له توبة الذي يكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبعضهم حكم بكفره؛ لكن هذا قول مردود؛ لكن لعظم هذا الكذب الذي يكذب به على النبي، كذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- ليس كالكذب على سائر الناس، وأعظم من ذلك الكذب على الله، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}[(60) سورة الزمر] نسأل الله السلامة والعافية، ومن أظهر أو أوضح مظاهر الكذب على الله الجرأة على الفتيا بغير علم {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ}[(116) سورة النحل] فيتورع طالب العلم عن مثل هذا، ونرى من يفتي وهو ليس من أهل العلم، نرى صغار الطلاب يبادرون إلى الإجابة على كثير من الأسئلة التي يتورع عنها كبار سلف هذه الأمة، فعلى الإنسان أن يسعى في خلاصه، وأهل العلم يقررون أن على المفتي أن يسعى في خلاصه قبل أن يسعى بخلاص المستفتي، لماذا؟ لأن نفسك أهم عليك، لماذا جلس يفتي الناس؟ إلا لمصلحته هو، لما يرجو من ثواب الله -جل وعلا-، فإذا انعكست المسألة وكسب من السيئات الشيء العظيم بسبب ما يرجو فيه ثواب الله هذا خسران، خسر الدنيا والآخرة، فلنتقي مثل هذا، والله المستعان.

((إذا عاهد غدر)) الأمر ليس بالسهل، العهد والميثاق إذا أعطى الإنسان ثمرة فؤاده وصفقة يمينه، ثم بعد ذلك يغدر به هذا شأنه عظيم لأن المعاهَد يأمن من عاهده وحينئذٍ ينقض عليه فيغدر به، يعطيه العهد والميثاق ثم يغدر به، وينصب لكل غادرٍ لواء هذه غدرة فلان نسأل الله العافية، بين الخلائق، فالأمر ليس بالسهل، تقسم أنك لا تخبر أحد، تقسم أنك لا تفعل ثم بعد ذلك تغدر، أحياناً قد يكون هناك مصالح ومفاسد، مفسد في الأرض، شخص مفسد في الأرض ضرره متعدي، يخشى على الأمة من ضرره، فإذا قبض عليه مثلاً أخبرنا بما عندك ولك الأيمان المغلظة أن ما في أحد يغدرك، هذا قد يوجد، مفسد أو مروج، مفسد لنساء المسلمين وشباب المسلمين بطرقه ووسائله، هذا قد يقبض عليه أهل الحسبة أو غيرهم ثم يقسمون له ويعطونه الأيمان المغلظة أنهم لن يخبروا أحد حتى إذا أخبر بجميع ما عنده، من الصعب بعد هذا أن يترك، من الصعب أن يترك لأنه لا يؤمن أيضاً، فينتاب المسألة مثل هذا الحديث إذا عاهد غدر وينتابها أيضاً أن تركه هكذا أيضاً فيه ما فيه، وحينئذٍ تقدر المصلحة والمفسدة، والعلماء ينظرون في مثل هذه القضايا.

((وإذا خاصم فجر)) الإنسان قد يحتاج إلى الخصومة والتقاضي؛ لكن عليه، يجب عليه الإنصاف من نفسه فلا يتعدى على غيره، لا يجوز له أن يتعدى على غيره، وذلك بأن يكون ألحن من الخصم في حجته، عنده بيان وقوة حجة، بحيث يكسب القضية، هذا متوعد بمثل هذا، هذا فيه خصلة من خصال المنافقين، وأكثر المنافقين أهل بيان وأهل حجج وخصومات، تمرسوا هذا المكر والخديعة، فهذه من سماتهم، فليتق الله -جل وعلا- من يمثل أمام القضاة في الخصومات، سواء كانوا لأنفسهم أو لغيرهم من المحامين، هذا أمر خطير جداً، المحامي عليه  الإنصاف، ينظر في القضية قبل أن يقبلها من صاحبها، وينصح صاحبه الذي يريد أن يخاصم عنه إذا لم يكن له نصيب في القضية، يقول له: اتق الله يا فلان؛ لكن بعض المحامين يوجد فيهم أهل خير وفضل وصلاح؛ لكن بعضهم إذا زيد في الجعل في الأجرة ارتكب كل ما تيسر له من مباح ومحظور ليكسب القضية، وهنا قضايا حقيقةً امتحان ابتلاء، شخص تو فاتح مكتب المحاماة، يقال له: خذ مليون على هذه القضية كان يتمنى ألف لا شك أنه سوف يجلب على هذه القضية كل ما أوتي من بيان وحجج بحق أو بغير حق؛ لكن هنا المحك وهنا الاختبار، إن تركها لله عوضه الله خيراً منها، إن أقدم دخل في الحديث. ((وإذا خاصم فجر)) فعلينا أن ننصف من أنفسنا ولا ندخل فيما نعلم أنه باطل، أو فيما يتبين أنه حق، القاضي شريح -رحمه الله- جاءه ابن له وقال: إن بيني وآل فلان خصومة أعرضها عليك فإن كان لي الحق قاضيتهم، وإن كان مالي حق تركتهم، فعرضها على أبيه، فقال: لك الحق هاتوه، فلما حضروا حكم على ولده، قال: يا أبت ما اتفقنا على أنه كان ما لي حق ما أجيبهم، ليش تتعبنا وتطلب الخصومة وكذا، قال: نعم لو قلت: الحق لهم ولا شيء لك ذهبت تصالحهم ولو على شيءٍ يسير، صلح؛ لأن كثير من الناس مستعد يدفع شيء يسير ولا يروح إلى القضاة ويجرجر بهذه المحاكم والشهود، يعني لو تدعي شخص بمليون ريال وأنت ما عندك شيء أبداً، ما هو صحيح، وكل يوم تقف عليه يالله مشينا المحكمة وعنده أشغال تعرف أنه مشغول ما هو مستعد يروح معك، وتتخلص أنت وإياه على عشرة آلاف، يبي يعطيك عشرة آلاف، وهو يضحك، وابن القاضي شريح يقول: لو قلت: أن الحق لهم ذهبت تصالحهم ولو على شيءٍ يسير، خلينا نحسم المادة من هنا، فنكن على حذرٍ من ذكر هذا، والله المستعان.

الحديث الثامن: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ (‏(‏يأتي الشيطان أحدكم فيقول‏:‏ من خلق كذا‏؟‏ من خلق كذا‏؟‏ حتى يقول‏:‏ من خلق الله‏؟‏ فإذا بلغه فليستعذ بالله، وَلْيَنْتَهِ)‏)‏‏ متفق عليه، وفي لفظ: ‏(‏(فليقل‏:‏ آمنت بالله ورسله)‏)‏ متفق عليه‏، وفي لفظ: (‏(‏لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولون‏:‏ من خلق الله‏؟‏‏)‏‏).

نعم، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يأتي الشيطان أحدكم)) والشيطان يطلق ويراد به الشيطان الأكبر إبليس لعنه الله، ويطلق ويراد به واحد الشياطين، وكما أن في الجن شياطين في الإنس شياطين، فالاحتمال قائم أنه الشيطان الأكبر أو أحد الشياطين من شياطين الإنس والجن، ((يأتي الشيطان أحدكم)) يعني من المسلمين، وشياطين الإنس تسلطوا على المسلمين في مثل هذه الأسئلة، ومثل هذه الشبهات، كانت مثل هذه الأسئلة أمور نفسية وخواطر وهواجس؛ لكن الآن بيوت المسلمين الآن من يحصنها من مثل هذه الشبهات؟ تلقى إليهم من خلال القنوات، الإنسان امرأة لا تقرأ ولا تكتب تستمع لمثل هذه الشبهات، وشاب أو شابة يلقى إليهم من الشبهات والشهوات ما تشيب لها الذوائب، نسأل الله السلامة والعافية، فمقاومة مثل هذه الشرور بأمور: أولاً: يجاهد الإنسان بقدر الإمكان ألا يستعمل من هذه الآلات شيئاً، ولو كان فيها شيء من النفع؛ لأن مفاسدها أعظم، ويحذر الناس منها، ويقدَم للناس ابتداءً ما يحصنهم من هذه الشهوات والشبهات، وإلا فالأمر جد خطير؛ لأنه يوجد الآن تأثير واضح جداً على كبار السن فضلاً عن الصغار، شياب، سبعين، ثمانين، كانوا عمار مساجد لا يحضرون الصلوات في المسجد، الليل كله سهر على القنوات، ويقلبون من قناة إلى أخرى وكذا وينظرون لمثل هذه الأمور، شياب بدؤوا بالأسفار على شان إيش يسافرون؟ لأنهم لا يتمكنون من حصول ما يريدون في هذه البلاد، ولله الحمد، الله المستعان.

((يأتي الشيطان أحدكم)) وتيسرت الآن الأسباب لشياطين الإنس والجن، وحدث ولا حرج الآن، شياطين الإنس مثلما تشوفون من خلال وسائل الإعلام شيء ما يخطر على البال ولا أحد يقف في وجوههم، وشياطين الجن تسلطت على البيوت بسبب البعد عن ذكر الله، وجلب الأسباب التي تدعو إلى مخالطة هذه الشياطين ومشاركتهم للمسلمين في بيوتهم في أكلهم وشربهم ومسكنهم، الأمر يا إخوان من كل فج، تكالب على المسلمين من كل وجه، يعني شخص بيته مملوء بصور تمنع من دخول الملائكة، وفيه مزامير تجلب الشياطين، ولا ذكر، ولا قراءة قرآن، ولا زيادة نوافل، يعني إن أدى الصلاة فبلا روح، يعني مثل هذا وش اللي يمنع أنه يكون مركز من مراكز الشياطين؟! كثير من الناس يشكو، يرى في النوم مفزعات، ولده يفعل كذا، وبنته تسوي كذا، يا إخوان الأمر خطير، من يطرد هذه الشياطين من البيوت إلا الذكر؟ شخص خطب امرأة، يعني هذه وقائع، فرفضته، فذهب إلى ساحر، وقال: هذه مائة ألف ودبر هذه؟ قال: أمهلني أسبوع، بس شياطينه عجزت، كل ما أرادوا أن يصلوا ردوا، جاءه قال: أسبوع ثاني ومثله، وثالث ومثله، قال: يا أخي هذه المرأة عجزنا عنها، عجزنا عنها البتة، امرأة صالحة، محصنة بالأوراد والأذكار، ماذا صنع هؤلاء الشياطين لما عجزوا عن هذه المرأة الصالحة؟ ذهبوا إلى أخت الخاطب فابتليت بهم، والله المستعان.

شخص من الشباب الصالحين لما تمت الساعة اثنا عشر ونصف دوخل، دخله جني، فاستدعي واحد من طلاب العلم من جيرانه ليقرأ عليه فرقاه، تكلم الجني قال: "ما الذي جعلك تدخل في هذا المسكين عبد صالح محافظ على الأذكار محافظ على كذا، قال: "والله أنظرته إلى الساعة الثانية عشرة ليقرأ آية الكرسي ما قرأ آية الكرسي ودخلت، فالمسألة تحتاج إلى عناية أيها الإخوان، عندنا حصون نتحصن بها، ومع ذلك نترك، العمر يمضي كله في القيل والقال وهذه أمور، يعني الذكر هل يكلف شيء؟ أنت جالس قائم نايم في مجلس خالي، ما يكلفك شيء، ((سبق المفردون)) ((الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)) {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}[(35) سورة الأحزاب] إلى أن قال: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[(35) سورة الأحزاب] المسألة يعني أمور لا تكلف شيء، وآثارها عظيمة، فوائد الذكر شيء لا يخطر على البال، يعني مما أحصاه ابن القيم ما يقرب من مائة فائدة، لكن وراء ذلك أضعاف مضاعفة، يعني الإنسان هل هو مبرأ من الذنوب والمعاصي في مثل هذه الظروف؟ يعني ما الذي يضيره أن يقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر؟ يعني في دقيقة ونصف لا تزيد، فلنتحصن من هؤلاء الشياطين؛ وليكن حذرنا من شياطين الإنس أشد؛ لأن شياطين الجن نستطيع أن نحصن بالأذكار؛ لكن شياطين الإنس لا بد أن نفر منهم فرارنا من الأسود.

((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟)) يستدرج، من خلق كذا؟ من خلق الدنيا؟ من خلق الجبال؟ من خلق الأرض؟ من خلق السماء؟ من خلق الجنة؟ من خلق النار؟ إلى أن يستدرج بالإنسان، يجيب المسلم الله الله، خلقها الله، حتى يقول: من خلق الله؟ اعتماداً على ما من مخلوق إلا وله خالق؟ الإنسان في الذهن لا يمكن أن يوجد نفسه، من خلق الله؟ وهنا هل يستطيع الإنسان بعقله الضعيف أن يستمر في هذه الأسئلة؟ لا بد من حسم المادة، وحسمها يكون بثلاثة أمور، ذكرت في الحديث، إذا بلغ إلى هذا الحد فليستعد بالله من هذا الشيطان الذي أغواه وأضله، ولينته مباشرةً ما يتجاوز، ما يقول: هذا السؤال صعب هات اللي بعده، لا لا، خلاص يحسم الموقف، ولينته فوراً، ثم بعد ذلك في اللفظ الآخر يقول: ((آمنت بالله ورسله)) لا بد من التسليم التام المطلق، وقدم الإسلام كما قرر أهل العلم لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، لا بد أن يكون هذا آخر المطاف، (آمنت بالله ورسله) آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، فلا بد للإنسان أن يقف مهما كان، وهؤلاء الذين يدعون إلى المناقشات والمحاورات والمناظرات وتلقى في بيوت الناس مناظرات تظلهم هؤلاء لا شك أن أهدافهم سيئة، وإلا هناك أمور لا بد أن يقف، صاحب الحق لا بد أن يقف؛ لأنها إن كانت المناظرة مع من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، ومحمداً نبياً، لا بد أن يقف إلى هذا الحد؛ لكن إن كانت من شياطين الإنس والجن يتجاوزون الحد، المسلم عنده أمور لا بد أن يسلم بها ولو لم يحتملها عقله؛ لأن عقل الإنسان محدود، يعني الشبهات التي أثيرت على حديث النزول مثلاً، نحن نقطع بأن الله -جل وعلا- ينزل في آخر كل ليلة؛ لأن النصوص القطعية جاءت بذلك، ونجزم معتقدين لا يساورنا بذلك أدنى شك أن الله -جل وعلا- مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، كيف تجمع بين هذا وهذا؟ يقول شيخ الإسلام: "المقرر أنه ينزل في آخر كل ليلة على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يخلو منه العرش" يعني لو ناظرك جهمي وإلا شيء في مثل هذا بيقتنع؟ ممكن يقتنع بمثل هذا؟ أبداً ما في مثل حسم المادة مع هؤلاء، وفي لفظٍ: ((لا يزالون يتساءلون حتى تقولون: من خلق الله؟)) وهنا يبين هذا اللفظ أن هذا الذي يقول من شياطين الإنس، ولمسنا هذا واضح وظاهر من خلال هذه القنوات، من خلق الله؟ ويكون الجواب بالثلاثة الأمور السابقة، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

"
يقول: أعاني من الألم بالرقبة وعند التسليم لا أستطيع أن ألتفت يمين ويسار، وأقوم بإلفاف الجسم على أي شيء..

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إذا كنت لا تستطيع أن تدير رقبتك يميناً وشمالاً فتسلم بالنطق مع النية، نية الخروج من الصلاة وما عدا ذلك لا يلزم.

يقول: ما درجة وما صحة حديث: ((أن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة))؟

هذا الحديث لا أعرفه مرفوعاً، لا أعرفه مرفوعاً، فإن كان مأخوذ من واقع المبتدعة، وأنهم لظنهم على حق وأنهم في الغالب لا يوفقون لتوبة فمعناه صحيح، أما مرفوع لا أعرفه مرفوعاً.

يقول:

هل تكفي الهجرة من بلدٍ كفر إلى بلد آخر نستطيع أن نظهر فيه الدين، وأن ندخل أبناءنا إلى المدارس الإسلامية مثل بريطانيا أم يجب الهجرة لبلدٍ مسلم مع العلم أن بلداننا في مشاكل كثيرة ومحاربة، هل يجوز لرجل يقيم في فرنسا أن يكلف صديقاً له بأن يكون ولياً لابنته الذي تزوج في المغرب؟
الهجرة من بلدٍ إلى بلد الأصل أن الهجرة تكون من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، هذه الهجرة الشرعية؛ لكن إذا لم يستطع الهجرة إلى بلد الإسلام فهجرته إلى بلدٍ يكون فيه التخفيف على المسلمين ومزاولة عباداتهم أكثر من البلد الذي هو فيه تعين عليه، والمسألة مصالح ومفاسد، وإلا فالأصل أن البقاء بين ظهراني المشركين لا يجوز.

يقول: هل يجوز لرجل مقيم في فرنسا أن يكلف صديقاً له بأن يكون ولياً لابنته التي...؟

نعم، يجوز أن ينيبه عنه بالوكالة يكون وصياً له على بناته.

هل يجوز التبرع بعضوٍ لإنقاذ شخصٍ من الموت؟

أفتى بعض أهل العلم بذلك للمصلحة الراجحة، ولا ضرر يترتب على إن كان ميتاً لا يتضرر؛ لكن المترجح عندي أنه لا يجوز التبرع بعضو لا من حيٍ ولا ميت؛ لأن حرمة المسلم ميت كحرمته حي.

يقول: نحن في بلاد الكفر وقد بدأنا في أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- وانتهينا من الأربعين النووية وتكملة ابن رجب، وشرعنا في حفظ عمدة الأحكام ولكن وجدنا... كأنهم وجدوا صعوبة، ما فما هي أفضل وأسهل طريقة لحفظها؟

أولاً: تفهم هذه الأحاديث؛ لأن فهم النص يعين على حفظه، فيقرأ مع هذه الأحاديث بعض الشروح المختصرة، المختصرة جداً، التي لا تعيق عن إتمام الحفظ في أقرب مدة، والعمدة لها شرح مختصر اسمه: (خلاصة الكلام) للشيخ فيصل بن المبارك -رحمه الله تعالى- يعين على فهم الحديث ثم حفظه.

يقول: هل يصدق الوثني إذا أخبرنا أن اللحم مذبوح وفق الشريعة الإسلامية؟

لا يصدق؛ لأنه ليس بثقة، وخبر غير الثقة غير مقبول.

يقول: ذكرتم أن الحاكم والبيهقي فيما يشعر فيه كلامهما وابن العربي اشترطوا العدد لقبول خبر الواحد، أليس قولهم مختص بشرط البخاري في صحيحه؟

كلامهم منه ما يفهم منه الإطلاق، وحُمل بعض كلامهم على ما يتعلق بالبخاري، وعلى كل حال ليس بشرطٍ للبخاري فضلاً عن الإطلاق، الكرماني شارح البخاري في مواضع يقرر أن البخاري يشترط أن يكون الخبر من رواية اثنين عن اثنين على الأقل، وهو يشرح الصحيح ويصادفه أول حديث في الصحيح يرد هذه الدعوى.

هذا يقول: ما حكم الهجرة من فلسطين في ظل الوضع الحالي؟

البلدان التي نزل فيها العدو الهجرة منها لا شك أنها استسلام وتسليم للبلد للعدو بحيث لا يجد المقاومة ولا يتصور خروجه من هذا البلد في يوم من الأيام، فالأصل البقاء فيها ومقاومة العدو بقدر الإمكان؛ لكن إذا خشي الإنسان أنه يفتن، امرأة قالت: أنا والله لا أستطيع أن أقاوم وأخشى أن يعتدي علي أحد من الكفار وتيسرت الهجرة فتهاجر، أما الذي يستطيع أن يقاوم العدو لا يجوز له أن يهاجر، فلمن تترك بلاد المسلمين، وإذا قيل بهذا فإذا حل العدو ببلدٍ آخر يسلم ويهاجر المسلمون، فإذا حلوا في بلد آخر وهكذا ما يبقى للمسلمين شيء.