كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 20

عنوان الدرس: 
كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 20
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
خميس 14/ ربيع الثاني/ 1441 10:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: رغم أنفه، عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه»".

 وقلنا في درس الأمس: إن معنى رغم أنفه أي لصق أنفه بالتراب، لصق أنفه بالتراب، وأعز ما في الإنسان وجهه، والأنف مقدمة الوجه، مقدمة الوجه، فإذا وصل الأنف إلى التراب ورغم فيه، وألصق به، ودخل التراب فيه فهذا كناية عن غاية الذل وشدة العذاب، غاية الذل وشدة العذاب، وأشرنا بالأمس إلى أن تيمور لنك لما دخل دمشق، وعثا فيها الفساد، كان من صنوف العذاب عنده أن يأمر جنوده بأن يأتوا بالتراب الناعم جدًّا الذي يقال له: الغبار، فيُلَفُّ في خرقة، فتُلَفُّ على أنف أو تُلَفُّ على أنفه، على أنف من يراد تعذيبه، ولم يسلم من ذلك إلا القليل النادر، فهذا العذاب بالنسبة لعذاب البشر شديد، تصور أن التراب الناعم يدخَل في الأنف ويستنشقه الإنسان، عذاب شديد لا يطاق! ومع ذلكم عذاب الآخرة أشد، الذي لا يلقي له كثير من المسلمين شأنًا ولا بالاً، كفار العصر زادوا على تيمور، فعلوا في بعض البلدان الإسلامية ما فعله تيمور، جاؤوا بالغبار، ولفوه بالخرق، ولثموا به من يريدون تعذيبه، وجاؤوا بالأباريق فيها الماء الحار وصبوه في الأنف، فوق هذا التراب، لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وما ربك بظلام للعبيد، فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.

 المسلمون لما تهاونوا في أوامر الله، فتركوا المأمورات، وارتكبوا المحظورات، سلط عليهم الله الأعداء، ففعلوا بهم ما فعلوا، والآن العذاب ليس بِسِر، يُنشَر في وسائل الإعلام وأنتم ترون، وأنتم ترون، وسائل الإعلام التي هي موجودة عند كل أحد. أطفال، كبار، وصغار، الكل فهل من مدكر؟ إذا رأينا هذه الصورة رجعنا وفعلنا ما أُمرنا به، واجتنبنا ما نهينا عنه، كأن الأمر لا يعنينا، لما ذكر الله -جل وعلا- ما حلَّ بالأمم السابقة من صنوف العذاب التي أبادتهم عن بكرة أبيهم، هل هذا لمجرد العبرة وحفظ حوادث التاريخ فقط؟

يقول عمر: ذهب القوم ولم يُرَد به سوانا. لا بد أن نعتبر، هذه سنن إلهية، لا تتخلف، إذا انعقدت أسبابها حقّت العقوبة، نسأل الله السلامة والعافية، لكن هل من مدكر؟ الناس يسمعون مثل هذا، ويرون الآن ويشاهدون ويقرأون ويذَكَّرون ويُوعَظون، ولا أعظم من وعظ القرآن وتذكيره! {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45]، لكن نسأل الله -جل وعلا- ألا تكون حقت علينا العقوبة، فلا تغني الآيات والنذر، نسأل الله -جل وعلا- أن يردنا إليه ردًا جميلاً، وأن يوقظ قلوبنا، وأن يحييها بالإيمان، وأن يجعلنا ممن يتعظ بمواعظ القرآن، ويفهم أننا المراد بها أو به، يعني بالقرآن، وأننا المخاطبون به.

«رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، تكرار ثلاث مرات للتأكيد، وهذه الجملة وإن كانت خبرية إلا أن المراد بها الدعاء على من اتصف بالوصف الذي ذُكِر في الحديث، قيل: من هو يا رسول الله؟ من يا رسول الله؟ لأن الأمر ليس بسهل، الأمر عظيم، يدعو عليه الرسول -عليه الصلاة والسلام- ثلاث مرات! قال -عليه الصلاة والسلام-: «من أدرك أبويه» يعني أمه وأباه، «من أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما» عند الكبر وعند الاحتياج إليه، «فلم يدخل الجنة» فلم يدخل الجنة، من أعظم أبواب الجنة هذا الباب الذي هو بر الوالدين، وجاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنَّة في الأمر بالبر والنهي عن ضده الذي هو العقوق، من أدرك أبويه عند الكبر، والتنصيص على الكبر لا ينفي وجوب البر في حال الصغر، لكنه عند الكبر أشد، لكنه عند الكبر أشد؛ لمسيس الحاجة من الأبوين إلى الولد، يحتاجونه، عند الكبر أحدهما أو كليهما قد يكونا كبيرين، وقد يكون أحدهما كبيرًا، والآخر صغيرًا، فيكون أحدهما كبيرًا، أو يكون كلاهما كبيرين، فمثل هذا يتعين برهما، يتعين برهما، ولا يقول: هناك من يتولى أمورهما وشأنهما من الدور أو من الأعمام أو من الأقارب أو من المحسنين، لا، المطالب بالدرجة الأولى هو الولد، هو الولد، والولد جنس يشمل الذكر والأنثى، لكن في الغالب أن الاستطاعة في مثل هذه الحالة عند الذكر، والبنت محكومة في الغالب بطاعة زوجها وحقوقه، فالولد الذي هو الذكر الحق عليه أعظم؛ لأنه يتصرف، ولا يتصرف أحد فيه. جاء قول العرب عن البنت: والله ما هي بنعم الولد، والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة، ما معنى هذا؟

يعني ما تستطيع أن تنصر، مسكينة تدافع عن والديها، لا تستطيع ما عندها إلا البكاء في الغالب، ويوجد في النساء من تعدل العدد الكبير من الرجال، لكن الغالب إن المرأة ضعيفة، وفي الغالب أنها لا تكتسب، بل في ظل زوجها ينفق عليها، وبرها سرقة، تأخذ من ماله من مال زوجها من غير علمه، وتعطي أبويها، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، أصل في المسلم خلاف ذلك أنه ينصر بقدر ما أوتي من قوة سواء كان رجلًا أو امرأة، وكم من أبوين كبيرين انتفعا بالبنت وبولدها أكثر من أولاده وبناته، والمنة على من هداه الله ووفقه، بل الله يمن عليكم، بل الله يمن عليكم هذا ما فيه منة للولد على والده، أبوك هو سبب وجودك، وتذكر حاله حينما كنت صغيرًا بحاجة إلى الخدمة، تذكر حاله، تذكر وضعه إذا اشتكيت أو مرضت، كم قام الأبوان من لذيذ النوم إلى المستشفيات في الليل وفي أثناء الليل وفي آخر الليل من أجل الولد، هل تنام الأم والولد يبكي؟

ما يمكن، فيستدرك المسلم ما فاته من بر أبويه، في وجودهما الأمر ظاهر، وبعد موتهما يكثر الدعاء لهما، والصدقة عنهما، وبر من يأنسون ببره من أصحابهم وإخوانهم أو أقاربهم، وعلى الوالد، وهذا جنس، بل هو مطالب بالتربية الحسنة، وإذا فرّط بالتربية ووجد نوع عقوق فاللوم عليه، بما كسبت يداه، ولذا قال في الحديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، ولا بد أن يكون لك يد في هذا الصلاح؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، لأن الكاف للتعليل، يعني إذا ما ربوك وأنت صغير يخشى ألا تلحقهم الدعوة، ولا تنفعهم؛ لأن الله- جل وعلا- يقول: {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].

وعلى كل حال كلٌّ مطالب في الشرع بما يخصه، بما يخصه الوالد مطالب بالإحسان إلى الولد وإحسان تربيته على مراد الله -جل وعلا- ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وملوم على تفريطه ومتسبب في عقوقه، إذا لم يربه، هذا الوالد، والولد مطالب بالبر، مطالب بالبر، وليس له أن يحتج أن يقول: والله أنا ما قدم لي أبي شيئًا، طلق أمه، ولحقت بأهلها في بلد ثانٍ وما رآه، ولا أنفق عليه، ولا رباه، ولا شيء، هو مطالب ببرّه، هو مطالب ببرّه، كلٌّ له من نصوص الشرع ما يخصه.

 مثال ذلك: إذا جئت إلى الصلاة، فوجدت الناس قد صلوا أو صلوا بعض الصلاة، كثيرٌ من الناس يلوم الإمام، تقدَّم اليوم، بكّر بالإقامة وما أدري إيش، ويبرِّأ نفسه من التبعة، أنت لماذا تنتظر إلى الإقامة وأنت مدعو إلى الصلاة قبل ربع ساعة أو ثلث ساعة؟ لماذا لا تلتفت إلى نفسك تلومها؟

كما قال:      فنفسك لُمْ ولا تلُم المطايا

يعني ما أدرك الحج يقول: والله المطية، أنت الذي تأخرت، لماذا تأخرت؟ فنفسك لُمْ ولا تلم المطايا، وأنت تأخرت حتى فاتتك الصلاة، أو فاتك شيء منها، لا تلُم الإمام، تقول تقدَّم، الإمام ملوم من جهة ثانية، لكن ليس أنت الذي تلومه، هو مخاطب بنصوص أخرى من الشرع أن يرفق بجماعته، وأن يتأنى بهم، ويحرص على نفعهم، ومن نفعهم أن ينتظر الداخل، وما أشبه ذلك، ولا يتقدَّم على العادة بحيث تفوتهم الصلاة، لكن أنت عليك لوم، لماذا تتأخر؟ تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، وتتأخر، فأنت مطالب، والإمام مطالب، والمؤذن كذلك، وكلٌّ مطالبٌ بما يخصه من نصوص الشرع؛ لأننا نسمع من بعض الناس بكَّر الإمام، فوتنا الصلاة، طيب كم جلس بين الأذان والإقامة؟ افترض أنه تقدَّم دقيقة أو دقيقتين وفاتك ركعتان بسبب هذا التقدّم، لكن أنت قدامك وقت، والله المستعان.

"وعنه -رضي الله عنه-" يعني عن أبي هريرة، صحابي الحديث السابق، "وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير»".

 المؤمن القوي الوصف الذي جاء من أجله التفضيل هو الإيمان، المأخوذ من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «المؤمن القوي»، فكل ما كان المسلم أقوى إيمانًا كان خيره أعظم، من المؤمن الضعيف في إيمانه، ولو كان قويًّا في بدنه، ولو كان قويًّا في بدنه، إذا قوي الإيمان ولو ضعُف البدن، خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن ضعيف الإيمان، ولو كان قويًّا في بدنه، قد يقول قائل: إن المؤمن القوي في بدنه ينفع أكثر مما ينفعه الضعيف في بعض المواطن، في الجهاد مثلاً، النفع يتبع قوة القلب، وقوة القلب تنشأ من قوة الإيمان، تجده قوي البنية، يحمل الصخور، لكن في مقابل العدو مثل ما حصل للمنافقين، كأنهم خُشُب مسندة، وهم أقوياء في أبدانهم؛ لأن القلب هو المحرك للإنسان، والشجاعة إنما هي في شجاعة القلب، لا في قوة البدن، فالمؤمن القوي في إيمانه ولو كان ضعيفًا يقدِم على ما لا يقدِم عليه المؤمن الضعيف في إيمانه ولو كان قوي البدن، لماذا؟

لأنه إذا قوي الإيمان تصور ما أُمر به، وتصور الوعد الذي وُعِد به، وضعيف الإيمان ما يتصور هذه الأمور، يتصور ما وراءه من أمور الدنيا، ما وراءه من أمور الدنيا؛ لئلا تفوته بأن يقتَل وتذهب حياته، فإذا كان قوي الإيمان، ولو كان ضعيفًا، فإنه يقدِم على ما أُمر به بانشراح صدر، وببذل وتضحية بخلاف ضعيف الإيمان، ولو كان قويًّا في البدن، نعم إذا أردت أن تبني بيتًا فهات قوي البدن، ابحث عن قوي البدن الذي بدل ما يحمل بلوكتين ثلاثًا يحمل خمسًا، ابحث عن هذا، لكن المسألة فيما يقرب إلى الله -جل وعلا-، كم من شخص ضعيف البدن، وإذا وقف بين يدي الله يقف الزمن الطويل ويقرأ الأجزاء الكثيرة من القرآن مع ضعف بدنه، وضعيف الإيمان ولو كان قوي البدن تجده إذا قرأ الإمام سورة ولو قصيرة قال: طوَّل، ونراهم في صلاة التهجد الشباب الأقوياء يخرجون من المسجد وفيهم قوة في البدن، وليس لضعف يخرجون لا لضعف خروجهم من الصلاة، تجدهم عند باب المسجد يتحدثون مع بعضهم إلى أن تنتهي الصلاة، وبعد انتهاء الصلاة، ما هو بضعف، الذي فيهم ليس بضعف، إنما هو ضعف إيمان، وقوي الإيمان يصبر ويحتسب؛ لأنه يعرف النتيجة.

وشخص من أهل العلم جازت سِنُّه المائة ويعتمد على عصا وفي أمور دنياه يُخدَم، ويصلي صلاة التهجد وراء شخص، أنا أدركتهم، قراءته ما تشجع، يعني قراءة الأولين، لكنه ضابطٌ للقرآن حافظ، لكن تجويد وحسن الصوت ما يشجع، ويقرأ في كل تسليمة جزءًا من القرآن، بمعنى أنه إذا صلى خمس تسليمات فقد قرأ خمسة أجزاء، وهذا الشيخ الكبير الذي جاوز المائة، ويعتمد على عصا يصلي وراءه قائمًا، وكثير من الشباب يجلسون على كراسي، هل هو عجز؟ هذا الشاب لو يقال له: امسك في سباق مع الناس في إعانة أو في تسجيل في كذا وكذا، وتطلع الشمس وتغرب وهو واقف ما يضره ولا يتردد، هذا الشيخ الكبير الذي جاوز المائة في التسليمة الخامسة سمع الإمام مؤذنًا يؤذن الأذان الأول في العشر الأواخر من رمضان، والعادة أنه لا يؤذَّن للصلاة، لا يؤذَّن الأذان الأول إلا إذا انتهوا من الصلاة، فظنَّ أنه تأخر على الجماعة، فخفّف التسليمة الأخيرة، فلما سلّم قال له هذا الشيخ الكبير: يا عبد الله يوم جاء وقت النزول وتخفف؟ يوم جاء وقت النزول والنزول الإلهي وليالي ما تتكرر تخفف علينا؟ أما تخاف الله؟ أما تخشى الله؟ ومن هذا الكلام، فدل على أن الذي يقف بين يدي الله هو القلب لا القدم، والشجاعة إنما هي شجاعة القلب لا شجاعة البدن، قد يكون فيه قوة، لكن ما تنفع في المواطن الذي بأشد حاجة إليها. فالقوة هنا المراد بها قوة القلب.

الرسول -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه، وأدركنا من يقرأ الخمسة في صلاة التهجد، هذا كثير، لكن واحد من شيوخنا في ليلة من الليالي بدأ بياسين، وختم القرآن، قرأ ثمانية، ثمانية وزيادة ورقة، الآن كثير من الأئمة ما يكمل الجزء، بعضهم ما يكمل الجزء في الخمسة تسليمات، يعني لا فرق بين صلاتهم في التراويح والتهجد إلا شيئًا يسيرًا، ولذلك تجده يقرأ القرآن من بداية الشهر إلى نهايته، بعضهم ما يكمل عشرة.

طالب: ..........

أين؟

طالب: ..........

وأدركنا من يختم ثلاث مرات، نعم التطويل على الناس والمشقة عليهم وإملالهم من العبادة هذا أمر لا ينبغي، وقد جاء النهي عنه، لكن مع ذلك هي مواسم، هي مواسم ينبغي أن تُستغَل؛ لأنها تفوت العشر الـأواخر كم تتكرر في السنة؟ تفوت، وقدامك طول السنة قم ونم، وطول واختصر على حسب نشاطك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يذكر عنه أنه ما قام ليلة كاملة، ولكن جاء عنه في العشر الأواخر أنه يشد المئزر، يطوى فراشه، ويشد المئزر، حتى قال بعضهم: إنه في العشر الأواخر لا ينام، فيكون ليله كله في الصلاة، والدعاء والذكر، وهذا هو المطلوب في مثل هذه الليالي، والله المستعان.

«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»، جبر لخاطر الضعيف؛ لئلا ييأس؛ لأنه إذا خُيِّر ظن أنه لا خير فيه، في كلٍّ خير، لكن ألا تطمع إلى مزيد الخير، وأن تكون أفضل من غيرك في هذا الباب؟

كل مؤمن ينبغي أن يقول: بلى، فلما فاضل وخير أفعل تفضيل لما فاضل بينهما، ورجحت كفة القوي أراد ألا ييأس المؤمن المتصف بهذا الوصف لضعفه، ومثل هذا الأسلوب يحثه على أن يكون قويًّا يحثه على أن يكون قويًّا؛ لأنه ما دبَّ إلى قلبه اليأس لو قيل: لا خير فيك، قال: ماذا أتعب له؟ لماذا أتعب إذا ما صار فيه خير؟ فزاد كسله، وزاد ضعفه، لكن في كلٍّ خير.

«احرص على ما ينفعك» احرص على ما ينفعك، احرص، من حرص يحرِص، الماضي مفتوح الراء، والمضارع مكسور، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ} [يوسف: 103]، الأمر احرِص، هو عبارة عن مضارع، في الأصل الأمر مضارع، ولذلك الأمر يجزم بما يجزم به مضارعه، فإذا جئت بالمضارع، وأردت أن تصوغ منه الأمر فاحذف حرف المضارعة واحذف الجازم، لم يحرِص لم يحرِص، فيكون الأمر مكسور الراء، كالمضارع، احرص على ما ينفعك، و"ما" من صيغ العموم، كل ما ينفعك، في دينك، وفي دنياك احرص عليه.

 على ما ينفعك، ومفهومه ابتعد وجانب ما يضرك.

 «واستعن بالله» يعني ابذل السبب، بالحرص على ما ينفعك، واستعن بالله؛ لأنك لو لم تستعن بالله وُكلت إلى نفسك فما أفلحت، لا بد من بذل السبب، ولا تقل: أنا أستعين بالله ولا أبذل السبب، أنت مطالب ببذل السبب، ومع ذلك لا تظن أن السبب وحده يكفي، بل الجأ إلى المسبِّب، الجأ إلى المسبِّب، ونحن نسمع بعض الناس في المشاريع الدنيوية تجده يدرس الموضوع من جميع جوانبه، ويبحث عن مكاتب الدراسات، ويعرض الموضوع على أكثر من مكتب، ثم بعد ذلك إذا اتفقوا على شيء جزم بأن الموضوع ناجح، ناجح، وغفل عن الله -جل وعلا- الذي بيده أزِمّة الأمور، فعلى الإنسان أن يبذل السبب، ويستعين بالله -جل وعلا-، ولا يعجز، يقول: «ولا تعجز»، مع بذلك السبب والاستعانة بالله افعل، فعل وبذل السبب لا بد منه، ولذا لما قال في الطير: «لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتعود بطانًا»، التوكل على الله لا بد منه، ولكن مع ترك السبب هذا تواكل، وليس بتوكل، والطير الذي نرزق مثل ما يرزق هذا الطير تبذل السبب، تجلس في أوكارها؟ لا، تغدو، تبحث عن الرزق، تغدو خماصًا ما في بطونها شيء، وتعود بطانًا، شبعى، فبذلت السبب، والله -جل وعلا- هو المسبِّب، فلا ينبغي الاعتماد على السبب، ولا ترك السبب، فالمسلم ينبغي أن يبذل السبب، وألا يعتمد على السبب، بل يعتمد على المسبِّب.

«ولا تعجز، وإن أصابك شيء» في بدنك أو مالك أو في ولدك، مصيبة، «فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا»، جاءٍ للحج حصل عليه حادث ومات، أو تكسر، دخل المستشفى، كل من زاره قال: لو أني ما حججت هذه السنة أو ما رحت للحج هذه السنة ما أصبت بهذا، هذا مكتوب عليك لو أنت في فراشك، ولا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، أو قال: لو أنا ما رحت على السيارة، السيارات كثيرة الحوادث، لو أنا رحت.. يا أخي لو أنت بفراشك وهذا مقدر مكتوب عليك لأصابك، وكم من شخص مات على فراشه، وذكروا في قصة طائرة سقطت ومات جميع من على متنها، قالوا: إن عددهم ثلاثمائة، واحد من الركاب فاتته الطائرة وهو في فراشه، فقام ورأى الوقت ذهب، فغضب ولجلج على أمه وعلى أهله، ورجع إلى فراشه، بعد ساعة جاءت أمه تبشره أن الطيارة وقعت، الحمد لله إنك ما ذهبت، فوجدته ميتًا.

 لا مفر من القدر، لا مفر ولا محيد من هذا القدر، فلا يستطيع الإنسان أن يستقدم ولا يتأخر.

 «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل»، في ضبطه في بعض الروايات: «ولكن قَدَرُ الله وما شاء فعل»، قَدَر الله، حصل هذا الأمر، حصلت هذه المصيبة في بدنك أو في مالك أو في ولدك بقدر الله، المحتوم المكتوب في الأزل، ولكن قد قدَّر الله هذا من تقدير الله وكتابته عليك وما شاء فعل.

«فإن لو تفتح عمل الشيطان»، «فإن لو تفتح عمل الشيطان» إذا كان فيها اعتراض على القدر وفيها تحسر وندم على ما حصل من أمور الدنيا، وأما في مثل قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي»، مثل هذا لا بأس به؛ لأنه ليس تحسرًا على أمر دنيا، وليس فيه اعتراض على القدر، هذا فيه رجوع إلى نفسه ومحاسبة لها، مع أنه لا يتصرف إلا بالوحي -عليه الصلاة والسلام-، «فإن لو تفتح عمل الشيطان».

"وعنه" أي عن أبي هريرة، صحابي الحديثين الماضيين -رضي الله تعالى عنه- وهذه طريقة أصحاب المختصرات، يعيدون الحديث، ويحيلونه إلى راويه بالضمير على ما تقدَّم، وهذا من باب الاختصار.

 "وعنه -رضي الله تعالى عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع»" فلم يدر ما يقول فليضطجع؛ لأنه إذا استعجم وحاول كم مرة ورجع كم مرة ويحاول ما قدر، لا سيما إذا كان السبب النوم، فليضطجع، وجاء ما هو أعم من ذلك، إذا جاء النوم وهو يصلي هو مأمور بالنوم، لماذا؟

لئلا يذهب ليدعو لنفسه فيدعو عليها، لئلا يذهب ليدعو لنفسه ثم يدعو عليها، هذا ما يدري ما يعي ما يقول، ففي مثل هذه الحالة على المسلم أن ينام، قد يقول قائل: أنا ما أذكر أني صفيت بالصلاة إلا أنعس، هذا من الشيطان يجاهد الشيطان، هذا ما هو بسببه النوم، تجده قد نام الساعات الطوال، ثم يأتي ليصلي أو ليقرأ القرآن يفتتحه بالتثاؤب، هذا من الشيطان، إلا أن يكون الشخص مريضًا ممكن يصير له مثل هذا، فليجاهد الشيطان، ويراغم الشيطان، يطرد عنه النوم وينتقل من مكانه، ويتناول ما يعينه على الانتباه، في صلاة التهجد بعض الناس يأتي بالقهوة والشاي للمصلين، وهو في هذا يعينهم على الانتباه، ويطرد النوم عنهم، فهو مثاب على ذلك إن شاء الله تعالى.

المقصود أن من وصل به الحال في نومه إلى ألا يعي ما يقول من قراءة أو من قيام أو قعود ما يدري هل ركع ركعتين أو خمسًا، أو ما ركع، مثل هذا مشكل، هذا لا بد أن ينام، ولا يغالب النوم، النوم- كما يقولون- سلطان ما يقاوَم، إذا جاء ما يقاوَم، وكذلك الانشغال بأمور الدنيا، قد يلهي ويشغل عن الصلاة، وعن ذكر الله، وعن قراءة القرآن، وكم سُمع ممن افتتن بأمور الدنيا، كم سُمع من يقول: آمين وهو ساجد، كثير، لا يعي، ما يدري ما يقول مثل السكران، مثل هذا عليه ألا يدخل في صلاته حتى يفرغ باله من أمور الدنيا؛ ليتجه بقلبه وقالبه إلى المثول بين يدي الله -جل وعلا-، وينتفع بصلاته، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، كم من مصلٍّ يدخل في الصلاة، ويخرج منها ما استفاد شيئًا، نعم قد تكون صحيحة ومسقطة للطلب، بمعنى أنه لا يعيدها، لكن الآثار المترتبة على الصلاة إنما تكون بحضور القلب والخشوع الذي هو لُبُّ الصلاة.

«إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع»، كون المسلم يرتج عليه ويحتاج إلى من يفتح عليه هذا موجود، حتى النبي -عليه الصلاة والسلام- حصل له، إن استغلق عليه القرآن، وكان ممن وراءه أُبي بن كعب، فلامه لما لم يفتح عليه، المقصود أنه في مثل هذه الحالة إذا كان هناك من يفتح عليه يرد عليه يلقنه ما نسيه أو أُنسيه فلا مانع، قد يقول قائل: أنا أصلي منفردًا، فاستعجم القرآن، عجز أن يأتي الآية التي بعدها، أو بعض آية مثلاً، إذا كان بين يديه مصحف قريب منه فلا مانع أن يفتحه وينظر فيه؛ لأن الصلاة من المصحف جائزة في النوافل؛ لأن عائشة اتخذت إمامًا يصلي بها التراويح  يقرأ من المصحف، لا إشكال في ذلك إن شاء الله، وإذا كان ما عنده أحد يركع، يركع.

"وعنه" أي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، "عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا قام أحدكم من الليل، إذا قام أحدكم من الليل فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين»". أمر من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يفتتح الإنسان صلاته بركعتين خفيفتين، ومفهومه أن الأصل في صلاة الليل الطول، الأصل في صلاة الليل الطول، يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، لتدريب النفس وتنشيطها ثم بعد ذلك يشرع في قيام الليل الذي من صفته الطول، وقد قام النبي -عليه الصلاة والسلام- ليلة في ركعة واحدة، بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، هذه ركعة واحدة، خمسة أجزاء وبقراءته -عليه الصلاة والسلام- بالترتيل والمدود كم تكون خمسة الأجزاء؟ تحتاج إلى أقل شيء ساعتين، تحتاج إلى ساعتين في ركعة واحدة، فيفتتح صلاته بركعتين خفيفتين؛ لينشط لما بعدهما، وثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- تأييدًا لقوله: «فليفتح صلاته بركعتين» ثبت ذلك من فعله -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يفتتح قيام الليل بركعتين من حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما، في الصحيحين وغيرهما.

"وعنه -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»". أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، السجود والخضوع والانكسار بين يدي الله -جل وعلا- يقربه من ربه؛ لأن فيه هذا الانكسار وهذا الخضوع، ووضع الوجه أشرف ما في البدن على الأرض، وقد تكون ترابًا، وقارن بين هذا الوضع وهو السجود على التراب بين يدي الله -جل وعلا- وبين رغم أنفه، تجد الفرق، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ لأنه خاضع منكسر متذلل بين يدي الله -جل وعلا- قال: «وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»؛ لقربه من ربه، قرب، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة: 186]، فالقرب من الله -جل وعلا- من مظنة من مظنات إجابة الدعوة، ولذا قال: «فأكثروا الدعاء».

وبحث العلماء في المفاضلة بين السجود والقيام، أيهما أفضل؟ إطالة السجود أو إطالة القيام؟ قالوا: القيام أفضل لذكره؛ لأن ذكره القرآن، والسجود أفضل لقربه، فهو أقرب ما يكون لله -جل وعلا- ففي كلٍّ منهما فضل، يعني إذا قام ساعة وصلى ركعتين في هذه الساعة، وأطال القيام حتى قرأ في كل ركعة جزءًا من القرآن، وخفَّف الركوع والسجود، والثاني قام ساعة نفس الوقت، كبَّرا جميعًا، وسلما جميعًا، لكن قرأ ربع جزء في هاتين الركعتين، وأطال الركوع والسجود أيهما أفضل؟  

أصل صلاة الليل تسمى قيامًا، صلى قيامًا، وإن كان القيام في تعريف أهل العلم ينطبق على ما هو أعم من الوقوف، فالقيام يشمل الصلاة والذكر والدعاء هذا كذا قال أهل العلم، لكن عندنا مسألة، وهي أن شخصًا صلى ركعتين ساعة، قرأ فيهما جزءًا من القرآن، وخفف الركوع والسجود، والآخر صلى هاتين الركعتين في ساعة، وقرأ فيهما ربع جزء، وأطال الركوع والسجود، وأكثر من الدعاء، فمنهم من فضّل القيام؛ لشرف الذكر وهو قراءة القرآن، ومنهم من فضّل السجود؛ لشرف الحال، وهو القرب من الله -جل وعلا- وكثرة الدعاء، وفي كلٍّ خير، والمطلوب أن يفعل الأرفق به، إذا تعب من طول القيام يطيل السجود، وإذا كان يتعبه السجود، بعض الناس الذين عندهم ربو، صدر يتعبون من السجود، فمثل هذا ينصح بطول القيام إذا كان لا يتعب منه، وإن احتاج إلى أن يصلي جالسًا فله ذلك، فإن كان مع عدم القدرة على القيام فأجره كامل، وإن كان مع القدرة على القيام فأجره على النصف، «صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم»، وهذا في النافلة فقط، ومع القدرة على القيام، أما مع عدم القدرة فالأجر كامل، والفريضة مع القدرة لا تصح إلا من قيام، فأول أركانها القيام مع القدرة، وإذا كان عاجزًا فأجره تام.

قال -رحمه الله-: "وعن النواس بن سمعان الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله– صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم".

 النواس بن سمعان الأنصاري، كذا في نسخ صحيح مسلم، الأنصاري، والمعروف في نسبه أنه كلابي، كلابي، والجمع عند أهل العلم في مثل هذا سهل، يقولون: لعله كان حليفًا للأنصار، فنُسِب إليهم وإلا فهو في حقيقة الحال كلابي، وليس بأنصاري، فلعله كان حليفًا للأنصار، سِمعان أو سَمعان بالوجهين مضبوط، والكسر أشهر، -رضي الله تعالى عنه-.

 قال: "قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، قال: سألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم" عن البر والإثم، "قال: «البر حسن الخلق»" {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177] إلى آخر الآية، وهنا فسَّر النبي -عليه الصلاة والسلام- البر بحسن الخلق، وهو خصلة من الخصال التي ذُكرت في الآية، يعني داخلة، داخلة فيما في الآية، {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، حسن الخلق مؤمن وممتثل لما جاء عن الله وعن رسوله فهو داخل في الإيمان بالله إلى آخر الآية، وإذا قلنا: إن حسن الخلق مع الله- جل وعلا- ومع خلقه شمل جميع ما أُمر به وشمل جمع ترك ما نُهي عنه، لو قلنا: حسن الخلق حسن المعاملة مع الله -جل وعلا-، وحسن المعاملة مع الله -جل وعلا- لا يكون إلا إلى آخره، والله المستعان.