التعليق على تفسير القرطبي - سورة الرحمن (02)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة الرحمن (02)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
أربعاء 21/ Dhu al-Qada/ 1440 6:15 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:

"قَوْلُهُ تَعَالَىَ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:14-17] قَوْلُهُ تَعَالَىَ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ خَلْقَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِيهِمَا مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ ذَكَرَ خَلْقَ الْعَالَمِ الصَّغِيرِ فَقَالَ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَعْنِي آدَمَ {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارٍ} الصَّلْصَالُ الطِّينُ الْيَابِسُ الَّذِي يُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ، شَبَّهَهُ بِالْفَخَّارِ الَّذِي طُبِخَ. وَقِيلَ: هُوَ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ. وَقِيلَ: هُوَ الطِّينُ الْمُنْتِنُ، مِنْ صَلَّ اللَّحْمُ وَأَصَلَّ إِذَا أَنْتَنَ، وَقَدْ مَضَى فِي (الْحِجْرِ). وَقَالَ هُنَا: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن:14], وَقَالَ هُنَاكَ: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر:26], وَقَالً: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} [الصافات:11], وَقَالَ: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران:59] وَذَلِكَ مُتَّفَقُ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُخَذَ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ فَعَجَنَهُ فَصَارَ طِينًا، ثُمَّ انْتَقَلَ فَصَارَ كَالْحَمَإِ الْمَسْنُونِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فَصَارَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ."

مراحل التراب إذا خُلط بالماء صار طينًا لا يثبت ولا يستمسك, حتى إذا يبس وصلب صار صلصالًا ثابتًا له صلصلة وله طنين إذا ضُرب؛ لقوته واشتداده. و{خَلَقَ الْإِنْسَانَ} هذا المراد به آدم بالإجماع, ولا يُراد به جنس الإنسان لأن بقية ولده؛ لأن ولد آدم خُلقوا من ماء مهين كما هو معلوم, {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}[الطارق:7] المقصود أن الإنسان هنا لا خلاف فيه، والمناسبة لما تقدم أنه لما ذكر خلق العالم الكبير السماوات والأرض التي فيها الآيات والعبر والتذَّكُر لمن اعتبر وادكر نبه على خلق الإنسان, والشق الثاني من المكلفين: الجان؛ لأن فيهم أيضًا من العبر ما قد لا يوجد في غيرهم, ولذا جاء قولهِ -جلَّ وعلا-: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}[الذاريات:21], لكن الإنسان في الغالب أنه لا ينظر إلى نفسه، ينظر إلى ما أمامه لأن هذه طبيعة البصر؛ تنظر إلى الأمام لا تنظر إلى الخلف, وإلا فلو تذكر الإنسان واعتبر واتعظ بما ضمه جلده لوجد العجب العجاب من آثار رحمة الله في خلقه, ومن عجائب قدرته, فضلا عن كونه ينظر في غيره من المخلوقات الحية النامية والجامدة, كل هذه دلائل على قدرته -جلَّ وعلا- وعلى وحدانيته, وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحد. نعم.

"{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}[الرحمن:15] قَالَ الْحَسَنُ: الْجَانُّ إِبْلِيسُ وَهُوَ أَبُو الْجِنِّ. وَقِيلَ: الْجَانُّ وَاحِدُ الْجِنِّ، وَالْمَارِجُ اللَّهَبُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, وَقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْجَانَّ مِنْ خَالِصِ النَّارِ. وَعَنْهُ أَيْضًا مِنْ لِسَانِهَا الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الْمَارِجُ الشُّعْلَةُ السَّاطِعَةُ ذَاتُ اللَّهَبِ الشَّدِيدِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ اللَّهَبُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ فَيَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ, وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ, وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى. وَقِيلَ: الْمَارِجُ كُلُّ أَمْرٍ مُرْسَلٍ غَيْرِ مَمْنُوعٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ, قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْمَارِجُ النَّارُ الْمُرْسَلَةُ الَّتِي لَا تُمْنَعُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْحَسَنُ: الْمَارِجُ خَلْطُ النَّارِ، وَأَصْلُهُ مِنْ مَرِجَ إِذَا اضْطَرَبَ وَاخْتَلَطَ, وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ نَارَيْنِ فَمَرَجَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَأَكَلَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى..."

الشيخ: نعم وَهِيَ نَارُ السَّمُومِ.

طالب:......

الشيخ: نعم؟

طالب:......

"وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ نَارَيْنِ فَمَرَجَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَأَكَلَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَهِيَ نَارُ السَّمُومِ..."

على هذا يكون معنى مارج أو مرج بمعنى مزج, مرج إحداهما الأخرى يعني مزجهما كما سيأتي في مرج البحرين, والمراد المزج هنا, {وَخَلَقَ الْجَانَّ}، {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} آدم بالاتفاق, {وَخَلَقَ الْجَانَّ}. آدم الذي هو أصل الآدميين أصل البشر أبوهم, {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} فهل المراد بالجان هنا أبوهم كما قيل في الإنسان أو جنس الجان؛ جنس الجن خُلقوا من نار؟ يعني جميع الجن خلقوا من نار أو أن أصلهم هو إبليس خلق من نار ثم حصل التوالد بينهم والتزاوج كما حصل بين بني آدم؟ ها؟ لأن تمام المقابلة هنا؛ تمام المقابلة أن يكون الخلق المشار إليه بالنسبة للجان هو لأبيهم كما كان للإنسان, ثم بعد ذلك تزاوجوا, وإبليس يقول: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[الأعراف:12], خلقته وخلقتني, فتمام المقابلة أن يكون أبوهم خلق من نار, ثم بعد ذلك حصل التزاوج بينهم, والتزاوج ممكن, والجن يطئون كما أن الإنس يطئون؛ {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [الرحمن:56], فدل على أن الجان يطمثون نسائهم كما أن بني آدم يطمثون نسائهم. على كل حال مثل هذه الأمور تحتاج إلى نقل يثبتُ به القول الفصل, وإن كان المتجه من حيث المقابلة وتمام التنظير المذكور في الآية أن يكون الخلق لآدم وإبليس أبو الجن؛ آدم أبو البشر, وإبليس أبو الجن, ثم بعد ذلك يحصل من أولاد هؤلاء مثل ما يحصل من أولاد هؤلاء.

"وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ نَارَيْنِ فَمَرَجَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، فَأَكَلَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَهِيَ نَارُ السَّمُومِ فَخَلَقَ مِنْهَا إِبْلِيسَ. قَال َالْقُشَيْرِيُّ: وَالْمَارِجُ فِي اللُّغَةِ الْمُرْسَلُ أَوِ الْمُخْتَلَطُ وَهُوَ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ, كَقَوْلِهِ: مَاءٌ دَافِقٌ وَعِيشَةٌ رَاضِيَةٌ، وَالْمَعْنَى ذُو مَرْجٍ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ..."

يعني يأتي اسم الفاعل ويُراد به اسم المفعول كما هنا؛ مارج, ودافق, وراضية. والعكس يأتي اسم المفعول ويُراد به اسم الفاعل, حجابًا مستورا يعني ساترًا. نعم.

طالب:.....

الشيخ: لا لا, ما بينهم, لا لا من شاء, ما بينهم تزاوج.

طالب:.....

الشيخ: نعم، إي. نعم.

"قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: وَمَارِجٌ مِنْ نَارٍ: نَارٌ لَا دُخَانَ لَهَا خُلِقَ مِنْهَا الْجَانّ. {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}..."

يعني يُذكر في الألغاز والمعايات والمحاجات إذا كان أصل بني آدم من تراب, وأصل الجن من النار, وأصل الملائكة من نور, فماذا عن بقية الحيوانات؟ ما أصلها؟

نعم؟ الإنسان, ليس للإنسان إلا أن يقول: الله أعلم, ما فيه نص يدل على هذا, والعقول لا تستطيع أن تُدرك بدون توقيف, فليس للإنسان أن يتعدى ما حد له. نعم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}[الرحمن:17] أَيْ هُوَ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ. وَفِي الصَّافَّاتِ {وَرَبُّ الْمَشَارِقِ}[الصافات:5] وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ هُنَالِكَ."

يعني جاء الإفراد {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [المزمل:9], وهنا {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن:17], وفي الصافات {وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} [الصافات:5] جمع، فالمفرد: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} المراد به الجنس؛ جنس المشرق والمغرب. والمشرقين والمغربين؛ مغرب الشتاء ومغرب الصيف, ومشرق الشتاء ومشرق الصيف. وأما المشارق والمغارب فهذه على أصلها, مغرب كل يوم ومشرق كل يوم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} [الرحمن:19-20] مَرَجَ أَيْ خَلَّى وَأَرْسَلَ وَأَهْمَلَ، يُقَالُ: مَرَجَ السُّلْطَانُ النَّاسَ إِذَا أَهْمَلَهُمْ. وَأَصْلُ الْمَرْجِ الْإِهْمَالُ كَمَا تُمْرَجُ الدَّابَّةُ فِي الْمَرْعَى. وَيُقَالُ: مَرَجَ خَلَطَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ...."

{فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}[ق:5] يعني مختلط, هذا الأصل.

"وَقَالَ الْأَخْفَشُ: وَيَقُولُ قَوْمٌ أَمْرَجَ الْبَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وَأَفْعَلَ بِمَعْنًى الْبَحْرَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَحْرُ السَّمَاءِ وَبَحْرُ الْأَرْضِ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. يَلْتَقِيَانِ فِي كُلِّ عَامٍ. وَقِيلَ: يَلْتَقِي طَرَفَاهُمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّهُ الْبَحْرُ الْمَالِحُ وَالْأَنْهَارُ الْعَذْبَةُ. وَقِيلَ: بَحْرُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَلْتَقِي طَرَفَاهُمَا. وَقِيلَ: بَحْرُ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ.

بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ أَيْ حَاجِزٌ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: الْأَرْضُ الَّتِي بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْحِجَازُ.قاله الحسن وقتادة."

يعني الجزيرة؛ الجزيرة كلها هي فاصل بين فارس والروم, على كل حال {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} هما بحران متغايران سواء قُلنا أحدهما ما ينزل من السماء, والثاني ما هو موجودٌ في الأرض. وبينهما برزخ لا يختلطان؛ لا يبغي بعضهم على بعض ولا يسحب أحدهما الآخر, لأنه إذا التقى أحد البحرين بالثاني احتمال أن يختلط ماء هذا بهذا لا سيما إذا كان هذا عذب وهذا مِلح, مع أنه توجد بعض العيون العذبة في قعر البحار المالحة؛ بعض العيون العذبة موجودة في بعض البحار المالحة. {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} الإنسان لا يستطيع أن يمزج سائل بسائل من غير امتزاج اللهم إلا أن يكون أحدهما في طبعه غير قابل للامتزاج؛ كالزيت والدهن وما أشبه ذلك. وأما إذا كان من طبعه قبول الامتزاج لا يمكن للإنسان أن يخلط هذا بهذا ولا يمتزج, يعني إذا وضعت قطرات من الحبر في كوب من الماء؛ نعم في أول الأمر تجد اللون متميز عن لون الماء, لكنه بعد ذلك يمتزج, لا يمكن أن يستمر من غير امتزاج. يعني كون هذه العين العذبة تنبع من ماءٍ أو من قعر بحرٍ مالح من أعظم الدلائل على القدرة الإلهية, لو اجتمع الإنس والجن كلهم, لو اجتمعت المخلوقات كلهم على أن يصنعوا مثل هذا لم يستطيعوا؛ لن يستطيعوا. نعم.

طالب:......

الشيخ: إي موجود. ما يكون, ما في مثل هذا.

طالب:.....

الشيخ: هذا في أكثر من موضع.

طالب:.....

الشيخ: إي العذب موجود في أكثر من موضع. نعم.

"وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: الْأَرْضُ الَّتِي بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْحِجَازُ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَعَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَقْوَالِ: الْقُدْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفُرْقَانِ. وَفِي الْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ النَّاحِيَةَ الْغَرْبِيَّةَ فَقَالَ: إِنِّي جَاعِلٌ فِيكِ عِبَادًا لِي يُسَبِّحُونَنِي وَيُكَبِّرُونَنِي وَيُهَلِّلُونَنِي وَيُمَجِّدُونَنِي فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُمْ؟ فَقَالَتْ: أُغْرِقُهُمْ يَا رَبِّ. قَالَ: إِنِّي أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدِي، وَأَجْعَلُ بَأْسَكِ فِي نَوَاحِيكِ. ثُمَّ كَلَّمَ النَّاحِيَةَ الشَّرْقِيَّةَ فَقَالَ: إِنِّي جَاعِلٌ فِيكِ عِبَادًا لِي يُسَبِّحُونَنِي وَيُكَبِّرُونَنِي وَيُهَلِّلُونَنِي وَيُمَجِّدُونَنِي فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُمْ؟ قَالَتْ: أُسَبِّحُكَ مَعَهُمْ إِذَا سَبَّحُوكَ، وَأُكَبِّرُكَ مَعَهُمْ إِذَا كَبَّرُوكَ، وَأُهَلِّلُكَ مَعَهُمْ إِذَا هَلَّلُوكَ، وَأُمَجِّدُكَ مَعَهُمْ إِذَا مَجَّدُوكَ، فَأَثَابَهَا اللَّهُ الْحِلْيَةَ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا، وَتَحَوَّلَ أَحَدُهُمَا مِلْحًا أُجَاجًا، وَبَقِيَ الْآخَرُ عَلَى حَالَتِهِ عَذْبًا فُرَاتًا. ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْعُمَرِيُّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. لَا يَبْغِيَانِ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَبْغِيَانِ عَلَى النَّاسِ فَيُغْرِقَانِهِمْ، جَعَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَبَسًا."

الشيخ: ما يتفرد به الحكيم الترمذي ضعيف كما هو مقرر عند أهل العلم. ماذا قال عن تخريجه؟

طالب:.....

الشيخ: يكفيه تفرد الحكيم به. نعم.

"وَعَنْهُ أَيْضًا وَمُجَاهِد:ٍ  لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَيَغْلِبَهُ."

لكن إذا امتزج ماء النهر بالبحر, ما هو النيل يصب في البحر الأبيض؟ ماذا عنه؟ ها؟ ما يمتزج؟ يستمر حلوًا؟

طالب:.....

الشيخ: يعني بينهما برزخ؟ نعم.

"قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَبْغِيَانِ عَلَى النَّاسِ فَيُغْرِقَانِهِمْ، جَعَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَبَسًا. وَعَنْهُ أَيْضًا وَمُجَاهِدٍ: لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَيَغْلِبَهُ. قال ابْنُ زَيْدٍ: الْمَعْنَى (لَا يَبْغِيانِ) أَنْ يَلْتَقِيَا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن:19]، لَوْلَا الْبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُمَا لَا يَبْغِيَانِ أَنْ يَلْتَقِيَا. وَقِيلَ: الْبَرْزَخُ مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَيْ بَيْنَهُمَا مُدَّةٌ قَدَّرَهَا اللَّهُ وَهِيَ مُدَّةُ الدُّنْيَا فَهُمَا لَا يَبْغِيَانِ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ فِي انْقِضَاءِ الدُّنْيَا صَارَ الْبَحْرَانِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الإنفطار:3]. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْبَحْرَانِ طَرِيقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُمَا التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ."

سهل بن عبد الله التُستري معروف من رؤوس الصوفية, ويُفسر الآية على طريقتهم في صرفها عن ظاهرها إلى ما يُريدونه من إشاراتهم المعروفة, لكن الكلام هذا لا أصل له. البحران طريق الخير والشر, والبرزخ بينهما التوفيق والعصمة, هذا جاري على قواعدهم وعلى سندهم وعادتهم. نعم.

طالب:......

الشيخ: ماذا يميز هذا عن هذا؟

طالب:....

الشيخ: لكن ماذا يميز هذا عن هذا؟ هل هذا متصف بصفة وهذا بصفة؟

طالب:......

الشيخ: ومستوى الملوحة فيه تتفاوت ها؟

طالب:.....

الشيخ: وأنواع الأسماك وهل المخلوقات الموجودة في هذا غير المخلوقات, إن الله على كل شيء قدير.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:22] أَيْ يَخْرُجُ لَكُمْ مِنَ الْمَاءِ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ, كَمَا يَخْرُجُ مِنَ التُّرَابِ الْحَبُّ وَالْعَصْفُ وَالرَّيْحَانُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عُمَرٍو "يُخْرَجُ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ. والْبَاقُونَ يَخْرُجُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ عَلَى أَنَّ: اللُّؤْلُؤَ هُوَ الْفَاعِلُ. وَقَالَ: مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ لَا الْعَذْبِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْمَعُ الْجِنْسَيْنِ ثُمَّ تُخْبِرُ عَنْ أَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام:130], وَإِنَّمَا الرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ دُونَ الْجِنّ, قَالَه الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: قَدْ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهُمَا..."

يعني خرج مما ذُكر؛ سواء كان شيئًا واحدأ أو أشياء, المقصود أنه خرج مما ذُكر, يعني مثل: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد», الآن ذُكر اليهود وذُكر النصارى, والمراد من ذلك اليهود؛ لأن النصارى ليس لهم إلا نبيٌ واحد ولم يُقبر, فكيف يتخذ النصارى قبور أنبيائهم مساجد؟ إنما الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد هم اليهود لأن لهم أنبياء مقبورين.

وإذا قيل أن أنبياء اليهود أنبياء للنصارى, أو قيل على روايةٍ أخرى: «اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد», صار الأنبياء بالنسبة لليهود, والصالحين بالنسبة للنصارى, وفيهم جاء حديث أم المؤمنين «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجدًا», فهؤلاء هم النصارى؛ هم أهل الحبشة الذين جاء فيهم الخبر. نعم.

طالب:.....

الشيخ: إي التثنية.

طالب:.....

الشيخ: إي منهم؛ منهم يعني مما ذُكر, لأن ذكر شيئان؛ أقول: ذكر شيئان يخرج من هذين الشيئين نعم: اللؤلؤ والمرجان, كما أن الولد يخرج من الوالدين وهو في حقيقته خرج من أمه. نعم.

طالب:.....

الشيخ: قالوا: إنه ذُكر أن العذب أيضًا يخرج منه اللؤلؤ والمرجان.

طالب:.....

الشيخ: حتى بعضهم وكثير من المفسرين يرى أنه لا مانع من أن يخرج من الماء العذب اللؤلؤ والمرجان فيكون الكلام ما فيه إشكال. نعم.

"وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح:15-16] وَالْقَمَرُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا وَلَكِنْ أَجْمَلَ ذِكْرَ السَّبْعِ فَكَأَنَّ مَا فِي إِحْدَاهُنَّ فِيهِنَّ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: هَذَا مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ مِنْ إِحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] أَيْ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ مِنَ الْعَذْبِ. وَقِيلَ: هُمَا بَحْرَانِ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا اللُّؤْلُؤُ وَمِنَ الْآخَرِ الْمَرْجَانُ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا بَحْرَا السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَإِذَا وَقَعَ مَاءُ السَّمَاءِ فِي صَدَفِ الْبَحْرِ انْعَقَدَ لُؤْلُؤًا فَصَارَ خَارِجًا مِنْهُمَا..."

يعني بالتزاوج والتلاقح.

"وَقَالَهُ الطَّبَرِيُّ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَلَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ نَوَاةً كَانَتْ فِي جَوْفِ صَدَفَةٍ، فَأَصَابَتِ الْقَطْرَةُ بَعْضَ النَّوَاةِ وَلَمْ تُصِبِ الْبَعْضَ، فَكَانَ حَيْثُ أَصَابَ الْقَطْرَةَ مِنَ النَّوَاةِ لُؤْلُؤَةٌ وَسَائِرُهَا نَوَاةٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَذْبَ وَالْمِلْحَ قَدْ يَلْتَقِيَانِ، فَيَكُونُ الْعَذْبُ كَاللِّقَاحِ لِلْمِلْحِ ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا كَمَا يُنْسَبُ الْوَلَدُ إِلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَإِنْ وَلَدَتْهُ الْأُنْثَى، لِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ إِلَّا مِنْ موضْعٍ يَلْتَقِي فِيهِ الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ. وَقِيلَ: الْمَرْجَانُ عِظَامُ اللُّؤْلُؤِ وَكِبَارُهُ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-. وَاللُّؤْلُؤُ صِغَارُهُ. وَعَنْهُمَا أَيْضًا بِالْعَكْسِ: إِنَّ اللُّؤْلُؤَ كِبَارُ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانَ صِغَارُهُ، وَقَالَهُ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مَالِكٍ: الْمَرْجَانُ الْخَرَزُ الْأَحْمَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ الْجَوارِ} يعنى السفن. {الْمُنْشَآتُ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ {الْمُنْشَآتُ} بِفَتْحِ الشِّينِ، قَالَ قَتَادَةُ: أَيِ الْمَخْلُوقَاتُ لِلْجَرْيِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِنْشَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ السُّفُنُ الَّتِي رُفِعَ قِلْعُهَا، قَالَ: وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشئات. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّهَا الْمُجْرَيَاتُ..."

المراد القلعة هذا الشراع الذي يُرفع فوق السفن الجواري ليُعينها على الجري إذا هبت الريح. نعم.

"وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّهَا الْمُجْرَيَاتُ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَأَى سُفُنًا مُقْلَعَةً، فَقَالَ: وَرَبِّ هَذِهِ الْجَوَارِي..."

يقسم بها، بربها. نعم.

"وَرَبِّ هَذِهِ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَلَا مَالَأْتُ فِي قَتْلِهِ."

رضي الله عن الجميع. نعم.

"وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ "الْمُنْشِئَاتُ" بِكَسْرِ الشِّينِ أَيِ: الْمُنْشِئَاتُ السَّيْرَ، أُضِيفَ الْفِعْلُ إِلَيْهَا عَلَى التَّجَوُّزِ وَالِاتِّسَاعِ. وَقِيلَ: الرَّافِعَاتُ الشُّرُعِ أَيِ: الْقُلُعِ. وَمَنْ فَتَحَ الشِّينَ قَالَ: الْمَرْفُوعَاتُ الشُّرَعِ. كَالْأَعْلَامِ أَيْ كَالْجِبَالِ، وَالْعَلَمُ الْجَبَلُ الطَّوِيلُ، قَالَ :إِذَا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدَا عَلَمُ فَالسُّفُنُ فِي الْبَحْرِ كَالْجِبَالِ فِي الْبَرِّ، وَقَدْ مَضَى فِي (الشُّورَى) بَيَانُهُ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ "الْجَوَارِي" بِيَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَحَذَفَ الْبَاقُونَ."

الأصل أن الجواري جمع جارية والياء تثبت مع "ال" أما إذا حُذفت "ال" فإنها تُحذف الياء في حالتي الرفع والجر وتثبت في حالة النصب, لكن هنا بالنسبة للقرآن فالواجب اتباع الرسم, ولو اختلف مع القواعد كما مر بنا مررًا. نعم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26] الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهَا لِلْأَرْضِ، وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} [الرحمن:10] وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ أَكْرَمُ مَنْ عَلَيْهَا يَعْنُونَ الْأَرْضَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ.

إذا لم يلتبس الكلام على السامع فتجوز إعادة الضمير على غير مرجع, كما؛ غير المرجع المذكور كما في قوله -جلَّ وعلا-: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص:32] المراد بذلك الشمس ولم يرد لها ذكر, فإذا أُمن اللبس فلا مانع من إعادة الضمير على غير مذكور.

"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: هَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ فَنَزَلَتْ {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}[القصص:88] فَأَيْقَنَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالْهَلَاكِ، وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ: وَوَجْهُ النِّعْمَةِ فِي فَنَاءِ الْخَلْقِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَوْتِ."

لماذا قال: وجه النعمة في الهلاك وفناء الخلق؟ لأنه سيأتي بعد ذلك {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:28], فلما عُقبت بهذه الآية دل على أن الفناء والهلاك لجميع المخلوقات نعمة من نعم الله لتتم المجازاة. ولو استمر الناس على هذه الحياة لحصل لهم من الحرج والضيق, ولم يحصل المقصود من خلقهم الذي هو العبادة. لو ضمن الإنسان أن هذه حياته خلاص يستمر على هذه المنوال ويتوالدون, تسعهم الأرض أو ما تسعهم؟ يمكن يأكل بعضهم بعضًا من كثرتهم. ولذلك الموت فيه حكم ومصالح وفوائد لا يُدركها الإنسان بمجرد عقله إلا بالتأمل والتدبر، ويتصور أن الإنسان هذا الشخص الذي تبكى عليه إذا مات الوالد, أو الوالدة, أو الجد وغير ذلك, تصور أن في بيتك مائة شيخ كبير, كل واحد يحتاج إلى عناية, ويحتاج إلى رعاية, وهذا يحتاج من يُطعمه، وهذا يحتاج من يُنظفه, وهذا يحتاج. كيف تسير الحياة؟ قلنا مائة لكن الأعداد ما تنتهي, لكن لو عندك مائة من هذا النوع؟ نعم واحد يودونه الرعاية الاجتماعية. والله المستعان.

فالموت فيه راحة وفيه نعمة مع أن الإنسان لا يتمناه ولا يرضاه لمحبوبه, لكن هذه حكمة إلهية من ورائها المصالح العظيمة. تصور أن كل واحد في بيته مجموعة من هذا النوع من رجال ونساء, وقطعًا هم أكثر من الذين يخدمون أنفسهم فيصيرون أكثر, لأن الذين يخدمون أنفسهم عددهم محدود مثل ما هم عليه الآن, لكن اللي يتراكمون اللي ما يموتون دولا, صحيح والله من نعم الله -جلَّ وعلا- هذه الآية: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26].

صحيح إن الإنسان يتألم ويعتصر قلبه بالألم والأسى والحزن عند موت حبيب وقريب لكن هذه حكمة إلهية, فإذا راجع عقله، ولذلك هنا قال: ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت, يعني لو أن الموت على قبيلة من القبائل دون غيرها مثلًا, أو في بلدٍ دون غيره, صار هذا فيه شيء من عدم الإنصاف والعدل من جهة, ومن جهةٍ أخرى هؤلاء ابتلوا وكُتب عليهم ما كُتب من الموت دون غيرهم, هؤلاء لا شك أنهم سوف يتحسرون وسوف يتذمرون ويتضجرون ويعترضون على ما قدر الله، لكن قد يقول قائل أنه يحصل الوباء في بلد, أو الزلزال في بلد, أو الفيضان في بلد وما أشبه ذلك فيصابون بكثرة الموت دون غيرهم, هذه لها حكم إلهية ومصالح ومرتبة على أمور, وعلى مقدمات {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30], نعم قد يكون هؤلاء الذين ابتلوا أقل من غيرهم, لا يلزم أن يكونوا أشر من غيرهم, لكن عُجلت لهم العقوبة, وادخرت العقوبة للآخرين في الآخرة -نسأل الله العافية-, وهذه أشد. يعني لا يفرح من نجا من غرق, أو من خسف, أو من فيضان وما أشبه ذلك, لا يظن أنه سالم, وأن أعماله صحيحة, وأن الله -جلَّ وعلا- راضٍ عنه, وإنما ينظر إلى عمله ويزنه ويقيسه بما جاء عن الله وعن رسوله. والله المستعان. نعم.

طالب:......

الشيخ: كيف؟

طالب:......

الشيخ: نعم؛ لأنهم يحصل عليهم ما يحصل, وقد يُبتلى بعض البلدان ويسلم بلدٌ آخر وإن كان شرًّا منه لحكمةٍ يراها الله -جلَّ وعلا-. نعم.

"وَمَعَ الْمَوْتِ تَسْتَوِي الْأَقْدَامُ. وَقِيلَ: وَجْهُ النِّعْمَةِ أَنَّ الْمَوْتَ سَبَبُ النَّقْلِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ.

{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن:27] أَيْ وَيَبْقَى اللَّهُ، فَالْوَجْهُ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِهِ وَذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ..."

في الآية إثبات الوجه للرب -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته, وأما المؤلف فر من إثبات الوجه كغيره من المؤولة إلى صرفه إلى الذات.

"قَالَ الشَّاعِرُ:

قَضَى عَلَى خَلْقِهِ الْمَنَايَا

...

فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ فَانِي

وَهَذَا الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا: ابْنُ فَوْرَكٍ وَأَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُمْ."

وهم من أهل التأويل, نعم.

"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ..."

ومسألة التحقيق هذه يذكرها من يُريد الترويج لما يرى؛ يذكرها من يريد الترويج لما يرى, وإلا أين التحقيق في هذا الباب على وجه الخصوص عند ابن فورك وعند أبي المعالي الجويني؟ ليسوا من أهل التحقيق, لكن المسألة مسألة التحقيق على حد زعمه, وعلى حد اعتقاده وما يراهُ, وهو أيضًا مثل ما يقول كثير من طلاب العلم والباحث أو الباحثون إذا أردوا دراسة المسائل العلمية تجده هذا القول الذي يختاره ويرتضيه يقول: اختاره كثيرٌ من المحققين ومنهم فلان وفلان وفلان, فهل يرتضي أن يُقلد هؤلاء في كل مسألة أو أنه أراد أن يروج قوله بواسطتهم؟ نعم.

"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَجْهُ عِبَارَةٌ عَنْهُ كَمَا قَالَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:27] وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَأَمَّا الْوَجْهُ فَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ مُعْظَمِ أَئِمَّتِنَا وُجُودُ الْبَارِي تَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ شَيْخُنَا."

شيخه أبو العباس القرطبي صاحب المُفهم. نعم.

"وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن:27] وَالْمَوْصُوفُ بِالْبَقَاءِ عِنْدَ تَعَرُّضِ الْخَلْقِ لِلْفَنَاءِ وُجُودُ الْبَارِي تَعَالَى. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) الْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115] وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي (الْكِتَابِ الْأَسْنَى) مُسْتَوْفًى."

(الكتاب الأسنى في الأسماء الحسنى) وفيه الكلام على الصفات أيضًا للقرطبي المفسر. نعم

"قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: قَالَ قَوْمٌ هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ لَا تُكَيَّفُ، يَحْصُلُ بِهَا الْإِقْبَالُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الرَّبُّ تَخْصِيصَهُ بِالْإِكْرَامِ. وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُهُ وُجُودُهُ وَذَاتُهُ..."

الشيخ: وكل هذا هروب من إثبات الصفة الثابتة بالنصوص القطعية من الكتاب والسنة.

طالب:....

الشيخ: القشيري قال: "قَالَ قَوْمٌ هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ لَا تُكَيَّفُ يَحْصُلُ بِهَا الْإِقْبَالُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الرَّبُّ تَخْصِيصَهُ بِالْإِكْرَامِ."

يعني قريب من قول أهل السنة لكنه لم يصرح بأنه يثبت لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بعظمته على جادة أئمة السنة وسلف هذه الأمة.

"يُقَالُ: هَذَا وَجْهُ الْأَمر وَوَجْهُ الصَّوَابِ وَعَيْنُ الصَّوَابِ. وَقِيلَ: أَيْ يَبْقَى الظَّاهِرُ بِأَدِلَّتِهِ كَظُهُورِ الْإِنْسَانِ بِوَجْهِهِ. وَقِيلَ: وَتَبْقَى الْجِهَةُ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ. {ذُو الْجَلَالِ}[الرحمن:27] الْجَلَالُ عَظَمَةُ اللَّهِ وَكِبْرِيَاؤُهُ وَاسْتِحْقَاقُهُ صِفَاتَ الْمَدْحِ، يُقَالُ: جَلَّ الشَّيْءُ أَيْ عَظُمَ وَأَجْلَلْتُهُ أَيْ عَظَّمْتُهُ، وَالْجَلَالُ اسْمٌ مِنْ جَلَّ، {وَالْإِكْرَامِ}[الرحمن:27] أَيْ هُوَ أَهْلٌ لِأَنْ يُكْرَمَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ، كَمَا تَقُولُ: أَنَا أُكْرِمُكَ عَنْ هَذَا، وَمِنْهُ إِكْرَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْكِتَابِ الْأَسْنَى مُسْتَوْفًى. وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَلِظُّوا بِـ "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَعْنَاهُ: الْزَمُوا ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ."

يعني وألحوا, ألظوا ألحوا وزنًا ومعنى. مخرَّج؟

طالب: أحسن الله إليك. قال: حسن، وأخرجه الترمذي من حديث أنس، وضعفه بقوله: غريب، وكرره عن مؤمل وقال: غريب بينما يروى عن الحسن مرسل ومؤمل...انتهى كلامه. بالإسناد الأول يزيد الرقاشي واهم، وله شاهد من حديث ربيعة بن عامر، أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكرره من حديث أبي هريرة لكن فيه...والحديث حسن لشواهده. انتهى كلام المحقق. والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند وقال...

الشيخ: لا ينزل عن درجة الحسن. نعم.

"قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِلْظَاظُ: لُزُومُ الشَّيْءِ وَالْمُثَابَرَةُ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ: الْإِلْظَاظُ الْإِلْحَاحُ. وَعَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ أَنَّ رَجُلًا أَلَحَّ فَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ! اللَّهُمَّ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ! فَنُودِيَ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الرحمن:29] قِيلَ: الْمَعْنَى يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ الرَّحْمَةَ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ الرِّزْقَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو صَالِحٍ: أَهْلُ السَّمَاوَاتِ يَسْأَلُونَهُ الْمَغْفِرَةَ وَلَا يَسْأَلُونَهُ الرِّزْقَ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَسْأَلُونَهُمَا جَمِيعًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ..."

يعني أهل السماوات ليسوا بحاجة إلى الرزق؛ لأنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يحتاجون إلى شيءٍ من ذلك, لكن أهل الأرض هم بحاجة ماسة إلى الرزق الذي يُعينهم لا لذاته؛ وإنما ليستعينوا به على تحقيق ما خُلقوا لأجله. نعم.

طالب:.....

الشيخ: والملائكة. نعم هل مجازون؟ هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار؟ على كل حال ما فيه ما يمنع من أنهم يُبعثون, يكونون في الجنة مع الناس, لكن أهل الجزاء هم الذين ابتلوا واختبروا في الدنيا. نعم.

طالب:......

الشيخ: نعم. {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد:23-24] ها؟

طالب: {وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22].

الشيخ: نعم. {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]. نعم.

طالب:......

الشيخ: نعم بدلالة اللزوم. نعم.

"وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَتَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ الرِّزْقَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، فَكَانَتِ الْمَسْأَلَتَانِ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَلَكًا لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ؛ وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الْأَسَدِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِلسِّبَاعِ، وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الثَّوْرِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِلْبَهَائِمِ، وَوَجْهٌ كَوَجْهِ النَّسْرِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِلطَّيْرِ»."

الشيخ: موضوع؟

طالب:....

الشيخ: إذًا موضوع. نعم.

"وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: إِنَّهُمْ سَأَلُوهُ الْقُوَّةَ عَلَى الْعِبَادَةِ، {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] هَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ. وَانْتَصَبَ {كُلَّ يَوْمٍ} ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: {فِي شَأْنٍ} أَوْ ظَرْفًا لِلسُّؤَالِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ {هُوَ فِي شَأْنٍ} . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ..."

يعني {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ} على هذا تقف, ثم تقرأ {هُوَ فِي شَأْنٍ}, ولذلك قال: ثم يبتدئ {هُوَ فِي شَأْنٍ}.

"وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قَالَ: «مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا وَيَرْفَعَ قَوْمًا وَيَضَعَ آخَرِينَ». وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قَالَ: «يَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَكْشِفُ كَرْبًا وَيُجِيبُ دَاعِيًا». وَقِيلَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُحْيِيَ وَيُمِيتَ، وَيُعِزَّ وَيُذِلَّ، وَيَرْزُقَ وَيَمْنَعَ. وَقِيلَ: أَرَادَ شَأْنَهُ فِي يَوْمَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّهْرُ كُلُّهُ يَوْمَانِ، أَحَدُهُمَا: مُدَّةُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَالْآخَرُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَشَأْنُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ، وَشَأْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ شَأْنِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَالشَّأْنُ فِي اللُّغَةِ الْخَطْبُ الْعَظِيمُ, وَالْجَمْعُ الشُّئُونُ."

نعم يُخاطب الناس بما يعرفون, وكل يوم ظاهر في كونه كل يوم من أيام هذه الدنيا. نعم.

"وَالْمُرَادُ بِالشَّأْنِ هَاهُنَا الْجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [غافر:67]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: شَأْنُهُ سَوْقُ الْمَقَادِيرِ إِلَى الْمَوَاقِيتِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ..."

المراد به الجمع لأن ليس شأنًا واحدًا, في كل يوم شأن واحد, لكنها شئون.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُمِيتَ حَيًّا، وَيُقِرَّ فِي الْأَرْحَامِ مَا شَاءَ، وَيُعِزَّ ذَلِيلًا، وَيُذِلَّ عَزِيزًا. وَسَأَلَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ وَزِيرَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا، وَاسْتَمْهَلَهُ إِلَى الْغَدِ فَانْصَرَفَ كَئِيبًا إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ لَهُ غُلَامٌ لَهُ أَسْوَدُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ: عُدْ إِلَى الْأَمِيرِ فَإِنِّي أُفَسِّرُهَا لَهُ ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ! شَأْنُهُ أَنْ يُولِجَ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَيُولِجَ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَيُخْرِجَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَيَشْفِيَ سَقِيمًا، وَيُسْقِمَ سَلِيمًا، وَيَبْتَلِيَ مُعَافًى، وَيُعَافِيَ مُبْتَلًى، وَيُعِزَّ ذَلِيلًا وَيُذِلَّ عَزِيزًا، وَيُفْقِرَ غَنِيًّا وَيُغْنِيَ فَقِيرًا، فَقَالَ لَهُ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِخَلْعِ ثِيَابِ الْوَزِيرِ وَكَسَاهَا الْغُلَامَ."

أجاب عن هذا السؤال الذي أهم الأمير فصار أحق بالتقرير والتقريب من سيده؛ لأن الأقيام؛ أقيام الرجال ليست على صورهم وأشباههم وأجسامهم, وإنما على قدر ما يحسنون ويتقنون, والمرء كما قيل بأصغريه بقلبه ولسانه. نعم.

"فَقَالَ: يَا مَوْلَايَ! هَذَا مِنْ شَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ :أَنَّهُ دَعَا الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ وَقَالَ لَهُ: أَشْكَلَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُ آيَاتٍ دَعَوْتُكَ لِتَكْشِفَهَا لِي؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31] وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّدَمَ تَوْبَةُ."

وهذا جوابه إما أن يكون في شريعتهم؛ الندم ليس بتوبة, أو يقال: إنه ندم على حمله لا على قتله كما قرّ ذلك كثير من المفسرين. نعم.

"وَقَوْلُهُ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْقَلَمَ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم:39]. فَمَا بَالُ الْأَضْعَافِ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ النَّدَمُ تَوْبَةً فِي تِلْكَ الْأُمَّةِ..."

ما معنى ما بال الأضعاف؟ إما مضاعفة أعمال الإنسان، والأضعاف ليست من سعيه, وإنما السعي هو الأصل الذي يستحق عليه الثواب, وهذا الذي يُحفظ له ويُذكر, والأضعاف فضل من الله -جلَّ وعلا-, أو يُقال إن الذرية والأتباع يستفيدون من أعمال والدهم الصالح؛ يستفيدون كما أن الوالد يستفيد من دعاء ولده الصالح. نعم.

"فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ النَّدَمُ تَوْبَةً فِي تِلْكَ الْأُمَّةِ، وَيَكُونُ تَوْبَةً فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِخَصَائِصَ لَمْ تُشَارِكْهُمْ فِيهَا الْأُمَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ نَدَمَ قَابِيلَ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَتْلِ هَابِيلَ وَلَكِنْ عَلَى حَمْلِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] فَإِنَّهَا شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونٌ يَبْتَدِيهَا."

يعني هي مقضية لكنها تخرج من عالم الغيب إلى عالم الشهود, فهو يُبديها وتظهر عيانًا للمشاهد, وإن كانت مكتوبة ومقضية فلا تُبتدأ. نعم.

"وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم:39] فَمَعْنَاهُ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا وَلِي أَنْ أَجْزِيَهُ بِوَاحِدَةٍ أَلْفًا فَضْلًا. فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَسَوَّغَ خَرَاجَهُ."

يعني أجوبة مُسددة. نعم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن:31] يُقَالُ: فَرَغْتُ مِنَ الشُّغْلِ أَفْرُغُ فُرُوغًا وَفَرَاغًا وَتَفَرَّغْتُ لِكَذَا وَاسْتَفْرَغْتُ مَجْهُودِي فِي كَذَا أَيْ بَذَلْتُهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ شُغْلٌ يَفْرُغُ مِنْهُ، إِنَّمَا الْمَعْنَى سَنَقْصِدُ لِمُجَازَاتِكُمْ أَوْ مُحَاسَبَتِكُمْ، وَهَذَا وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ: إِذًا أَتَفَرَّغُ لَكَ أَيْ أَقْصِدُكَ. وَفَرَغَ بِمَعْنَى قَصَدَ، وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا لِجَرِيرٍ:

الْآنَ وَقَدْ فَرَغْتُ إِلَى نُمَيْرٍ

...

فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهَا عَذَابَا

يُرِيدُ وَقَدْ قَصَدْتُ. وَقَالَ أَيْضًا وَأَنْشَدَهُ النَّحَّاسُ: فَرَغْتُ إِلَى الْعَبْدِ الْمُقَيَّدِ فِي الْحِجْلِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَايَعَ الْأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، صَاحَ الشَّيْطَانُ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ! هَذَا مُذَمَّمٌ يُبَايِعُ بَنِي قَيْلَةَ عَلَى حَرْبِكُمْ."

المذمم يقصد به النبي -صلى الله عليه وسلم- على طريقتهم في قلب الأسماء من المدح إلى الذم, ومحمد مذمم عنده عند الشيطان وأتباع الشيطان كما تقدم في كُنية أبي بكر حينما قال له من يسخر به: كيف أنت يا أبا فصيل؟ فصيل هو البكر الصغير والمراد به الإبل, هم يقلبون الأسماء ويأتون بما يُضادها, والغالب أنه إذا كان المضاد لفظ ذم هم يحرصون عليه. نعم.

"فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «هَذَا إِزْبُ الْعَقَبَةِ أَمَا وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ»  أَيْ أَقْصِدُ إِلَى إِبْطَالِ أَمْرِكَ."

يعني شيطان العقبة. نعم.

"وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقُتَبِيّ ِوَالْكِسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ عَلَى التَّقْوَى وَأَوْعَدَ عَلَى الْفُجُورِ، ثُمَّ قَالَ: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} مِمَّا وَعَدْنَاكُمْ وَنُوصِلُ كُلًّا إِلَى مَا وَعَدْنَاهُ، أَيْ أَقْسِمُ ذَلِكَ وَأَتَفَرَّغُ مِنْهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَأُبَيٌّ "سَنَفْرُغُ إِلَيْكُمْ" وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيم "سَيُفْرَغُ لَكُمْ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَقَرَأَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْأَعْرَجُ "سَنَفْرَغُ لَكُمْ" بِفَتْحِ النُّونِ وَالرَّاءِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ يَقُولُونَ: فَرغَ يَفْرغُ، وَحَكَى أَيْضًا فَرَغَ يَفْرَغُ وَرَوَاهُمَا هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ. وَرَوَى الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو "سَيَفْرَغُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ .وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى الثَّقَفِيِّ "سَنِفْرَغُ لَكُمْ" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "سَيَفْرُغُ لَكُمْ" بِالْيَاءِ. والْبَاقُونَ بِالنُّونِ وَهِيَ لُغَةُ تِهَامَةَ. وَالثَّقَلَانِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِعِظَمِ شَأْنِهِمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِهِمَا بِسَبَبِ التَّكْلِيفِ- وَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ثِقْلٌ عَلَى الْأَرْضِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2] وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَعْطِهِ ثِقْلَهُ أَيْ وَزْنَهَ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ قَدْرٌ وَوَزْنٌ يُنَافَسُ فِيهِ فَهُوَ ثِقْلٌ. وَمِنْهُ قِيلَ لِبَيْضِ النَّعَامِ ثِقْلٌ، لِأَنَّ وَاجِدَهُ وَصَائِدَهُ يَفْرَحُ بِهِ إِذَا ظَفِرَ بِهِ."

ليس كسائر أنواع البيض, بيض النعام له استخدامات ويستفاد منه فوائد أكثر من غيره. حجمه كبير وقشره صلب ويستعمل في أمور كثيرة, فيفرح به واجده أكثر مما لو وجد بيض عصافير أو بيض حمام أو ما أشبه ذلك فالذي بمجرد حمله إما أن تنكسر أو تفسد عليه. نعم.

"وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ :سُمِّيَا ثَقَلَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مُثْقَلَانِ بِالذُّنُوبِ. وَقَالَ: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} فَجَمَعَ، ثُمَّ قَالَ: {أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} لِأَنَّهُمَا فَرِيقَانِ وَكُلُّ فَرِيقٍ جَمْعٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ} [الرحمن:33]"

ما قال: سنفرغ لكما أيها الثقلان؛ لأن كل ثقل من الثقلين جمع, مثل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9], كل طائفة مجموعة من الناس. نعم.

"وَلَمْ يَقُلْ إِنِ اسْتَطَعْتُمَا، لِأَنَّهُمَا فَرِيقَانِ فِي حَالِ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45] وَ{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] وَلَوْ قَالَ: سَنَفْرُغُ لَكُمَا..."

لأنهما فريقان ولكل فريق أفراد عديدة, فالجمع بالنسبة إلى الأفراد, والتثنية بالنسبة إلى الأصل لأنهما فريقان. نعم.

"وَلَوْ قَالَ: سَنَفْرُغُ لَكُمَا، وَقَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتُمَا لَجَازَ. وَقَرَأَ أَهْلُ الشَّامِ "أَيُّهُ الثَّقَلَانِ" بِضَمِّ الْهَاءِ. والْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ. مَسْأَلَةٌ: هَذِهِ السُّورَةُ وَ "الْأَحْقَافُ" وَ "قُلْ أُوحِيَ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ مُخَاطَبُونَ مُكَلَّفُونَ مَأْمُورُونَ مَنْهِيُّونَ مُثَابُونَ مُعَاقَبُونَ كَالْإِنْسِ سَوَاءٌ، مُؤْمِنُهِمْ كَمُؤْمِنِهِمْ، وَكَافِرُهِمْ كَكَافِرِهِمْ، لَا فَرْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلك."

لأن قوله -جلَّ وعلا-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] يدل على أن هذا الهدف من خلقهم يناسبه الجزاء؛ إما فريق في الجنة وإما فريق في السعير -نسأل الله العافية- كالإنس. نعم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الرحمن:33] الْآيَةَ. ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : وَأَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَتَشَقَّقَتْ بِأَهْلِهَا، فَتَكُونُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى حَافَّاتِهَا حَتَّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ، فَيَنْزِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ فَيُحِيطُونَ بِالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ الَّتِي تَلِيهَا كَذَلِكَ فَيَنْزِلُونَ فَيَكُونُونَ صَفًّا مِنْ خَلْفِ ذَلِكَ الصَّفِّ، ثُمَّ السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ ثُمَّ الرَّابِعَةَ ثُمَّ الْخَامِسَةَ ثُمَّ السَّادِسَةَ ثُمَّ السَّابِعَةَ، فَيَنْزِلُ الْمَلِكُ الْأَعْلَى فِي بَهَائِهِ وَمُلْكِهِ وَمُجَنَّبَتِهِ الْيُسْرَى جَهَنَّمُ، فَيَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا وَشَهِيقَهَا، فَلَا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنْ أَقْطَارِهَا إِلَّا وَجَدُوا صُفُوفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ."

الشيخ: ملَك أو ملِك؟

طالب: ملَك.

الشيخ: ما المراد به؟

طالب: الله تعالى.

الشيخ: ها؟

طالب: المراد به الله عز وجل-.

الشيخ: إذًا الملِك.

طالب:....

الشيخ: بالفتحة أنا أشوفها عندي الفتحة لكن المعنى؟

طالب: الأعلى.

الشيخ: "في بهائه" يعني لو قلنا الملَك؛ جنس الملائكة الذين في السماء العليا أعلى السماوات والسماء السابعة أو ما فوقها عند سدرة المنتهى وما أشبه ذلك لكن ما قال في بهائه وملكه لكن لعله الملِك الرب -جلَّ وعلا- الأعلى. نعم.

"فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن:33] وَالسُّلْطَانُ الْعُذْرُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمُ انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، فَتَهْرُبُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، فَتُحْدِقُ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا."

يعني من المعاصرين من يُفسر السلطان بالعلم, ليُنَزِّل ما يدَّعيه بعض طوائف الكفر من أنهم وصلوا إلى الكواكب, ووصلوا إلى السماء التي هي جهة العلو ونفذوا إليها بسلطانهم وهو العلم, والله المستعان. نعم. وبعضهم؛ بعض الكُتاب نزَّله على شخص، ولا شك أن هذا تلاعب بآيات الله -نسأل الله العافية-. نعم.

"قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ أَيْضًا: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْمَوْتِ فَاهْرُبُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ فَاعْلَمُوهُ، وَلَنْ تَعْلَمُوهُ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أَيْ بِبَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَى: {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} لَا تَخْرُجُونَ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي عَلَيْكُمْ. قال قَتَادَةُ: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِمَلَكٍ وَلَيْسَ لَكُمْ مَلَكٌ. وَقِيلَ: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا إِلَى سُلْطَانٍ، الْبَاءُ بِمَعْنَى إِلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} [يوسف:100] أَيْ إِلَيَّ. قَالَ الشَّاعِرُ:

أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسَنِي لَا مَلُولَةٌ

...

لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ

وَقَوْلُهُ: {فَانْفُذُوا} أَمْرُ تَعْجِيزٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} [الرحمن:35] أَيْ لَوْ خَرَجْتُمْ أُرْسِلَ عَلَيْكُمْ شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ، وَأَخَذَكُمُ الْعَذَابُ الْمَانِعُ مِنَ النُّفُوذِ. وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا مُتَعَلِّقًا..."

يعني من يحاول النفوذ إلى السماء يُرسل إليه كما تُرسل الشهب على الجن إذا أرادوا استراق السمع. نعم.

"أَيْ لَوْ خَرَجْتُمْ أُرْسِلَ عَلَيْكُمْ شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ، وَأَخَذَكُمُ الْعَذَابُ الْمَانِعُ مِنَ النُّفُوذِ. وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا مُتَعَلِّقًا بِالنُّفُوذِ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُعَاقِبُ الْعُصَاةَ عَذَابًا بِالنَّارِ. وَقِيلَ: أَيْ بِآلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ عُقُوبَةً عَلَى ذَلِكَ التَّكْذِيبِ. وَقِيلَ: يُحَاطُ عَلَى الْخَلَائِقِ بِالْمَلَائِكَةِ وَبِلِسَانٍ مِنْ نَارٍ ثُمَّ يُنَادَوْنَ {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الرحمن:33]، فَتِلْكَ النَّارُ قَوْلُهُ: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} [الرحمن:35] وَالشُّوَاظُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ لَهُ. وَالنُّحَاسُ: الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ يَهْجُو حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، كَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ."

ابن أبي الصلت أمية الذي جاء من شأنه ما جاء مما فيه اعتراف بالله -جلَّ وعلا- بعظمته حتى قالوا: إنه آمن لسانه ولم يؤمن قلبه. نسأل الله العافية. نعم.

"وَفِي "الصِّحَاحِ" وَ "الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ" لِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ:

ألَا مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّي

...

مُغَلْغَلَةً تَدُبُّ إِلَى عُكَاظِ

أَلَيْسَ أَبُوكَ فِينَا كَانَ قَيْنًا

...

لَدَى الْقَيْنَاتِ فَسْلًا فِي الْحِفَاظِ

يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا

...

وَيَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ

فَأَجَابَهُ حَسَّانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ:

هَجَوْتُكَ فَاخْتَضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ

...

بِقَافِيَّةٍ تَأَجَّجُ كَالشُّوَاظِ

وَقَالَ رُؤْبَةُ:

إِنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أَقْيَاظَا

...

وَنَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشُّوَاظُ اللَّهَبُ الْأَخْضَرُ الْمُنْقَطِعُ مِنَ النَّارِ. قال الضَّحَّاكُ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ لَيْسَ بِدُخَانِ الْحَطَبِ. وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الشُّوَاظَ النَّارُ وَالدُّخَانُ جَمِيعًا؛ قَالَهُ عَمْرٌو وَحَكَاهُ الْأَخْفَشُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِير "شِوَاظٌ" بِكَسْرِ الشِّينِ. والْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وَهُمَا لُغَتَانِ، مِثْلَ صُوَارٍ وَصِوَارٍ لِقَطِيعِ الْبَقَرِ. {وَنُحَاسٌ} [الرحمن:35] قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ وَنُحَاسٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى شُوَاظٍ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو عَمْرٍو "وَنُحَاسٍ" بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى النَّارِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ قَالَ إِنَّ الشُّوَاظَ النَّارُ وَالدُّخَانُ جَمِيعًا فَالْجَرُّ فِي "النُّحَاسِ" عَلَى هَذَا بَيِّنٌ."

الشيخ: يكون معطوفًا على ماذا؟

طالب: النار.

الشيخ: النار، أقرب مذكور وإذا رُفِع صار معطوفا على؟

طالب: شواظ.

الشيخ: شواظ. نعم.

"فَأَمَّا الْجَرُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الشُّوَاظَ اللَّهَبَ الَّذِي لَا دُخَانَ فِيهِ فَبَعِيدٌ لَا يَسُوغُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مَوْصُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} وَشَيْءٌ مِنْ نُحَاسٍ، فَشَيْءٌ مَعْطُوفٌ عَلَى شُوَاظٍ، وَمِنْ نُحَاسٍ جُمْلَةٌ هِيَ صِفَةٌ لِشَيْءٍ، وَحُذِفَ شَيْءٌ، وَحُذِفَتْ "مِنْ" لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا فِي {مِنْ نَارٍ} كَمَا حُذِفَتْ "عَلَى" مِنْ قَوْلِهِمْ: عَلَى مَنْ تَنْزِلُ أَنْزِلُ أَيْ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ نُحَاسٌ عَلَى هَذَا مَجْرُورًا بِـ "مِنْ" الْمَحْذُوفَةِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَحُمَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ "وَنِحَاسٌ" بِكَسْرِ النُّونِ لُغَتَانِ كَالشُّوَاظِ وَالشِّوَاظِ. وَالنِّحَاسُ بِالْكَسْرِ أَيْضًا الطَّبِيعَةُ وَالْأَصْلُ، يُقَالُ: فُلَانٌ كَرِيمُ النِّحَاسِ وَالنُّحَاسِ أَيْضًا -بِالضَّمِّ- أَيْ كَرِيمُ النِّجَارِ. وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدَبٍ "وَنَحْسٌ" بِالرَّفْعِ."

قال: النِّجار الأصل والحسب. نعم.

"وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيّ "وَنَحْسٍ" بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى نَارٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "وَنِحَاسٍ" بِالْكَسْرِ جَمْعُ نَحْسٍ كَصَعْبٍ وَصِعَابٍ "وَنَحْسٌ" بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى {شُوَاظٌ} وَعَنِ الْحَسَنِ "وَنُحُسٌ" بِالضَّمِّ فِيهِمَا جَمْعُ نَحْسٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ وَنُحُوسٌ فَقُصِرَ بِحَذْفِ وَاوِهِ حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16]. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ "وَنَحُسُّ" بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ مِنْ حَسَّ يَحُسُّ حَسًّا إِذَا اسْتَأْصَلَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران:152]."

يعني تستأصلونهم بالقتل. نعم.

"وَالْمَعْنَى وَنُقْتَلُ بِالْعَذَابِ. وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى وَنُحَاسٌ فَهُوَ الصُّفْرُ الْمُذَابُ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النُّحَاسَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْخَلِيلِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِهَذَا الْمَعْنَى، قَالَ نَابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:

يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ

...

لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: السَّلِيطُ دُهْنُ السِّمْسِمِ بِالشَّامِ وَلَا دُخَانَ فِيهِ."

الشيخ: زيت السمسم ماذا يسمونه؟

طالب: السليط.

الشيخ: ها؟

طالب: يُسمَّى السليط نعم.

الشيخ: يقول: سراج السليطِ لم يجعل الله فيه نُحاسًا. قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: السليطُ؟

طالب: دُهن السمسم.

الشيخ: دُهن السمسم. والشيرج؟

طالب:.....

الشيخ: لا زيته. ولذلك يقولون: لا يجوز بيع السمسم بالشيرج, لأنه لا يمكن تحقق المماثلة.

طالب: إلى الآن يسمونه السليط.

الشيخ: إي نعم، في بعض الجهات لكن الفقهاء ينصون على الشيرج. نعم.

طالب:.....

الشيخ: ماذا؟

طالب:.....

الشيخ: ممكن إي. نعم.

"وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ مِنْ صُفْرٍ مُذَابٍ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ عَلَى رُءُوسِ أَهْلِ النَّارِ؛ ثَلَاثَةُ أَنْهَارٍ عَلَى مِقْدَارِ اللَّيْلِ وَنَهَرَانِ عَلَى مِقْدَارِ النَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: النُّحَاسُ الْمُهْلُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ النَّارُ الَّتِي لَهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ.

{فَلَا تَنْتَصِرَانِ} أَيْ لَا يَنْصُرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ."

لأن كل فئة عاجزة عن نصر نفسها -والله المستعان- فكيف تنصر غيرها؟

اللهم صل الله على محمد.