شرح منظومة الزمزمي في علوم القرآن (01)

عنوان الدرس: 
شرح منظومة الزمزمي في علوم القرآن (01)
عنوان السلسلة: 
شرح منظومة الزمزمي في علوم القرآن
تاريخ النشر: 
جمعة 14/ شعبان/ 1435 9:00 ص

سماع الدرس

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد أخبر الله -جل وعلا- عن هذه الأمة أنها خير أمة أخرجت للناس؛ لأوصاف ذكرها في كتابه -جل وعلا-، فالخيرية مربوطة بهذه الأوصاف، متى توافرت ووجدت ووجد الوصف المرتب عليها، فهذه الأمة خير الأمم على الإطلاق، والله -جل وعلا- فضل بني إسرائيل على العالمين، والمراد بذلك عالم زمانهم، وإلا فهذه الأمة بنص القرآن: {خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران:110] لجميع الناس، بناءً على مقومات ذكرها الله -جل وعلا- في كتابه، وليس ذلك بالدعاوى ولا لنسبهم ولا لألوانهم، وإنما لأوصاف اتصفوا بها، علقت عليها هذه الخيرية، فإذا وجدت هذه الخيرية للعمل بالأوصاف التي استحقت بها هذا الوصف وهذا التكريم من الله -جل وعلا-، إذا وجدت هذه الخيرية فخير هذه الأمة التي هي خيار الناس أو خير الناس من تعلم القرآن وعلمه، بالنص الصحيح الصريح، حيث يقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، والقرآن -الذي هو موضوع البحث والدرس في هذه الدورة- كلام الله -جل وعلا-، المنزل على نبيه -عليه الصلاة والسلام-، الذي هو شرف هذه الأمة وذكرها: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف:44] يعني: شرف لك ولقومك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ترك فينا هذا الكتاب مع سُنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فإذا تمسكنا بهما هدينا وأمنا من الضلال، وإذا فرطنا فيهما ضللنا.

فالمقصود أن خير هذه الأمة التي هي خيار الناس وخير الناس من يتصدى لكتاب الله -جل وعلا- تعلمًا وتعليمًا، فيتعلم القرآن بحفظه على الوجه الذي أنزل عليه، يتلقاه عن شيخه عن شيخه عن شيخه إلى محمد -عليه الصلاة والسلام- عن جبريل عن الله -جل وعلا-، تلقاه كما أنزل، كثير من المسلمين يقرأ القرآن، لكن لا على الوجه الذي يرضاه الله -جل وعلا-، فتجد في قراءته من الأخطاء والأوهام والتحريف والتصحيف واللحن المحيل للمعنى، هذا موجود وهو في السابق أكثر، السابق من العصور المتأخرة -لا أعني في السابق في عهد السلف ومن تبعهم بإحسان، لا، لكن ظهرت العناية بكتاب الله -جل وعلا- منذ ما يزيد على أربعين عامًا في هذه البلاد، وإن وجد قبل ذلك في غيرها من البلدان، لكن صار فيه نُقلة وعناية بحفظ كتاب الله -جل وعلا-، ووجد الأثر من وجود هذه الحلقات وهذه الجماعات التي تُعنى بكتاب الله -جل وعلا- وأثمرت الثمار الطيبة، لكن العناية بحفظ القرآن والعناية بتجويد القرآن وترتيل القرآن هذا أمر مطلوب لكنه لا يكفي! فلا بدّ من العناية به بعد ذلك بقراءته على الوجه المأمور به.

كثير من طلاب العلم يقرأ القرآن بل يحفظ القرآن ويتقن القرآن ويجود القرآن، فإذا ضمن ذلك أهمل القرآن ونام عنه، فلا تجد في برنامجه اليومي جزءًا مقتطعًا لقراءة القرآن على الوجه المأمور به، هذا قليل في طلاب العلم فضلًا عن كونه يُعنى بما يعينه على فهم القرآن وتدبر القرآن؛ من نظر في التفاسير المعتبرة المتلقاة المؤلفة من قبل أهل العلم الموثوقين، فيندر أن تجد قليلاً -يعني هو موجود لكن قليل بالنسبة للعلوم الأخرى- العناية بكتاب الله من حيث فهم معانيه وتدبر معانيه.

 وتدبر القرآن إن رمت الهدى

 

فالعلم تحت تدبر القرآن

يكتفي بمجرد حفظ القرآن وضبط القرآن وتجويد القرآن، وبعضهم يزيد على ذلك فيقرؤه على قراءات متنوعة، ويضمن لنفسه أنه أجيز بالقرآن من عدة شيوخ ثم بعد ذلك.. نعم، هو من أهل القرآن لعنايته بالقرآن، لكن كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم الذين لهم العناية بتعلم القرآن، وتعليم القرآن، وتدبر القرآن، والعمل بالقرآن وإن لم يحفظوه"، كما يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-، لكن حفظ القرآن خصيصة من خصائص هذه الأمة، جاء في وصفها: "أناجيلها في صدورها"، {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}[العنكبوت:49]، حفظ القرآن من خصائص هذه الأمة، وإن زعم من زعم من المفتونين أن حفظ القرآن من سيم الخوارج.

 أقول: عدم حفظ القرآن من سيما المبتدعة، تجد آيات في بعض الطوائف، علماء كبار يزعمون أنهم آيات، ويصفونهم بالأوصاف ويلقبونهم بالألقاب، ومع ذلك لا يعنون بالقرآن، ولا يحفظون القرآن لتأويل باطل عندهم. المقصود: أن العناية بحفظ كتاب الله اتجهت إليها عناية طلاب العلم والعلماء في العصور المتأخرة بالنسبة للعصر الحديث، وإلا يندر أن يوجد حافظ في بلد إلا عدد يسير في كل بلد من البلدان، ثم بعد ذلك يسر الله -جل وعلا- هذه الجماعات التي تُعنى بتحفيظ القرآن، وحصل على يدها الخير الكثير.

إذا جئنا إلى ما يخدم القرآن من التفاسير؛ من تفسير القرآن وسائر علوم القرآن، نجد أن نصيب هذه العلوم مع أنها متعلقة بأشرف الكلام بكلام الله -جل وعلا-؛ نجد أن نصيبها في الدروس العامة والخاصة قليل بالنسبة للعلوم الأخرى، فالبلدان متفاوتة في هذا، بعض البلدان فيها ستمائة درس في الأسبوع من خلال الجدول -جدول معدل من قبل الجهات المعنية-، وبعض البلدان فيها ثلاثمائة درس ومائتين ومائة درس وهكذا.. وأقل وأكثر، لكن لو نظرت ولحظت في نصيب القرآن إذا استثنينا حلقات التحفيظ في دروس المشايخ وجدنا أن العناية بالقرآن أقل من ما ينبغي، وجدنا النصيب الأوفر للسنة والعقيدة والفقه، وهي جديرة بالاهتمام والعناية، لكن كتاب الله -جل وعلا- ينبغي أن تكون العناية به أكثر، وإذا نظرنا من زاوية أخرى وجدنا أن تعليم القرآن وتحفيظ القرآن لا أقول: يأنف عنه الكبار من أهل العلم، لكنه لا يوجد في دروسهم، هل تجد عالمًا من العلماء الكبار يقرأ عليه القرآن أو يحفظ القرآن؟ لا، بل ولا متوسط، ولا من أساتذة الجامعات -إلا ما ذكر من أن في الأحساء اثنين أو ثلاثة من أساتذة الجامعات يجلسون لتحفيظ القرآن- وإلا يوكل هذا التحفيظ؛ إما من المسلمين الوافدين -جزاهم الله خيرًا- يقومون بهذا خير قيام، أو من الشباب الذين حفظوا القرآن -جزاهم الله خيرًا ووفقهم- وأسقطوا واجبًا عن الأمة، لكن يبقى أن كون العالم الكبير يتصدى لهذا الأمر يعطيه في نفوس الشباب قوة، لكن ما تجد عالمًا كبيرًا يقرأ الناس القرآن أو يحفظ الناس القرآن، أو حتى يقرأ عليه في كتب التفسير إلا ما نجد في الجداول من قراءة تفسير الحافظ ابن كثير، أو تفسير الشيخ ابن سعدي أو غيرهم، يعني: ما نجد من يتصدى للقرآن فيفسر القرآن كما يُعنى بشرح السنة مثلًا، أو بشرح كتب الفقه، أو بشرح كتب العقائد.

أقول: هذا تقصير وهذا خلل، هذا خلل ينبغي أن يعاد النظر في الجداول، وأن يُعنى الناس -كبارهم وصغارهم- بكتاب الله -جل وعلا- وما يخدم كتاب الله -جل وعلا-.

التأليف في علوم القرآن يندر أن تجد متنًا يناسب شرحه في دورة مثلًا كما يوجد في العلوم الأخرى، العلوم الأخرى ألف فيها للمبتدئين، كتب كثيرة للمبتدئين؛ في الفقه، في العقائد، في الحديث، في كذا..، كتب كثيرة تناسب المبتدئين، كتب ألفت للمتوسطين، كتب ألفت للمنتهين.

تعال -يا أخي- إلى علوم القرآن، ما الذي يناسب المبتدئين من هذه العلوم؟ نجد في الدورات عناية بمقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية -مقدمة التفسير-، شيخ الإسلام –رحمه الله- إمام من أئمة المسلمين، يكفي أن هذا الكتاب لشيخ الإسلام، لكن هل هو على طريقة المتون التي تُعنى بالحدود والأمثلة والتعاريف وضبط الفن وضبط أنواع الفن كالعلوم الأخرى؟ يعني: هل نجد متنًا في علوم القرآن مثل ما نجد النخبة مثلًا، أو الكتب التي ألفت للتدرج في تلقي العقيدة الصحيحة؟ ما نجد، يعني على سبيل الاستقلال للعلماء الذين يؤلفون على الجادة لطلاب العلم ما تجد إلا ما ندر.

كتاب للسيوطي اسمه النُّقاية، هذا الكتاب ألفه السيوطي وجمع فيه أربعة عشر علمًا، بدءًا من أصول الدين، ثم علوم القرآن، ثم علوم الحديث، علم أصول الدين، علم التفسير، علوم القرآن، علم الحديث، علم أصول الفقه، علم الفرائض، علم النحو، علم التصريف، علم الخط، علم المعاني، -نعم- علم البيان، علم البديع، علم التشريح، علم الطب، علم التصوف، هذا كتاب اسمه النُّقاية -بضم النون كالخُلاصة وزنًا ومعنى- هذا متن أو متون، أربعة عشر متنًا في أربعة عشر فنًا على ما سمعنا، وكل واحد من هذه المتون يصلح للمبتدئين تدريسه وإقراؤه. علم أصول الدين في العقائد، لكن مع الأسف أنه جرى على عقيدته التي مشى عليها وهي عقيدة الأشعرية، ثم بعد ذلك بدأ بعلم التفسير -وسبق لنا في دورة مضت أن أخذنا من هذا الكتاب الذي هو النُّقاية ما يتعلق بعلم التفسير، وشرحناه في دورة انتشرت أشرطتها، وفرغت على أوراق وانتفع بها من انتفع، نرجو أن تكون خالصة لله -جل وعلا-، وهي على طريقة المتون، وفيها خمسة وخمسون نوعًا من أنواع علوم القرآن.

أيضًا علم الحديث خلاصة في مصطلح الحديث تحاكي النخبة، بل جلها مأخوذ من النخبة، علم أصول الفقه أيضًا هذا كتاب مختصر جميل، يصلح أن يعتمد عليه المبتدئ، علم الفرائض، علم النحو، علم التصريف.. إلى آخر العلوم وختمه بعلم التصوف؛ لأنه سائد في وقته، وله منه نصيب في العلم والعمل، أن يقر هذا العلم، وإن كان فيه ما يلاحظ عليه وعلى غيره.

المقصود: أن هذا الكتاب الذي اسمه النُّقاية ألفه السيوطي؛ ليكون متونًا لأربعة عشر علمًا، ثم شرحه في شرح مختصر اسمه "إتمام الدراية بشرح النُّقاية". منظومة الزمزمي -التي معنا- مأخوذة من النُّقاية، يقول: "أفردتها نظمًا من النُّقاية"، من هذا الفن.

ما يتعلق بعلم التفسير وأصول التفسير من النُّقاية أفرده الشيخ جمال الدين القاسمي، وطبعه مع كتاب في أصول الفقه لابن حزم مأخوذ أيضًا من مقدمة المحلى، وكتاب في أصول الفقه لابن عبد الهادي أسماه مجمع الأصول -وهو الذي سوف يشرح في هذه الدورة-، فهذه المتون مستلة من كتب أصول الفقه مأخوذ من مقدمة المحلى، أصول التفسير مأخوذ من النُّقاية، مجمع الأصول سماه طابعه، وإلا فالأصل هو مأخوذ من "مقدمة مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة بالأحكام" لابن عبد الهادي، هذه مستلات استلها القاسمي -رحمه الله تعالى- وطبعها وراجعها وصححها وعلق عليها.

التأليف في هذا الفن -أعني علوم القرآن- تأخر جدًّا، بعد التأليف في أصول الفقه وعلوم الحديث تأخر جدًّا، تقدمه التأليف في أصول الفقه بقرون، تقدمه التأليف في علوم الحديث كذلك، لماذا؟ لأن القرآن مضبوط محفوظ تكفل الله بحفظه من الزيادة والنقصان، ما دام مضبوطًا ومحفوظًا ليسوا بحاجة إلى أن يؤلف فيه ما يخدمه من حيث الثبوت وعدمه، بينما التأليف المتقدم في علوم الحديث -من هذه الحيثية- فيما يخدم السنة من حيث الثبوت وعدمه، وهذه الحاجة ليست موجودة بالنسبة للقرآن؛ لأنه تكفل الله -جل وعلا- بحفظه، أما ما يحتاج إليه فيما يخدم القرآن وفهم القرآن والاستنباط من القرآن فهو موجود أيضًا في كتب أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه فيها مبحث يتعلق بعلوم القرآن، وما يخدم القرآن من حيث العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ.. إلى آخره، فالحاجة ليست داعية مثل الحاجة الداعية إلى التأليف في أصول الفقه أو علوم الحديث؛ لأنه مصون، بخلاف السنة التي وقع فيها أو وجد فيها الوضع، وفيها الدس منذ القرن الأول، فلم يروا الحاجة داعية إلى التأليف، فتأخر التأليف جدًّا.

لكن السيوطي يزعم أن أول من ألف فيه البلقيني جلال الدين (ت:824هـ)، لكن هل هذا الكلام صحيح؟ هل البلقيني أقدم من ابن الجوزي (ت:597هـ)؟ لا، هل هو أقدم من الطوفي؟ لا، الطوفي ألف، هل هو أقدم من أبي شامة "المرشد الوجيز"؟ لا، فتقدمه ابن الجوزي، تقدمه أبو شامة، تقدمه الطوفي، تقدمه الزركشي، لكن السيوطي في أول الأمر لم يطلع على هذه الكتب فقرر ما قرر وإلا فكلهم تقدموه، والزركشي قبل البلقيني، وألف كتابًا يعد أجمع كتب علوم القرآن "البرهان في علوم القرآن"، يعد أكبر وأجمع كتب علوم القرآن، وإن كان في الأنواع أقل من الإتقان للسيوطي.

السيوطي نظر في كتاب البلقيني، ونظر في كتب أصول الفقه وعلوم الحديث، وجرد ما يخص علوم القرآن فألف في ذلك، أولًا قبل ذلك "المرشد الوجيز" لأبي شامة، و"الإكسير" للطوفي، وفنون الأفنان وغيرها، المقصود أنها كتب كثيرة جدًّا.

ألف السيوطي كتابًا أسماه "التحبير في علم التفسير"، ضمنه أكثر من مائة نوع من أنواع علوم القرآن، ثم بعد ذلك ألف "الإتقان في علوم القرآن" جمع فيه الأنواع التي في التحبير وضم بعضها إلى بعض؛ لأنه يمكن ضمها، فوصلت عنده إلى الثمانين. إذا كان التحبير فيه أكثر من مائة نوع واقتصر من هذه الأنواع في النُّقاية على خمسة وخمسين نوعًا، والناظم تبعه في هذا، لماذا ما يقتصر على النصف ما ذكر جميع الأنواع في النُّقاية؟ لأن النُّقاية إنما ألفت لمن؟ للمبتدئين، والمبتدئ تكثير الأنواع عليه لا شك أنه يحيره ويشوش عليه فيقتصر على أهم المهمات بالنسبة للمبتدئين، ولو قيل للطالب المبتدئ في أي علم من العلوم مثلًا في البداية يطلع على عشرة أنواع فقط، بحيث إذا ضبطها وأتقنها يطلع على عشرين نوعًا منها، هذه العشرة التي هي أهم الأنواع ويزاد عليها عشرة ثانية وهكذا... كما هو الشأن في التدرج في التأليف عند أهل العلم حسب طبقات المتعلمين، فاقتصر منها على النصف من مراعاة لحال الطلاب المبتدئين.

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

قال الشيخ الأديب المفسر عبد العزيز الزمزمي –رحمه الله-:

 تبارك المنزل للفرقان

 

على النبي عطر الأردان

محمد عليه صلى الله

 

مع سلام دائمًا يغشاه

وآله وصحبه وبعد

 

فهذه مثل الجمان عقد

ضمنتها علمًا هو التفسير

 

بداية لمن به يحير

أفردتها نظمًا من النقاية

 

مهذبًا نظامها في غاية

والله أستهدي وأستعين

 

لأنه الهادي ومن يعين

 

الشيخ: يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: (تبارك)، تعاظم وتعالى الله -جل وعلا-.

(المنزل للفرقان) الذي هو القرآن، كما قال -جل وعلا-: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} [الفرقان: 1]، والفعل هذا (تبارك) بهذه الصيغة لا يجوز أن يصرف لغير الله -جل وعلا-المُنْزِل، لو أردنا أن نطبق ما جاء في سورة الفرقان: {تبارك الذي نزل} لقلنا: المُنَزِّل؛ لأن المُنَزِل: اسم فاعل من أنزل، والمُنزِل: اسم فاعل من نزل الوارد في سورة الفرقان، تبارك المُنَزِل، والأصل أن نقول: المُنَزِّل، لكن النظم يقتضي أن يكون من أنزل.

(المنزل للفرقان) وهو الله -جل وعلا-، والفرقان هو القرآن.

 (على النبي): محمد -عليه الصلاة والسلام-، والنبي في قول الأكثر: "إنسان ذكر، وأوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه"، والأكثر على النطق به بدون همز، وقد يهمز، وقرئ بالهمز.

(على النبي) إنسان ذكر، الإنسان يخرج غير الإنسان، الذكر يخرج النساء، وإن زعم بعضهم أن من النساء من كلف بأعباء النبوة كمريم، لكن هذا قول مرجوح، أوحي إليه بشرع من قبل الله -جل وعلا- ولم يؤمر بتبليغه، فإن أُمر بتبليغه فهو رسول. النبي -عليه الصلاة والسلام- أوحي إليه بالشرع من قبل الله -جل وعلا- وأُمر بالتبليغ، {بلغ ما أنزل إليك}[المائدة: 67]، {فاصدع بما تؤمر}[الحجر:94]، {قم فأنذر}[المدثر:2]، فأُمر بالتبليغ فهو رسول إجماعًا، وهو نبي أيضًا؛ لأن النبوة تدخل في الرسالة، كل رسول نبي ولا عكس، هذا على قول الأكثر. "لم يؤمر بتبليغه"، يَرد على هذا أن الوحي إنما ينزل الله -جل وعلا- على لسان الملك إلى النبي من أجل أن يعمل به هو في الدرجة الأولى ومن حوله، فعلى قول الجمهور: "أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه"، من يخرج ممن أوحي إليه بشرع؟ ما الذي يَرد على هذا الحد؟ آدم –عليه السلام-، آدم نبي وليس برسول، فهل بلغ شرعه أو لم يبلغ؟ هل بلغه أولاده؟ حكم فيهم بشرعه الذي أوحي إليه وإلا لم يبلغ؟ بلغ وعمل بشرعه، لو لم يبلغ هذا الشرع يؤاخذ ولده الذي قتل أخاه: {لأنذركم به ومن بلغ}[الأنعام:19]. المسألة مفترضة في آدم –عليه السلام- الذي لم يبلغ وولده، ما بُلغ شيء يؤاخذ وإلا ما يؤاخذ؟ إنما بلغ هذا الولد بأن القتل جريمة ومحرم، آدم –عليه السلام- رسول وإلا نبي؟ نبي، لماذا؟ لأن نوح –عليه السلام- هو أول الرسل، وقد جاء في حديث الشفاعة ما يدل على ذلك صراحة، وأن نوحًا –عليه السلام- أول المرسلين؛ ولذا اختار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن النبي من يأتي مكملاً لشريعة رسول قبله، لا يأتي بشرع مستقل إنما يأتي بشرع مكمل لشرع رسول قبله، والرسول هو الذي يأتي بشرع جديد. لكن يَرد على هذا أن آدم –عليه السلام- ينبغي أن يكون رسولًا؛ لأنه لم يتقدمه أحد، ويَرد عليه أن عيسى -عليه السلام- ينبغي أن يكون نبيًّا على هذا الحد، عيسى وإسماعيل وغيرهم من الأنبياء –عليهم السلام- الذين أتوا بمكملات، عيسى –عليه السلام- له في الغالب شرعه المكمل، وعلى حد شيخ الإسلام يكون نبيًّا: {وما أرسلنا قبلك من...}[الفرقان:20] أيش؟

طالب: {من رسول ولا نبي}[الحج:52].

الشيخ: {ولا نبي} فالرسالة تشمل الرسول والنبي، فكل منهما مرسل وكل منهما منفذ، كلهم موحى إليه وكلهم مأمور بالتبليغ.

وعلى هذا ما الفرق المحرر بين النبي والرسول؟ على قول الأكثر: الرسالة أفضل من النبوة، وقال بعضهم: هما سيان، وجنح العز بن عبد السلام –رحمه الله- إلى تفضيل النبوة على الرسالة، وعلى كل حال إبدال اللفظ بلفظ آخر، لو قال مثلًا: على الرسول عطر الأردان، يجوز وإلا ما يجوز؟ فالنبي محمد -عليه الصلاة والسلام- نبي نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر، فهو نبي رسول، ويجوز حينئذ أن نقول: على الرسول عطر الأردان؛ لأنه لا تغير، المقصود بذلك ذات النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهي لا تتغير بأحد الوصفين.

النبي -عليه الصلاة والسلام- رد على البراء –رضي الله عنه- في حديث الذكر لما قال له: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت))؛ لأن هذا ذكر متعبد بلفظه، وإلا فالأصل أن اللفظين إذا دلا على ذات واحدة لا فرق بينهما، المقصود الذات، لكن هنا في الذكر متعبد بتلاوته فلا يغير لفظ بلفظ، فلك أن تقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولك أن تقول: قال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان لفظ الرسالة يوحي بالتعدي، بتعدي المقول إلى غيره، لكن في الجملة المقصود به التعبير عن الذات، ذات النبي -عليه الصلاة والسلام-، فسواء قلنا: نبي أو رسول؛ ولذا يجيز أهل العلم إبدال الرسول بالنبي وعكسه في غير ما تعبد بتلاوته.

(عطر الأردان): عطر الرائحة الطيبة التي تفوح من أردانه -عليه الصلاة والسلام-. والأردان: الأكمام، وأكثر ما تطلق على الأكمام الواسعة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- تفوح من أردانه وأكمامه الرائحة العطرة الطيبة، وجاء في وصفه وفي شمائله ما يدل على ذلك، فبدلًا من أن تفوح الروائح من الأردان والأكمام الروائح غير الطيبة من سائر البشر؛ لأن منتهى الأردان ينتهي بأيش؟ بالآباط، والآباط في الغالب روائحها ليست طيبة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- عطر الأردان فكيف بغيرها الذي هي مظنة للروائح غير الطيبة، فإذا كان عطرًا ورائحة العطر تفوح منه من هذه الجهة من جسده الطاهر الشريف، فكيف بغيره، بغير هذا الموضع؟

محمد عليه صلى الله

 

.................................

(محمد): على النبي محمد، وهذا اسمه -عليه الصلاة والسلام- العلم.

 يقول: كيف يقال: النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وأهل العلم وهم دونهم أُمروا بالتبليغ، كما قال -جل وعلا- بشأنه في ميثاقه على أهل العلم: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه}[آل عمران:187]؟

الأمر بالتبليغ بالنسبة لأهل العلم وعلماء هذه الأمة بمثابة أنبياء بني إسرائيل، كما جاء بذلك بعض الأحاديث، فالتبليغ على أهل العلم واجب، وأخذ الله الميثاق عليهم هو من باب أولى، من كلف مباشرة من الله -جل وعلا-، لكن هذا على تنزل على حد قول الجمهور.

محمد عليه صلى الله

 

.................................

محمد -عليه الصلاة والسلام- وهذا أشهر أسمائه، ومن أسمائه أحمد -عليه الصلاة والسلام- والماحي والحاشر والعاقب، نبي الرحمة، نبي الملحمة، نبي المرحمة، المقصود له أسماء -عليه الصلاة والسلام- كثيرة مجموعة في كتب السيرة والشمائل.

محمد عليه صلى الله

 

مع سلام........................

(صلى الله): الصلاة من الله -جل وعلا- على نبيه يراد بها: الرحمة أو الثناء عليه في الملأ الأعلى، أو البركة كما في قول ابن عباس –رضي الله عنهما-: "يصلون يبركون".

(صلى الله ***مع سلام..))، لا بدّ من الأمرين؛ الصلاة والسلام لكي يتم الامتثال الوارد في قوله -جل وعلا-: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا}[الأحزاب:56]، والاقتصار على أحدهما لا يتم به الامتثال، بل أطلق النووي -رحمه الله تعالى- الكراهة بالنسبة لمخصص الصلاة دون السلام والعكس، وابن حجر –رحمه الله- يخص الكراهة بمن كان ديدنه ذلك، حيث يصلي فقط أو يسلم فقط، أما من كان يصلي أحيانًا ويسلم أحيانًا ويجمع بينهما أحيانًا فالكراهة لا تتناوله وإن كان خلاف الأولى، ولا يتم الامتثال إلا بالجمع بينهما المأمور به في آية الأحزاب.

(مع سلام دائمًا)، دائمًا: حال كونه دائمًا، ولو قال: دائم، (مع سلام دائم)، الوصف للسلام جاز.

(يغشاه)، يغشى النبي -عليه الصلاة والسلام- باستمرار لا ينقطع، وإذا قيل دائمًا هل يغني عن تكرار الصلاة والسلام؟ لا يغني، وإن كان وجودها له أثر، لو قال: صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، لا شك أنه ينال أجر هذه المرة، لكن من كرر: صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم، صلى عليه واحد صلى الله عليه بها عشرًا، لو قال: صلى الله عليه وسلم دائمًا، أو قال: صلى الله عليه وسلم مائة ينال أجر ما لو كررها مائة مرة، أو لهج بها طول عمره، كما جاءت الوصية بذلك لحديث الترمذي: ((أجعل لك صلاتي كلها))؟ لا، لا ينال بذلك هذا الأجر لمجرد ذكر العدد حتى يُعدد.

الامتثال يتم بتمام هذه الحروف؛ صلى الله عليه وسلم، تسمعون في بعض الناس يأكل بعض الحروف، ما يظهر جميع الحروف يتم به الامتثال أو لا يتم؟ بعض الناس يستعجل في الصلاة والسلام عليه -عليه الصلاة والسلام- ومع ذلك لا يظهر بعض الحروف من لسانه، هل يتم بذلك الامتثال؟ وقل مثل هذا في الكتابة، بعض الناس يستعجل يكتب: صلى الله عليه وسلم ويترك، أحيانًا يترك عليه، هل يتم الامتثال بعدم النطق بجميع الحروف؟ لا بدّ من أن ينطق بالصلاة والسلام واضحة، وما نقص من الحروف ينقص بأجره، وقل مثل ذلك في الكتابة، الرمز بـ(ص) لا يؤدي الغرض ولا يرتب عليه الأجر،  والرمز لكل كلمة بحرف كما يكتبون (صلعم) يكتبونه، لا يفي بالغرض ولا يرتب عليه أجر، ولا يتم به الامتثال، بل في كتب المصطلح أن أول من كتبها قطعت يده، أول من كتب (صلعم) قطعت يده -والله أعلم بصحتها-، لكن مثل هذا لا يتم به الامتثال ولا يحوز الأجر المرتب على الصلاة والسلام عليه -عليه الصلاة والسلام-.

(وآله وصحبه)، الآل: هم أتباعه إلى يوم القيامة، أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، أو أزواجه وذريته، أو كل مؤمن تقي كما جاء بذلك بعض الأحاديث، آله أزواجه وذريته، أتباعه على دينه، كل مؤمن تقي، من تحرم عليهم الصدقة بنو هاشم وبنو المطلب، أربعة أقوال، وفي التشهد صلى الله عليه: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..))، جاء في بعض الروايات أزواجه وذريته، ودل على أن أزواجه وذريته يدخلون دخولًا أوليًا في الآل.

 والصلاة والسلام على الآل تبعًا له -عليه الصلاة والسلام- مطلوبة؛ لأنهم وصية النبي -عليه الصلاة والسلام- أوصانا بآله، ولهم على الأمة حق لا سيما من منهم على الجادة، أما من خالف فهذا لا يدخل في هذا الباب، أما من كان على الجادة منهم فله حق على الأمة: ((الله الله في آل بيتي))، وأوصى بهم -عليه الصلاة والسلام-: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى} [الشورى:23]، فالوصية بهم ظاهرة ولهم على الأمة حق، ومن حقه -عليه الصلاة والسلام- على الأمة أن يُعنى المسلم بآله ويحتفى بهم، وإذا كان الآل لهم من الحق ما ذكر فالصحب ليسوا دونهم، فالدين بجملته ما وصلنا إلا عن طريقهم، عن طريق الصحابة -رضوان الله عليهم-، فلهم أيضًا من الحق مثل ما للآل، فإذا صلينا على النبي -عليه الصلاة والسلام- نعطف عليه الآل ونعطف عليهم الصحب ولكل حق، أما الاقتصار على الآل فقط دون الصحب أو العكس فهذا لا شك أن فيه تفريط في حق من لزم حقه، وهؤلاء أولى الناس بأن يصلى عليهم ويسلم تبعًا له -عليه الصلاة والسلام-، أما على سبيل الاستقلال يصلى على الآل فقط أو الصحب فقط أو فلان من الناس فقط، تقول: أبو بكر صلى الله عليه وسلم، أو عمر صلى الله عليه وسلم، أو علي، لا، عامة أهل العلم على أن الصلاة والسلام خاصة بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، هذا عرف علمي عندهم، والترضي عن الصحابة والترحم على من دونهم، فلا يقال: أبو بكر صلى الله عليه وسلم، كما أنه لا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزًا جليلًا، النبي -عليه الصلاة والسلام- عزيز جليل لكن ما يقال: عز وجل؛ لأن العرف العلمي عند أهل العلم الذي تواطئوا عليه من صدر الأمة إلى آخرها تخصيص "عز وجل" بالله -جل وعلا-، والصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- كما أُمر بذلك، والصحابة الترضي كما جاءت بالنصوص التي تدل على أن الله -جل وعلا- رضي عنهم، الترحم على من دونهم، يتجاوز بعض الناس فيقول: الإمام أحمد رضي الله عنه، الشافعي رضي الله عنه، لكن العرف على ما ذكرنا.

تخصيص الآل كما شاع وانتشر في بعض الأقطار التي لها أثر بالتشيع، الصنعاني شدد في هذه المسألة وقال بوجوب الصلاة على الآل تبعًا لوجوب الصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام-، تبعًا لما جاء في الصلاة الإبراهيمية، واستدل بها على مطلق الأحوال أنه يصلى عليهم تبعًا له -عليه الصلاة والسلام-، ولا يصلون على الصحب، وهذا إنما شاع في الأوساط التي فيها التشيع، وشدد فيه الصنعاني والشوكاني وتبعًا لهما صديق حسن خان، وفي البلدان الأخرى من المسلمين على مر العصور بدءًا من عصر التأليف ما تجد من يعطف الآل على النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا ويتبعهم الصحب، ويقولون: كيف يترك الآل وقد جاء الأمر بالصلاة عليه والصلاة الإبراهيمية؟ الله -جل وعلا- يقول: {صلوا عليه وسلموا تسليمًا}[الأحزاب:56]، ولا يتم امتثال الأمر إلا قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، هذه الصفة مفسرة لما جاء في القرآن، نقول: نعم، هذه الصورة فرد من أفراد المأمور به، وإلا فماذا تفعلون بالصحابة كلهم، هل أبو بكر يقول: صلى الله على محمد وآله؟ هل العلماء الذين تتابعوا في التأليف، علماء الأمة من صدر الإسلام تجدهم في كتب السنة؛ البخاري ومسلم والمسند والموطأ وغيرهم يقولون: صلى الله عليه وآله وسلم، يقولون: لا، ما نجد، لكن أيش الداعي؟ لماذا حذفوا؟ من يقول بهذا القول اتهم العلماء في جميع العصور بأنهم يمالئون الحكام حينما حذفوا الآل، يمالئون الحكام!! طيب، عصر التدوين في عصر الآل في العهد العباسي! يعني: لو كان التدوين في عصر بني أمية، قلنا: يخافون من بني أمية، لكن في عصر بني العباس وهم من الآل! كيف لا يكتب البخاري وقد روى حديث الصلاة الإبراهيمية -صلى الله عليه وآله وسلم-؟ نقول: هذا خاص بالصلاة الإبراهيمية، فإذا زيد وهي فرد من أفراد العام، وذكر فرد من أفراد العام لا يعني قصر العام عليه، ولو قلنا بهذا للزمنا لوازم كثيرة: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}[الأنفال:60]، ((ألا إن القوة الرمي))، يعني: ما نستعد للعدو بغير الرمي؟ ألا نستعد للعدو بغير الرمي؟ لا، أهل العلم ينصون على أن التنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي القصر والحصر عليه.

وعلى كل حال، كل من الآل والصحب لهم حق على الأمة، فنصلي عليهم تبعًا له -عليه الصلاة والسلام-، ونسلم عليهم، ونترضى عنهم، ونتولاهم، لا سيما من كان منهم على الجادة، وأما الصحب فكلهم على الجادة، كلهم عدول ثقات، والآل باعتبار أن منهم من تأخر عن الصحب، من زمن الصحابة، مثلًا علي -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- من ينكر فضل علي؟!

هو من العشرة المشهود لهم بالجنة، وزوج بنت النبي -عليه الصلاة والسلام- وصهره وأخوه، وهو بالمنزلة منه بمنزلة هارون من موسى، فضائل لا تعد ولا تحصى.

أيضًا: أبناؤه الحسن والحسين، من ينكر فضلهم؟! علي بن الحسين، محمد بن علي، الباقر، الجعفر، الصادق، أئمة أعلام هدى، ولا يضيرهم أن كذب عليهم ووضع عليهم وافتري عليهم، هذا لا يضيرهم، فالتبعة على غيرهم؛ ولذا أحاديثهم مخرجة في كتب أهل السنة بدءًا من الصحيحين إلى آخر كتب السنة.

 (وبعد فهذه): الواو هذه يقولون: إنها قائمة مقام أما، لكن الاقتداء به -عليه الصلاة والسلام- حينما يقولها في خطبه وفي رسائله لا يتم إلا باللفظ الذي قاله -عليه الصلاة والسلام-، النبي -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من ثلاثين رواية عنه يقول: ((أما بعد))، وأما: حرف شرط، وبعد: قائم مقام الشرط مبني على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، وبعد قبل وبعد، والجهات الست كلها على هذا، إذا حذف المضاف مع نيته يبنى المضاف، إذا حذف المضاف إليه مع نيته يبني المضاف على الضم: {لله الأمر من قبل ومن بعد}[الروم:4] وهنا يبني، لكن لو ذكر المضاف إليه: {قد خلت من قبلكم}[آل عمران:137] يعرب، وإذا حذف المضاف إليه مع عدم نيته أعربت مع التنوين:

فساغ لي الشراب وكنت قبلًا

 

أكاد أغص بالماء الفرات

(وبعد فهذه)، الفاء واقعة في جواب الشرط أما التي قامت الواو مقامها.

ويختلفون في أول من قال: "أما بعد" على ثمانية أقوال.

جرى الخلف أما بعد من كان بادئًا

 

بها عد أقوال وداود أقرب

ويعقوب أيوب الصبور وآدم

 

وقس وسحبان وكعب ويعرب

ثمانية، لكن المرجح عند الجمهور أنه داود، وهي فصل الخطاب الذي أوتيه.

(وبعد فهذه): الفاء واقعة في جواب الشرط الذي قام مقامه الواو.

فهذه: إشارة إلى موجود؛ إما في الأعيان إن كانت المقدمة كتبت بعد تمام التأليف، وإلا إلى ما هو موجود في الأذهان إن كانت المقدمة كتبت قبل تمام النظم، ويقال هذا في كل المقدمات، الإشارة لا بدّ أن تكون إلى موجود، لكن إن كان الكتاب تم نظمه ويشير إليه المؤلف فهذه إشارة إلى موجود في الأعيان محسوس، وإن كان المقدمة كتبت قبل تمام الكتاب فالإشارة إلى ما في الذهن الذي ينوي كتابته.

وآله وصحبه وبعد

 

فهذه مثل الجمان عقد

(فهذه مثل الجمان عقد): مثل حبات الجمان واللؤلؤ النفيس.

(عقد): نظمها، كانت حبات متناثرة فنظمها مثل ما ينظم العقد في سلك النظم، (عقد): حتى صارت عقدًا، زان بها أو بهذا العقد جِيد التكوين أو التكون العلمي؛ لأنها لا يستغنى عنها في هذا الباب لا سيما فيما يخدم القرآن.

(فهذه مثل الجمان عقد): يمدحها ليغري طالب العلم بها، لا ليمن بها أو يمدحها تبعًا لمدح نفسه؛ لأن مدح المفعول مدح لفاعله، ومدح الأثر من مدح مؤثره، فإذا مدحت كتابًا فأنت تمدحه وتمدح أيضًا مؤلفه، وهو يمدح هذا الكتاب، فهل يقتضي ذلك أن يمدح نفسه؟ هل سبب ذلك مدح نفسه؟

ما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، الله -جل وعلا- يقول: {فلا تزكوا أنفسكم}[النجم:32]، تزكية الكتاب تزكية لصاحبه، لكن المظنون بأهل العلم، وهذا يستعمله ابن القيم كثيرًا إذا بحث واستطرد في مسألة وأفاض فيها وبينها ووضحها وأجاد فيها قال: "احرص على هذا البحث علك ألا تجده في مصنف آخر البتة"، هل هو يزكي نفسه، ويزكي بحثه بهذا الكلام، أو من أجل أن يغري طلاب العلم بهذا الكلام ليفيد منه؟ المظنون بأهل العلم الثاني، وأما ما تنطوي عليه القلوب فالله أعلم به، لكن هناك قرائن تدل على هذا، تدل على أنه يمدح ليغري.

طيب، اترك الكتاب للناس هم الذين يقررون، يصلح أو لا يصلح؟ مدح لنفسه مغلف، لكن يظن بأهل العلم أن مرادهم بذلك إغراء طلاب العلم؛ للإفادة من علمهم لكي تجرى عليهم الأجور؛ لأن ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))، ((علم ينتفع به))، وهذا يبقى إلى قيام الساعة والتسلسل، كل من يستفيد منك لك أجره، والذين يستفيدون منه له الأجر ولك مثله وهكذا، وفضل الله -جل وعلا- لا ينتهي، فضل الله لا يحد.

يقول: (ضمنتها علمًا)،

الطالب:........

الشيخ: نعم نعم، يا إخوان الأمور نسبية، الأمور في هذا نسبية، كنا إلى وقت قريب، إلى ربع قرن مثلًا لا يطيق الواحد كلمة ثناء، كلمة ثناء عليه من قبل غيره لا يطيق، وكنا نلوم من يسمع الثناء ويسكت فضلًا عن كونه يثني على نفسه، ثم اختلطنا بغيرنا ممن اعتادوا هذا الأمر فتساهلنا، فصرنا نسمع المدح ولا نعترض، والتجربة دلت -من واقع تجربة- أن الإنسان إذا مدح بما ليس فيه وسكت وأقر لا بدّ أن يسمع من الذم ما ليس فيه، وإذا مدح بما فيه؛ لأنه جاء التوجيه النبوي: ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب))، لا سيما في حق من يتأثر بالمدح، فإذا مدح بما فيه سمع من الذم ما فيه، {ولا يظلم ربك أحدًا}[الكهف:49]، ثم سمعنا من يقبل المدح، بل سمعنا من يثني على نفسه، بل سمعنا من يتحايل على غيره ليمدحه، ورأينا من يغضب إذا لم يمدح، وشخص من جهة من جهات بلاد المسلمين جيء به وهو عالم في فنه وإن كان في مسائل الاعتقاد عنده تخليط، جيء به ليعرف به؛ الشيخ الفاعل التارك العالم العلامة الذي لا يضاهيه في الحديث إلا فلان، قال: يا شيخ فلان لا يعرف الحديث، أيش المقصود من هذا؟

الطالب:........
الشيخ: نعم، يعني: ما أحد خلاص، أسقطت الذي فوقه ما بقي إلا أنت، وقد ألف في الحديث وعلومه أربعين كتابًا يقول المعرف، قال: لا يا شيخ سبعين، هذا أنا حضرته بنفسي، وكنا نأنف أن نسمع مثل هذا الكلام إلى أن وجد فينا وبيننا من يغضب إذا لم يمدح، بل الأمر أعظم من ذلك، شخص له محاضرة وهو من الشباب جاء وكاتب سيرته الذاتية –ترجمة- وأعطاها المقدم من تحت الماسة، قرأها المقدم ثم لما شرع قال: هداك الله يا أخي، قطعت عنق صاحبكم. فيمكن أن -يعني- يجتمع مع الإخلاص.

هناك علامات وبوادر تدل على الإخلاص، وهناك علامات تنافي الإخلاص، والإنسان ابن بيئته يتأثر بها شاء أم أبى، فاختلطنا مع هؤلاء الذين يسمعون المدح ولا ينكرون، ثم أخذوا يمدحون أنفسهم، ثم بعد ذلك، مشكلة هذه، هذا خلل في الإخلاص، هذا قادح.

الطالب:.......
الشيخ: نعم، الإنسان من كثر ما يسمع في أول الأمر إذا قيل له: يا شيخ، قال: ما أنا بشيخ، مقبولة هذه –يعني- في أول الأمر، ثم إذا سمع ما هو أعظم من شيخ رضي بشيخ، ثم إذا سمع لفظًا آخر رضي بما دونه وهكذا، الإنسان يعني يحتاج إلى تربية للنفس، والله المستعان.

نعود إلى الدرس، يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: (ضمنتها علمًا)، (ضمنتها)، يعني: جعلت في محتواها وفي ضمنها جعلتها ظرفًا لعلم فسره؛ لأن هو التفسير، فسر العلم بأنه هو التفسير.

ضمنتها علمًا هو التفسير

 

.................................

الأصل أن يقول: ضمنتها علم التفسير، لكن النظم يقتضي مثل هذا.

(ضمنتها علمًا هو التفسير)، فهل ما تحتويه هذه المنظومة هو التفسير؟ نستطيع أن نقول: هذا علم التفسير كما نقول لمصطلح الحديث علم الحديث أو علوم الحديث أو علوم القرآن أو علوم التفسير، لكن هل هي هذا العلم هو التفسير؟ لا، يعني: إذا قلنا علم التفسير ونظرناه بالعلوم الأخرى المماثلة فهم، مثل ما نقول: علوم الحديث، نقول: علوم القرآن.

أما (ضمنتها علمًا هو التفسير)، التفسير: الذي هو من الفسر، والكشف، والتوضيح، والبيان، علم غير ما نحن بصدده، فإذا كان جامع البيان للإمام الطبري، وتفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير، والتفاسير الأخرى يقال لها: التفسير، فإنما يبحث في العلم على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل، يقال له علوم التفسير أو علوم القرآن وليس هو التفسير، يعني: فرق بين أن تقول هذا كتاب تفسير، يقبل وإلا ما يقبل؟ لا يقبل، ما نقول: هذا تفسير، إنما التفسير؛ مثل الطبري، مثل ابن كثير، مثل التفاسير الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى هذه تفاسير، لكن الذي معنا علم التفسير: وهو معرفة القواعد الإجمالية، علم بقواعد إجمالية تعين على معرفة ما يتعلق بالقرآن الكريم، ويأتي بحثه. والفرق بين التفسير وعلوم التفسير كالفرق بين الفقه وأصول الفقه والحديث وعلوم الحديث.

ضمنتها علمًا هو التفسير

 

بداية..............................

(بداية)، يعني: بداية في هذا العلم تصلح للطالب المبتدئ.

ضمنتها علمًا هو التفسير

 

بداية..............................

يعني: متنًا يصلح للمبتدئين، (بداية): لبنة أولى في هذا الفن.

..................................

 

بداية لمن به يحير

 لمن بهذا العلم (يحير):  يحتار؛ لأنه ما عنده شيء، إذا سمع شيء يسمعه لأول مرة ولا يدرك أطرافه وأبعاده، فيحتار في فهمه وتقريره، ويحير معناها: يحتار، والأصل: يحار، من حار يحار، وأما يحير؛ فالإتيان به على هذه الصيغة من أجل الوزن فقط، والفعل حار يحار إذا اضطرب وتحير، ولم يدر ماذا يصنع.

 (أفردتها)، يعني: أخذتها وجعلتها بعد أن كانت مضمومة إلى غيرها أخذتها وجعلتها فردة مستقلة عن غيرها.

(أفردتها نظمًا): لا نثرًا كالأصل، أفردها نظم، أفردها من النُّقاية ثم نظمها، أخذ ما يتعلق بعلوم التفسير وعلوم القرآن من النُّقاية للسيوطي -الكتاب الذي سبق أن تحدثنا عنه- ممن يشتمل على أربعة عشر فنًّا، أفرد هذا الفن ثم نظمه.

أفردتها نظمًا من النقاية

 

.................................

وعرفنا أن "النُّقاية" متون، عبارة عن متون مجموعة لأربعة عشر فن من الفنون -سردناها في أول الدرس-، والنُّقاية: بضم النون كالخلاصة وزنًا ومعنى.

.................................

 

مهذبًا نظامها في غاية

نعم، ألفاظ هذه المنظومة مهذبة، ونظمها سلسل، يعني: لو يُحفّظ الأطفال مثل هذا بدلًا من أن يحفظوا أناشيد وأمور لا تهمهم ولا تعنيهم، يعني: يُحفّظ مثل سلم الأصول، ويجعلهم يكررونها ويتغنون بها، وإذا كبروا فهموها، يعني: أفضل لهم بكثير من بعض ما يحفظونه مما يتلقى من وسائل الإعلام، بل حتى في دروس المدارس، يحفظون وتحشر أذهانهم بمقاطيع لا تفيدهم، فلو جعل مثل هذه المناظيم تحفظ في الصفوف الأولى استفاد منها طلاب العلم الشيء الكثير، وصار لديهم حصيلة علمية وإن لم يفهموها في أول الأمر، يخزنوها ويحفظوها ثم بعد ذلك يهيأ لهم من يوضحها لهم.

(مهذبًا نظامها)، (نظامها): مفعول، أيش لاسم الفاعل مهذب، ولو قال: مهذبًا، لقلنا: نظامُها، ويكون حينئذ إعرابها نائب فاعل لاسم المفعول؛ لأن اسم الفاعل واسم المفعول يعمل عمل فعله، فاسم الفاعل يرفع فاعل، واسم المفعول يرفع نائب فاعل، فلو قال: مهذبًا، لقال: نظامُها، نائب فاعل.

(في غاية): في غاية من التحرير والتهذيب، والإتقان وسلاسة النظم، والجمع لما أراده من الخمسة والخمسين نوعًا.

..................................

 

...................في غاية

والله أستهدي وأستعين

 

لأنه الهادي ومن يعين

(والله): منصوب، إن شئت فقل: على التعظيم، وإن شئت فقل: عمل فيه ما بعده، والذي بعده (أستهدي وأستعين)، وهذا ما يعرف أيش؟

الطالب:......
الشيخ: نعم، إذا كان المعمول واحد والعامل أكثر من واحد:

نحو أظنُ ويظناني أخا

 

زيدًا وعمرًا أخوين في الرخا

نعم، أيش يصير؟ التنازع، فما الذي نصب لفظ الجلالة، أستهدي أو أستعين أو كلاهما؟ أو نقول: العطف على نية تكرار العامل: والله أستهدي، والله أستعين، فلا يكون فيه تنازع، على خلاف بين أهل العلم في تقديم معمول فعلي التنازع إذا كان منصوبًا، يختلفون في هذا، يمنعه جمع من أهل العلم؛ منهم ابن مالك، ويجيزه آخرون، فهو في هذه الحيثية لا يجوز أن يكون منصوبًا على التنازع.

والله أستهدي وأستعين

 

................................

تقديم المعمول يدل على الحصر كما في قوله -جل وعلا-: {إياك نعبد} [الفاتحة:5]، {وعلى الله فتوكلوا} [المائدة: 23]، هذا يدل على الحصر؛ لأنه قدم فيه المعمول.

والله أستهدي ولا أستهدي بغيره وأستعينه ولا أستعين بغيره.

(لأنه): العلة،  أيش السبب؟ لماذا تستهدي الله -جل وعلا- وتستعين به وتستعينه؟

..................................

 

لأنه الهادي ومن يعين

لأنه -جل وعلا- هو الهادي وحده، تأكيد بـ"إن"، "أن" فتحت همزتها لدخول حرف الجر، حرف الجر يدخل على المفرد، وهذا في تأويل في حكم المفرد.

(لأنه الهادي): "الهاء الضمير" معرفة، "والهادي الخبر" معرفة، وتعريف جزئي الجملة يدل على الاختصاص أيضًا؛ لأنه الهادي لا هادي سواه مفاد الجملة، لكن لو قال: لأنه هاد؛ ما تدل على الحصر، ولما عرف جزئي الجملة دل ذلك على الحصر.

(ومن يعين): لأنه الهادي والذي يعين، وهو -جل وعلا- هو الذي يعين، "من": هذه موصولة؛ لأنه الهادي وهو الذي يعين؛ لأننا نستعين به، لأنه هو الذي يعين، (ومن يعين) إذا أردنا أن نجعلها استفهامًا، (ومن يعين) قدرنا سواه، (ومن يعين) يعني: سواه، ولسنا بحاجة إلى التقدير إذا صح المعنى دونه؛ لأن ما لا يحتاج إلى تقدير أولى مما يحتاج إلى تقدير.

فهو -جل وعلا- الهادي وحده والهداية بيده، وقد نفى الهداية عن نبيه -عليه الصلاة والسلام-: {إنك لا تهدي من أحببت}[القصص: 56]، فنفاها عن أعظم الخلق وأشرف الخلق وأكمل الخلق، فمن دونه من باب أولى، {إنك لا تهدي من أحببت}[القصص: 56] فضلًا عن أن تهدي من لا تحب، وأثبتها له في موضع آخر فقال -جل وعلا-: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}[الشورى:52]، فالهداية المنفية غير الهداية المثبتة، فالهداية المنفية: هي هداية التوفيق والقبول، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يهدي بمعنى: يدل ويرشد، أتباعه يهدون، لكن هل يوفقون للقبول؟ لا، بدليل النبي -عليه الصلاة والسلام- حرص على هداية عمه: ((يا عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)) ولم يقل، ما استطاع -عليه الصلاة والسلام-، مع أن عمه خدم النبي -عليه الصلاة والسلام-، ودافع عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وخدم دعوة النبي –عليه الصلاة والسلام- ومع ذلك: {إنك لا تهدي من أحببت}[القصص: 56]، أما هداية الدلالة والإرشاد فهذه للأنبياء، وهي أيضًا لأتباعهم ممن يدعو على سبيلهم ممن اتبعهم: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[يوسف:108]، فهم يهدون الناس، بمعنى: يدلونهم ويرشدونهم؛ لكن ليس بأيديهم أن يجعلوا هؤلاء الناس المدعوين يقبلون ويهتدون، لا، هذه بيد الله -جل وعلا-، والأجور إنما رتبت على مجرد بذل السبب، فالنتائج بيد الله -جل وعلا-، ومن نعم الله -جل وعلا- أنه علق الأجور ورتبها على مجرد بذل السبب.

قد يقول قائل: إنه يدعو الناس ليل ونهار سرًّا وجهارًا على كافة المستويات، وشتى الوسائل والطرق، ومع ذلك ما هدى أحدًا! نقول: ليس لك هذا الأمر، القلوب بيد الله -جل وعلا-، عليك أن تبذل السبب، وقد بذلت فأجرك ثبت، وقل مثل هذا في الإنكار؛ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وما تغير شيء، يترك؟ ما يترك؛ لأن أجره مرتب على مجرد بذل السبب، كون المنكر يرتفع، هذا مطلوب، لكن ليس بيدك، النتائج بيد الله -جل وعلا-، والمسببات إليه -جل وعلا-.

 

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.