شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 17

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 17
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم.

إلى حلقةٍ جديدةٍ في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، ولا زلنا في كتاب الصوم في باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة مع صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: كنا في الحلقة الماضية توقفنا عند مسألة التشريك في العبادة، وأشرتم إلى أننا سنتحدث عنها في هذه الحلقة بإذن الله، لعلها تكون بداية الحديث، أحسن الله إليكم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

القرافي استدل بالحديث على أنّ التشريك في العبادة لا يضر بخلاف الرياء؛ لأنّ الرياء، يُخل بالقصد، القصد الأصلي يخل به الرياء، بينما التشريك القصد الأصلي موجودٌ يُدخل معه غيره من نفعٍ ديني أو دنيوي، فإن كان دينيًّا فهو تشريك عبادة بعبادة، وإن كان دنيويًّا فهو تشريك عبادة بعادة أو بمباح يقول: استدل بالحديث على أن التشريك في العبادة لا يضر بخلاف الرياء، لكنه يقال: إن كان المشرَّك عبادةً كالمشرَّك فيه فلا يضر؛ فإنه يحصل بالصوم تحصين الفرج وغض البصر. يعني يحصل بالصوم أجر الصوم، يضاف إليه أجر تحصين الفرج وأجر غض البصر، هذه عباداتٌ؛ لأنّ تحصين الفرج مأمورٌ به فهو عبادةٌ، وغض البصر مأمورٌ به فهو عبادةٌ، الصوم مرغبٌ فيه، بل مأمورٌ ببعضه مرغبٌ في بعضه فهو عبادةٌ، فهو تشريك عبادات بعبادات، هذا لا إشكال فيه.

لكن أقول: هل أجر من خص الصيام بنية الصيام لذات الصيام، لا ينهزه على ترك الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس إلا الصيام، أجر هذا مساوٍ لأجر من يشرّك عبادة أخرى؟ أو نقول: إنّ هذه العبادات عباداتٌ زائدةٌ تضاف إلى أجر الصيام الأصلي؟ نعم، من لا نية له في الصوم إلا من أجل تحصين الفرج وغض البصر أجره في الصيام أقل، لكن من عادته وديدنه الصيام، ثم بعد ذلك اجتمعت عنده نية تحصين الفرج وغض البصر، وامتثال الأمر في الحديث لا شك أنه له أجر الجميع.

وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ للتشريك عبادات بعبادات: عمر –رضي الله تعالى عنه– جيش الجيوش وجهز الجيوش وهو يصلي، لكن هل مثل هذ العمل شخصٌ يحدث نفسه أن يذهب إلى الدرس الفلاني ويحضر الدرس وهو في صلاته؟ نقول: إنّ هذا ما عقل من صلاته إلا ما حضر قلبه فيها، فأجره أقل ممن حضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها ولو كان الذي قطع عليه استحضار الصلاة عبادةُ، لا شك أنّ الذي يخرج إلى الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة هذا أتم أجرًا، وكذلك من حضر قلبه في الصلاة بجميع أجزائها وحصل على أجرها الكامل أفضل ممن أدخل عليها عبادةً أخرى.

عند المالكية -وهذا أشار إليه القرطبي- انتظار الداخل: الإمام راكعٌ فسمع صوت داخل فأطال الركوع، يقول: هذا تشريكٌ ما يجوز، والأكثر على أنه محسنٌ إلى هذا الداخل؛ ليدرك الصلاة، فهو مأجورٌ على هذا، فهذا ينتابه الأمران.

المقدم: من يبكي مثلًا في زحام الحج، يبكي بسبب هذا المشهد وتذكر الآخرة، هل هو مأجورٌ مثل ذلك الذي يبكي لأنه في موضع عبادة، ويعلم تنزل رحمات الله –جلَّ وعلا– على الحجاج؟

لكن شرّك ماذا؟ أنت تفترض المسألة في شخصٍ يصلي رأى مثل هذا الزحام فبكى من اختلاط الناس وكون بعضهم يموج في بعض، وهو يصلي إذ بكى من المشهد لا من الصلاة هذا تشريكٌ، أما مجرد كونه يرى الحجاج وكثرتهم ويبكي وما هو متلبسٌ بعبادةٍ فما فيه تشريك.

المقدم: إذا كانوا في دعاءٍ مثلًا؟

عبادة، المقصود في اللفظ أن يكون أكثر من عبادة فيشرّك بينهما، هذا يضيف أجرًا إلى أجر، لكن يبقى أنّ مسألة استحضار الصلاة من أولها إلى آخرها والحصول على الأجر الكامل المرتب عليها أفضل.

تشريك العبادة بالمباح كما لو دخل إلى الصلاة لترك خطاب من يحل خطابه، فهو محل نظر، يقول القرافي: هو محل نظر يحتمل القياس على ما ذكر، ويحتمل عدم صحة القياس، خطاب من يحل خطابه المسألة تنبني على نوع الخطاب، إن كان مباحًا لا وزر فيه ولا أجر هذا له حكمٌ، بعض الناس يغلب على الظن أنه وإن كان الأصل في خطابه الإباحة إلا أنه هو قد يترجح جانب الأجر، وآخر قد يترجح فيه جانب الوزر؛ لأنّ هذا شيءٌ ما بعد حصل، شخصٌ جالس في المسجد فرأى داخلًا إلى المسجد فقال: الله أكبر.....

المقدم: لكي لا يحدثه.

لكي لا يشغله، ولا تدري ما الذي يشغلك به هذا، فالأصل أنك تكف عن كلاٍم مباحٍ، وقد يجرك إن كان سببه إن كان السبب في أنّ الكلام وإن كان أصله مباحًا إلا أنه يجر إلى غيره لا شك أنه مأجورٌ، لكن إن كان لأصل.... دعنا من هذا.... فيه أمثلةٌ أوضح مثلًا، شخصٌ قيل له: لا بد من الحمية، أو لا بد من المشي فقال: بدلًا من أن أحتمي، أترك الأكل، أصوم، بمباحٍ، وبدلًا من أمشي أجوب الأسواق أطوف، هذا تشريك عبادةٍ بمباحٍ، وهذا مأجورٌ على عدوله عن المباح في الأصل الذي هو المشي إلى هذه العبادة التي هي الطواف، يؤجر عليه، وليس أجره كمن طاف لا ينهزه إلا الطواف.

يقول الصنعاني في ((سبل السلام)): نعم إن دخل في الصلاة لترك الخوض في الباطل، أو الغيبة وسماعها كان مقصده صحيحًا، ونحن قلنا: هذا يختلف باختلاف الداخل على هذا الشخص، يعني بعض الناس محادثته تحي القلب، وإن كان الأصل في الكلام أنه مباحٌ، وبعض الناس محادثته تؤلم القلب.

المقدم: لذلك يكثر -أحسن الله إليك- من جعل -ستأتي هذه المسألة ولا نثيرها في مسألة الدعاء- الأدعية التي وردت وترتب على الإتيان بها أمورٌ معينةٌ مثل الحفظ في الدنيا، مثل سداد ديون يفعلها بعض الناس بهذا المقصد الوارد في الحديث؟

أما ما وُعد به وذُكر في النص فإن ذكره ليس بعبثٍ، يعني قصده لا بأس به.

المقدم: من قصد بدعاءٍ معينٍ أن يُقضى دينه؟

لا يهمه المعنى؟

المقدم: نعم، ليس هذا من التشريك؟

نعم، ليس هذا من التشريك؛ لأنه ما ذُكر في النص عبثًا، فقصده لا يؤثر ما لم يكن الباعث المنفرد، يعني هذا يدعو ليُقضى دينه فقط، نعم، يحصل له ما قصد، لكن لا يترتب عليه وزرٌ، أما أجر الذكر فلا بد من نيته، نعم، لا بد من نية أجر الذكر.

لكن إذا دخل في الصلاة لترك خطاب من يجب خطابه، من يجب جواب خطابه مثلًا......

المقدم: الوالد والوالدة مثلًا.

نعم، كالوالدين يحرم عليه ذلك قطعًا، يعني رأى الوالدة تقول له، أو الوالد يريد أن يبعثه في حاجةٍ، يأمره وينهاه ثم قال: الله أكبر، يتنفل ويترك الواجب هذا يأثم، وقصة جريج معروفةٌ، وهي في شرع من قبلنا. على كل حالٍ المسألة تحتاج إلى مزيدٍ من البسط مسألة التشريك، ولها أمثلةٌ ولها فروعٌ كثيرةٌ جدًّا.

استدل بالحديث على تحريم الاستمناء؛ لأنه لو كان مباحًا لأرشد إليه النّبي –صلى الله عليه وسلم–؛ لأنه أسهل وأقطع للشهوة، لو كان مباحًا لأرشد إليه –عليه الصلاة والسلام–؛ لأنه أسهل من الصوم من جهةٍ وأسرع مفعولًا، الصوم يحتاج إلى وقتٍ ليتعود عليه، ويعتبر هذا الآن مباشرةً.

المقدم: هذا مباشرةٌ يغض البصر ويحصن الفرج، فبالتالي عدم النص عليه.....

عدم التوجيه والإرشاد عليه يدل على أنه لا يجوز. يقول القرطبي في تفسيره: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عميرة، هذه يكنى بها عن الاستمناء التي تسميها العادة السرية؛ لأنها تُستعمل سرًّا، فتلى هذه الآية {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [سورة المؤمنون الآيات 7:5]، ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني، ذكره القرطبي.

وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن؛ فجاز عند الحاجة، أصله الفصد والحجامة، وعند عامة العلماء على تحريمه، كذا نقل عن الإمام أحمد وسيأتي النقل عن الحنابلة، وقال بعض العلماء: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصيةٌ أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلةً، وياليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها؛ لدناءتها، فإن قيل: إنها خيرٌ من نكاح الأمة، نكاح الأمة جائز أم غير جائز؟

المقدم: جائز.

نكاح لا أقول: ملك اليمين؟

المقدم: النكاح المقصود به هنا؟

الزواج.

المقدم: لأنّنا اتفقنا في الحلقة الماضية على أنّ النكاح إذا أُطلق إما هذا وإما هذا.

الآن نكاح الأمة إذا قيل: نكح غير ملك يمين.

المقدم: لا بد أن يعتقها ثم يتزوجها.

لا، هل يجوز نكاح الأمة ابتداءً؟ أو إذا لم يجد طول حرة؟

المقدم: إذا لم يجد.

إذا لم يجد طول حرة؛ فهي حالة ضرورة لما يترتب عليها من رق الولد.

المقدم: أو يعتقها كما قلنا، إذا أراد نكاحها له أن يعتقها.

هو يشتريها أمة عند سين من الناس ولم يتزوجها وهي بملك غيره ما هي في ملكه، هذا غير ملك اليمين، ملك اليمين ما فيه إشكالٌ، الزواج ملك اليمين، زواج الحرة وزواج ملك اليمين ما فيه أدنى إشكال؛ الولد حر تبعه، لكن نكاح الأمة الولد رقيقٌ تبع أمه.

قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرةً، هذا كلام القرطبي، على مذهب بعض العلماء خيرٌ من هذا، وإن كان قد قال به قائلٌ أيضًا، ولكن الاستمناء ضعيفٌ في الدليل، عارٌ بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير؟!

ذكر الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره: أنّ الإمام الشافعي ومن وافقه استدل بهذه الآية على تحريم الاستمناء باليد، قال: فهذا الصنيع خارجٌ عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}، واستأنسوا لذلك بحديثٍ رواه الحسن بن عرفة بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنس بن مالك عن النّبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «سبعةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه ناكح يده» هذا الأول من السبعة، الحديث.

قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب في إسناده من لا يعرف لجهالته، فالحديث ضعيف، لكن المعول على الآية وحديث ابن مسعود، الآية وحديث ابن مسعود.

يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله تعالى– في تفسيره يقول: الذي يظهر لي أنّ استدلال مالك والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيءٌ يعارضه من كتابٍ ولا سنةٍ، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه وجلالته وورعه من إباحة ذلك مستدلًا على ذلك بالقياس قائلًا: إنه إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها؛ فجاز قياسًا على الفصد والحجامة فهو خلاف الصواب؛ لأنه قياسٌ يخالف ظاهر القرآن، والقياس إذا كان كذلك فهو ردٌّ مردودٌ بالقادح المسمى فساد الاعتبار، يعني القياس في مقابل النص فاسدٌ بلا شك، فالله –جلَّ وعلا– قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} ولم يستثن من ذلك ألبتة إلا النوعين المذكورين في قوله تعالى: {إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}، وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغةٍ عامةٍ شاملةٍ لغير النوعين المذكورين دالةٍ على المنع وهي قوله: {فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}، وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده، وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلا لدليلٍ من كتابٍ أو سنةٍ يجب الرجوع إليه.

وفي الإقناع من كتب الحنابلة مشهورٌ للحجاوي في باب التعزير: ومن استمنى بيده خوفًا من الزنا أو خوفًا على بدنه فلا شيء عليه إذا لم يقدر على نكاح ولو أمة، ولا يجد ثمن أمة وإلا حرم وعذّر، وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل، هذا معروفٌ عند الحنابلة في ((زاد المستقنع)) الذي هو عمدة المتأخرين عند الحنابلة: من استمنى بيده بغير حاجةٍ عذّر.

المقدم: هذا مشهورٌ عندهم يعني؟

هذا معروفٌ عندهم، من استمنى بيده من رجلٍ أو امرأةٍ هذا في الزاد وشرحه بغير حاجةٍ عذّر؛ لأنه معصيةٌ، وإن فعله خوفًا من الزنا فلا شيء عليه إن لم يقدر على نكاح ولو أمة، مسألة الخوف من الوقوع في الفاحشة مسألةٌ أخرى، يعني إذا كان لا خيار بين أن يرتكب هذه المعصية ويعترف أنها معصيةٌ وهي محرمةٌ بظاهر القرآن والسّنة، نعم، الحاجة الداعية إليها لا تدل على أنها جائزةٌ، يرتكبها وهي محرمةٌ، ويتوب منها، ويستغفر الله –جلَّ وعلا-؛ لئلا يقع في الفاحشة، ارتكاب أخف الضررين عند أهل العلم مقررٌ، لكن لا يعني أن هذا يبيحها، فرقٌ بين أن نقول: هذا الأمر مباحٌ وبين أن نقول: هو من باب ارتكاب أخف الضررين؛ مخافة الوقوع في الفاحشة؛ ولذلك الحنابلة يقيدونه بهذا يقولون: من استمنى بيده خوفًا من الزنا، أو خوفًا على بدنه فلا شيء عليه إذا لم يقدر على نكاح ولو أمة، لماذا؟ لأنه ارتكب أخف الضررين شريطة ألا يقدر على نكاح ولو أمة، والمسألة للخلاف القوي، ولا يجد ثمن أمة وإلا حرم وعذّر، وحكم المرأة بذلك حكم الرجل، وهذا هو المعتمد عند الحنابلة.

وإذا كان الاستمناء هو طلب خروج المني فيقع ولو مع وجود حائل، يعني لو قُدر أنّ إنسانًا عبث بآلته فأنزل قاصدًا ذلك ولو مع وجود حائل، وإذا كان الاستمناء هو طلب خروج المني، يعني السين والتاء للطلب، طلب خروج المني فيقع ولو مع وجود حائل.

جاء في حاشية ابن عابدين وهي معتمدةٌ عند متأخري الحنفية: لو استمنى بكفه بحائلٍ يأثم أيضًا، وفي حواشي الشرواني على التحفة، والتحفة تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي لا يعتمد على المنهاج، هذه معتمدةٌ عند متأخري الشافعية، إن قصد بضم امرأته الإنزال ولو مع حائل يكون استمناءً مبطلًا للصوم، لكن ما دام مع امرأته، بالنسبة للحلال والحرام لو كان في خارج الصيام ما فيه إشكالٌ، لكن المسألة.....

المقدم: في الصيام.

لا شك أنه مبطلٌ للصيام.

المقدم: والإثم في الصيام.

لكن افترض المسألة خارج الصيام في الليل مثلًا ما فيه إشكالٌ، لكن هنا يقول: إن قصد بضم امرأته الإنزال ولو مع حائل يكون استمناءً مبطلًا للصيام، بل صرح الشافعية والمالكية بأنّ الاستمناء يحصل بالنظر، يعني تكرار النظر إذا قُصد به إخراج المني؛ لأنه طلبٌ واستدعاءٌ لخروجه فهو يدخل في مسماه، إذا عُلم هذا فالاستمناء مبطلٌ للصيام موجبٌ للغسل إذا خرج الماء دفقًا بلذةٍ، وهذا أمرٌ يجهله كثيرٌ من الشباب من الجنسين؛ لكثرة السؤال عنه، كثيرٌ منهم يسأل: هل يفطر أو لا يفطر؟ كثيرٌ منهم يعيش سنين ولا يعرف أنه مفطرٌ، ولا يعرف أنه موجبٌ للغسل فيصلي بدون غسلٍ هذا خطأٌ، لا بد أولًا من معرفة الحكم وهو التحريم، والثاني نعرف أنه مبطلٌ للصيام، والثالث نعرف أنه موجبٌ للغسل، وأنّ فاعله إذا لم يخش على نفسه الوقوع في الفاحشة الكبرى يعذر، كما نص على ذلك أهل العلم لمرتكب محرم.

المقدم: كان يأتيكم أسئلةٌ كثيرةٌ يا شيخ، مع كل أسف ذكرتم شيئًا من هذا في مسألة أنّ بعض الشباب رغم وجود وسائل العلم إلا أنه لا يعلم أنه يوجب الغسل.

لا يعلمون، الدليل على ذلك كثرة الأسئلة، يكثر السؤال، ومع الأسف أنه قد يوجد ما يعينهم على هذا، ما يعينهم على إخراج أو استعمال هذه العادة، فعلى المسلم أن يتقي الله –جلَّ وعلا– في سائر أحواله في رمضان وفي غيره، ولا يعرض نفسه للفتنة بمشاهدة النساء أو صور النساء في وسائل الإعلام، وإذا عرض له شيءٌ من ذلك من غير قصدٍ فيجب عليه غض البصر، والرجال في ذلك والنساء على حدٍ سواء، فالكل مطالبٌ بغض البصر.

والحديث خرجه الإمام البخاري في ثلاثة مواضع، الأول: هنا في كتاب الصيام باب الصوم لمن خاف على نفسه العُزبة، العُزبة أو العُزوبة تقدم الكلام عليها، يقول الإمام البخاري –رحمه الله تعالى– حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: بينا أنا أمشي مع عبد الله –رضي الله عنه– فقال: كنا مع النّبي –صلى الله عليه وسلم– فقال: «من استطاع» الحديث، وسبق ذكر مناسبته.

والثاني: في كتاب النكاح في باب قول النّبي –صلى الله عليه وسلم-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج»، وهل يتزوج من لا أَرَب له في النكاح؟ يقول: حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثني إبراهيم عن علقمة قال: كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنّ لي إليك حاجة فخليا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرًا تذكرك ما كنت تعهد. الحديث، والمناسبة ظاهرةٌ لشقي الترجمة «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» هذا نص الحديث، وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح؟ أيضًا المطابقة والمناسبة من رد ابن مسعود عرض عثمان عليه، أبو عبد الرحمن المذكور هذه كنيته، وظن ابن المنير أنّ المخاطب بذلك ابن عمر؛ لأنها كنيته المشهورة، وأكد ذلك أنه وقع في نسخته من شرح ابن بطال عقب الترجمة فيه ابن عمر، يعني في الباب ابن عمر، يعني حديث ابن عمر، لقيه عثمان بمنى، وقص الحديث، فكتب ابن المنير في حاشيته، فيه زين الدين ابن المنير، وناصر الدين ابن المنير، أحدهما له حاشية، والثاني له تراجم ومناسبات، فكتب ابن المنير في حاشيته هذا يدل على أنّ ابن عمر شدد على نفسه في زمن الشباب؛ لأنه كان في زمن عثمان شابًّا، كذا قال، قال ابن حجر: لا مدخل لابن عمر في هذه القصة أصلًا، بل القصة والحديث لابن مسعود مع أنّ دعوى أنّ ابن عمر كان شابًا إذ ذاك فيه نظرٌ، فإنه إذ ذاك قد تجاوز الثلاثين تقدم لنا في حد الشاب أنه ما لم يصل الثلاثين.

الموضع الثالث: في كتاب النكاح أيضًا باب من لم يستطع الباءة فليصم، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثني عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله فقال: عبد الله كنا مع النّبي –صلى الله عليه وسلم– شبابًا لا نجد شيئًا فقال لنا رسول الله– صلى الله عليه وسلم–: «يا معشر الشباب من لم يستطع الباءة فليصم»، هذه الترجمة باب من لم يستطع الباءة فليصم، والحديث «يا معشر الشباب من لم يستطع منك الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم»، فكأنه قال: من لم يستطع فليصم، فالمناسبة ظاهرةٌ.

المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.

أيها الأخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، نلقاكم بإذن الله تعالى في حلقةٍ قادمةٍ، وأنتم على خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.