كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 17

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 17
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اللهم اغفر لشيخنا وللحاضرين والمستمعين يا رب العالمين.

قال الإمام بن عبد الهادي في محرره:

وعن شُريك عن عاصم بن...

شَريك، شَريك.

وعن شَريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وقال الترمذي: حسن غريب، وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم.

وقال الدارقطني: تفرد به يزيد بن هارون عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به، وقال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة.

وعن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه، والنسائي والترمذي، ولفظه: ((يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل)) وقال: حديث غريب، ومحمد وثقه النسائي، وقال البخاري: لا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا.

وقال البخاري: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر)) متفق عليه، ولفظه للبخاري.

وعن عبد الله بن بحينة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" متفق عليه.

وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك)) رواه مسلم.

وعن وائل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه" رواه البيهقي والحاكم، وقال: على شرط مسلم.

بركة، يكفي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في باب صفة الصلاة من كتاب الصلاة يقول:

"وعن شريك" وهو القاضي النخعي، معروف عند أهل العلم بسوء الحفظ، طعن فيه بسوء حفظه، وأخرج له مسلم متابعة، ولم يعتمد عليه، وكما يقول أهل العلم: إنه ممن لا يحتمل بتفرده، لا يحتمل تفرده.

"عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر" وائل بن حجر حفظ لنا من صفة صلاة النبي -عليه الصلاة والسلام- ما يدل على أنه اعتنى بها، واهتم بها، بل إنه جاء من أجلها "-رضي الله عنه- قال: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" وكلام أهل العلم في هذا الحديث معروف، مع الحديث الذي يليه حديث أبي هريرة: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) والمؤلف أشار إلى بعض ما قيل في الحديثين، وكلام أهل العلم في الحديثين في ثبوتهما، وفي دلالتهما، وفي رجحان أحدهما على الآخر كثير ولن ينحسم؛ لأنه خلاف بين أئمة، وهو محتمل، لكن الذي لا يرتضى صنيع بعض المحققين تصحيح أحد الحديثين وتضعيف الآخر؛ لأن إمامه يقول بما صححه، يصحح تبعاً لإمامه، يعني عرف المذهب ثم صحح وضعف، والأصل أن يعرف الدليل ثم يتبع، ولذلك تجدون الذين يحققون البلوغ أو المحرر أو غيرهما من كتب أحاديث الأحكام، تجد بعضهم يحكم على حديث وائل بأنه ضعيف، وعلى حديث أبي هريرة أنه صحيح؛ لأن إمامه يرى العمل بحديث أبي هريرة، ولا يرى العمل بحديث أبي وائل، وبعضهم بالعكس يصحح حديث وائل، ويضعف حديث أبي هريرة؛ لأن إمامه يعمل بحديث وائل، ولا يعمل بحديث أبي هريرة، وهذه طريقة ليست مرضية، أن تكون الأدلة تابعة للمذاهب، هذه طريقة ليست مرضية، إنما المذهب يجب أن يكون تابعاً للدليل هذا الأصل، هذا إذا كان أهلاً للنظر، أما إذا لم يكن المحقق أهلاً للنظر فإنه حينئذٍ يقلد أهل العلم، ويذكر ما قيل في الحديثين، أو يذكر الحديثين بإسناديهما، يقول: هذا الحديث رواه فلان بإسناده، ويبرأ من عهدته إذا لم يكن أهلاً للتصحيح والتضعيف، أما إذا كان متأهلاً فلا يجوز له بحال أن يضعف تبعاً لإمام، أو يصحح تبعاً لإمام قال به من حيث الاستدلال.

الحديث الأول: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" حديث وائل "رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه" وحديث أبي هريرة أخرجه الثلاثة، ومن الغريب أن نجد من يرجح حديث وائل على حديث أبي هريرة؛ لأن هذا خرجه الأربعة، وذاك خرجه الثلاثة، لا يلزم من هذا الرجحان أبداً، يعني الترجيح بكثرة الرواة ليس هذا محله، وقد يوجد حديث يتفرد به أبو داود أقوى من حديث يخرجه الخمسة تبعاً لنظافة الإسناد وصحته، وعدم المخالفة، فليس الترجيح هنا له وجه ألبتة، وكم من حديث خرجه النسائي أنظف إسناد مما يخرجه غيره ولو اجتمعوا، وقد يخرج أبو داود حديث يكون مرجحاً على ما رواه أبو داود وغيره من الخمسة، أو الترمذي أو غيره، وقد يوجد في المسند حديث لم يخرجه الأربعة ويكون مرجحاً على ما خرجه الخمسة، فليس هذا محل الترجيح، نعم إذا خرجه الشيخان أو أحدهما يرجح، أما من عداهم فمخرجاتهم أو ما يخرجونه قابل للرجحان والمرجوحية تبعاً لإسناده.

"رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" الحديثان هما متضادان متعارضان إلا على كلام ابن القيم بالقول بالقلب، وعلى هذا الخطابي قال: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة، وابن حجر قال: حديث أبي هريرة أصح من حديث وائل، وحديث وائل له شاهد من حديث أنس، وحديث أبي هريرة له شاهد من حديث ابن عمر، موقوفاً ومرفوعاً على ما سيأتي، فهما حديثان قريبان من التكافؤ إلا أن الكفة قد ترجح مع حديث أبي هريرة.

من حيث العمل نسب العمل بمضمون حديث وائل للجمهور، ونسب العمل بمقتضى حديث أبي هريرة لأهل الحديث، وكون القول بمقتضى حديث أبي هريرة ينسب لأهل الحديث يدل على أنه هو الراجح عندهم، من أهل العلم من ضعف الحديثين، وحينئذٍ يكون المصلي مخيراً بين تقديم الركبتين أو اليدين؛ لأنه لم يثبت في الباب شيء، ومنهم من يصحح الحديثين، ويقول أيضاً: هو مخير، ومنهم من يقول: إن حديث وائل من فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-، وذلك من قوله، وفعله يدل على أنه خاص به، إذا عارض الفعل القول يكون الفعل محمول على أنه خاص بالنبي -عليه الصلاة والسلام- والقول لأمته، ومنهم من يقول: إن حديث وائل ناسخ لحديث أبي هريرة، ومنهم من يقول بالعكس، أقوال كثيرة في المسألة، أقوال متعددة في المسألة.

يقول: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم، وقال: على شرط مسلم" بناءً على أن مسلماً خرج لشريك، لكنه خرج له متابعة ولم يخرج له أصالة، فلا يكون على شرطه، إنما الذي على شرطه إذا خرج له معتمداً عليه، محتجاً به، وإلا فكلام أهل العلم في حفظه معروف سيء الحفظ، ثم بعد ذلك اختلط وازداد سوؤه.

"وقال الترمذي: حسن غريب" والترمذي يحسن مثل هذا الإسناد؛ لأن تحسينه يستروح بعض من له عناية بالصناعة أنه لا يرقى إلى درجة الحسن، وقد حسن أحاديث ضعيفة كثيرة فيها ما هو انقطاع ظاهر، وفيها ما في بعض رواته كلام واضح لأهل العلم.

"حسن غريب، وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم" وهذا قبل اختلاطه.

"وقال الدارقطني: تفرد به يزيد بن هارون عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به" يعني ممن لا يحتمل تفرده، ولا يحسن ما تفرد به.

"وقال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة" متنه ما فيه إشكال، يعني جاري على الطبيعة "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" بحيث ينزل إلى الأرض ما هو الأقرب فالأقرب، ينزل الركبتين الأصل أن القدمين في الأرض، ثم ينزل الركبتين وهما أقرب إلى الرجلين، ثم ينزل اليدين، وهما أقرب إلى الركبتين، ثم الوجه، الجبهة مع الأنف، هذا أمر طبيعي ومعتاد بالنسبة لمن أراد الجلوس، وإذا نهض رفع يديه، معلوم أنه يرفع رأسه قبلها، قبل يديه، يرفع رأسه، ثم يديه قبل ركبتيه، ثم الركبتين، يعني عكس النزول.

وهذا يعمل به جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية وقول للشافعي، وهو المعروف عند الحنابلة، وإن كان هناك رواية عن أحمد تقول بخلافه.

كلام أهل العلم قال: "وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً" يعني همام تابع شريك لكنه مرسل "وشريك كثير الغلط والوهم" يعني الذي وصله شريك وهمام أرسله هل يكون شاهد مقوي أو يعل به؟ حديث شريك حينما رواه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل موصول، وهمام رواه عن عاصم عن أبيه مرسلاً، ولم يذكر وائل "وشريك كثير الغلط والوهم".

الآن عندنا تعارض الوصل مع الإرسال، فأحياناً يكون المرسل مقوي للموصول، وأحياناً يكون المرسل يعل به الموصول، وإشارة ابن عبد الهادي في قوله: "وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم" يدل على أنه يعل خبر شريك برواية همام.

ننتبه لمثل هذا؛ لأنه قال: "روى همام عن عاصم هذا مرسلاً" يعني المرسل يقبل الانجبار، وشريك سيء الحفظ يقبل الانجبار، فإذا ضممنا هذا إلى هذا قلنا: بحسنه، لكن إردافه -إرداف المؤلف- لقوله: "روى همام عن عاصم هذا مرسلاً، وشريك كثير الغلط والوهم" يريد أن يعل رواية شريك برواية همام، وأن الأصح فيه أنه مرسل.

وقال الدارقطني: تفرد به يزيد بن هارون عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به.

لم يحدث به عن عاصم غير شريك، وقد قال: "وروى همام عن عاصم" كيف يقول: لم يحدث به عن عاصم غير شريك وقدم أن قال: وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً؟ يعني لم يروه عن عاصم غير شريك موصولاً، وإن رواه عنه همام مرسلاً، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به.

وقال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة.

لما له مما يقويه من شاهد من حديث أنس، وفعل عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، وهذا العمل منسوب لجمهور أهل العلم، حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة.

قال: "وعن محمد بن عبد الله بن حسن" بن علي بن أبي طالب، معروف بالنفس الزكية، وثقه النسائي وغيره "عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والنسائي والترمذي، ولفظه: ((يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل)) وقال: حديث غريب" الترمذي "ومحمد وثقه النسائي" محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، "وقال البخاري: لا يتابع عليه" يعني لا يوجد له من يتابعه عليه في روايته، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟

كونه لا يتابع عليه، وقد وثق، النسائي وثقه مع أنه متشدد يكفي، هذا يحتمل تفرده، فلا نحتاج إلى متابع، بينما شريك نحتاج إلى متابع، وهذا لا نحتاج إلى متابع، وقول البخاري: لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟ هذا لا يقدح؛ لأنه لم يجزم بعدم سماعه، وهذا كاف عند الجمهور في الاتصال؛ لأنه لم يعرف بتدليس، والمعاصرة ثابتة، عند الجمهور هذا كافي، احتمال مع إمكان في السماع هذا يكفي عند الجمهور، والذي قرره الإمام مسلم.

"وقال البخاري -يعني في صحيحه-: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه" هذا من فعله، موقوف عليه، وهو ثابت عنه أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً بإسناد لا بأس به، وهذا هو الشاهد الذي أشار إليه ابن حجر، حيث قال: وهو أصح من حديث وائل، يعني حديث أبي هريرة، فإن له شاهداً من حديث ابن عمر الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه.

يقول: "إذا سجد أحدكم" ذاك من فعله -عليه الصلاة والسلام- وهذا من قوله، ومعروف أن الفعل عند أهل العلم لا عموم له، وإن كان الأصل الاقتداء والائتساء، فيقال: لا عموم له إذا عورض، وهذه قاعدة عند جمع من أهل العلم أنه إذا تعارض القول والفعل فإنه يرجح القول، ويكون الفعل محمولاً على الخصوصية، لكن هذا ليس بمطرد كما تقدم لنا في نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، مع أن ابن عمر رآه في بيت حفصة يقضي حاجته مستدبراً الكعبة مستقبلاً بيت المقدس، وقالوا: هذا من فعله وذاك من قوله، فيكون خاصاً به، وقررنا هنالك أن كل فعل يتضمن كمالاً، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى به، واستدبار الكعبة بالبول أو بالغائط أكمل أو عدمه أكمل؟ عدمه أكمل، فكيف نقول: إن الأمة مطالبة باحترام الكعبة، وتعظيمها والنبي -عليه الصلاة والسلام- لا يطالب؟ هو أولى بالكمال من هذه الأمة، ونظيره ما قيل في الفخذ عورة ((غط فخذك، فإن الفخذ عورة)) وفي حديث أنس: حسر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن فخذه، قالوا: إن كشف الفخذ خاص بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، والأمر للأمة، نقول: ستر الفخذ أكمل من كشفه، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أولى به، وتقدم تقرير هذا كله، وأن كون فخذه انحسر وهو على الدابة، لا يعني أن هذا يقضي على الدوام والاستمرار في حال الاختيار، عند الركوب لا بد أن يبدو شيء، ثم بعد ذلك يغطى.

وليس هذا محل تقرير المسألتين، هنا ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) عرفنا قول من يضعف الحديثين، وقول من يصحح الحديثين، و يجعل المكلف مختار، وكأن هذا هو ما يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا ضعفنا الحديثين، قلنا: مخير؛ لأنه لا يثبت في الباب شيء، وإذا صححنا الحديثين فهنا نهي، ((فلا يبرك)) فهل يكون مع هذا النهي تخيير؟ ((وليضع)) أمر، هل يكون مع هذا الأمر تخيير على حد سواء؟ فلا.

ابن القيم -رحمه الله- حاول أن يوفق بين الحديثين، فقال: إن أول الحديث ما فيه إشكال، ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)) الإشكال في آخره؛ لأنه مضاد لأوله، ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) لأن البعير إذا برك وضع يديه قبل ركبتيه، هذا لا ينازع فيه أحد إلا شخص ما رأى البعير، البعير إذا برك يقدم أمامه على خلفه، والتصوير مطابق لمن يضع يديه قبل ركبتيه في الصورة، ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) قال: انقلب على الراوي، وإلا فالأصل: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) والمقلوب نوع من أنواع علوم الحديث معروف، ووقع القلب في بعض الأحاديث، وإن أمكن التوجيه فالقلب خلاف الأصل؛ لأن الراوي إما أن يحكم بثقته وضبطه، أو يحكم بضعفه، وعدم الاحتجاج به، إذا حكم بضعفه فالتضعيف من قبله، ما في إشكال، ما نحتاج إلى أن نقول: مقلوب، نقول: الخبر ضعيف؛ لأن فيه فلان وهو ضعيف، لكن العبرة فيما إذا كان الراوي ثقة، كيف نوهم هذا الراوي الثقة مع إمكان حمله على وجه يصح؟

يعني كتب علوم الحديث تمثل للمقلوب بما خرجه مسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) الحديث في الصحيحين: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) وهذا الأصل أن الإنفاق باليمين، وقالوا: حديث مسلم مقلوب، كيف يتصدق بشماله ويخفي هذه الصدقة عن يمينه؟ نقول: ممكن، أولاً: لأن هذا الرجل كثير الإنفاق، ينفق أحياناً عن يمينه، وأحياناً عن شماله، وأحياناً من خلفه، وأحياناً من أمامه، مبالغة في الإخفاء، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وغيره ((ما يسرني أن لي مثل أحد ذهباً تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين، أقول به هكذا وهكذا وهكذا)) عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه، ومن خلفه.

والإخفاء قد يتطلب الإنفاق بالشمال بحيث يكون عنده عن يمينه أناس جلوس، ويأتيه فقير من جهة الشمال، فيعطيه بشماله بحيث لا يعلم من هو على يمينه، فإذا أمكن رفع توهيم الراوي الثقة تعين.

ابن القيم حكم على الراوي بأنه وهم في هذا الحديث، وأنه انقلب عليه، نعم المقلوب يوجد، هناك أحاديث لا يمكن الجواب عنها.

((وليضع يديه قبل ركبتيه)) قال ابن القيم: مقلوب، وصوابه: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) منهم من قال للخروج من هذا المأزق: إن ركبتي البعير في يديه، ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)) على ركبتيه؛ لأن ركبتي البعير في يديه، إذا برك برك على ركبتيه؛ لأنها في يديه، فلا يبرك المصلي على ركبتيه، لكن الصورة متكاملة وإلا غير متكاملة؟ يعني إذا وافقت من وجه خالفت من وجه، أنكر ابن القيم -رحمه الله- أن تكون ركبتي البعير في يديه، مع أنه ثابت في اللغة، وجاء ما يدل عليه من بعض النصوص، فلا داعي ولا وجه لإنكاره.

هل نرجح كلام ابن القيم ليتسق آخر الحديث مع أوله؟ أو نضعف الحديث لأنه مقلوب ولا نقبله ونرجع إلى الحديث الأول؟ أو نرجح الحديث بما يشهد له من حديث ابن عمر، وننصرف عن الحديث الأول لأنه مرجوح؟ أو نقول بالنسخ كما قال بعضهم؟ وأورده الحازمي في الناسخ والمنسوخ، وأورد الجعبري في رسوخ الأحبار، له كتاب في الناسخ والمنسوخ اسمه: رسوخ الأحبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، وأن هذا الحديث منسوخ بالذي قبله، وبعضهم من يعكس يقول: الحديث الذي قبله منسوخ بهذا الحديث، وهذا يدل على أن التاريخ معلوم وإلا مجهول؟ مجهول، ولا يمكن القول بالنسخ إلا إذا عرف التاريخ.

الذي يحل الإشكال في هذا الحديث، الحديث الأول ما في إشكال من حيث المعنى، الإشكال في ثبوته، الحديث الثاني إشكاله في معناه، والذي يحله أن نعرف معنى البروك.

جاء البروك على الركبتين في نصوص كثيرة، في كتاب العلم من صحيح البخاري لما قام الصحابي وقال: من أبي؟ فغضب النبي -عليه الصلاة والسلام- فبرك عمر -رضي الله عنه- بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- على ركبتيه، وبوب عليه الإمام البخاري: باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، برك على ركبتيه، إذاً ما معنى برك لينحل عندنا الإشكال؟

أولاً: مشابهة الحيوانات ممنوعة في الصلاة، وفي خارج الصلاة، النهي عن بروك البعير كما هنا، والنهي عن التفات الثعلب، وتحريك اليدين عند السلام كأذناب خيل شمس، وتدبيح الحمار، والتفات الثعلب، ونقر الغراب، وانبساط الكلب، كلها منهي عنها، فنحن منهيون عن مشابهة البعير فيما نهينا عنه من مشابهة الحيوانات.

إذا رجعنا إلى معنى البروك إلى الآن مستعمل، إذا جاء الإنسان تعبان أو مريض، ثم أراد أن يجلس، ثم نزل على الأرض بقوة قيل: برك، والبعير يقال له: برك، يعني في كتب اللغة ولو رجعنا إلى سورة يوسف ماذا يقول المفسرون في معنى حصحص؟ {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [(51) سورة يوسف] يقولون: حصحص البعير وبرك البعير إذا أثار الغبار وفرق الحصى، فلا يبرك كما يبرك البعير، فيثير الغبار، ويفرق الحصى ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) يعني مجرد وضع، وحينئذٍ ما يكون فيه لا قلب ولا تناقض ولا تعارض ولا شيء؛ لأن مجرد الوضع لا يعني بروك، ولذا يفرق أهل العلم بين وضع المصحف على الأرض وإلقاء المصحف على الأرض، يعني مجرد وضع المصحف على الأرض هكذا بحيث لا يسمع له صوت، ولا غبار، ولا حصى ولا شيء، يجوز وإلا ما يجوز؟ يجوز عند أهل العلم، وضع المصحف على الأرض جائز، لكن إلقاؤه هكذا هذا خطير عظيم إذا اقترن بالاستخفاف كفر، يعني فرق بين مجرد وضع اليدين، وبين البروك كما يبرك البعير في تقديم اليدين، الصورة فيها مشابهة من وجه ومخالفة من وجه، لكن لا يلزم من التشبيه المطابقة من كل وجه، فإذا وضع يديه مجرد وضع هذا ما برك مثل بروك البعير، إذا نزل على الأرض بقوة على يديه، قلنا: برك مثل ما يبرك البعير، وإذا وضع ركبتيه قبل يديه إذا وضع، إذا وضع ركبتيه قبل يديه مجرد وضع كما في حديث وائل: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه" هذا ما فيه مشابهة، لكن إذا نزل على الأرض بقوة على ركبتيه وخلخل البلاط كما تسمعون أحياناً، هذا نقول: برك مثل ما يبرك الحمار، المطلوب في الصلاة كلها الطمأنينة، المطلوب تحقيق الطمأنينة، وبهذا يرفع الإشكال في الحديث، وهذا لازم لكل من يقول بتصحيحه، كل من يقول بتصحيح الحديث من الأئمة؛ لأنه صححه جمع من الأئمة كلهم يلزمهم أن يقولوا بهذا القول، وإلا فالمقلوب من قسم الضعيف.

هذا واحد من الإخوان أحضر هذه قبل أن أحضر، وكأنه يعرف ما سأقوله؛ لأن هذه المسألة تكررت في كتب كثيرة، وقررنا فيها مثل ما سمعتم، وأطلنا فيها في بعض المناسبات، ذكر هذه ذكر فيها آثار تدل على العمل بحديث وائل من قبل جمع من أهل العلم، وهذا لا ننكره هو منسوب إلى الجمهور، لكن الذي يهمنا أن حديث أبي هريرة أرجح من حديث وائل؛ لأن حديث وائل تفرد به من لا يحتمل تفرده، وحديث أبي هريرة تفرد به من يحتمل تفرده، وحديث وائل له شاهد، وحديث أبي هريرة له شاهد، فالحديث الأول حديث وائل نسب العمل به إلى الجمهور، والحديث الثاني نسب العمل به لأهل الحديث، بغض النظر عمن عمل بالحديثين، كل إنسان مطالب بما يترجح عنده.

أخونا هذا أورد بعض الآثار عن السلف في العمل بهذه الأدلة:

روى ابن أبي شيبة عن الأسود أن عمر كان يقع على ركبتيه.

عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه ويرفع، هذا عند ابن أبي شيبة، والمعروف عند البخاري عن نافع كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه وهذا أثبت.

قال: رأيت ابن سيرين يضع ركبتيه قبل يديه، كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم.

وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.

قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث.

على كل حال هذا جمع طيب في الجملة، لكن مثل هذا ما يخفى، هذا ذكر الشوكاني أكثر منه، وغيره من الشراح، ذكروا أكثر مما ذكر في هذه الورقة، وما زال الأمر على ما قررنا من أننا إذا فهمنا معنى البروك ارتفع الإشكال، ولا قلب ولا شيء، لكن الناس لا سيما ممن له عناية بابن القيم وكتب ابن القيم، وابن القيم أوتي بيان، وأوتي اطلاع واسع، فإذا قرر شيئاً تجده يهجم على القلب قبل غيره، ثم بعد ذلك يغلق المنافذ خلاص "إذا قالت حذام فصدقوها" وأعظم منه شيخ الإسلام إذا قال كلام خلاص ما نقبل معه شيء، ولسنا مطالبين بالاقتداء لا بشيخ الإسلام ولا بأحمد ولا بابن القيم ولا بغيرهم مع أنهم أئمة من الأولياء الصالحين، ومن العلماء العاملين الربانيين، وما عرفنا العلم إلا عن طريقهم، وما تعلمنا إلا على كتبهم، لا يعني هذا أننا نتنقصهم، لكن هذا دين، فالذي يترجح عنده شيء يعمل به.

والمسألة يعني طرقناها مراراً وكررناها، فلا داعي لتكرار ما ذكر في مناسبات أخرى، فهذا لعله يكفي في كشف المراد.

ثم بعد ذلك يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه-))" الإشارة تكون بـ(على) أو (إلى) أشار على الباب أو أشار إلى الباب؟ نعم إلى، ولكنه عدي بـ(على) ليضمن المعنى أمّر بيده على أنفه، أو مر بيده على أنفه.

((أن أسجد على سبعة أعظم)) أولاً: "أُمرت" فعل مبني للمجهول، والفاعل محذوف للعلم به؛ لأنه هو الله -جل وعلا-، إذا لا آمر للنبي -عليه الصلاة والسلام- في القضايا الشرعية إلا الله -جل وعلا-، ويحذف الفاعل للعلم به {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [(28) سورة النساء] الخالق معلوم.

((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) الآمر معلوم، (سُرق المتاع) حذف للجهل به، وقد يحذف للخوف منه (ضُرب زيد) أو (ظُلم زيد) المتكلم لا يستطيع أن يقول: ظلم الأمير زيداً، يخاف منه، وقد يكون لتعظيمه، وقد يكون لتحقيره، وقد يكون لأمور كثيرة، وهنا للعلم به، فالآمر هو الله -جل وعلا-، إذ لا آمر للنبي -عليه الصلاة والسلام- في القضايا الشرعية إلا الله.

في رواية: "أمرنا" ((أمرت)) المأمور هو النبي -عليه الصلاة والسلام-، وفي حكمه أمته؛ لأن المسألة مسألة شرعية، ونحن مأمورون بالاقتداء به والائتساء به، فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر لأمته، وأمرنا له ولأمته -عليه الصلاة والسلام-، والتعبير عن فعل الأمر: "اسجدوا على سبعة أعظم" أو المضارع المقترن بلام الأمر، صيغة الأمر المقتضية للوجوب: (افعل) أو المضارع المقترن بلام الأمر، التعبير عن صيغة الأمر باسم الأمر أو بلفظه: ((أمرت)) هو بمثابة فعل الأمر، كأنه قال: اسجدوا على سبعة أعظم، أو اسجد يا محمد على سبعة أعظم، وخالف داود الظاهري وبعض المتكلمين فقالوا: هذه الصيغة لا تحمل على الأمر، وهذا الخلاف في: "أمرنا ونهينا" إذا قال الصحابي: "أمرنا" أو قال: "نهينا" يقول داود الظاهري وبعض المتكلمين: لا يدل على الأمر ولا على النهي حتى ينقل اللفظ النبوي؛ لأنه قد يسمع شيئاً يظنه أمراً أو نهياً وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، وهذا القول واهٍ، يعني إذا شككنا في فهم الصحابة فمن يفهم الدين بعدهم؟ أولاً: لغاتهم لم تتغير، هم عرب أقحاح، والأمر الثاني: أنهم عايشوا النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعرفوا مدلولات الألفاظ الشرعية.

هنا اللفظ للنبي -عليه الصلاة والسلام- هو الذي يقول: ((أمرت)) هل نقول: إنه لا يستفاد من الأمر حتى ينقل اللفظ الإلهي؟ لا، لو قلنا بهذا لما قبلنا حديثاً نبوياً حتى ينقل لنا اللفظ الإلهي، فمثل هذا لا يدخل في الخلاف.

((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) سبعة أعظم، وكل واحد من هذه السبعة يشتمل على أعظم، يشتمل على أعظم، يعني اليد إلى الكف عظم واحد وإلا عظام؟ عظام، كم فيها من عظم يمكن فصله عن الثاني؟ أعداد كبيرة يمكن تزيد على العشرين، المقصود أن أعظم إجمالية، وفي كل عظم منها أعظم، ولولا البيان التفصيل بعد الإجمال لقلنا: إنها سبعة أعظم لو سجد بيد واحدة كفت؛ لأن فيها أكثر من سبعة أعظم، هنا قال: ((على سبعة أعظم)) إجمال، ثم بعد ذلك فصلها وبينها، والإجمال له فائدة، كثيراً ما يأتي بالعدد المحصور: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) نحتاج إلى مثل هذا العدد عند الضبط والحفظ؛ لأنه لو قال: اسجدوا على أعظم هي ثم عددها الاحتمال في أن ينسى بعض الرواة بعضها، والإنسان إذا أراد أن يحفظ الحديث نسي بعضها، لكن إذا عرفها سبعة، أخذ يعددها، واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، إذا كملت السبعة عرف أنه ضبط الخبر، لو لم يكن فيه العدد المجمل احتمال أنه يعد ستة احتمال يعد خمسة وينسى الباقي.

موسى -عليه السلام- أرسل في تسع آيات، كيف نعد التسع؟ يعني لو قيل: موسى أرسل بآيات، يمكن يعد الواحد اثنتين، ثلاث، خمس، ما يكمل التسع، لكن تسع، لا بد أن تكون تسع، فمن يعد لنا التسع نشوف هي مضبوطة وإلا لا؟ نعم؟

طالب:.......

العصا واليد.

طالب:.......

السنين.

طالب:.......

الضفادع.

طالب:.......

الدم.

طالب:.......

القمل.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

انشقاق البحر هذا من أجل أن يؤمن فرعون؟! تسع آيات؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

لا لا، هذا من أجل أن يغرق.

طالب:.......

الجراد، أيوه.

طالب:.......

تعدهم من جديد؟ شوف فائدة التسع كونها تسع لا بد أن تحضر تسع، في واحدة يمكن ما تدرك اللي هي الطمس {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [(88) سورة يونس].

المقصود أن فائدة العدد المجمل من أجل أن تضبط، لولا هذا العدد المجمل ما ندري تسع وإلا عشر وإلا خمس؟ إلا بطريق الاستقراء بحيث يستقرئ العالم المطلع الذي هو من أهل الاستقراء التام، ثم يحصر لنا من أجل نتبعه في الحصر، فمثلاً أركان الصلاة أربعة عشر، ما جاء فيه نص أنها أربعة عشر، لكن بطريق الاستقراء حصرت بهذه الأركان، فأنت إذا أردت أن تراجع أركان الصلاة تستحضر أنها أربعة عشر وهكذا، هذه فائدة ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)).

((على الجبهة)) على الجبهة وهذا بدل بعض "وأشار بيده على أنفه" يعني أمر بيده على أنفه؛ ليبين أن الجبهة والأنف عظم واحد...

في شيء؟

طالب:.......

يقول: ((على الجبهة)) وأشار بيده على أنفه؛ ليبين أن الجبهة والأنف عضو واحد، ولا بد من السجود على هذا العظم الأول الذي هو الجبهة والأنف، وعلى هذا لا يجزئ السجود على الجبهة فقط، أو على الأنف فقط، لا يجزئ السجود على الجبهة فقط، ولا على الأنف فقط، ومنهم من قال كالحنفية: إن سجد على الجبهة أجزأ، وأبو حنيفة يقول: إن سجد على أنفه فقط أجزأ؛ لأنه يجوز السجود على بعض العضو، يعني لو سجد على راحتيه فقط ورفع أصابعه السجود صحيح، والخلاف فيما إذا سجد على الأصابع دون الراحة، لو سجد على إصبعين من أصابع رجله وارتفعت البقية عن الأرض يجزئه، وعلى كل حال هذا القول ضعيف، والتنصيص عليهما على الجبهة والأنف يدل على أنه لا بد من السجود عليهما.

((واليدين)) والمراد باليدين الكفان، وهذا فيما إذا أطلقت اليد يراد بها الكف، وإن كانت اليد تشمل ما بين أطراف الأصابع إلى المنكب كلها يقال لها: يد، وأما إذا قيدت فمعلوم أن المقيد يقضي على المطلق {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [(6) سورة المائدة] وأما إذا أطلقت كما في آية التيمم وهنا والسرقة فإن المراد الكفان.

((واليدين)) واليد المراد بها الكف، والسجود على الذراع منهي عنه، الذي هو انبساط الكلب، والكف تشمل الراحة وتشمل الأصابع، وكثير من الشباب تجده يسجد على الأصابع فقط، يعني إذا سجد على الراحة يصعب عليه أن يرفع الأصابع وإن كان ممكناً، لكن يسجد على الأصابع دون الراحة، والأصل في الكف الراحة باطن اليد، هذا الأصل، والأصابع تبعاً لها، ومنهم من يسجد على الجُمْع، الجمع ويش معناه؟ ضم الأصابع إما هكذا أو هكذا، هذا موجود، هذا لم يسجد على اليد، هذا السجود ليس بصحيح، هذا سجوده ليس بصحيح.

((والركبتين)) معروفتان.

((وأطراف القدمين)) أطراف القدمين إذ لا يمكن السجود على القدمين، وإنما الممكن الأطراف، يعني الأصابع، بطون الأصابع، وتكون متجهة إلى القبلة؛ لكن لو عكس سجد على ظهورها أجزأ؛ لأنه صح أنه سجد على أطراف القدمين.

((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) مباشرة هذه الأعظم إلى الأرض، أو مباشرتها الأرض والسجود على حائل يتفاوت من عظم لآخر، أما بالنسبة للركبتين فلا بد من سترهما إذ هما من العورة، ولا يجوز كشفهما، وأطراف القدمين في حال لبس الخفين يستران، يجوز سترهما، واستشكل بعضهم إيراد البخاري لحديث المسح على الخفين بين أحاديث السجود، استشكل بعضهم، كيف يورد البخاري حديث من أحاديث المسح على الخفين في صفة الصلاة في كيفية السجود؟ أورده ليبين أنه لا يلزم كشف القدمين؛ لأنه له أن يمسح خمسة الأوقات يوم وليلة، ويمر عليه أكثر من صلاة، يمر عليه في هذه المدة أكثر من صلاة، فيجوز ستر القدمين، وأما الركبتين فيجب سترهما.

بقي الوجه واليدان، الستر أو الحائل المنفصل يجيزونه بلا كراهة، فتسجد على بساط، على فراش، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يسجد على الخمرة، هذا بالنسبة للمنفصل، أما بالنسبة للمتصل فيطلقون الكراهة، يعني أراد شخص أن يسجد فوضع طرف الشماغ وسجد عليه هذا مكروه، وضعه، وضع طرفي الشماغ على يديه هذا مكروه عند أهل العلم، لكنه جاء ما يدل على جوازه عند الحاجة لشدة حر أو لشدة برد، في السنن وغيرها، وأهل العلم يقولون: إن الكراهة تزول بأدنى حاجة، يعني شدة برودة المسجود عليه، أو شدة حرارته هذه حاجة، لكن إذا كان الفرش أو المسجود عليه تنبعث منه روائح، والناس يتفاوتون في قبول هذه الرائحة، كثير من الناس يسجد ولا عنده مشكلة يقبل مثل هذه الرائحة، وبعض الناس لا يقبلها، هذا إذا كانت هذه الرائحة تسبب عنده إشكال، يعني بعض روائح الفرش الجديدة تولد حساسية في الصدر مثلاً، هذا نقول: حاجة، لكن إذا كانت لا تضره هذه ليست بحاجة، قد نقول: إنها أدنى حاجة؛ لأنه يتأذى منها، والكراهة تزول عند أهل العلم بأدنى حاجة، فيضع طرف الشماغ ويسجد عليه، مع أنه لو تواضع وقبل مثل هذه الرائحة إلا إذا كانت تحول دونه ودون الخشوع، إذا كان لا يخشع في صلاته، فإنه حينئذٍ المحافظة على الخشوع الذي قال جمع من أهل العلم بوجوبه أولى من المحافظة على هذا المكروه.

قد يحتاج إلى رفع عضو، أو عظم من هذه الأعظم، ساجد فاحتاج إلى حك شيء من بدنه بيده بحركة لا تطول يرفعها ثم يعيدها، وقد يسجد فتلسعه بعوضة في قدمه فيحتاج أن يحك هذه القدم بالأخرى، ثم يعيدها قالوا: مثل هذا لا يؤثر؛ لأن العبرة بغالب السجود.

((ولا نكفت الثياب والشعر)) نكفت نضم الثوب بعضه إلى بعض، أو نضم الشعر بحيث نلفه بعضه على بعض، ولا نقبضه، وعلى هذا تصرف كثير من المصلين بالبشت العباءة، إذا أراد أن يسجد ضم بعضها إلى بعض، بالشماغ، وكثير من الناس يعبث بالشماغ، إذا اختلف وضعه أي اختلاف حرك الشماغ، إذا كبر واسى الشماغ، إذا ركع، إذا رفع من الركوع احتاج إلى أن يضم الشماغ وهكذا، هذا يقول: ((ولا نكفت الثياب والشعر)) يعني لا نضم بعضها إلى بعض، وأما المشلح فحدث ولا حرج؛ لأنه إذا سجد وترك المشلح هذا أو العباءة على هيئتها فإنها تتفرق يميناً وشمالاً فيسجد عليها من بجانبه يمنة ويسرة، فهو يحتاج أن يضمها هذا داخل في الحديث، ولا الشعر أيضاً، لا يضم الشعر ولا يعقد، بل يترك على هيئته مسترسلاً، وكذلك ما في حكمه.

"متفق عليه، ولفظه للبخاري".

ثم قال: "وعن عبد الله بن بحينة" مالك بن بحينة، أكثر ما يقال: عن عبد الله بن بحينة، أبوه مالك ابن القشب، وأمه بحينة، ولذا تجدون ابن بحينة فيها ألف، الأصل لو كان بحينة جده لقال: عبد الله بن مالك بن بحينة تجدون ابن هذه مجرورة؛ لأن الأصل مجرور عبد، لو كانت الصيغة: حدثنا عبدُ الله بنُ مالك بنُ بحينة؛ لأن ابن في الموضعين تابعة لعبد الله، والثانية ليست تابعة لمالك، يعني لو قال: حدثنا عبد الله بن عمرو بن الخطاب؛ لأن كل واحدة تابعة لما قبلها، لكن الذي عندنا تابعة لما قبل الذي قبلها، ولذلك تثبت فيها الألف؛ لأنها ليست بين متوالدين، وليست تابعة للذي قبلها، إنما تابعة للذي قبل الذي قبلها، فلو كانت الصيغة: حدثنا عبد الله بنُ مالك ابنُ بحينة؛ لأن بحينة أم عبد الله، ومثله عبد الله بن أبي ابن سلول، سلول أمه.

"-رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه" في بعض الروايات: "إذا صلى يجنح بين يديه" وجنح، وفي رواية: خوى، أي نحى، وهذه مجافاة "بين يديه حتى يبدو" يروى في بعض الروايات، وفي بعضها: نرى بياض إبطيه، وفي رواية: وضح، وهو بياض إبطيه.

"كان إذا صلى فرج" جنح، خوى، يعني نحى يديه عن جنبيه "حتى يبدو" أو يرى أو نرى "بياض إبطيه" ووضح إبطيه.

المجافاة سنة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، هذه صفة صلاته -عليه الصلاة والسلام-، وهذا مشروع فيما دلت عليه الأدلة بالنسبة للإمام والمنفرد، أما بالنسبة للمأموم مع الجماعة فإنه لا يشرع له ذلك، النبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا صلى يعني يصف حالته وهو إمام أو منفرد، إذ لم يكن مأموماً -عليه الصلاة والسلام-، ومجافاة المأموم تؤذي من بجانبه عن يمينه وعن شماله، وقلنا مراراً: أن معرفة السنة أمر لا بد منه؛ لتقع العبادة التي من أجلها خلق على مراد الله، وعلى مراد رسوله -عليه الصلاة والسلام-، لا بد من معرفة السنة، ولا بد من تطبيق السنة، لا تكفي المعرفة، ونحن نرى بعض طلاب العلم يصلي صلاة بعض صلاة العوام أفضل منه، يعرف السنة، لكن لا يطبق السنة، وبعض طلاب العلم يعرف السنة ويطبق السنة لكنه لا يفقه كيف يطبق السنة، فلا بد من فقه تطبيق السنة، فتجده إذا سمع بمثل هذا الحديث آذى المصلين، تجده يجافي ويفرج بين يديه بين اثنين والمطلوب التراص في الصف؛ لأنه قد يقول قائل: إن هذا الإشكال يحله التباعد بين الناس، لكن هذا معارض بما هو أقوى منه وهو التراص في الصف، ولا يتحقق التراص في الصف مع هذه المجافاة، فإذا تراصوا وأراد أحد أن يجافي فإنه لا بد أن يؤذي من عن يمينه ومن عن شماله، والأذى لا يجوز، فلا يفعل مسنون، ويرتكب محظور، وهذا الذي يؤكد عليه، وهو فقه تطبيق السنة.

"فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" ومعلوم أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يلبس الإزار والرداء، ومع الرداء يرى بياض الإبط، ولو ستر المنكب، إذا ستر المنكب يرى بياض الإبط؛ لأنه لا يلزم من ستر المنكب ستر ما تحته ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء)) وفي رواية: ((ليس على منكبه منه شيء)) المقصود أنه لا بد من ستر المنكب كما تقدم لنا في ستر العورة، وليس هو من العورة، لكن لا بد من ستره، يجب سترة، فيأثم الذي يصلي وهو كاشف للمنكب، لكن صلاته صحيحة؛ لأنه ليس بشرط، يعني مثل غسل الجمعة عند من يقول بوجوبه الصلاة صحيحة، لكنه آثم بتركه الواجب.

"يرى بياض إبطيه" هذا إذا صلى بالرداء، أما إذا صلى بالقميص الذي من لازمه الكم فإنه ينستر الإبط، ولا يلزم من قوله: "حتى يبدو بياض إبطيه" ألا يكون الإبط عليه شعر؟ لأن البياض يلوح من وراء الشعر حتى في عادي الناس، البشرة البيضاء تبدو من وراء الشعر، وإن استنبط بعضهم من هذا الحديث أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا شعر في إبطيه، وهذا من خواصه، لكن إن لم يدل دليل غير هذا فلا دليل فيه، فبياض الإبطين يبدو إذا حلق الشعر، وقد يبدو مع وجود الشعر، والناس يتفاوتون في هذا الشعر قلة وكثرة، مع أن البشرة البيضاء لا يحجبها الشعر إلا إذا كان كثيفاً.

جاء في وصفه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان أبيض، وأنه كان أزهر اللون، وكان في صدره شعر، كان دقيق المسربة، والمسربة شعر الصدر كما في الشمائل.

"حتى يبدو بياض إبطيه" وهذا سببه المبالغة في المجافاة "متفق عليه".

"وعن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك))" يعني على الأرض ضع كفيك، إما محاذية لأذنيك كالرفع، أو لمنكبيك كما جاء، وكل هذه صفات ثابتة، إما محاذية لفروع الأذنين كالرفع، أو لأطراف الأذنين، أو للمنكبين.

((فضع كفيك، وارفع مرفقيك)) ارفع مرفقيك عن فخذيك، وهذا لا يلزم منه مجافاة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يخاطب البراء وهو مأموم، ما قال: جافي، إنما قال: ((ارفع مرفقيك)) يعني عن فخذيك، ولا يلزم منه المجافاة.

يرفع مرفقيه لئلا يعتمد على فخذيه، يكون معتمد على يديه، ومعتمد على جبهته؛ لأنه لو وضع مرفقيه على فخذيه لكان اعتماده على الفخذين، وليس اعتماده على اليدين والوجه، مع أنه إذا احتاج إلى ذلك بحيث يكون مريضاً لا يستطيع أن يستقل بيديه ووجهه في السجود، واحتاج إلى الاستعانة بالفخذين يستعين بهما، وجاء الترخيص في ذلك في سنن أبي داود وغيره، وكذلك لو طال السجود مثلاً وتعب من رفع المرفقين، ووضع الجبهة على الأرض، يضع الجبهة على الأرض لا محالة، ولا يمكن رفعها عنها، لكن إذا رفع مرفقيه عن فخذيه اعتمد على الجبهة، فإذا وضع المرفقين على الفخذين خف الحمل على اليدين وعلى الجبهة، فإذا احتاج إلى ذلك فجاءت الرخصة له بذلك.

"رواه مسلم".

ثم قال: "وعن وائل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ركع فرج بين أصابعه" يعني كأنه قابض لركبتيه، يفرج بينهما، كأنه قابض لركبتيه، وهذا يدل على..، مع ما في بعض الروايات من التصريح بقبض الركبتين، يدل على نسخ التطبيق، وهو جمع اليدين ووضعهما بين الفخذين، وابن مسعود -رضي الله عنه- ما علم بالناسخ واستمر عليه، لكن التطبيق منسوخ.

"كان إذا ركع فرج بين أصابعه، ووضعهما على ركبتيه كأنه قابضهما، وإذا سجد ضم أصابعه" ضم الأصابع لتكون متجهة إلى القبلة، إذا سجد ضم أصابعه؛ لأنه لو فرقها انحرفت عن جهة القبلة يميناً وشمالاً، وقل مثل هذا في الرجلين حال الوقوف في الركوع، وفي أصابع اليدين حال السجود كلها تتجه إلى جهة القبلة.

"وإذا سجد ضم أصابعه" رواه البيهقي والحاكم، وقال: على شرط مسلم" رواه البيهقي والحاكم ورواه أيضاً ابن خزيمة، كلهم عن طريق هشيم عن عاصم بن كليب عن علقمة بن وائل عن أبيه به، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان... إلى آخره.

وكلهم قالوا: عن هشيم عن عاصم، وهشيم معروف بالتدليس.

وفي الصحيح عدة كالأعمشِ

 

وكهشيم بعده وفتشِ

ج

هشيم مدلس وقد عنعن، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، يقول الحاكم، لكن عنعنة هشيم إذا قبلت في مسلم فإنها لا تقبل في خارجه، ولكن الحديث له شواهد ترفعه إلى مرتبة الحسن، فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.