شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 18

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 18
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 2:45 م

سماع الدرس


المقدم:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم مستمعينا الكرام إلى هذا اللقاء الجديد في شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، أرحب بكم، كما أرحب بضيف هذه اللقاءات معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فمرحبًا بكم فضيلة الشيخ وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.   

المقدم: الكلام مستمعيّ الكرام لا يزال موصولًا في حديث عمر- رضي الله عنه- أنه سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: كنتُ نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: «فأوف بنذرك».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، ففي نهاية الحلقة السابقة وفي آخرها ذكرنا رواية أبي داود والنسائي وفيها: «فاعتكف وصُم».

المقدم: نعم   

ذكرنا أن ابن حزم قال: لا تصح هذه الرواية؛ لأن في سندها عبد الله بن بديل، وهو مجهول، وتعقَّبه ابن الملقن، قلت: لا، فقد علق له البخاري ووُثِّق.

على كل حال ابن حجر في التهذيب نقل عن ابن معين أنه صالح، وقال: ابن عديل له ما ينكر عليه من الزيادة في متن أو إسناد؛ يعني كونه صالحًا قد يُحسّن له ما لا مخالفة له فيه، أما ما يُخالف فيه من الزيادات، سواء كانت في المتون أو الأسانيد فقد قال ابن عدي: له ما ينكر عليه، فلعل هذه من منكراته.

وذكره ابن حبان في الثقات، وعلى كل حال عبد الله بن بديل تفرّد بزيادة الصوم كما قاله ابن عدي والدارقطني وضعفاه بسببها، ونقل الدارقطني عن النيسابوري أنه حديثٌ منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمروٍ لم يذكروه، يعني الصوم منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وغيرهم.

المقدم: نعم    

فماذا يكون موقع عبد الله بن بديل بين هؤلاء الحفّاظ؟ ثم قال ابن حزمٍ: ولا نعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينارٍ أصلاً، وما نعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر حديثًا مسندًا إلا ثلاثة ليس هذا منها، فسقط الخبر؛ لبطلان سنده.

يقول بن الملقن متعقبًا ابن حزم قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث؛ لأنه يقول وما نعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر.

المقدم: إلا ثلاثة.

حديثًا مسندًا إلا ثلاثة، ليس هذا منها.

يقول ابن الملقن في الصحيح: لعمرو بن دينار نحو عشرة أحاديث عن ابن عمر.

المقدم: هذا ينقله ابن حجر عن ابن الملقن؟

لا ابن الملقن نفسه.

المقدم: نعم

نعم، فما هذا الكلام؟ يعني لما يكون من الحفظ.

المقدم: نعم    

ابن حزم يعتمد على حفظه، فكونه يحصر مرويات عمرو بن دينار عن ابن عمر في ثلاثة، اعتمادًا على حفظه وله نحو عشرة في الصحيح فقط، فكيف بما هو خارج الصحيح؟!  المقصود أن ابن حزم وهِم في هذا، ضعّف ابن حجر هذه الرواية التي فيها الأمر بالصيام؛ لضعف عبد الله بن بديل، وتعقبه العيني بما ذكره ابن الملقن سابقًا؛ لكونه وُثِّق وعلَّق له البخاري، وذكرنا أن كونه وُثِّق في قول ابن معين صالح لا يعني أنه ثقة، بل دون الثقة، لا يُردُّ حديثه، لكن لا يصل إلى درجة الصحيح، بحيث إذا خالفه من هو.. أو تفرد به زيادةٍ لا يحتمل تفرده كما هنا، وكونه وُثِّق أيضًا بذكر ابن حبان له في الثقات، ابن حبان أدخل في ثقاته بعض الرواة المجاهيل ممن لا يصلون لحد التوثيق، وانتُقِد في ذلك.

وأما كون البخاري علّق له فقد علق عن بعض الضعفاء لاسيما إذا لم يجزم بالصيغة بالنسبة إلى من ذُكر، إذا تقرر ذلك فمن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه سواها.

المقدم: الليلة معروفة بداية من المغرب حتى الفجر؟

أي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فمن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه سواها خلافًا لمالك، حيث قال: يلزمه يومٌ معها، وفي شرح ابن بطال: قال مالك: من نذر اعتكاف ليلةٍ لزمه يومٌ وليلة.

وقال سُحنون: لا شيء عليه إن نذر اعتكاف ليلة، لماذا؟ يعني ما يلزمه ولا الليلة، لا يلزمه الوفاء؛ لأنه نذر شيئًا غير شرعي، اعتكاف ليلة، ومن شرط الاعتكاف بالصيام، والليل ليس بمحل للصيام، إذًا كمن نذر أن يصوم يوم العيد.

المقدم: أو يصلي.  

لا شيء عليه.

المقدم: أو يصلي بلا وضوء.

نعم أن يفعل أمرًا غير شرعي.

وقال سحنون: لا شيء عليه إن نذر اعتكاف ليلةٍ؛ لأنه لا صيام في الليل.

قال: ومن نذر اعتكاف يومٍ لزمه يومٌ وليلة، ومن نذر اعتكاف يومٍ يلزمه يومٌ وليلة، ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلتهِ، وإن دخل قبل الفجر لم يجزه، وإن أضاف إليه الليلة المستقبَلة، ننتبه لهذا.

قال سحنون: ومن نذر اعتكاف يومٍ يلزمه يومٌ وليلة، ويدخل اعتكافَه قبل غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر لم يجزهِ وإن أضاف إليه الليلة المستقبلة.

ويقول: يلزمه يوم وليلة، يلزمه نهار ويلزمه ليلة.

المقدم: نعم، وإن دخل.

لكن إن دخل من غروب الشمس واستوعب الليلة كاملة، واستمر في اعتكافه إلى غروب الشمس، هذا وفّى بنذره، لكن لو دخل قبل طلوع الفجر واستوعب النهار كاملًا، وأضاف إليه الليلة المستقبلة، وفّى بنذره أم لا؟

المقدم: على كلام سحنون لم يوفِّ بنذره.

لا، لماذا؟ لأن هذه الليلة التي اعتكافها ليست تابعة لليوم الذي اعتكفه، إنما هي تابعة لليوم الذي يليه، في المسجد الحرام، قال ابن الحجر: زاد عمرو بن دينار في روايته عند الكعبة، قال: «فأوفِ بنذرك» قال الكرماني: فيه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق الإسلام كان معمولًا به؛ يعني نذر أمرًا مشروعًا في الإسلام فإنه يفي به، لكن لو نذر شيئًا غير مشروع في الإسلام.

المقدم: لا يفي به.

لا يفي به، وأن من حلف بكفره، ثم أسلم فحنث أن الكفارة تجب عليه، وهذا أخذ من هذا الحديث «فأوف بنذرك»، واليمين في حكم النذر، وفيه أنه لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف، وكلها مسائل خلافية يأتي شرحها.

قال ابن بطّال: وقوله- عليه السلام- محمولٌ عند الفقهاء على الحض والندب لا على الوجوب بدلالة أن الإسلام يهدم ما قبله.

«فأوف بنذرك» محمولٌ عند الفقهاء على الحض والندب لا على الوجوب بدلالة أن الإسلام يهدم ما قبله، الآن هذه المسألة وحمل الأمر على الوجوب، هل لها علاقة بتكليف الكافر بفروع الشريعة؟ أنه مكلف، نعم، هل لها علاقة؟ الكافر عند جمهور أهل العلم مكلف بفروع الشريعة، مخاطب بفروع الشريعة، خلافًا للحنفية، وخلافًا للمالكية في الأوامر دون النواهي.

المقدم: نعم.

وقد حمل الطبري قوله -عليه السلام-: «أوف بنذرك» على الوجوب، وقال: إنما أمر النبي- صلى الله عليه وسلم - عمر بالوفاء في الإسلام بنذرٍ كان نذره في الجاهلية إذ كان ذلك لله برًّا في الإسلام، فالواجب أن يكون نظيره كل نذرٍ نذره في حال كفره مما هو طاعة في الإسلام أن عليه الوفاء لله به في حال إسلامه قياسًا على أمره -عليه السلام- عمر، أن يفي بنذره الذي كان نذره في الجاهلية في حال إسلامه.

في شرح ابن الملقن يقول: ذهب البخاريُّ إلى وجوب الوفاء به، كما بوَّب عليه هُناك، وقاس اليمين على النذر، وهو قول أبي ثورٍ والطبري، واختلف أصحابُنا في صحة نذره في حال شركه، والأصح عدم صحته، يقول ابن الملقن: ذهب البخاري إلى وجوب الوفاء به، كما بوّب عليه هناك؛ يعني النذر، ومثله اليمين على ما سيأتي بكتاب الأيمان والنذور، ذهب البخاري إلى وجوب الوفاء به كما بوب عليه هناك وسيأتي في كلام ابن حجر أن ترجمة البخاري لا تدل على الوجوب، وقاس اليمين على النذر وهو قول أبي ثورٍ والطبري، واختلف أصحابنا في صحة نذره في حال شركه، والأصح عدم صحته، لكن بمَ يجيبون عن حديث عمر؟ وأمَرَه النبي- عليه الصلاة والسلام- بالوفاء؟

المقدم: فأوف بنذرك.

نعم، قوله: والأصح عدم صحته هذه من مذهبهم.

المقدم: نعم.

أصحابه الشافعية، وقال المُهلّب: وفيه دليلٌ على تأكيد الوفاء بالوعد، ألا ترى أنه أمره بالوفاء به! وقد خرج من حال الجاهلية إلى حال الإسلام، وإن كان عند الفقهاء أن ما كان في الجاهلية من أيمانٍ وطلاقٍ وجميع العقود فإن الإسلام يهدمها، ويُسقط حرمتها، قاله ابن بطال، دليلٌ على تأكيد الوفاء بالوعد، ألا ترى أنه أمره بالوفاء به؟ الآن هذا نذر أم وعد؟

المقدم: نذر.

لكن إذا وعد؟ قال: إذا استلمنا الراتب مثلًا تصدقتُ بمبلغ كذا يلزم أم ما يلزم؟

المقدم: لا يلزم.

إلا إذا اقترن بالعهد { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } [التوبة:75]، ثم قال: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قلوبهم } فإذا اقترن بالعهد لزم الوفاء به، وإلا فهو مجرد وعد.

المقدم: نعم لعلنا نقف عند هذا الحد إن تفضلتم فضيلة الشيخ، أيها الإخوة المستمعون الكرام إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة، نتقدم في ختامها بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير -وفقه الله– عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، شكر الله له، ولكم أنتم مستمعينا الكرام نلقاكم بإذن الله تعالى وأنتم بخير وعلى خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.