التعليق على تفسير القرطبي - سورة النازعات (01)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة النازعات (01)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 02/ ربيع الثاني/ 1440 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، قال الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى-:

" سورة النازعات مكية بإجماع، وهي خمس أو ست وأربعون آية، بسم الله الرحمن الرحيم، قوله تعالى: النازعات: ١ أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها على أن القيامة حق، والنازعات الملائكة التي تنزع أرواح الكفار، قاله علي- رضي الله عنه-، وكذا قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، قال ابن مسعود: يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كل شعرة، ومن تحت الأظافر وأصول القدمين نزعًا كالسّفّود ينزع من الصوف الرطب، ثم يفرقها أي يرجعها في أجسادهم، ثم ينزعها، فهذا عمله بالكفار، وقاله ابن عباس، وقال سعيد بن جبير: نُزعت أرواحهم ثم غرقت ثم حرقت ثم قُذف بها في النار. "

الموضع الأول ثم يغرقها بالغين؛ بدليل قوله: النازعات: ١.

ثم غرقت؟

ثم يغرقها أي يرجعها في أجسامهم.

" ثم يغرقها أي يرجعها في أجسادهم ثم ينزعها، فهذا عمله بالكفار، وقاله ابن عباس، وقال سعيد بن جبير: نزعت أرواحهم ثم غرقت ثم حرقت ثم قذف بها في النار، وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق، وقال السدي: والنازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور. "

ولا شك أن النفس عند خروج الروح يصيبها مثل ما يصيب الإنسان عند غرقه من ضيق النفَس وشدة الوضع والهول الإنسان عندما يغرق تجده ينازع النفس ويكتمه ثم يرسله، وهكذا عند نزع روحه، وهذا شيء مشاهد كأنه غرق النازعات غرقًا تخصيصها بأرواح الكفار، كما هو المتجه من كلام المؤلف؛ لوجود الغرق لوجود الغرق وإلا فالأصل أن الملائكة تنزع أرواح الكفار كما تنزع أرواح المؤمنين، {توفته رسلنا} يعني الملائكة، فالسياق هو سياق تهويل، سياق تشديد، قد يُخص به العموم في النازعات، وإلا فالأصل أنها تنزع جميع الأرواح الصالح والطالح والخير والفاجر والفاسق والمؤمن والكافر، لكن السياق سياق تهويل وتشديد، وهذا يناسب الكفار.

طالب: ...............

ما المانع؟

طالب: ...............

أنا أقول السياق سياق تشديد فهو يناسب الكفار.

طالب: ...............

على كل حال معروف التفريق بينهما في النصوص، وأن هذا تسل روحه كسل الشعرة من العجين، وذاك كما ينزع.. نعم، وهذا أشار إليه المؤلف، فالسياق سياق شدة وتهويل، فهو مناسب للكفار، وإلا فالأصل أن الوفاة للجميع، وهو مفارقة الروح للجسد للجميع، ولذلك في قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم، قال المسعودي: يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم.

" قال مجاهد: هي الموت ينزع النفوس، وقال الحسن وقتادة: هي النجوم. "

لكن الموت يعبر عنه بالنازعات؟! فيه بعد.

" وقال الحسن وقتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق أي تذهب، من قولهم: نزع إليه أي ذهب، أو من قولهم: نزعت الخيل أي جرت. النازعات: ١ أي أنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر، وقاله أبو عبيدة وابن كيسان والأخفش، وقيل: النازعات: القسي تنزع بالسهام، قاله عطاء وعكرمة. وغرقًا بمعنى إغراقًا، وإغراق النازع في القوس أن يبلغ غاية المد حتى ينتهي إلى النصل، يقال: أغرق في القوس أي استوفى مدها: وذلك بأن تنتهي إلى العقب الذي عند النصل الملفوف عليه، والاستغراق: الاستيعاب، ويقال لقشرة البيضة الداخلة غرقئ، وقيل: هم الغزاة الرماة، قلت: هو والذي قبله سواء؛ لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد النازعون بها تعظيمًا لها، وهو مثل قوله تعالى: العاديات: ١، والله أعلم. وأراد بالإغراق المبالغة في النزع، وهو سائغ في جميع وجوه تأويلها، وقيل: هي الوحش تنزع من الكلأ، وتنفر، حكاه يحيى بن سلّام، ومعنى غرقًا أي إبعادًا في النزع. "

قد يقول قائل: ما الداعي إلى مثل هذا الاختلاف بين المفسرين بما في ذلك من ذكر من الصحابة كلام الله- جل وعلا- وقد نزل بلغة العرب؟ لغة العرب ألفاظها تحتمل وجوهًا ومعانٍ، فإذا لم يوجد نص عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في بيان مراد الله، فالعلماء يجتهدون في بيان المراد والأوجه، إذا كانت تحتملها اللغة، ومما لم يرد فيه نص ملزِم عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فإنها يفسَّر بها القرآن، فمن القرآن ما لا يعرف إلا بتوقيف عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-، ومنه ما تعرفه العرب من لغتها، مادام القرآن نزل بلغة العرب فإنه يفسَّر بها، لكن ليس هذا لكل أحد، إنما هو لمن جمع بين علوم الشريعة وعلوم اللغة، لا يستقل بذلك اللغوي ولا يستقل بذلك المتشرع من غير لغة، فلا بد من هذا وهذا سواء كان ذلك في تفسير القرآن أو في بيان معاني كلامه -عليه الصلاة والسلام- وإلا التفسير بمجرد الرأي كما هو معروف حرام، ويبقى أن من القرآن ما هو من قسم المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فمثل هذا الاختلاف الذي لدينا من الاختلاف الذي تحتمله الألفاظ من حيث اللغة، ولا يكون فيه شيء من التضادّ، وإنما هو تنوع؛ لأن اللفظ يحتمل، فهو من عموم اللفظ، يحتمل هذه الأوجه، ولا يقالك إن هذا خطأ أو ذاك خطأ إلا إذا لم يوجد ما يدعمه ويؤيده من كلام العرب.

طالب: ...............

الشخص أو العالِم الذي لديه ملَكة ناتجة عن كثرة ممارسة وتدبر لكلام الله ونظر في كلام أهل العلم قد يصل إلى شيء لم يبلغه من قبله، وكم ترك الأول للآخِر، ورب مبلَّغ أوعى من سامع، وهذا موجود، تجد لشيخ الإسلام كلام ما سُبق إليه، ولا نقول إنه فسر.. ولغيره من أهل العلم تجد كلامًا لم يسبق إليه، لكن يأتي من لا علاقة له بكلام الله، ولا يقرأ كتاب الله، ومع ذلك لم يطلع على كلام أهل العلم وأقوالهم ثم يقول: نحن عرب، والقرآن نزل بلغتنا، ونحن نفسر، هذا الذي جاء الوعيد عليه، أما من أدام النظر في كلام الله، ونظر إلى الآية، وقد تكررت في مواضع، وعرف معناها في سياقها، وراجع كلام أهل العلم واطلع عليه، تكونت لديه ملكة يستطيع أن يفهم بها كلام الله، وقل مثل هذا في السنة، ولذلك تجد الإنسان يقرأ في صحيح البخاري، ويلوح له معنى يراجع جميع الشروح الموجودة، ما فيها مثل هذا الكلام ،لا نستطيع أن نقول خطأ؛ لأنه قد يطّلع على رواية مفسِّرة لهذه الرواية التي في الصحيح في كتاب آخر من كتب السنة لم يطلع عليه الشراح الذين سبقوه، فهو لا شك أن هذه ملكة تتكون من الممارسة وإدامة النظر والتأمل والتفكر في كلام الله- جل وعلا- مع الاعتماد على ما جاء عن نبيه -عليه الصلاة والسلام- وعن صحابته وسلف هذه الأمة وأئمتها، أما شخص لا علاقة له بالقرآن، لا يفتح القرآن، ولا يتدبر القرآن، وتجده ما حفظ شيئًا من القرآن، ثم يقول: هم بشر أو رجال ونحن رجال، وهذا القرآن نزل بلغتنا.. حتى لو من هذه صفته رجع إلى كتب اللغة لا يستطيع أن يفسر القرآن، ولا يستطيع أن يفسر السنة؛ لأن هناك دورًا كبيرًا للسياق في معنى الآية وفي معنى الحديث وفي معنى الكلمة المراد بيانها، قلنا كلام الأصمعي، والأصمعي إمام من أئمة اللغة، قالوا إنه يحفظ ستة عشر ألف قصيدة من قصائد العرب التي بعضها يبلغ إلى مائتي بيت، ومع ذلك سئل عن الصقب في حديث: «الجار أحق بصقبه»، قال: أنا لا أفسر كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والعرب تزعم أن الصقب هو اللزيق يعني الملاصق، هذا الورع، والآن تجد من يكتب ومن يفتي في قنوات أو يحلل تحليلات لا علاقة لها بالعلم الشرعي، ثم يقول المعنى كذا، ولذلك هؤلاء أو هذا النوع من الناس تجدهم ينزلون الحقائق الشرعية في النصوص على الحقائق العرفية التي تداولوها وعرفوها فيما بينهم، وقد يكون بينهما بون كبير وبعد شاسع، لماذا؟ لأنه لم يطلع على حقيقة اللفظ الشرعية، ولذلك قالوا: لا يجوز أن يتكلم في غريب الحديث إلا من جمع بين علوم الشريعة وبين علوم اللغة.

طالب: ...............

ما هو بقول جديد مناقض منافٍ لجميع الأقوال، لا، مركب في ظلالها ويسايرها ولا يختلف معها، لكن تصور جديد وُجد مثلاً ما يشهد له في الواقع، تتفتح أشياء، ويتفتق الذهن عن أشياء قد يمليها الواقع، وقد يمليها النظر في نصوص أخرى، تعرفون أنتم ونحن نتداول بعض المعاني للأحاديث، ونحن نتداول بحث بعض المسائل العلمية، وهذا يأتي بقول، وذاك يأتي بقول، والإنسان يجمع من هذا، وتتلاقى الأفكار، ويخرج برأي صائب.

طالب: ...............

له أصل، لكن لا يتوسع فيه مثل التوسع غير المرضي الذي نسمعه كثيرًا، بعضهم جعل الإعجاز علمًا مستقلًّا، ولا يستند إلا إلى الواقع والنظر في الكون، هذا ما هو بصحيح.

" قوله تعالى: النازعات: ٢ قال ابن عباس: يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حُلَّ عنه، وحكى هذا القول الفراء ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت، وكأنما أنشط من عقال، وربطها: نشطها، والرابط: الناشط، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته، فأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته، وأنت منشط، وعن ابن عباس أيضًا هي أنفس المؤمنين عند الموت تنشط للخروج، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتعرض عليه الجنة قبل أن يموت فيرى فيها ما أَعد  الله له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطة أن تخرج فتأتيهم. "

وينشط أيضًا إذا بُشِّر   فصلت: ٣٠ يبشرونهم   فصلت: ٣٠، فإذا بُشِّر بهذا لا شك أن نفسه تنشط للخروج، وإذا فتح له، وأري مقعده من الجنة ومكانه من الجنة قال: يا رب أقم الساعة.

" وعنه أيضًا قال: يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب الذي يعقب به السهم، والعقَب بالتحريك: العصب الذي تعمل منه الأوتار، الواحدة عقبة، تقول منه: غلب السهم والقدح والقوس عقبًا. "

عقبا؟

عقبا.

نعم.

" تقول منه: عقب السهم والقدَح والقوس. "

والقِدْح.

" عقد السهم والقِدْح والقوس عَقْبًا إذا لوى شيئًا منه عليه، والنشط الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة: عقدة يسهل إخلالها. "

انحلالها.

" عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت مثل عقدة التكة، وقال أبو زيد: نشطت. "

يعني التَّكة هذه أو التُّكة السروال يربطونها ويجعلون لها أنشوطة بحيث إذا جرت يسهل، لكن إذا عقدت أكثر من مرة يصعب ،لكن إذا عقدت مرة واحدة وجعل أنشوطة سهل أنك جريتهم انفكت.

" وقال أبو زيد: نشطت الحبل أنشطه نشطًا: عقدته بأنشوطة، وأنشطته أي حللته، وأنشطت الحبل أي مددته حتى ينحلّ، وقال الفراء: أُنشط العقال أي حل، ونُشط أي ربط الحبل في يديه، وقال الليث: أنشطته بأنشوطة وأنشوطتين أي أوثقته، وأنشطت العقال أي مددت أنشوطته فانحلت قال: ويقال: نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى، وعليه يصح قول ابن عباس المذكور أولاً، وعنه أيضًا: الناشطات الملائكة لنشاطها تذهب وتجيء بأمر الله حيثما كان، وعنه أيضًا وعن علي- رضي الله عنهما-."

الاستعمال الموجود الذي مازال موجودًا إلى الآن إذا قيل: فلان ناشط ونشيط ونشط يعني أنه متحرك فيما هو بصدده سواء كان ناشطًا في الخير أو ناشطًا في الشر، المقصود أنه يسعى سعيًا حثيثًا لتحقيق هدفه.

" وعنه أيضًا وعن علي- رضي الله عنهما- هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أجوافهم نشطًا بالكرب والغم كما تنشط الصوف من سفّود الحديد، وهي النشط بمعنى الجذب، يقال: نشطت الدلو أُنشطها بالكسر. "

أَنشطها.

" يقال: نشطت الدلو أَنشِطها بالكسر وأنشُطها بالضم أي نزعتها قال الأصمعي: بئر أنشاط أي قريبة القعر، تخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط، قال: وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى تنشط كثيرًا، وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس الإنسان، وقال السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين، وقيل: النازعات أيدي الغزاة أو أنفسهم تنزع القسيَّ بإغراق السهام، وهي التي تنشط الأوهاق، وقال عكرمة وعطاء. "

يقول المعلق: الأوهاق جمع وهق بحركتين وقد يُسكَّن: الحبل تشد به الإبل والخيل؛ لئلا تند، ويقال: في طرفه أنشوطة الحبل حينما يدار على يد البعير يقال له وهق، يدار أكثر من مرة ثم إذا جعل في طرفه مثل.. كيف نعبر عنها التي هي..

طالب: ...............

الربطة لكنها يترك لها مجال بحيث تنحل، هذه معروفة يسمونها التكة مثل تكة السروال.

" وقال عكرمة وعطاء: هي الأوهاق تنشط السهام، وعن عطاء أيضًا وقتادة والحسن والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب، وكذا في الصحاح: النازعات: ٢ يعني النجوم من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة:

أمست همومي تنشط المناشط      

 

الشام بي طورًا وطورًا واسطًا          .

وقال أبو عبيدة وعطاء أيضًا: الناشطات هي الوحش حين تنشط من بلد إلى بلد، كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد، وأنشد قول هميان:

 أمست همومي ... البيت.

 وقيل: النازعات: ١ للكافرين، النازعات: ٢ للمؤمنين، فالملائكة يجذبون روح المؤمن برفق، والنزع جذب بشدة، والنشط جذب برفق، وقيل: هما جميعًا للكفار، والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا، قوله تعالى.. "

لو رجعنا إلى أصل المادة النشط والناشط والنشيط من النشاط وهو القوّة والحزم، وحينئذٍ يكون السياق بالكفار أليق، وإذا نظرنا إلى الناشط، وأن حلها لا يتعب ولا يُكلف قلنا: هي في المؤمنين؛ لأن حل الناشط التي يربط بها ذراع البعير حلها سهل جدًّا، فهي مثل استلال روح المؤمن من جسده، لكن أصل المادة النشاط فيها معنى القوّة.

طالب: ...............

نعم، طيّب.

طالب: ...............

على كل حال ستأتي أشياء تخص المؤمنين في السياق، لكن أنا قلت: إن النشاط أصل مادته القوة، والقوة إنما تناسب الكفار، هم الذين يحتاجون إلى قوة في النزع وتشديد عليهم مثل النازعات، وإذا نظرنا إلى أن الناشط التي تجعل في آخر عقدة في ذراع البعير هذه سهلة، حلها سهل جدًّا سلس، فهي تناسب المؤمنين.

" قوله تعالى: النازعات: ٣ قال علي- رضي الله عنه- هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، وقال الكلبي: هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء، فأحيانًا ينغمس، وأحيانًا يرتفع، يسلونها سلاًّ رقيقًا بسهولة، ثم يدعونها حتى تستريح، وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله، كما يقال للفرس الجواد: سابح إذا أسرع في جريه، وعن مجاهد أيضًا: الملائكة تسبح في نزولها وصعودها، وعنه أيضًا السابحات الموت يسبح في أنفس بني آدم، وقيل: هي الخيل الغزاة، قال عنترة:

والخيل تعلم حين تسبح          .

 

في حياض الموت سبحًا            .

وقال امرؤ القيس:

بسح...

فتكون حينئذٍ مثل العاديات ضبحًا هي الخيل، والسابحات سبحًا كذلك، واللفظ يحتمل.

وقال امرؤ القيس:

مِسحٌّ إذا ما السابحات على الونى     

 

أثرن غبارًا بالكديد المركل          .

قال قتادة والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها: وكذا الشمس والقمر، قال الله تعالى:          الأنبياء: ٣٣ وقال عطاء: هي السفن تسبح في الماء، وقال ابن عباس: السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقًا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج. "

والسبب في هذا الاختلاف مثل ما قلنا في أول الآية الأولى أنه ليس فيه نص ملزِم عن الله ولا عن رسوله في تفسير السابحات، كالخلاف في تفسير النازعات والناشطات، مادام ما فيه نص ملزم، ومن القرآن ما تعرفه العرب من لغتها، واللغة محتملة، والمتكلمون في الباب أهل لأن يتكلموا، لديهم ملَكة ينظرون في النصوص، وينظرون في لغة العرب، ويطبقون هذا على هذا من حيث احتمال اللفظ لهذا المعنى، ومن حيث سياق الكلام واحتماله لهذا اللفظ.

" قوله تعالى: النازعات: ٤ قال علي- رضي الله عنه-: هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء- عليهم السلام-، وقاله مسروق ومجاهد، وعن مجاهد أيضًا وأبي روق: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، وقيل: تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه، وعن مجاهد أيضًا: الموت يسبق الإنسان، وقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال ابن مسعود: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور شوقًا إلى لقاء الله تعالى ورحمته، ونحوه عن الربيع قال: هي النفوس تسبق بالخروج عند الموت، وقال قتادة والحسن ومعمْر: هي النجوم يسبق بعضها بعضًا في السير، وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد، وقيل: يحتمل أن تكون السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار، قاله الماوردي، وقال الجرجاني: ذكر النازعات: ٤ بالفاء؛ لأنها مشتقة من التي قبلها. "

" الفاء هنا هي التي يسمونها الفاء التفريعية؛ لأن ما بعدها فرع عما تقدمها، وقد يقال لها الفصيحة، أي واللائي يسبحن فيسبقن، تقول: قام فذهب، فهذا يوجِب أن يكون القيام سببًا للذهاب، ولو قلت: قام وذهب لم يكن القيام سببًا للذهاب. قوله تعالى: النازعات: ٥ قال القشيري: أجمعوا على أن المراد الملائكة، وقال الماوردي: فيه قولان: أحدهما الملائكة قاله الجمهور، والقول الثاني: هي الكواكب السبعة، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل وفي تدبيرها الأمر وجهان أحدهما تدبير طلوعها وأُفولها، الثاني تدبيرها ما قضاه الله تعالى فيها من تقلب الأحوال، وحكى هذا.. "

لا تكون مدبِّرة، تكون مدبَّرة، وهي على كل حال مدبَّرة وليست مدبِّرة.

" وحكى هذا القول القشيري في تفسيره، وأن الله تعالى علق كثيرًا من تدبير أمر العالم بحركات النجوم، فأضيف التدبير إليها، وإن كان من الله، كما يسمى الشيء باسم ما يجاوره، وعلى أن المراد بالمدبِّرات الملائكة، فتدبيرها: نزولها بالحلال والحرام وتفصيله قاله ابن.. "

ولا شك أن إضافة الفعل إلى من له إرادة يفعل بها، وإن كان هو في الأصل مدبَّرًا ومأمورًا بهذا التدبير، والله- جل وعلا- هو المدبِّر لكل شيء أولى من إضافة التدبير إلى جماد لا يتصرف بنفسه فضلاً عن غيره؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا تمنعون أن تكون المدبِّرات هي النجوم، المدبر هو الله- جل وعلا- لماذا لا يكون الله- جل وعلا- وكل التدبير إليها؟ تقولون لا، المدبرات الملائكة لديهم أهلية وقبول لهذا التدبير بأمر الله- جل وعلا-، والأمر كله لله، لكن تلك ليست لها أهلية وإن اعتقد فيها من اعتقد، لكنها لا تدبر شيئًا ولا تملك شيئًا لنفسها فضلاً عن غيرها.

" فتدبيرها نزولها بالحلال والحرام وتفصيله، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما، وهو إلى الله- جل ثناؤه-، ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك، كما قال عز وجل: {نزل به الروح الأمين}، وكما قال تعالى: البقرة: ٩٧ يعني جبريل نزله على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-، والله- عز وجل- هو الذي أنزله، وروى عطاء.. "

في قوله- جل وعلا-:    الزمر: ٤٢، وفي الآية الأخرى    الأنعام: ٦١، فالمتوفِّي على كل حال هو الله- جل وعلا-، لكن هو بواسطة الملائكة، فنسب إليهم، وقد ينسب إلى المتوفِّي أو إلى المتوفَّى قد تنسب الوفاة إلى المتوفَّى كما يقال: مات فلان.

طالب: ...............

لا، التدبير معروف أنه فعل متعدٍّ، المدبرات.

طالب: ...............

مدبر اسم فاعل، مدبر يقتضي تدبيرًا، ويقتضي مدبَّرًا، فهو فعل متعدٍّ.

طالب: ...............

ما هو باسم فعل، اسم فاعل، نعم اسم فاعل.

طالب: ...............

حتى التدبير هنا الموكول إلى الملائكة، المدبر الأول والآخر هو الله- جل وعلا-، لكن الله وكل إليهم هذا الأمر كما وكل إليهم قبض الأرواح، {توفته رسلنا}.

" وكما قال تعالى: البقرة: ٩٧ يعني جبريل نزله على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- والله- عز وجل- هو الذي أنزله، وروى عطاء عن ابن عباس: النازعات: ٥ الملائكة وكِّلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك، قال عبد الرحمن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة جبريل وميكائيل وملك الموت واسمه عزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكَّل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات. "

وأولى من ذلك بالنسبة لجبريل موكل بالوحي.

" وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس في البر والبحر، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وليس من الملائكة أقرب من إسرافيل وبينه وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، وقيل: أي وكلوا بأمور عرفهم الله بها، ومن أول السورة إلى هنا قسم أقسم الله به، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك إلا به- عز وجل-، وجواب القسم مضمر، كأنه قال: والنازعات وكذا وكذا لتبعثن ولتحاسبن، أضمر؛ لمعرفة السامعين بالمعنى، قاله الفراء، ويدل عليه قوله تعالى:                النازعات: ١١ ألست ترى أنه كالجواب لقولهم: أإذا كنا عظامًا نخرة نبعث، فاكتفى بقوله:                النازعات: ١١. "

يعني استفهام استنكار وإنكار للبعث، فيدل على إنكار البعث بالفحوى، ولا يحتاج إلى تصريح؛ لأنه مفهوم لدى المخاطَب.

" وقال قوم: وقع القسم على قوله.. "

سمى ملك الموت عزرائيل، وثبوته بأحاديث في أكثر من حديث، لكنها بمجموعها قد لا تثبت بها هذه التسمية، وعلى كل حال سُمي أو لم يسمَّ هو معروف، ومهمته معروفة.

طالب: ...............

من الإسرائيليات، لكن على كل حال هو موكول إليه النفخ في الصور.

طالب: ...............

جبريل    النجم: ٨ - ٩     النجم: ١٣  إلى آخره.

" وقال قوم: وقع القسم على قوله:     النازعات: ٢٦، وهذا اختيار الترمذي بن علي. "

الحكيم الترمذي.

" أي فيما قصصت من ذكر يوم القيامة، وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى، ولكن وقْعُ القسم على ما في السورة مذكورًا ظاهرًا بارزًا أحرى وأقمن من أن يؤتى بشيء ليس بمذكور فيما ذكر ابن الأنباري، وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما، وقيل: جواب القسم النازعات: ١٥؛ لأن المعنى: قد أتاك، وقيل الجواب     النازعات: ٦ على تقدير ليوم ترجف فحذف.. "

يعني الواقعة في جواب القسم.

" فحذف اللام، وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره يوم ترجف الراجفة، وتتبعها الرادفة، والنازعات غرقًا. "

النازعاتِ.

" وتتبعها الرادفة والنازعاتِ غرقًا، وقال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير، كأنه قال: فإذا هم بالساهرة والنازعات قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن الفاء لا يفتح بها الكلام، والأول الوجه، وقيل.. "

الوجه يعني المتعين، الأول هو الوجه الصحيح المتعين، وجواب القسم حينئذٍ يكون محذوفًا لا على ما اختاره الحكيم؛ لطول الكلام بين القسم والمقسم عليه، ولا على أسلوب التقديم والتأخير.

" وقيل: إنما وقع القسم على أن قلوب أهل النار تجف، وأبصارهم تخشع، فانتصاب     النازعات: ٦ على هذا المعنى، ولكن لم يقع عليه، قال الزجاج: أي قلوب واجفة يوم ترجف، وقيل: انتصب بإضمار اذكر، وترجف أي تضطرب، والراجفة أي المضطربة، كذا قال عبد الرحمن بن زيد، قال: هي الأرض، والرادفة الساعة، قال مجاهد: الراجفة الزلزلة، تتبعها الرادفة الصيحة، وعنه أيضًا وابن عباس والحسن وقتادة: هما الصيحتان أي النفختان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى، وجاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال.. "

والنفختان متفق عليهما، والخلاف في الثالثة، نفخة الفزع، يدل عليها قوله- جل وعلا-:    النمل: ٨٧ ، لكن بعضهم يردها إلى الصعق الأولى.

" وجاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بينهما أربعون سنة»، وقال مجاهد: الرادفة حين تنشق السماء وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة، وذلك بعد الزلزلة، وقيل: الراجفة تحرك الأرض، والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين، والله أعلم، وقد مضى في آخر النمل ما فيه كفاية في النفخ في الصور، وأصل الرجفة الحركة، قال الله تعالى: المزمل: ١٤  وليست الرجفة هاهنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرعد يرجُف رجفًا ورجيفًا أي أظهر الصوت والحركة، ومنه سُمِّيت الأراجيف؛ لاضطراب الأصوات بها وإفاضة الناس فيها، قال:

أبالأراجيف يا ابن اللؤم توعدني        .

 

وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا           .

وعن أبي بن كعب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذهب ربع الليل قام ثم قال: «يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»."

مخرج؟

طالب: ................

يعني ما يختص به أُبي، ولا يمنع أن يسمعه أبي بواسطة إحدى زوجاته أو يكون الرسول -عليه الصلاة والسلام- رفع صوته في يوم من الأيام وسمعه أُبي أو غيره، وعلى كل حال إذا كان ما فيه علة إلا ابن عقيل فهو حسن.

طالب: ..............

ما فيه إشكال- إن شاء الله- سهل ممكن الجواب عنه.

" النازعات: ٨ أي خائفة وجلة قاله ابن عباس، وعليه عامة المفسرين، وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره: {إذ القلوب لدى الحناجر}، وقال المؤرج وقال المؤرخ.

المؤرج صحيح.

وقال المؤرج: قلقة مستوفرة.

يكتبون بالخاء وصوابها الجيم المؤرج السدوسي معروف.

وقال المؤرج: قلقة مستوفزة مرتكضة غير ساكنة، وقال المبرد: مضطربة، والمعنى متقارب، والمراد قلوب الكفار، يقال: وجف القلب يجف وجيفًا إذا خفق، كما يقال: وجب يجب وجيبًا، ومن وجيف الفرس والناقة في العدو، والإيجاف حمل الدابة على السير السريع قال:

بُدِّلن بعد جرية صريفًا        

 

بدلن بعد جِرة صريفًا            .

جِرة جِرة.

جِرة؟

جِرة.

بدلن بعد جِرة صريفًا         .

 

وبعد طول النفس الوجيفا           .

وقلوب رفع بالابتداء، وواجفة صفتها، وأبصارها خاشعة خبرها، مثل قوله:   البقرة: ٢٢١  ومعنى خاشعة منكسرة ذليلة من هول ما ترى، نظيره {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة}، والمعنى أبصار أصحابها. "

وهي مقابلة للناعمة كما جاء في سورة الغاشية.

" والمعنى أبصار أصحابها، فحذف المضاف.     النازعات: ١٠ أي يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث إذا قيل لهم إنكم تبعثون قالوا منكرين متعجبين: أنُرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياءً كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: {أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا}، يقال: رجع فلان في حافرته وعلى حافرته أي رجع من حيث جاء، قاله قتادة. "

كما يقال: على عقبه، والعاقب والحافر موضعهما واحد، هذا من الإنسان، وهذا من الحيوان.

" وأنشد ابن الأعرابي:

أحافرة على صلع وشيب       .

 

معاذ الله من سفه وعار            .

يقال: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت؟ ويقال: رجع على حافرته أي الطريق الذي جاء منه، وقولهم في المثل: النقد عند الحافرة، قال يعقوب: أي عند أول كلمة، ويقال: التقى.. "

يعقوب ابن..

طالب: ............

لا لا ما له علاقة، يعقوب ابن.. قال يعقوب عند أول كلمة.

طالب: ............

لا لا لا، كل مقال ينظر إلى المتخصص، فمن الذي تكلم مثل لو جاء هنا قال أبو حاتم، تريد الرازي ما هو بصحيح، أو ابن حبان ما هو بصحيح على حسب الكلام الذي يذكر، وهنا يعقوب هو ابن السكيت.

" ويقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أول ما التقوا، وقيل: الحافرة العاجلة، أي أئنا لمردودون إلى الدنيا فنصير أحياءً كما كنا؟ قال الشاعر:

آليت لا أنساكم فاعلموا          .

 

حتى يرد الناس في الحافرة            .

وقيل: الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فهي بمعنى المحفورة، كقوله تعالى: الطارق: ٦  و الحاقة: ٢١ ، والمعنى: أئنا لمردودون في قبورنا أحياء؟"

هو يراد به اسم الفاعل، ويراد به اسم المفعول والعكس، حجابًا مستورًا أي ساترًا.

طالب: ............

وين؟

طالب: ............

يعني جاء اسم فاعل والمراد به اسم المفعول، لكن مثل ما قلنا: إذا كانت مدبرات الملائكة فهي تدبر لها نوع تدبير بجعل الله- جل وعلا- إياها لها ذلك.

طالب: ............

ما فيه إشكال باعتبار أنها لها نوع تدبير، ولها نوع اختيار، إلا إذا قيل: إن المراد بالمدبرات النجوم والأفلاك، هذا ما له تدبير أصلاً.

" والمعنى: أئنا لمردودون في قبورنا أحياء؟ قاله مجاهد والخليل والفراء، وقيل: سُمِّيت الأرض الحافرة؛ لأنها مستقر الحوافر، كما سميت القدم أرضًا؛ لأنها على الأرض، والمعنى أئنا لراجعون بعد.. "

سميت القدم أرضًا؛ لأنها على الأرض، يعني أقرب شيء من البدن إلى الأرض، والشيء يسمى باسم ما يجاوره.

" والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى الأرض فنمشي على أقدامنا؟ وقال ابن زيد: الحافرة النار وقرأ:                النازعات: ١٢، وقال مقاتل وزيد بن أسلم: هي اسم من أسماء النار، وقال ابن عباس: الحافرة في كلام العرب الدنيا، وقرأ أبو حيوة: الحافرة، بغير ألف.. "

يعني صيغة مبالغة من اسم الفاعل.

" مقصور من الحافر، وقيل: الحفرة الأرض المنتنة بأجساد موتاها، من قولهم: حفرت أسنانه إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها يقال: في أسنانه حفر، وقد حفرت تحفر حفرًا مثل كسر يكسر كسرًا إذا فسدت أصولها، وبنو أسد يقولون: في أسنانه حفر بالتحريك، وقد حفِرت مثال تعب تعبًا، وهي أردأ اللغتين. "

وقد حَفِرت.

" وقد حفِرَت مثال تعب تعبًا، وهي أردأ اللغتين، قاله في الصحاح.                النازعات: ١١ أي بالية متفتتة، يقال: نخر العظم بالكسر أي بلي وتفتت، يقال: عظام نخرة، وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة، واختاره أبو عبيد؛ لأن الآثار التي تُذكر فيها العظام نظرنا فيما رأينا نخرة لا ناخرة. "

نظرنا فيها.

" نظرنا فيها فرأينا نخرة لا ناخرة، وقرأ أبو عمرو وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وحمزة والكسائي وأبو بكر: ناخرة، بألفن واختاره الفراء والطبري.. "

أبو عمرو، لماذا لا يكون قرأ عمر وابنه عبد الله وابن عباس بدليل تقديمهما على الصحابة، ماذا عندكم في الطبعة الثانية؟

طالب: ............

أبو عمرو وابنه؟ من هو؟

طالب: ............

نعم، لكن يقدم على الصحابة؟ وابنه له ذكر في القراء؟ أقول: لعله عمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود، قرأ عمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود، هذا الذي يظهر؛ لأنه قُدِّم على الصحابة، فلا يقدم عليهم إلا من هو أفضل منهم، والمسألة تحتاج إلى مراجعة.

طالب: هو ذكر قراءة البصرة.

لكن ما يقدم على الصحابة، أبو عمرو البصري له ابن من القراء؟ ويصف في مصاف القراء الكبار، ويقدم على الصحابة؟ لا، لكن عمر أيضًا ذكر عنه بعض القراءات.

"وقرأ عمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وحمزة والكسائي وأبو بكر: ناخرة، بألف، واختاره الفراء والطبري وأبو معاذ النحوي؛ لوفاق رؤوس الآي، وفي الصحاح: والناخر من العظام التي تدخل الريحُ فيه ثم تخرج منه ولها نخير، ويقال: ما بها ناخر، أي ما بها أحد، حكاه يعقوب عن الباهلي، وقال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم تنخر بعد أي لم تبل، ولا بد أن تنخر، وقيل: الناخر المجوفة، وقيل: هما لغتان بمعنى، كذلك تقول العرب: نخر الشيء فهو نخر وناخر، كقولهم: طمع فهو طمع وطامع وحذر وحاذر وبخل وباخل وفره وفاره، قال الشاعر:

يظل بها الشيخ الذي كان بادنًا         

 

يدب على عوج له نخرات"            .

نعم طمع وحذر وبخل وفره هذه صيغ مبالغة، ويقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى إلا في هذا الموضع؛ لأن طمع أبلغ من طامع، وحذر أبلغ من حاذر؛ لأنها صيغة مبالغة، وهذا اسم فاعل، واسم الفاعل أكثر حروفًا من صيغة المبالغة حذِر حاذر زاد الألف، طمع طامع زادت ألف، ومع ذلك من حيث المعنى صيغة المبالغة أقوى.

" أوج يعني قوائم، وفي بعض التفسير: ناخرة بالألف بالية، ونخرة تنخر فيها الريح أي تمر فيها على عكس الأول قال: من بعد ما صرت عظامًا ناخرة، وقال بعضهم: الناخرة التي أكلت أطرافها، وبقيت أوساطها، والنخرة التي فسدت كلها، قال مجاهد: نخرة أي مرفوتة، كما قال تعالى: الإسراء: ٤٩  ونخره. "

نخرةُ

" ونخرةُ الريح بالضم شدة هبوبها والنخرة أيضًا والنخَرَة مثال الهمزة: مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير، يقال: هشم نخرته أي أنفه. "

ويقال له أيضًا: منخر.

طالب: ............

على كل حال موجود هذا وهذا.

"                النازعات: ١٢ أي رجعة خائبة كاذبة باطلة أي ليست كائبة، قاله الحسن. "

أي ليست كائنة.

كائنة؟

               النازعات: ١٢ رجعة خاسرة؛ لأنهم لا يؤمنون، فإن وجد فهي خاسرة، ومقتضاه أنهم ينكرون هذه الرجعة، أي ليست كائنة، ماذا عندكم؟

طالب: ............

كائبة خائبة باطلة أي ليست كائبة؟ ما تصلح أي ليست كائنة؛ لأن مقتضى وصفها بكونها خاسرة يعني خائبة وباطلة أنهم ينكرونها؛ لأنهم لو اعترفوا بها، وأن هذا وصفها لآمنوا؛ لئلا تكون رجعتهم خاسرة.

" أي ليست كائنة، قاله الحسن وغيره، وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها، وقيل: أي هي كرة خسران، والمعنى أهلها خاسرون، كما يقال: تجارة رابحة أي يربح صاحبها، ولا شيء أخسر.. "

مثل: وكل ضلالة في النار، الضلالة هي التي في النار أم صاحبها؟ و«ما أسفل من الكعبين ففي النار» يعني الثوب في النار أم صاحبه؟

" ولا شيء أخسر من كرة تقتضي المصير إلى النار، وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنحشرن بالنار، وإنما قالوا هذا؛ لأنهم أوعدوا بالنار والكر الرجوع، يقال: كرَّه وكرّ بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، والكرّة المرة، والجمع الكرّات.     النازعات: ١٣ ذكر- جل ثناؤه- سهولة البعث عليه، فقال: فإنما هي زجرة واحدة، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: نفخة واحدة النازعات: ١٤ أي الخلائق أجمعون النازعات: ١٤ أي على وجه الأرض بعدما كانوا في بطنها، قال الفرَّاء: سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة بمعنى ذات سَهَر؛ لأنه يسهر فيها خوفًا منها، فوصفها بصفة ما فيها، واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت:

وفيها لحم ساهرة وبحر            

 

وما فاهوا به لهم مقيم              .

وقال آخر يوم ذي قار لفرسه:

أقدم محاج إنها الأساورة       .

 

ولا يهولنك رجل نادرة           .

رِجْل.

ولا يهولنك رِجْل نادرة            .

 

فإنما قصرك ترب الساهرة              .

ثم تعود بعدها في الحافرة            .

 

من بعدما صرت عظامًا ناخرة              .

وفي الصحاح: ويقال الساهور ظل الساهرة، وهي وجه الأرض، ومنه قوله تعالى: النازعات: ١٤ قال أبو كبير الهذلي:

يرتدن ساهرة كأن جميعها            

 

وعميمها أسداف ليل مظلم              .

ويقال الساهور كالغلاف للقمر، يدخل فيه إذا كُسف، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت:

قمر وساهور يسل ويغمد        

 

..............................               .

وأنشدوا لآخر في وصف امرأة:

كأنها عرق سام عند ضاربه     

 

أو شُقة خرجت من جوف ساهور          .

يريد شقة القمر، وقيل: الساهرة هي الأرض البيضاء، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: أرض من فضة لم يعص الله- جل ثناؤه- عليها. "

اللهُ؛ نائب فاعل.

" لم يعص اللهُ- جل ثناؤه- عليها قط، خلقها حينئذٍ، وقيل: أرض جددها الله يوم القيامة، وقيل: الساهر اسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض، وقال الثوري: الساهرة أرض الشام، وقال وهب بن منبه: جبل بيت المقدس، وقال عثمان بن أبي العاتكة: إنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشام، وهو الصفح الذي.. "

الصقع.

" وهو الصقع الذي بين جبل أريحا وجبل حسان، يمده الله كيف يشاء، وقال قتادة: هي جهنم أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها: ساهرة؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذٍ، وقيل: الساهرة بمعنى الصحراء على شفير جهنم أي يوقفون بأرض القيامة، فيدوم السهر حينئذٍ، ويقال: الساهرة الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عينٌ ساهرة جارية الماء، وفي ضدها نائمة، قال الأشعث بن قيس:

وساهرة يضحِي السراب مجللاً      

 

لأقطارها قد حثها........           .

قد جئتها.

.................................             .

 

........... قد جئتها متلثمًا          .

أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. "

اللهم صل على محمد...