كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 13

عنوان الدرس: 
كتاب الجامع من المحرر في الحديث - 13
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
خميس 14/ ربيع الثاني/ 1441 10:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتاب الجامع من المحرر: (وعنه) يعني ابن عمر -رضي الله عنهما- الصحابي راوي الحديث السابق، (قال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»).

المراد بـ«هذا الأمر» هو الولاية والخلافة، كما هو معلوم، «في قريش» القبيلة المعروفة، سكان بلد الله الحرام، لا يزال الأمر فيهم ما بقي من الناس اثنان، وهذا الحديث يوضحه حديث عبد الله بن عمرو عند معاوية -رضي الله عنه- حينما روى عبد الله بن عمرو أو ذكر عبد الله بن عمرو خروج القحطاني في آخر الزمان، والحديث فيه صحيح مرفوع إلى النبي - عليه الصلاة والسلام-، لكن معاوية وهو الخليفة، وهو القائم بهذا الأمر، وهو من قريش قام خطيبًا، وكأن عبد الله بن عمرو لم يرفع ذلك إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولذلك قال معاوية: ما بال أقوام يوردون أحاديث ليست في كتاب الله، وليست مما أُثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني خروج القحطاني، وثبوته عن النبي -عليه الصلاة والسلام- ينافي الحديث الذي معنا: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»، فخطب معاوية وقال: ما بال أناس يذكرون ويروون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا في سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-؟ بناءً على أن هذا من رأي عبد الله بن عمرو، وليس مما يرفعه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكأن عبد الله بن عمرو قصر في رفعه، كما هو معلوم من حال الصحابة.

 أحيانًا الصحابي ينشط فيرفع الخبر، وأحيانًا لا ينشط فيقفه على نفسه، والصحابي المستمع أحيانًا يتردد في قبول خبر لا للشك في ناقله، وإنما للتردد؛ من أجل وجود معارض، عمر -رضي الله تعالى عنه- لما استأذن عليه أبو موسى ثلاثًا ثم انصرف دعاه فقال: لماذا انصرفت؟ روى له حديث الاستئذان، قال له: لا بد أن تأتي بمن يشهد لك، وهذا من باب الاحتياط للسنة، ومعاوية حينما قال: ما بال أقوام وخطب بهذا؛ لأنه يعارض في ظنه حديث: «لا يزال الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»، وكان مما جاء في حديث معاوية: قال: فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين»، فهنا يوضِّح كل ما جاء في الباب؛ لأن حديث الأئمة أو الأمر في قريش، الأئمة من قريش، حديث روي بطرق وأسانيد متعددة جمعها الحافظ ابن حجر في كتاب أسماه: لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش.

لا شك أن الأمر في قريش، وهذا واضح، بعضهم يحمله على الخبر، وهذا لا يصح على الحال يقول: إن هذا خبر وليس بأمر، لماذا؟

لأن الخبر من الصادق لا يختلف، الخبر من الصادق لا يخالف الواقع، لا بد أن يطابق الواقع، والواقع هل هو مطابق أم غير مطابق؟ منذ أزمان متطاولة، من قرون، يعني بعد الدولة العباسية تفرقت الأمة، وكل بلد له حاكم، وتولى مماليك، وتولى أتراك، وتولى مغول، وتولى. فإذا قلنا: إن هذا خبر قلنا: خبره يخالف الواقع، ولا يمكن أن يُظن بخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- الصادق المصدوق المؤيد بالوحي أن يخالف الواقع، ولا شك أنه وإن كان لفظه لفظ الخبر، لكنه أمر من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن لا يولوا إلا قرشيًّا ما أقاموا الدين، بهذا القيد.

 ولذلك تجدون في أول الأمر في قريش الخلفاء الأربعة، ثم الدولة الأموية قرشية، ثم الدولة العباسية قرشية، لكن الأمر ضعف، وضاع الدين، وضاع أهله، وضاعت البلدان من المسلمين، وكل عدو ينهش من قبله، وكل صاحب هوى أو صاحب مطمع يستقل بما عنده من بلد في ظل ضعف الخلافة وتضييعها لأمر الدين والدنيا، فيبقى القيد: «ما أقاموا الدين». نعم الأمر في أيديهم، لكن بعد أن أضاعوا الدين يكون هذا فيه اختلاف؟ لا، ما يكون فيه اختلاف، ويصح خبر القحطاني وهو ليس قرشيًّا، ويكون ذلك بعد أن أضاعت قريش في خلافتها وولايتها الدين، فالخبر مطابق للواقع، لم يخالف الواقع، بل هو أمر، إذا أقاموا الدين فهم أولى من غيرهم.

«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، لكن إذا كان القارئ فاسقًا يؤم الناس؟ لا يؤم الناس، ينتقل إلى المرتبة الثانية التي تليها، فقد يقول القائل: إن أكثر الأقطار والبلدان منذ قرون متعددة ليست في يد قريش، نعم بعضها في يد قريش، وما زالت، لكن يبقى أن أكثر البلدان وأقوى البلدان وأوسع البلدان منذ قرون ليست في يد قريش، لماذا؟

لأنهم ما أقاموا الدين؛ لأنه يُشغب بمثل هذا الحديث من أجل تفريق كلمة المسلمين وعدم الاعتداد بولاية من يتولى ولاية شرعية صحيحة بعد أن ضيعت قريش الدين، ذكر الحافظ ابن كثير في آخر الدولة العباسية حينما هجم التتار على بغداد، وقتلوا منها ما يقارب المليونين، مليونًا وثمانمائة ألف في أيام يسيرة؛ بسبب ضياع الدين، الخلافة مضيعة مفرطة، وذكر ابن كثير أن الخليفة وأهله السهام تتدخل عليه في قصره مع النوافذ والجارية تغني والخمر يسقى، أين الدين هذا؟

ولذلك في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ما أقاموا الدين» نعم هم أولى من غيرهم ما أقاموا الدين، لكن لما ضيعوا الدين انتقل، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، وهذه سنة إلهية ما تتغير ولا تتبدل في الأمم كلها على مر التاريخ، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62] تبديلًا كاملًا، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43] ولا تحويلًا يسيرًا عن مسارهم، ولم يُستثن من ذلك إلا قوم يونس {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: 98] هم الذين استثنوا من السنن الإلهية دون غيرهم من سائر الأمم، ولا شك أن الناس إذا غيروا وبدلوا في شرع الله وفي دينه، ومالوا عنه، وحادوا عن الصراط المستقيم، سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، من أعرض عن دين الله انتهى، ومن لم يقم بشرع الله لا قيمة له، وإنما قيمة الولاية والخلافة والملك إنما هي لإقامة شرع الله، فإذا لم يُقم الخليفة شرع الله، فالله -جل وعلا- في سنته الإلهية، وما نرى من كثرة الانقلابات والثورات وكذا وكذا إلا لأجل هذا السبب، لتضييع أمر الله، والله المستعان.

بعضهم يقول: إن مفاد الحديث إنما يكون في حال الاختيار، أما في حال الاضطرار والتغلب فإنها تصح وتنعقد الولاية لمن تغلب واستتب له الأمر ولو كان عبدًا حبشيًّا كما جاء في الحديث الصحيح، الأمر بالسمع والطاعة لمن ولاه الأمر ولو كان عبدًا حبشيًّا كأن رأسه زبيبة، وهذا لا شك أن له نصيبًا من النظر، وهو أيضًا يوافقه الواقع، يعني تولى مماليك في مصر وغيرها، تولوا المماليك، وأتراك تولوا، وسلاجقة ومغول تولوا في أطراف الأرض وكثير من الأقطار.

المقصود أنه لا إشكال في الحديث؛ لأن بعض الناس يشغب فيه، ويشكك في صحة ولاية من استقام على أمر الله ودين الله، وطبق شرع الله بهذا الحديث يقول: هم ليسوا من قريش، كيف يقول: «لا يزال الأمر في قريش» وهم ليسوا منها؟

 الكلام «لا يزال الأمر في قريش» كلام شرعي ثابت في الصحيحين وغيرهما وله طرق وله ألفاظ متعددة، لكن بشرط أن يقيموا الدين، أما إذا تخلوا عن الدين فيأتي غيرهم، وهذه سنة إلهية، لا تتغير ولا تتبدل: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

في الولاية الشرعية التي هي جزء مما يفسر به أولو الأمر، العلم والعلماء، كان العلم في قبائل العرب في أول الأمر، وهم علماء الأمة، وهم سادتها، لكن بعد أن توسعت الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا من الفرس والروم والبربر وغيرهم صار لكل أمة من هذه الأمم نصيب في العلم والدين، وجاء شخص من العراق إلى الخليفة فقال له: من يسود أهل العراق؟ قال: من العرب أم من الموالي؟ قال: من الموالي، من يسود أهل كذا؟ قال من العرب أم الموالي؟ في عشرة أقطار كلهم من الموالي، بالعلم، سيادة علمية، الحسن البصري مولى، ابن سيرين مولى، أئمة الإسلام في جميع العلوم الإسلامية كثير منهم بل أكثرهم من الموالي من غير العرب.

 من الطريف والغريب أن العربية إمامها سيبويه ليس بعربي، وكتابه هو الكتاب المهيمن في هذه اللغة في اللغة، وهو ليس بعربي، المفسرون المحدثون البخاري ليس بعربي، مولى.

المقصود أن العلم، لكنه العلم يسمو من يسود به على الجهول ولو من أصله مضر، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه، ما يستفيد، فعلى الإنسان بغض النظر عن النسب، نعم النسب الشريف، آل النبي -عليه الصلاة والسلام- لهم حظهم في الدين، ولهم نصيبهم من وصيته -عليه الصلاة والسلام-: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، هؤلاء لهم نصيبهم ما أقاموا الدين أيضًا، يعني من تنحى عن الدين، ولو كان من نسله -عليه الصلاة والسلام- ما يستفيد، أبو لهب عمه، وبلال مولى، وغيره من الصحابة الأجلاء الذين أبلوا في الدين بلاءً حسنًا مما لا يعرف لهم أصول عربية، لكن الميزان هذا الدين، هذا هو الميزان الحقيقي.

 ومع الأسف أنه إذا تقدم أحد لخطبة أو نحوها سئل عن أصله وعن نسبه، وفي الأخير بدأوا يسألون عن وظيفته، ولا يسألون عن بقية ذلك، ثم بعد ذلك تأتي المشاكل والمصائب في هذه الأسرة الناشئة لماذا؟

لأنهم أهملوا رأس المال، «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وكذلك الرجل لا بد أن يسأل عن دينه وأمانته وخلقه، هذه هي الموازين الشرعية، أما أن يُنظر في وظيفته، في مركزه الاجتماعي في كذا، فلا، والله المستعان.

(وعن الحسن) وهو البصري -رحمه الله- (قال: عاد عبيدُ الله بن زياد معقلَ بن يسار في مرضه الذي مات فيه) الصحابة -رضوان الله عليهم- وأهل العلم في السابق يمحضون النصيحة، ولا يجاملون من يأتيهم أو يأتون إليه لمنزلتهم في الدنيا، هذا على البصرة ولاه معاوية وابنه يزيد على البصرة استمر على البصرة، وابن عمر عاد عبد الله بن عامر في مرضه، ما انتهت المسألة على كيف حالك يا طويل العمر؟ وكذا، لا. جزاك الله خيرًا، ودعا له، لا، ابن عمر لما زار عبد الله بن عامر وهو مريض قال له: أوصني، قال له: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة، «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول».

 حديث صحيح في صحيح مسلم يرويه ابن عمر عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكنت على البصرة، والوالي الذي لا يحاسب، يتصرف في بيت المال، قد يتساهل في شيء منه، والأمر ليس بالسهل، وهذا غلول إذا تصرف بغير مبرر شرعي، بغير مبرر شرعي يسمى غلولًا، لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة، يعني انتبه لنفسك، أنت في آخر الأيام إن كان عندك شيء من هذا المال أخذته بغير حقه، أو أعطيته بغير حقه رجعه؛ لأن هذا غلول {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، هذا ابن عمر زار ابن عامر.

عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، الذي معنا الحديث الذي معنا، (فقال معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو علمتُ أن لي حياة)، لكن الآن ضاق الوقت والتبليغ لا بد منه، لا بد أن أُبلغ، (لو علمت أن لي حياة ما حدثتك، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة»).

«ما من عبد» يقوله لمن؟

للأمير الذي زاره في مرض موته؛ لأنه في هذه الظروف تكثر المجاملات، لكن أولياء الله ما عندهم مجاملة ولا عندهم مساومة، الدين رأس المال، الباقي ما هو مشكلة، وقد تعاهدوا وتعاقدوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- على النصح لكل مسلم، وولي الأمر أولى بهذا النصح: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم».

ودخل أحد العلماء على أحد الملوك ثم خرج ثم دخل ثانيًا، وكلاهما جاءٍ من بلد بعيد، فقال الملك بعد أن خرج الثاني: أتعجبون من فلان وفلان؟ قالوا: كيف؟ قال: الأول دخل يطلب أرضًا هي في الأصل مخصصة مقبرة يطلبها إقطاعًا، يطلبها منحة، والثاني جاء من بلده يطلب منه أن نسور المقابر؛ لئلا يُعتدى عليها، الله -جل وعلا- يقول: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4]، الله المستعان.

الآن ما فيه مجاملة، في آخر حياته معقل بن يسار يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية»، عبيد الله بن زياد مسرف على نفسه، مسرف في القتل ومسرف في الظلم، «يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» نسأل الله العافية، «كلكم راعٍ» يعني ليس هذا خاصًّا بالملك أو بالأمير أو بالوزير أو بالكبير، لا، الرسول يقول -عليه الصلاة والسلام-: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل في بيته راعٍ ومسئول عن رعيته، المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، وكلكم راعٍ ومسئول عن رعيته»، الأب إذا غش أولاده ولم يمحضهم النصيحة أوجد لهم ما يضرهم في دينهم أو في دنياهم هذا غاشٍ لرعيتهم، يسَّر لهم من سبل الفساد وما يعين على الفساد هذا غاشٍ لرعيته، «إلا حرم الله عليه الجنة» ما نقول: هذا خاص بالولاة معقل بن يسار أنكر أو نصح عبد الله بن زياد أو أخبر عبد الله بهذا الخبر، لا، «كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته».

بعض الآباء مفرط تفريطًا شديدًا، يترك لأولاده الحبل على الغارب، يترك لبناته كذلك يخرجن متى ما أردن ويرجعن متى ما أردن، يذهبن إلى ما يردن، لا، هذا الكلام ما هو بصحيح، أنت مسئول عنهم، الأولاد يتيهون في الشوارع، ويتلقفهم قرناء السوء، ومع الأسف أن أب عليه علامات الصلاح وملازم للمسجد قيل له: هؤلاء أولادك، والناس في الشوارع احفظهم ووجِّههم وعليك العناية بهم، قال له: كنا كذلك من قبل، كنا بالشوارع وضعنا ثم هدانا الله، هذا جواب نسأل الله العافية؟

فلا بد أن يمحضهم النصيحة ولا يغشهم، قال: والله أنا ما غشيتهم، أنا ميسر لهم كل أسباب السعادة، وحريص على دراستهم نريد متخرجين وأبني مستقبلهم وكذا وكذا أنا ما ضيعتهم، والحمد لله، هذا ولدي الكبير موظف، والثاني ما أدري أيش، والثالث... ما هو بهذا الهدف، الكلام على عنايتهم بالدين واهتمامهم به، فعلى الإنسان أن يمحض النصيحة وما ولاه الله به، ولايته بدءًا من الزوجة والأولاد والبنات، ثم يمتد، وقبل ذلك إصلاح النفس.

المقصود أن مثل هذه الأمور يجب أن تُولى عناية، ما يضيع الناس يُتركون فريسة للأعداء، الآن الشبهات والشهوات دخلت قعر البيوت، وكان الآباء لما كانت الوسائل يمكن السيطرة عليها يقول: أنا لا أدخل في بيتي تلفزيونًا ولا دشًّا، حافظ بيتي، لكن الآن الجوالات فيها كل الشرور، وبالإمكان أن يطلع عليها الولد وأنت جالس بجانبه وأنت ما تعلم، فصارت المسئولية أشد، والمتابعة يجب أن تكون أدق، هذا الولد أمانة، واسترعاك الله عليها، لا بد أن تمحض النصيحة.

قد يكون الشخص قد بذل كل ما يستطيع من الوسائل، إذا بذل من الوسائل ما يستطيعه، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]، الكلام لا تفرط فيما تستطيع، الله -جل وعلا- يقول لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]، فأنت عليك بذل السبب، والهداية بيد الله -جل وعلا-.

بعضهم يقول: نرى أولاد بعض الناس من العامة، أولاد بعض العامة هداهم الله وصاروا علماء، وبعض أولاد المشايخ والعلماء ضاعوا أو صاروا...؟

نعرف كبار المشايخ عندنا بعض أولادهم ليسوا على مستوى الشيخ وتربية الشيخ وكذا، لكن إذا نظرنا في الأصل في الأنبياء، النبي يأتي وليس معه أحد، هل قصر في دعوته؟ نوح أقرب الناس إليه زوجته وولده، وكذلك لوط، وكثير من الأنبياء، النبي يأتي ومعه الرجل والرجلان هل قصروا في بذل الأسباب؟ كلا وحاشا، لكن الهداية بيد الله -جل وعلا-، وعليك أن تبذل السبب. ومثله في الأمر والنهي، على أهل الحسبة أن يبذلوا ولا يقصروا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كون الناس يأتمرون أو ينتهون هذا ليس إليهم، والأجور إنما رتبت على بذل السبب.

واحد من الكتاب كتب يقول: إن نوحًا فشل في دعوته! أقرب الناس ما انتفوا به هذا فاشل، نسأل الله العافية، يقول: ومحمد، وصل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو من بلاد المسلمين ومن أبناء المسلمين واسمه اسم إسلامي وموجود. الله المستعان، يقول: محمد فشل في الدعوة في مكة والطائف، نجح في المدينة. هذا كلام يقال في حق الأنبياء والرسل، نسأل الله العافية، هذا زيغ وضلال، نسأل الله العافية، هذا إلحاد وزندقة يقوله في حق معصومين؟

لكن أنت ماذا نجحت فيه؟ ماذا أفلحت؟

لأن بعض الناس ينظر إلى الفلاح بأنه تحقيق شيء من أمور الدنيا، مثل من ضعف الحديث الصحيح في البخاري: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، هذا الحديث في البخاري، قال الحديث ليس بصحيح، لماذا؟

داعية أفنى عمره ويمكن تسعين وهو في الدعوة، نسأل الله الثبات، في آخر عمره يكتب أظنه في فقه السنة في دراسة نقدية للأحاديث غير فقه السنة للسيد سابق غيره، يكتب يقول: الحديث ليس بصحيح، طيب لماذا؟ قال: غاندي حكمت الهنود ربع الدنيا ونجحت، وجولدمائير هزمت العرب في غزوات عدة، وتاتشر ملكة الإنجليز أعتى أمة، وكلهم نجحوا فما معنى ما أفلح؟

أولاً: هل تفهم معنى الفلاح؟ حرر معنى الفلاح واحكم، عندهم أن الفلاح النجاح الظاهر في أمور الدنيا، الآن هل تفوق الكفار في التقنيات وفي الوسائل وفي غزو الفضاء على ما قالوا والصناعات الحربية وغير ذلك والذرة وما أدري أيش، هل هذا علم؟

الله -جل وعلا- يقول: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7]، علمهم ليس بحقيقي؛ لأنهم لو كان علمهم حقيقيًّا أسلموا وآمنوا بالله -جل وعلا- لهداهم إلى ما ينفعهم، الآن هم اهتدوا إلى ما ينفعهم؟

ما هو بصحيح، العبرة بدار القرار، أما المعبر والممر كما قيل: سئل نوح ما نظرتك لهذه الدنيا التي لبست فيها ألفًا وخمسمائة سنة؟ قال: كأني دخلت من باب وطلعت من باب، خلاص انتهى، «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»؛ لأنه لا بد أن ننظر للأمور بالمنظار الشرعي، أما يقول لي غاندي حكمت الهنود ونجحت، وما الكلام الفاضي هذا؟ يضعف الحديث في البخاري من أجل هذا؟ لماذا؟ لأنه لا يعرف معنى الفلاح، المعنى الصحيح الحقيقي للفلاح، نسأل الله السلامة والعافية.

«ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا على كافة المستويات، يعني على المستوى الأعم وعلى المستوى العام وعلى المستوى الخاص وعلى المستوى الأخص، بعض الناس غاش لنفسه، بعض الناس يغش نفسه ويضحك على نفسه وكأنه يضحك على خالقه على حد زعمه أنه تخلص، أو على رئيسه، يضحك على رئيسه أو يمشي أمر عنده عند قاضٍ أو عنده مسئول أنه ضحك عليه، وهو في الحقيقة ضحك على من؟ على نفسه، والله ما ضر إلا نفسه.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: (وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إياكم») تحذير («والجلوس بالطرقات»)، «إياكم والجلوس بالطرقات» يعني احذروا الجلوس بالطرقات، يعني في الشوارع، يعني مثلما نقول الآن: على الأرصفة، كثير ممن يجلس على الرصيف الآن لا يسلم الناس من شره، تجده يتابع النساء ببصره، وقد يرمي كلمة، وقد يرمي ورقة وقد... ويهمز ويلمز، ويغمز المارة، وهكذا في الغالب أن الجلوس في الطرقات تؤدي إلى مثل هذا، وهذا في الأمور المباحة في الأماكن العادية، لكن وُجد من يجلس بالطرقات وهو متلبس بالإحرام، متلبس بعبادة، ومع ذلك ما سلم الناس من شره، نسأل الله السلامة والعافية.

الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «إياكم والجلوس في الطرقات» تحذير؛ لأنه لن يسلم، في الغالب أنه لن يسلم.

(قالوا: يا رسول الله!).

بُين القائل في رواية مسلم، وهو أنه أبو طلحة، روى الحديث قال: قلت: يا رسول الله.

(قالوا: يا رسول الله! ما لنا بد من مجالسنا).

ما نستغني عنها، لماذا ما يستغنون عنها؟

لأن البيوت صغيرة ومكتومة، يعني من الاحتياط على الأهل والنساء، وكذا تجدها صغيرة ولا فيها نوافذ ولا فيها شيء، والجلوس فيها متعب، وإلى الآن فيه بيوت قائمة خمسون مترًا، بيت كامل خمسون مترًا وستون مترًا، والكبير منها سبعون ثمانون، قبل أن يتوسع الناس، ولا شك أنه موجود في بلدان المسلمين أحيانًا تكون للأسرة غرفة، فإذا أراد أن يتوسع ويتحدث مع أصحابه فلا بد أن يخرج، ولذلك قالوا: (ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها)؛ لأن البيوت الصغيرة التي فيها أُسر ما يمكن أن يدعو زملاءه ويتحدث معهم وقتًا طويلاً، فهم هذه أفنيتهم، وهذه أماكن توسعهم، أما الآن ولله الحمد وقد وسَّع الله على المسلمين، وتوسَّعوا في البيوت في بعض الأقطار دون بعض ممن فتحت عليهم الدنيا ما يحتاجون إلى، وزاد الأمر تجد البيت ألف متر ألفي متر، وعنده استراحة عشرة آلاف متر ما يكفيه البيت!

فهؤلاء ما يحتاجون إلى طرقات، لكنهم مع الأسف أنهم يزاولون في هذه الاستراحات حينما يختفون عن أنظار الناس ما هو أشد من ذلك، يعني ما انتهت مشكلة الجلوس في الطرقات، كثير منهم يزاول ما هو أعظم من ذلك، فالمسألة تدور مع المصلحة والمفسدة. الجلوس في الطرقات فيها مصلحة على ما سيأتي في التوجيه النبوي، لكن فيها مفاسد، ولذلك رُجّح درء المفسدة على جلب المصلحة، فيها أمر بمعروف، وفيها إرشاد ضال، وفيها أشياء مما سيأتي فيما جاء في النصوص من المصالح، لكن مع ذلك درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

(قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أبيتم إلا المجلس») أو «المجالس» في هذا المكان التي هي الطرقات التي هي في الأصل للغادي والرائح المارة («فأعطوا الطريق حقه»).

الأصل أن الطريق للسابلة، للمارة، ومع الأسف أنه يوجد من يضيق الطرق على هؤلاء المارة، تجده يوقف السيارة عرضًا، فإذا جاء أحد يريد أن يطلع أو يدخل فضلاً عن كونه يقفل باب سيارته، ويحتاجون إلى الخروج، مرة واحد جالس خمس ساعات يراجع في الجامعة، عندنا وقد أوصد باب سيارته من أول الباب إلى آخره، وسيارة صاحب البيت في الداخل، وأمه عجوز مريضة لها موعد في المستشفى، يعني الناس ما تقدر مثل هذه الظروف.

 المقصود أن الطريق لا بد أن يعطى حقه، ولا بد أن يبرأ الإنسان من عهدة هذه الأمور بيقين بل يزيد عليها، يسعى في إصلاح بدلاً من أن يسعى في إفساد.

(قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد) ما لنا محيص ما لنا مفر، أين نروح؟ البيوت ما فيها مجال، (ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أبيتم إلا المجلس» الفقهاء يقولون: إذا كان الجالسون يزاولون معصية في هذا المجلس غيبة ونميمة ولمزًا وأذى للمارة لا بد أن يفرقوا بأي وسيلة ولو يوضع في هذا المكان شيء يفرقهم وينفرهم منه.

(قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حقه؟ قال: «غض البصر»).

«غض البصر»؛ لأنهم عرضة لأن تمر امرأة تمر كذا ينفتح باب قدامهم، «غض البصر»، وهذا من أهم المهمات، وهذا من أعظم حقوق الطريق، فعلى المسلم أن يغض بصره سواء كان جالسًا في الطريق أو ماشيًا في الطريق أو داخلًا لمجمع عام مثل هذا المكان المبارك يجب عليه أن يغض بصره، إذا كان في الطريق ففي هذا المكان المعظم لا شك أنه أولى وأهم وأشد أن يغض بصره عن النساء، لا سيما وقد وجد التساهل من كثير من النساء، فلا بد من غض البصر: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، ليس معناه أن يغمضوا أعينهم بحيث لا يرون ولا، لا، يخفف من بصره بأن يطأطئ إلى الأرض أو يصرف وجهه عن المكان الذي فيه هذه المرأة، هذا غض وخفض من البصر.

(قال: «غض البصر، وكف الأذى»)، «كف الأذى» تجد بعض الناس ممن جُبل على الأذى إذا مر أحد أخذ حصاة وحصبة، إذا مر رجل طويل سخر منه مر رجل قصير سخر منه إن مر كذا أخرج لسانه يستهزئ به أو غمزه بعينه أو قال كلمة تؤذيه، «وكف الأذى» أيًّا كان سواء كان بالقول أو بالفعل.

(«وكف الأذى، ورد السلام»)، «رد السلام»؛ لأن المار الماشي يسلم على الجالس، الجالس هذا وظيفته الرد، والمار وظيفته البدء بالسلام، ولذلك ما قال: وإفشاء السلام؛ لأنهم جالسون، ما قال: وإفشاء السلام، قال: «ورد السلام»؛ لأن الجالس يرد لأن هذه وظيفته؛ لأن المار يسلم والجالس يُسلم عليه فيلزمه الرد حينئذٍ والرد واجب فيما قرره أهل العلم.

(«والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»)، هذه الشعيرة التي بسببها فُضلت هذه الأمة، وجعلت خير أمة أخرجت للناس، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قُدم على الإيمان، وإن كان لا يصح أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ولا أي عبادة من العبادات إلا بالإيمان، لكن لأهمية الشعيرة قدمت {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، هذا سبب تفضيل هذه الأمة على غيرها، وإن كان هناك أسباب أخرى منها شرف نبيها -عليه الصلاة والسلام- وغير ذلك من الأسباب، لكن هذا سبب منصوص في كتاب الله ليس مستنبطًا؛ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، والخطاب لمن؟

 للأمة بكاملها، ليس الخطاب لأهل الحسبة، وإن كان من واجبات ولي الأمر أن يرتب من يتابع في هذه القضايا، في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويضع محتسبين في كل المجالات.

 الآن أسواق المسلمين فيها من المخالفات في البيع والشراء والمعاملات المحرمة والغش والخداع، كانوا يرتبون عليه المحتسب، محتسبة السوق، إلى غير ذلك من الأمور.

 المقصود أن هذه الشعيرة شعيرة جعلها بعضهم ركنًا من أركان الإسلام، ولا يمكن أن تستقيم الأمور إلا بها؛ «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا»، منهم من يدعو إلى حرية الكلمة حرية الرأي حرية التدين حرية... هذا الكلام ليس بصحيح في شريعة الإسلام، ليس بصحيح، لا بد من الأمر بالمعروف، ولا بد من النهي عن المنكر، ولا بد من القضاء على الفساد، ولا بد من القضاء على المفسدين، لكن بما يحقق المصلحة، ولا يترتب عليه مفسدة؛ لأنه قد يزاول بعض الناس بطريقة فيها شيء من الشدة نهي عن المنكر يترتب عليه مفسدة أعظم، فينكر على شخص يرتكب معصية، ثم هذا الشخص من حمقه يتلفظ بكلمة يخرج بها من الدين، المسألة مسألة هداية وإصلاح، ونقل العاصي من معصيته إلى حيز الطاعة والاستقامة، ليست المسألة انتقامًا، لا، المقصود أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة من شعائر الإسلام.

بعضهم يقول: إن تقديم الأمر بالمعروف في الآية دليل على أنه أهم من النهي عن المنكر، والعلماء يتفقون على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، طيب لماذا قُدم في الآية؟ وهل الآية في التفضيل على سبيل الترقي أو على سبيل التدلي؟ أيهما؟

الترقي، فالأمر بالمعروف أفضل منه النهي عن المنكر، وأفضل من الجميع الأصل الذي هو الإيمان، وإلا لو قلنا: على سبيل التدلي صار أقلها الإيمان.

بعضهم يقول ويتكايس ويقول: الناس مشغولون بالإنكار، وتركوا الأمر بالمعروف، وتوجيه الناس، هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا شك أن أعضاء الحسبة الرسميين يقومون بدور مبارك ومشكور لهم ولمن ولاهم من قبل وعيَّنهم لذلك، ورتَّب لهم الرواتب، هذا لا شك أنه عمل يُشكر، وهذا مما تتميز به هذه البلاد، نسأل الله -جل وعلا- أن يحفظ لنا هذه الشعيرة، وإلا فبدونها يترك الناس فوضى، المرأة تركب مع الرجل بدون حساب ولا حسيب ولا رقيب.

 لو نظرنا إلى البلدان المجاورة في أقرب البلدان الأمور، يعني لا سيما في مجال الأعراض فيها ضياع شديد، نسأل الله السلامة والعافية، وإذا لم يأمن المسلم على عرضه صارت حياته جحيمًا إلا إذا ذهبت الغيرة، فالمسألة الشكوى ما فيه حل، أما ما دامت الغيرة والحرقة على الأعراض موجودة فلا شك أنه لا بد من تعضيد وتعزيز هذا الجهاز الذي يقوم بهذه الأمور العظيمة، ومع ذلك لا يُعفى بقية المسلمين، كل أحد مسئول ومطالب بهذه المسئولية، والحديث: «من» لعموم الأمة، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، ولا شك أن هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب فروض الكفايات.

طالب: .......

ما نقول لجميع الناس: اخرجوا للإنكار، اخرجوا للأمر، ما يقال مثل هذا؛ لأنه ليس فرض عين، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، ونعم يبقى سنة في حق من يسارع ويبادر إلى الأمر والنهي، ويسبق غيره؛ لينال هذا الفضل.

طالب: .......

ماذا فيه؟

طالب: .......

 حديث أبي سعيد؟

طالب: نعم.

«إياكم والجلوس في الطرقات»؟

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

وبين آية أيش؟

طالب: .......

«من رأى منكم منكرًا فليغيره».

طالب: .......

لكن في حديث أبي سعيد أمر بمعروف؟

طالب: .......

«من رأى منكم...» هذه ما فيه أي اختلاف، أنت ما سمعت التوجيه الذي وجهته للآية، ما قلت لك: إن النهي عن المنكر أولى من الأمر بالمعروف؟ أنا ما قلت لك هذا؟ ويبقى أن المسألة، ذات فروع. يبقى أن المسألة إذا تعارض فعل الواجب مع المحرم، فأيهما أولى؟

طالب: الترك.

نعم؟

طالب: .......

ترك المحرم أولى من الأمر، هذا نفس المسألة، هذه نفس المسألة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فيه استثناء، «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، ما فيه شيء، ما فيه استثناء، حسم المنكر في النهي؛ ولذا عامة أهل العلم أن ترك المحظور أولى من فعل المأمور، مقدم على فعل المأمور، وشيخ الإسلام ويرجحه بعض المشايخ يقولون بالعكس، طيب لماذا؟

 قالوا: لأن معصية آدم أيش؟

طالب: .......

فعل محظور نعم، فعل محظور، ومعصية إبليس ترك المأمور، أيهما أعظم معصية؟ قالوا: إن ترك المأمور أعظم من فعل المحظور.

 نقول: هذا الكلام في هذه المسألة صحيح، لكن يبقى النظر بين كل مسألة بعينها، في تعارض قدر هذا المأمور.

 يعني نعارض ترك الصلاة بفعل محظور من أي أمر من المنكرات أي أمر من المنكرات، يعني لا سيما إذا كان دون الفواحش، هل نعارض هذا بهذا؟ يُنظر في المحظور وينظر فيما يقابله من مأمور بحسب عظمة هذا المأمور، وبحسب مقدار هذا المحظور، فإذا حصلت الموازنة، الآن شخص مأمور بالصلاة في المسجد، لكن في طريقه إلى المسجد شباب يلعبون كرة، ويأمرهم يقول: صلوا، ولا يصلون، ولا شك أن هذا منكر، ويشاهد هذا المنكر، يترك صلاة الجماعة من أجلهم؟

لا. لكن لو كان في طريقه إلى المسجد بغي، لا يمر من طريقها إلا وعلى رأسها ظالم، لا يمكن أن يمر من الطريق إلا أن يقع عليها. نقول: صلِّ في بيتك، اترك المأمور من أجل هذا المحظور الذي هو أشنع وأعظم. لكن إذا كان المحظور أقل شيئًا يسيرًا في مقابل مأمور عظيم؟ يُقدم فعل المأمور على ترك المحظور.