تعليق على البلبل في أصول الفقه (25)

عنوان الدرس: 
تعليق على البلبل في أصول الفقه (25)
عنوان السلسلة: 
البلبل في أصول الفقه
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 25 أبريل, 2018 - 10:15

سماع الدرس

بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله.

قال–رحمه الله تعالى-: "والمجاز: اللفظ المستعمل في غير موضوعٍ أول على وجهٍ يصح، وشرطه العَلاقة".

ماذا؟

العِلاقة.

نعم.

"وشرطه العِلاقة".

بالكسر.

"وهي ما ينتقل الذهن بواسطته عن محل المجاز إلى الحقيقة، ويُعتبر ظهورها، كالأسد على الشجاعة".

على الشُّجاع.

"على الشجاع بجامع الشجاعة، لا على الأبخر؛ لخفائها.

ويُتجوز بالسبب عن المسبب، والعلة عن المعلول، واللازم عن الملزوم، والأثر عن المؤثر، والمحل عن الحال، وبالعكس فيهن، وباعتبار وصف زائل: كالعبد على العتيق، أو آيل: كالخمر على العصير، وبما بالقوة على ما بالفعل وعكسه، وبالزيادة، نحو: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11] وبالنقص، نحو: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82] {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة:93] أي: حبه.

وتعرف الحقيقة بمبادرتها إلى الفهم بلا قرينة، وبصحة الاشتقاق منه، وتصريفه، نحو أمر يأمر أمرًا في الأمر اللفظي، بخلافه بمعنى الشأن، نحو: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود:97] إذ لا يتصرف، وباستعمال لفظه وحده من غير مقابل، كالمكر في غير الله تعالى، بخلافه فيه نحو: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران:54]، وباستحالة نفيه، نحو: البليد ليس بإنسان، بخلاف، ليس بحمار.

واللفظ قبل استعماله ليس حقيقةٌ ولا مجازًا؛ لعدم ركن تعريفهما، وهو الاستعمال، والحقيقة لا تستلزم المجاز، وفي العكس خلاف، الأظهر الإثبات.

ولا تتوقف صحة استعمال المجاز على نقل استعماله في محله عن العرب على الأظهر، اكتفاءُ بالعلاقة المجوزة: كالاشتقاق والقياس الشرعي واللغوي.

وأنكر قومٌ المجاز مطلقًا، وألحق ثبوته".

والحقُّ ثبوته.

"والحقُّ ثبوته في المفرد: كالأسد في الشجاع، وفي المركب، نحو: أشابني الزمان، {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2] وأحياني اكتحالي بطلعتك، على الأظهر فيه".

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من مباحث اللغة التي قدمها المؤلف بين مقاصد الكتاب الحقيقة والمجاز، سبق الكلام عن الحقيقة والحقائق الثلاث.

وآن الأوان للكلام عن المجاز الذي طال فيه الخلاف بين أهل العلم، فمن مُثبتٍ له ومتوسع في استعماله، ومن نافٍ له جملةً وتفصيلًا، بل من ذامٍّ له ولمستعمله، حتى سماه ابن القيم –رحمه الله تعالى- في (الصواعق) الطاغوت، هو أحد الطواغيت التي تصدى العلامة ابن القيم لتكسيرها في (الصواعق)- رحمه الله تعالى-.

ولا شك أن المجاز صار مدخلًا ومركبًا ركبه المبتدعة؛ لنفي ما أرادوا نفيه من أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته؛ ولذا يتوسط بعض أهل العلم فيرى إثبات المجاز في لغة العرب، ونفيه عن النصوص من نصوص الوحيين الكتاب والسُّنَّة، وبعضهم يثبته أيضًا في النصوص في الأمور المُشاهدة دون الغيبية.

وعلى كل حال الذي يُرجحه ابن القيم وجمع من أهل التحقيق أنه لا مجاز مطلقًا لا في لغة العرب ولا في النصوص، وهنا مشى على أن الحق إثبات المجاز.

لا شك أن هناك نصوصًا من الكتاب والسُّنَّة إن لم تتأول فهي جارية على تعريفهم للمجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضِع له الوضع الأول، لكن أمكن الإجابة عنها بالنِّسبة لمن ينفي المجاز.

يقول –رحمه الله تعالى-: "والمجاز: اللفظ المستعمل في غير موضوعٍ أول على وجهٍ يصح" عرفنا أن اللفظ المستعمل فيما وضع له هذا هو الحقيقة، واللفظ المستعمل في غير ما وضع له هو المجاز.

"على وجهٍ يصح" يعني لقرينةٍ تدل عليه.

"وشرطه العِلاقة" يعني الرابط بين أصله الذي استُعمل فيه أول ما وضِع له، وبين نقله إلى الاستعمال الثاني في غير ما وضِع له.

"وشرطه العِلاقة وهي ما ينتقل الذهن بواسطته عن محل المجاز إلى الحقيقة" العلاقة هي الرابط بين الاستعمال الأصلي للفظ والاستعمال الفرعي، الاستعمال الأصلي هو الحقيقة، والاستعمال الفرعي هو المجاز.

العلاقة هي: وجه الشبه بين الحقيقة والمجاز.

فقالوا: يعتبر هذا العلاقة، لا بُد أن تكون هذه العلاقة ظاهرة يفهمها السامع ويُدركها إن لم تكن يُدركها فلا.

"كالأسد على الشجاع بجامع الشجاعة" إذا قلت: جاء الأسد أو أبلى الأسد في الحرب بلاءً عظيمًا تعرف أنه رجل شجاع، لكن لو جاء شخص ليس بشجاع، لكن يصدر من فمه روائح أو يُسمى الأبخر الذي فيه بخر.

والبخر: الرائحة الكريهة التي تنبعث من الفم.

لو جاء شخصٌ أبخر، فقلت: جاء الأسد، تقول: جاء الأسد بجامع البخر في كلٍّ من هذا الرجل والأسد، فالأسد تنبعث من فمه روائح كريهة ينبعث منه البخر؟   

فقالوا: "يُعتبر ظهورها: كالأسد على الشجاع بجامع الشجاعة" فالرابط ظاهر وواضح يُدرك، أما ما لا يُدرك لكونه خفي فإنه لا يُعبَّر بالمعنى الأصلي عليه، وإن اشتركا في وصف، لكن هذا الوصف غير ظاهر.

فهذه الرابطة وهذه العلاقة خفية.  

"ويُتجوز بالسبب عن المسبب" يعني إذا أطلقت السبب وأردت المسبب، إذا أطلقت على العلاج الشفاء هذا من إطلاق المسبب وإرادة السبب، جئت بدواء، فقلت: هذا شفاء، العسل شفاء، هل هو الشفاء نفسه أو سببٌ للشفاء؟ الفاتحة تُسمى الشفاء، هل هي الشفاء؟ القرآن كله شفاء، هل هو نفسه الشفاء أو هو سببٌ للشفاء؟ يقولون: هذا مجاز؛ لأنه من إطلاق المسبب وإرادة السبب.

"والعلة عن المعلول" تقول: هذا رجلٌ عدلٌ، هل هو العدل أم أن العدالة وصفٌ له؟ العدالة وصفٌ له، وأطلقت هذه العدالة على المعلول الذي هو المتصف بها.

"واللازم عن الملزوم" يلزم من... مثاله اللازم عن الملزوم، نعم.

طالب:.......

لا أحضر لنا مثالًا أوضح، لازم عن الملزوم.

الجرح من لوازم الضرب، فتقول: جرح فلانٌ زيدًا بمعنى أنه ضربه فلزم من ضربه الجرح.

"والأثر عن المؤثر" إذا وجدت أثر زيد في الأرض قلت: هذا زيد؛ لأنه هو المؤثر، وإذا وجدت كتابًا من تأليف فلان تقول: هذا فلان؛ لأنه أثرٌ عنه هذا الكتاب، تقول: هذا شيخ الإسلام متربع في الرف، يعني فتاوى شيخ الإسلام موجودة على الدرج، وهذا أثرٌ من آثاره.

"والمحل عن الحال" كما قالوا عن الغائط الذي هو الأصل المحل المكان المطمئن من الأرض، وأطلقوه وأرادوا الحال.

"وبالعكس فيهن، وباعتبار وصفٍ زائل: كالعبد على العتيق" يعني باعتبار ما كان، تقول: هذا عبد باعتبار أنه كان عبدًا ثم صار حرًّا، وهذا طالب باعتبار أنه كان طالب ثم تخرج وهكذا.

"أو آيل: كالخمر على العصير" يعني أن العصير يؤول إلى الخمر "كالخمر على العصير" والوصف الزائل بالنسبة لمثل هذا المثال أن تقول: على الخمرة هذا عصير وصفٌ زائل كان عصيرًا، ثم صار خمرًا يعني بعكس هذا.

"وبما بالقوة على ما بالفعل" تقول: زيد فقيه مثلاً وهو لا يحفظ من الفقه شيئًا؛ لكنه فقيهٌ بالقوة القريبة من الفعل، يعني يُحسن التعامل مع الكتب، ويستطيع أن يصل إلى القول الراجح في المسائل العلمية بدليلها، وإن لم تكن حاضرةً في ذهنه، فهذا فقيه، لكنه بالقوة، وليس بالفعل؛ ولذا لو قال لك شخص: هذا ليس بفقيه، وقال لك: هذا ليس بعبد، وقال لك: هذا ليس بخمر صح نفيه؛ لأن المجاز مما يصح نفيه.

لو قال لك: أبدًا كيف فقيه تسأله ولا يُجيب؟ هذا فقيه؟ ليس بفقيه، لكنه فقيه بالقوة القريبة من الفعل. 

"وبالزيادة، نحو: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11]" قالوا: الكاف زائدة، والأصل ليس مثله شيء، فالكاف زائدة، فهذا مجازٌ بالزيادة؛ لأنه لو أثبتنا أن الكاف أصلية، فصارت بمعنى مثل، وإذا قلنا: ليس مثل مثله شيء أثبتنا له مثل، وهذا هو الذي جعلهم يحكمون بزيادة الكاف.

والصواب أنها ليست بزائدة، ويكون حينئذٍ معنى الكلام أنه ليس لمثل مثل الله شيء، وإذا نفينا مماثلة المثل فلأن ننفيه عن الشيء نفسه من باب أولى.

طالب:.......

إذا قلت: فلان جنسه ما له جنس، فهل تُثبت له جنسًا هو؟ ليس معنى هذا أنك تُثبت له جنسًا، لكن هو الجنس المراد به المثل فلان ما له جنس يعني: ما له مثيل ولا شبيه في التعبير السائر، وليس معنى هذا أنك تُثبت له مثيلًا، فإذا نفيت المثيل عن مثله فلأن تنفيه عن الأصل من باب أولى.  

يعني همنا الإجابة عن النصوص، وأما الأمثلة التي ذكروها ما فيها إشكال، ما يهمنا كثيرًا، نقول: هذا استعمال عربي، ولا فيه إشكال.

"وبالنقص، نحو: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82]" قالوا: هذا مجاز بالحذف، والأصل فيه: واسأل أهل القرية، وإلا كيف يسأل جدرانًا، أو يسأل بيوتًا، وإلا فمن يسأل؟

يعني لو أتيت على قرية فوجدتها خرابًا ما وجدت إلا آثارًا فكيف تسألها عن أهلها؟ أين أهلك؟ كيف تسأل القبور والمقابر أو الأموات كما فعل- رضي الله عنه-؟! هل أنت تسأل القبور أو أهل القبور، تسأل القرية أو أهل القرية؟

الجواب عن هذا: أن القرية تُطلق على المجموع البنيان وساكنيه، قرية، فإذا قيل: اسأل القرية معناه: اسأل الساكن ويُطلق عليه قرية، العمار والعامر، ويُمكن أن يُسأل الجماد حقيقةً، ويُجيب الجماد، كيف يُجيب الجماد؟

الجواب: لا يلزم أن يكون بلسان المقال، بل قد يكون الجواب بلسان الحال، يعني إذا أتيت إلى قرية فسألتها أين ساكنوكِ؟ فالجواب: ماتوا، فهذا جوابٌ بلسان الحال، وليس بلسان المقال، فيُمكن سؤال القرية، كما سأل علي –رضي الله عنه- القبور. 

"{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة:93]" أي: حب العجل، هذا أيضًا من نقص {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة:93] والمقصود حبه.

كيف نُجيب عن مثل هذا؟ كيف نُجيب عن مثل قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة:93]؟ نقول: هذه مبالغة في الحب، فإذا أُشربوا في قلوبهم العجل بكامله بجميع أوصافه التي من أجلها يُحَب، ومن أجلها لا يُحَب فلأن يُشربوا حبه من باب أولى.

مثل قوله –عليه الصلاة والسلام-: «أبيت عند ربي يُطعمني ويُسقيني» الطعام والشراب هذا حقيقي أم مجازي؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

الطعام حقيقي؟

طالب:.......

ما كان مواصلًا.

طالب:.......

لكن لو كان حقيقيًّا ما كان مواصلًا.

طالب:.......

وهل يُقال للإطعام المعنوي: إطعام في لغة العرب، وفي عُرف الشرع أو في الحقيقة العرفية، يعني هل تنطبق الحقائق الثلاث على الإطعام المعنوي أنه إطعام أو أحد هذه الحقائق؟

طالب:.......

يُسمى إطعامًا أو سماه إطعامًا على سبيل التنزل؟

طالب:.......

مُشاكلة؟

طالب:.......

كيف نُجيب عن مثل هذا الحديث؟ اللغة لا يُوجد فيها لفظ الإطعام على الطعام المعنوي، والشرع لو قلنا: إنه طعام لقلنا: ما ثبت الوصال، فلا يُطلق الطعام الشرعي على الطعام المعنوي، نعم يقولون: في تعبيرهم الغذاء الروحي، والغذاء البدني، لكن هل هذا التعبير مأثور أم حادث؟

فكيف يُجيب عن مثل هذا الحديث من لا يرى المجاز إذا قلنا: إن الحقيقة اللغوية ما تنطبق عليه، والحقيقة الشرعية لا تنطبق عليه، والحقيقة العرفية هل تعارف الناس في عهده –عليه الصلاة والسلام- أن يُطلق الطعام على غير المأكول حقيقةً؟

وعلى كل حال من يُثبت الحقيقة والمجاز يُقسِّم الكلام إلى حقيقة ومجاز، ويثبت المجاز، يجعل حتى الحقائق الشرعية والحقائق العرفية من باب المجاز؛ لأنه استعمال في غير ما وضِع له، استعمال الصلاة في الركوع والسجود في غير ما وضِع له.

فكيف نُجيب عن الحديث؟ هل نلتزم باللازم ونقول: هذا مجاز أم يُمكن الجواب عنه أو يمكن أن نُجيب عنه؟  

طالب:.......

هذا بيت هذا.

طالب:.......

تعبير عن البيت هذا عبَّرت عن البيت.

طالب:.......

يعني تعبيرًا عنه رواية بالمعنى.

هو ما فيه شك أن المعنى ظاهر، معناه ظاهر، وأنه غذاء روحي، وليس بغذاء حقيقي، فإذا قلنا: إنه ليس بغذاء، فهل يُطلق الطعام على الغذاء الروحي في لغة العرب أو في اصطلاح الشرع أو في عُرف الناس، وإذا انتفت هذه الحقائق الثلاث فلا بُد أن نعترف بالمجاز.

لكن إذا قلنا: إنه من باب المُشاكلة على سبيل التنزُّل قال لهم هذا الكلام، كما قال القائل:

قالوا اقْتَرِحْ شيئاً نُجِدْ لك طَبْخَهُ

 

قلت اطْبُخُوا لي جُبَّةً وقميصًا

 إذا قلنا: إنه على سبيل التنزُّل، قال النبي –عليه الصلاة والسلام- هذا على سبيل التنزُّل، فيكون مُشاكلة، يقول القائل: المُشاكلة ما رُحنا بعيدًا صار ما هو باستعمال حقيقي، مُشاكلة، نقول: لا، انتقل انتقالًا كليًّا من علم إلى علم، من علم البيان إلى علم البديع.     

يقول: "وتعرف الحقيقة بمبادرتها إلى الفهم بلا قرينة" ما يحتاج إلى قرينة جاء الأسد معناه الحيوان المعروف، ما نحتاج أن نبحث إلى قرينة.

"وبصحة الاشتقاق منه، وتصريفه، نحو أمر يأمر أمرًا في الأمر اللفظي، بخلافه بمعنى الشأن، نحو: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود:97] إذ لا يتصرف" أمر فرعون شأنه شأن فرعون، هل نقول: إن هذا الاستعمال حقيقي أم مجازي؟ الاستعمال الحقيقي في المادة أمر الذي هو الطلب ضد النهي؛ لأنه هو المتصرف، هل نستطيع أن نقول: أمر فرعون مصدر أمر يأمر أمرًا؟ لا، فكون اللفظ لا يتصرف يكون مجازًا.

{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور:63] هذا حقيقة أم مجاز؟ حقيقة؛ لأنه مصدر أمر يأمر أمرًا، فهو حقيقي.

"إذ لا يتصرف، وباستعمال لفظه وحده من غير مقابل" تُستعمل الحقيقة باللفظ المفرد، أما إذا لم تُستعمل إلا مع المقابلة فهي مجاز.

إذا قلت: العزيز الرحيم الرحمن، ألفاظ حقيقية، لماذا؟ لأنها تُستعمل من غير مقابلها، أما ما لا يُستعمل إلا مع مقابله كالمكر مثلاً {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران:54] فإنه حينئذٍ يكون مجازًا، هذا على حد اصطلاحهم هذا الذي لا يُستعمل بمفرده على الله –سبحانه وتعالى- يكون من باب المجاز.

الضار مثلاً لا يمكن استعماله بمفرده، بل لا بُد أن تقول: النافع الضار فهو استعمالٌ مجازي، إذا لا يُمكن أن يُوصف الله –سبحانه وتعالى- بأنه ضار فقط، أو بأنه ماكر فقط، بل لا بُد من ذكر المقابلة.

وحمله على المُشاكلة والمُجانسة في التعبير مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال:30] كل هذا من باب المشاكلة، ومن أثبت المكر والخديعة والاستهزاء لله –سبحانه وتعالى- استدلالاً بهذه النصوص، فقد قال به جمعٌ من أهل العلم، ومن نفاه باعتبار أن هذا من باب المقابلة فقط ولا يُثبَت وصف مثل: الهرولة وما أشبه ذلك مما جاء فيه ذكر الطرفين، ولا يُفرد طرف عن آخر، فقد قال به بعض العلماء.

على كل حال أمكنت الإجابة –ولله الحمد- عن النصوص السابقة، وهذا إما أن يُقال: من باب المُشاكلة أو يُقال: إن الله -سبحانه وتعالى- يُوصف بالمكر والمُخادعة والاستهزاء وصفًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته كما يوصف بالهرولة على ما جاء عنه وعن رسوله –عليه الصلاة والسلام- من غير مشابهةٍ لمخلوق على ما يليق بجلال الله وعظمته وينتهي الإشكال، فأوصافه حقيقية، لكن كيفياتها الله أعلم بها.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

الكلام على الصفات التي يتفق على إثباتها السلف ليس لأحدٍ أن ينفيها بحال، وإذا نفاها شخصٌ دخل في حيز الابتداع، فالصفات التي يختلف فيها السلف المسألة سهلة فيها مندوح للاجتهاد فيها مسار، مثل إثبات الساق مثلاً أثبته جمهور السلف ونفاه ابن عباس {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم:42] وهكذا، فالمسألة تكون أسهل إذا وجِد الخلاف بين السلف، أما إذا اتفق السلف على شيء فلا يسوغ لأحدٍ فيه الخلاف.

طالب:.......

مُشاكلة: مُجانسة في التعبير.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

نعم إذا قلت مثلاً: هات القدر أنا جوعان، أنا جائع، قال: خُذ القدر، أعطاك كتابًا، يعني بدلاً من أن تأكل تقرأ، خُذ القدر هذه مُجانسة في التعبير مثل ما قال الشاعر الذي ذكرنا بيته توًّا.

قالوا اقْتَرِحْ شيئاً نُجِدْ لك طَبْخَهُ

 

قلت اطْبُخُوا لي جُبَّةً وقميصا

اطبخوا الجبة والقميص؟ لا يُمكن.

أيضًا عندك المجاز يصح نفيه، والحقيقة لا يصح نفيها بحال، يعني إذا دخل أسد حقيقي هل يستطيع أن يقول أحدٌ: هذا ليس بأسد؟ لا يمكن، لو دخل رجلٌ شجاع، فقال واحد: جاء أسد، فقال واحد: ليس بصحيح ليس بأسد صح أم لا؟ هو ليس بأسد.

وهذا من أقوى ما يستدل به من ينفي المجاز أنه يصح نفيه.

وإذا أثبتنا المجاز في النصوص سوَّغنا نفي ما جاء في النصوص، يعني إذا نُفي النصوص التي مثَّلوا بها للمجاز لقائلٍ أن يقول: أبدًا ما هو بصحيح، يعني من يقول: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال:30] هذا مجاز، ثم قال قائل: أبدًا الله –سبحانه وتعالى- ما يمكر، الله يُثبت يقول: {وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال:30] تقول: ما يمكر!

{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82] تقول: أبدًا القرية ما تُسأل، الله يقول: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82] وأنت تقول: القرية ما تُسأل!

هذا من أقوى ما يُستدل به لنفي المجاز.     

"وباستحالة نفيه، نحو: البليد ليس بإنسان" شخص بليد، لو قيل: جاء حمار مثلاً ويقصد بذلك شخصًا بليدًا غبيًّا، يعني هل يستطيع إنسان أن يقول: هذا ليس بإنسان؟ لا يمكن، حقيقته إنسان، ومجازه على سبيل التنزُّل معهم حمار، لا يجوز أن تنفي كونه إنسانًا، ويجوز أن تنفي كونه حمارًا.   

"واللفظ قبل استعماله ليس حقيقة ولا مجازًا" اللفظ قبل الاستعمال ماذا يصير؟ يقول: ليس بحقيقة ولا مجاز.

هل لنا حاجة أن نبحث في اللفظ قبل استعماله؟ لسنا بحاجة إلى أن نبحث في اللفظ قبل استعماله، الكلام بعد استعمال اللفظ هل هو حقيقة أو ليس بحقيقة.

"لعدم ركن تعريفهما" لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل، والمجاز هو اللفظ المستعمل، واللفظ قبل استعماله ليس بلفظٍ مستعمل إذًا ليس بحقيقة ولا مجاز.

"والحقيقة لا تستلزم المجاز" يعني ليس كل لفظٍ حقيقي له ما يُقابله من المجاز.

"وفي العكس خلاف، الأظهر الإثبات" نعم كل لفظ ادعوا فيه المجاز له حقيقة، وليس كل لفظٍ حقيقي له مجاز.

ولا تتوقف صحة استعمال المجاز على نقل استعماله في محله عن العرب على الأظهر، اكتفاءً بالعلاقة المجوزة" يقول: لا يلزم أن نحكم على لفظ بأن استعماله مجازي أن يردنا من العرب أن هذا استعمال مجازي، خلاص ما دمنا وجدنا علاقة واستُعمل اللفظ في غير ما وضع له نحكم بأنه مجاز، ولا يلزم أن ينص العرب أن هذا مجاز، ولو بحثنا في قواميس العرب كلها ما وجدنا لفظ المجاز على مرادهم هم: بأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وأول من أطلقه أبو عبيدة معمر بن المُثنى.

طالب:.......

أين؟

لفظ المجاز على هذا الاصطلاح، ما يوجد في لغة العرب على هذا الاصطلاح، لكن هم يقولون: هذا اصطلاح.

إطلاق النحو على: الفعل، والفاعل، والمصدر، واسم المفعول، ما يوجد في كلام العرب، لكنه اصطلاح، ما هو بالمُشكلة أنه ما وجِد أصل الاستعمال، كثير من الاصطلاحات في سائر العلوم حتى في علوم الحديث، وعلوم القرآن، وأصول الفقه وغيرها اصطلاحات حادثة، ولا يمنع من صحتها؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح، فليس مرد منع استعمال المجاز كونه لا يُوجد بهذا الاصطلاح في لغة العرب؛ لأنه يقول لنا قائل: هذا اللفظ المتواتر ما يُوجد إطلاقه على ما اصطلح عليه العلماء في علوم الحديث وأصول الفقه على تعريفهم وتحديدهم.

الآحاد لا يوجد كذلك، لكنه اصطلاح لا يُعارض ما تقرر في أي علم من العلوم يدعمه أن الأخبار متفاوتة عند جميع الناس قولًا واحدًا الأخبار متفاوتة، كون الدرجة العليا تُسمى تواترًا، والدرجة التي تليها مشهورًا وهكذا، هذا مجرد اصطلاح.  

"اكتفاءً بالعلاقة المجوزة: كالاشتقاق" يعني نزن الكلمة بموازين العرب، فنشتق من المصدر ما يمكن اشتقاقه ولو لم نقف عليه في لغة العرب، يعني ما نحتاج إلى توقيف إذا أردنا أن نشتق من المصادر على القول بأن المصادر هي الأصول، أو من الفعل على القول بأن الأفعال هي الأصول. 

"والقياس الشرعي واللغوي" القياس الشرعي ما يلزم أن ينص الشرع على الرابط بين الفرع والأصل، ولا يلزم أن يُنَص في لغة العرب على الرابط في القياس اللغوي على ما سبق تقريره في لغة العرب.

"وأنكر قومٌ المجاز مطلقًا، والحقُّ ثبوته في المفرد: كالأسد في الشجاع، وفي المُركَّب، نحو: أشابني الزمان" لأن أشاب بمفردها حقيقة، والزمان بمفرده حقيقة، لكن بالتركيب مجاز؛ لأن الزمان لا يُشيب.

"{وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2]" أنبتت الأرض، الأرض تُنبت، أو الذي يُنبت هو الله –سبحانه وتعالى- بالمطر؟

"وأحياني اكتحالي بطلعتك" يعني برؤيتك حييت.

"على الأظهر فيه" فعلى كلامه إثبات المجاز في الألفاظ المفردة، وفي التراكيب أيضًا، وذكر على ذلك الأمثلة.

ولا شك أن هذه استعمالات عربية، لكن لا يلزم أن تكون في غير ما وضعت له، هي وضِعت أيضًا، فالأسد حينما استعمله العرب في الحيوان المفترس حقيقة، وحينما استعمله العرب في الرجل الشجاع أيضًا حقيقة.

ولا شك أن الزمان والمصائب والكوارث سبب في الشيب، فاستعمالها حقيقة ومثله ما تلاه.

الرابع الصوت يعني بقي درس واحد لنقف على الأصول، الأسبوع القادم نكمل بإذن الله.

كم بقي على الأذان؟

طالب:.......

اللهم صلِّ على محمد.

طالب:.......

لا في النصوص ولا في لغة العرب مطلقًا.

 يعني ما فيه شيء اسمه مجاز.