كتاب النذور من المحرر في الحديث

عنوان الدرس: 
كتاب النذور من المحرر في الحديث
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 9:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

"بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين يا رب العالمين.

 قال المؤلف -رحمه الله-:

كتاب النذور

 عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل»، متفق عليه.

 وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، رواه البخاري.

 وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كفارة النذر كفارة اليمين»، رواه مسلم.

 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين»، رواه أبو داود، وذكر أن وكيعًا وغيره رووه موقوفًا، وهو أصح، قاله أبو زرعة وأبو حاتم.

 وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: نذرَتْ أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتيَ لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستفتيته فقال: «لتمشِ ولتركب»، متفق عليه، ولم يقل البخاري: حافية.

 وفي لفظ: أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-.."

فسألتُ فسألتُ.

"فسألتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله -عز وجل- لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام»، رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وحسنه.

 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: استفتى سعد بن عبادة- رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فاقضه عنها»، متفق عليه.

 وعنه- رضي الله عنه- قال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب، إذ هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه»، رواه البخاري.

 وعن ثابت الضحاك -رضي الله عنه- قال: نذر رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني نذرت أن أنحر ببوانة، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قال: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم» قال: لا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا في قطيعة رحم ولا في ما لا يملك ابن آدم»، رواه أبو داود والطبراني، وهذا لفظه، ورجاله رجال الصحيحين.

 وعن جابر -رضي الله عنه- أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله فقال: «صَلِّ هاهنا»، فسأله فقال: «شأنك إذا».."

إذًا إذًا..

"أحسن الله إليك.

فقال: شأنك إذًا، رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود ورجاله رجال الصحيح.

 وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» متفق عليه، واللفظ للبخاري."

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب النذور، كتاب النذور، وعامة المصنفين لا يفردون النذور عن الأيمان، يترجمون بكتاب الأيمان والنذور، والمؤلف فصل بينهما، فجعل النذور هنا بعد كتاب الأطعمة؛ لترابط ووجود علاقة بينهما؛ لأن أكثر ما يُنذَر الصدقة، ومنها النذر بصدقة الطعام على المساكين، فالمؤلف لحظ هذا الملحظ، فجعل النذور بعد الأطعمة، وجعل الأيمان بعد كتاب النكاح والطلاق والظهار والإيلاء، الإيلاء الحلف، الحلف ألا يطأ الرجل زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر، هذا حلف، فهناك ارتباط بين هذه الأبواب، الطلاق والظهار والإيلاء، وبين الأيمان، ففصل الأيمان عن النذور، وألحق النذور في كتاب الأطعمة؛ لأن هناك نوع تناسب، وألحق أو أردف كتاب الأيمان، وجعله بعد الطلاق والظهار والإيلاء. وعرفنا أن الإيلاء حلف، وإذا كان حلفًا ويمينًا فيناسب أن يأتي بعده كتاب الأيمان وكفارة الأيمان، والأيمان لها كفارة، والظهار له كفارة، فصار هناك وجه ارتباط بين الإيلاء والأيمان من جهة، وبين الظهار والأيمان من جهة، باعتبار أن كلًّا منهما يلزم فيه الكفارة مع الحِنْث. لكن ماذا عن الطلاق؟

 الطلاق من صوره ما يكفر بكفارة اليمين، من صوره ما يكفر بكفارة اليمين، إذا كان المقصود منه الحث أو المنع، كما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ومن يقول به، ومعلوم أن المؤلف ابن عبد الهادي متأثِّر تأثُّرًا كبيرًا بشيخ الإسلام، فرأى أن الأيمان متعلِّقة بهذه الأبواب الثلاثة من الجهة والحيثية التي شرحناها، وأما النذور فباعتبار أن من النذور ما هو من باب النذر لإطعام المساكين أو ما أشبه ذلك، ألحقه بكتاب الأطعمة، وإلا فعامة المصنفين لا يفصلون بين الأيمان والنذور، فمن لحظ ما ذكرنا وجد عذرًا للمؤلف، وجد عذرًا للمؤلف وإلا فالأصل أن الارتباط وثيق بين الأيمان والنذور؛ لأن من النذور ما كفارته كفارة يمين.

 قد يقول قائل مثل ما ذكرنا سابقًا: إن الأيمان أيضًا لها ارتباط بين، لها ارتباط بالطلاق؛ لأن من صوره ما يكفر بكفارة يمين، ويسمونه الحلف بالطلاق، إذا قال لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، يريد بذلك منعها، لا يريد فراقها، وقال: إن لم تخرجي فأنت طالق، يريد بذلك حثها على الخروج، ولا يريد بذلك طلاقها، فكفارته كفارة يمين عند شيخ الإسلام ابن تيمية ومن يقلده في هذه المسألة، والمؤلف متأثِّر به تأثُّرًا كبيرًا، والظهار عرفنا أنه يلزم فيه الكفارة عند الحِنْث كما تلزم في اليمين إذا حنث الحالف وقلنا أيضًا في الإيلاء إنه حلف فللأيمان ارتباط بهذا وهذا، وكلٌّ له وجه.

 لكن قد يستغرب الناظر في الكتاب، كيف فصل المؤلف بين الأيمان والنذور، يعني محل استغراب؛ لأن العلماء يطبقون على إدراجهما في باب واحد أو في كتاب واحد، وهذا وجهه فيما يظهر لي، وهو ظاهر، يعني ما يحتاج إلى.. ليس بخفي، يعني الارتباط بين الأيمان وبين الأبواب التي ذُكِرَت الطلاق، والظهار، والإيلاء، أحببت التنبيه على هذا؛ لأنه ترتيب مخالِف لترتيب جماهير المصنفين، وقد يسأل عنه بعد الطلاق لماذا؟ أين الأيمان؟ يُستغرَب يعني في الكتب كلها كتاب الأيمان والنذور، فيجد النذر، طيب أين أين الأيمان؟

عرفنا أن الارتباط بينهما وثيق، لكن وجهة نظره واضحة وظاهرة، وإن خالف فيها جماهير المصنفين.

يقول -رحمه الله-: كتاب النذور، والنذور جمع نذر، والنذر إلزام المكلَّف نفسه بغير لازِم سواء كان الملزَم به ممدوحًا أو مذمومًا، سواء كان شرًّا أو خيرًا، إذا ألزم نفسه بشيء لم يُلزَم به شرعًا سواء كان الملزَم به طاعة أو معصية، أو الملتَزَم به طاعة أو معصية، هذا يُسَمَّى نذرًا، يُسَمَّى نذرًا.

 عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن النذر، نهى عن النذر، النهي طلب الكف عن الشيء، طلب الكف عن الشيء، وعرفنا سابقًا أن صيغته لا تفعل بلا الناهية، والتعبير عن لا الناهية بلفظ النهي عرفنا أنه بمنزلته وبقوته، وإن قال بعضهم، كما أشرنا سابقًا أنه لا يُعتبَر نهيًا حتى ينقل اللفظ النبوي، كما أن قوله: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يعتبر أمرًا حتى ينقل الصحابي اللفظ النبوي؛ لئلا يسمع كلامًا يظنه أمرًا أو نهيًا، وليس كذلك، وعرفنا أن هذا ينسب لداود الظاهري، وبعض المتكلمين، وأنه ليس بشيء، وأشرنا إلى هذه المسألة في مواضع متعددة.

 نهى عن النذر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن النذر، النهي الأصل فيه التحريم، فهل النهي هنا للتحريم أو للكراهة؟

العلماء يختلفون، الأصل في النهي التحريم، وكثير من أهل العلم يرى أنه للكراهة، وأحيانًا يأتي النهي لا لهذا ولا لهذا، وإنما من باب الشفقة على المكَلَّف فلا يقتضي تحريمًا ولا كراهة، كيف؟

النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد»، اقرأ القرآن في سبع؛ لأن ابن عمر كان يريد أن يقرأ القرآن في ليلة فقال له: اقرأ القرآن في شهر، في نصف شهر، في عشر ليالٍ ثم قال له في النهاية: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد»، طيب لو قرأ القرآن في ثلاث، وقد فعل، فعل، يقرأ القرآن في ثلاث في عصره -عليه الصلاة والسلام-، وبعد وفاته يقرأ القرآن في ثلاث، لكنه تمنى فيما بعد أن ضعف أن لو قَبِل مشورة النبي -عليه الصلاة والسلام-، المشورة هذه بقوله: «لا تزد» لا ناهية، فهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟

 إذا كان المقصود به الشفقة على المكلَّف، راوي الحديث، وهو أعرف الناس بمدلوله لم يفهم منه لا كراهة ولا تحريمًا، فزاد؛ لأن المقصود منه الشفقة عليه، فهل النهي عن النذر من باب الشفقة على المكلَّف ألا يكلِّف نفسه ويلتزِم بشيء ثم يجب عليه الوفاء به، وهو في الأصل لا يُلْزَمه من لَحَظ هذا الملْحَظ يمكن، لاسيما وأن النهي عن النذر فيه إشكال كبير، وفيه أيضًا وفي تنزيله على القواعد الشرعية عسر، كيف يكون النهي، والنذر حرامًا أو مكروهًا، والوفاء به واجب؟

 الوسيلة محرمة أو مكروهة، والغاية واجبة، يجب الوفاء بالنذر، ومدح الله -جل وعلا- الذين يوفون بالنذر وأمر النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- من نذر أن يفي بنذره «أوفِ بنذرك»، فالغاية واجبة، والوسيلة محرَّمة أو مكروهة، وهذا كما يقول أهل العلم مُشْكِل على القواعد الشرعية ما جعل بعض أهل العلم يرى أن النذر مُستحَب؛ لأنه وسيلة إلى واجب، وسيلة إلى واجب، لكن هذا الكلام لا قيمة له؛ لأنه في مقابل النص، فالقواعد الشرعية تُطَوَّع للنصوص ولا تُطَوَّع النصوص للقواعد، القواعد منها ما يكون كليًّا، وذلك بعد الاستقراء التام لجميع النصوص التي استنبطت منها هذه القاعدة، فإذا لم يوجد فرع من فروعها يخرج عنها قيل: هذه قاعدة كلية، وإذا وُجد من فروعها ما يخرج عنها قلنا: قاعدة أغلبية، فوسيلة الواجب الأصل فيه أنه واجب، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والوسائل لها أحكام الغايات، هنا في النذر الأمر بخلاف ذلك، الأمر بخلاف ذلك، فالوسيلة منهي عنها إما نهي تحريم، وقال بهذا جمع من أهل العلم، وهو الأصل في النهي، وإما نهي كراهة، تنزيه، وإن قلنا: إنه من باب الشفقة على المكلَّف، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد»، وهو الراوي، وهو أعرف بمدلول ما يروي، ما فهم منه لا تحريمًا ولا كراهة، بل قد يقال باستحباب الزيادة على على القراءة في سبع؛ لعموم ما ورد في الحث على قراءة القرآن، والإكثار منه، كل حرف بعشر حسنات، ومن الصحابة من جِلَّة الصحابة من يقرأ القرآن في ليلة كعثمان- رضي الله عنه-، وهذا ديدن كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من خيار الأمة إلى عصرنا هذا، فما فهم من قول النبي -عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد» النهي إنما هو من باب الشفقة على المكلَّف.

 وإذا قلنا: إن النهي عن النذر من باب الشفقة على المكلَّف؛ لئلا يلزِم نفسه بغير لازم، فيجب عليه الوفاء به اتجه القول بأن الوسيلة مطَّرِدَة مع الغاية، لكن قوله: «لا يأتي بخير»، «يستخرج به من البخيل» يُبعِد هذا الاحتمال، وإن كان له نظائر في النصوص، هذا الاحتمال له نظائر في النصوص، لكن يبعده هنا قوله: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» «لا يأتي بخير»؛ لأن الناذر إن شفى اللهُ مريضَه أن يصوم كذا أو يصلي كذا أو يتصدق بكذا هذا النذر لا يأتي بخير لمريضه، فلا يرد من قضاء الله شيئًا، لا يرد من قضاء الله شيئًا، «يستخرج به من البخيل» المريض لن يجري عليه إلا ما كُتِب له نذرت أو لم تنذر، والكريم الذي يبذل من غير إلزام، الكريم الذي يبذل من غير إلزام، وسواء كان البذل للمال وهو الأكثر أو للبدن والجاه ويقال له: بذل، والبخيل من بخل بجاهه فهذا بخيل، وكونه لا يأتي بخير؛ فلأنه لا يرد من قضاء الله شيئًا، وقد يأتي بضد ذلك لا بالنسبة للمريض وإنما بالنسبة للزوم المشقة على الناذر، فتكون هذه المشقة شرًّا بالنسبة له.

 وإنما يستخرج به من البخيل؛ لأن الكريم هو الذي يبذل من غير إلزام، فإذا انتظر في البذل إلى أن يلتزم أو يُلزَم فهذا نوع  من البخل، نوع من البخل، فالذي يجود بالشيء سواء كان بالمال أو بالجاه أو بالبدن من غير طلب لا شك أنه كريم، والبخيل الذي لا يجود لا يجود بماله، ولا يجود بجاهه، ولا يجود ببدنه، من الناس من قد يوصف بالبخل وهو يزكِّي المال، يُخرِج الزكاة الواجبة عليه، لكن قد يبخل في بماله، وقد يشح بماله في وجوه أخرى، فإخراج الواجب لا ينفي صفة البخل عن الإنسان، لا ينفي؛ لأنه قد يطالَب بأمور أخرى فيبخل بها، يعني هذا شخص يؤدي الزكاة؛ لأنها ركن الإسلام، لكنه شحيح بماله على ولده وعلى من تجب عليه نفقته، وعلى نفسه، هذا يمكن أن يوصف، لكن إذا ألزم نفسه وأوجب على نفسه ما لم يلزمه الشرع وجد نفسه أنه لا مندوحة له من أن يفي بهذا النذر، فأشبه الواجب، وإن كان في الأصل لا تجود نفسه بشيء من ذلك، فهو بخيل من هذه الحيثية.

 متفق عليه.

 وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، من نذر، بعض الناس لا يملك نفسه عن ارتكاب المحرَّم، وأكثر ما يكون هذا في الغيبة، ووجد من السلف من نذر أنه متى اغتاب شخصًا تصدَّق بدرهم، تصدق بدرهم، فما كفَّه الدرهم عن الغيبة، ثم نذر نذرًا آخر أنه متى اغتاب شخصًا أنه يصوم يومًا، وحينئذ ترك الغيبة، طيب، لماذا لا يصوم من غير نذر؟ لماذا لا يتصدَّق من غير نذر؟ هذا طبع الكريم، مع أن الإنسان هذا الذي نذر أنه متى اغتاب شخصًا أن يصوم يومًا هذا قصده من هذا النذر كف النفس، كف النفس، إذا نام ليلة عن القيام صام يومها، قصده بذلك الحث، حث النفس على القيام، وإذا كان المقصود الحث أو المنع فحينئذ تكون كفارته كفارة يمين، «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، هذا الذي نذر أنه متى اغتاب شخصا أن يصوم يومًا يسوق العلماء هذا الخبر مساق المدح أم الذم؟

طالب: .............

يسوقونه مساق المدح، فهل يدخل في النهي عن النذر؟ يسوقونه مساق المدح، لماذا؟

طالب: .............

يعني هي وسيلة للكف عن معصية، وللحد من معصية، وأهل العلم في كتب التراجم يسوقون هذا مساق المدح، وهل يخرج بذلك عن كونه لا يأتي بخير، أو يستخرج به من البخيل؟ يخرج بهذا عن التعليل الشرعي، طيب، لماذا لا يتصدق بدرهم من غير نذر؟ هو يمدح على حرصه على ترك المعصية بلا إشكال، هو يُمدَح على حرصه على ترك المعصية، لكن ربط ذلك بالصدقة أو الصيام بالنذر يدخله في عموم الحديث، لكن يبقى أنه قد يكون هناك تكافؤ، أنه وجد نفسه تغلبه عند هذه المعصية، وهي لا شك أنها مَزَلَّة يُستدرج الإنسان حتى يقع فيها وهو لا يشعر، وكثير من الناس يتفكَّه بأعراض الآخرين، إما ابتداءً أو استدراجًا، ولا يملك نفسه من أن يقف إذا وصل إلى حد الممنوع إلا بأن يوقِف نفسه بشيء يردعه، طيب لو قال شخص: إن اغتبتُ أحدًا فعزِّروني هذه معصية، وتستحق التعزير، لكن يريد أن يمنع نفسه من هذه الغيبة من غير نذر كأنه يقول: خذوا على يدي ألا أغتاب أحدًا، لا شك أن الباعث على هذا الحرص على مجانبة المعصية «من نذر أن يطيع الله فليطعه» نذر أن يطيعه، نذر أن يصوم يومًا «مَن نذر» مَن من صيغ العموم تشمل المسلم وهل تتناول الكافر أم لا؟

طالب: .............

لا، هم مكلَّفون بفروع الشريعة، لكن هل تلزم من نذر أن، من نذر أن يطيع الله حال كفره أو لا تلزم؟

 عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أوفِ بنذرك، أوفِ بنذرك»، فمنهم من قال: إن نذر الكافر ينعقد، لكن متى يؤدي هذه الطاعة؟ إذا أسلم، إذا وجد شرط قبولها، وهو الإسلام، أما حال كفره فإنها لا تنفع؛ لأن شرط القبول غير موجود.

 «من نذر أن يطيع الله فليطعه» أولاً النهي عن النذر سواء كان طاعة أو معصية، وهو في المعصية أشد، النهي السابق، وهو في المعصية أشد، ويتناول النهي نذر الطاعة، وهنا يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، الآن الأمر متجه إلى الوسيلة أو إلى الغاية؟

طالب: الغاية.

يعني الوفاء بالنذر، فليفِ بنذره، فليس في هذا معارَضة للحديث السابق، تبقى الوسيلة منهيًا عنها، والغاية مأمورًا بها.

 «ومن نذر أن يعصيَه فلا يعصِه» رواه البخاري، «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، سيأتي في خبر ابن عباس أن عليه كفارة يمين، يتحلل من هذا النذر، نذر المعصية بكفارة يمين، وحديث البخاري الذي معنا حديث عائشة ليس فيه ما يدل على التكفير، التكفير بكفارة يمين، ولذا يختلفون فيمن نذر نذر معصية هل يكتفي بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فلا يعصِه» أو يكفِّر كفارة يمين؛ ليخرج من عهدة هذا النذر كما سيأتي في حديث ابن عباس؟

 قال -رحمه الله-: وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كفارة النذر كفارة اليمين كفارة النذر كفارة اليمين» طيب «من نذر أن يطيع الله فليطعه» يعني هل هو مخيَّر بين أن يطيع وبين أن يكفِّر بكفارة يمين، أو نقول: كفارة النذر كفارة اليمين في غير نذر الطاعة، أو فيما لا يقدر عليه المكلَّف كما سيأتي في خبر ابن عباس فيقيَّد بما سيأتي؟

 قال -رحمه الله-: وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نذر نذرًا لم يسمِّه، من نذر نذرًا لم يسمِّه» لله عليه نذر إن شفى الله مريضه، طيب نذر إيش؟ ما سُمِّي، فكفارته كفارة يمين، «ومن نذر نذرا في معصية» نذر إن نجح في الامتحان أن ينام ثلاثة أيام، عاصٍ أم غير عاص؟ التعب الذي حصل له والإرهاق ليالي الامتحان يجعله يقول مثل هذا، لكنه نذر معصية؛ لأنه يتخلل هذه الأوقات صلوات لا يجوز إخراجها عن وقتها، ولا فعلها دون الجماعة، «ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين»؛ لامتناع الوفاء بالنذر شرعًا، من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين؛ لامتناع الوفاء بالنذر عرفًا وعادة، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين؛ لامتناع الوفاء بالنذر شرعًا، ومن نذر نذرًا لا يطيقه، نذر نذرًا لا يطيقه، إما أن ينذر إن نجح أن يمشي ألف ميل مثلاً، أو يحمل هذه الصخرة، أو كذا، هذا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، يكفِّر كفارة يمين، إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

 رواه أبو داود، وذكر أن وكيعًا وغيره رووه موقوفًا، وهم أكثر وأحفظ ممن رواه مرفوعًا، فالحكم لهم، فالحكم لهم، فيُحكَم على الرفع حينئذ بالشذوذ، ولا يصح مرفوعًا، وإنما هو صحيح موقوفًا على ابن عباس، وهو أصح موقوفًا، وهو أصح، قاله أبو زُرْعة وأبو حاتم، قاله أبو زُرْعة وأبو حاتم.

 معروف في مسألة تعارض الوقف والرفع عند أهل العلم في الأقوال الأربعة المعروفة أن الحكم للرفع مطلقًا؛ لأنه زيادة خفيت على من وقف، أو الحكم للوقف؛ لأنه المتيقَّن أو الحكم للأحفظ أو الحكم للأكثر، أقوال لأهل العلم، ولا نجد هذه الأقوال تَطَّرد في أحكام الأئمة، وإنما أحكامهم الترجيح فيها يدور بحسب القرائن، فإذا دلت القرائن على أن الرفع أقوى حكموا له، وإن دلت على أن الوقف أقوى حكموا له، ولذا قال: وهو أصح، وكيع إمام من أئمة المسلمين ومعه غيره رووه موقوفًا، فحكم لهم المؤلف وقال: هو أصح، قاله أبو زُرْعة وأبو حاتم.

 قد يقول قائل مثلاً: إن أبا زُرْعة وأبا حاتم من التشديد بمكان، عُرِف عنهم التشديد في مثل هذا، فتجدهم في الغالب يحكمون بالوقف، وغالبًا ما يحكمون بالإرسال دون الوصل والرفع، فهما موصوفان بالشدة في هذا الجانب.

 وعلى كل حال الحكم ليس بخاص بهم؛ إذ لا مقارنة بين وكيع ومن معه بالنسبة لمن روى الخبر مرفوعًا.

 قد يقول قائل: إن هذا حكم شرعي، هذه أحكام شرعية لا تقال بالرأي، لا تقال بالرأي، فلها حكم الرفع، هل هذا الكلام صحيح؟ أو أن هذا مما يُدرَك بالاجتهاد، وابن عباس الصحابي الجليل الفقيه دعا له النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن يفقهه في الدين؟ لا يبعد أن تكون هذه اختياراته وهذه اجتهاداته، وحينئذ لا يُحكَم له بالرفع.

طالب: .............

إذا ما وُجِد معارِض من المرفوع فما فيه مانع.

«من نذر في معصية فكفارته كفارة يمين»، وسبق في حديث عائشة عند البخاري: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، هل فيه معارَضة بين هذا وبين المرفوع؟

ما فيه معارَضة؛ لأن حديث عائشة لم يتعرَّض فيه للكفارة.

 قال -رحمه الله-: وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: نذَرَتْ أختي، نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، تمشي حافية إلى بيت الله؛ لتحج أو تعتمر، المشي إلى بيت الله لأداء نسك طاعة أم معصية؟ طاعة، يلزم الوفاء به، لكن المشي نفسه هل هو مقصود لذاته وكذلك المشي حال كونه حافيًا أو حافية، هل هذا التعذيب تعذيب الإنسان والمشقة لذاتها مطلوبة شرعًا، أو هي مطلوبة إذا كانت تبعًا لعبادة؟ يعني الإنسان يؤجر أن يمشي من بيته إلى أن يصل باب المسجد ثم يرجع؟

يقول: من مشى إلى المسجد فله في كل خطوة حسنة، يؤجر أم ما يؤجر؟ يؤجر، يمشي إلى باب المسجد ويرجع ما يدخل المشقة ليست مطلوبة لذاتها، «إن الله -جل وعلا- عن تعذيب نفسه»، أو مثل ما في الحديث «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا»، في الخبر الآخر: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني»، فالمشقة لذاتها ليست مطلوبة في الشرع، إنما إذا جاءت تبعًا لعبادة بحيث لا يمكن أن تؤدى هذه العبادة إلا مع هذه المشقة رُتِّب عليها الأجر العظيم، والأجر «وأجركِ على قدر نصبكِ»، يعني على قدر التعب، لكن لا بد أن تكون هذه المشقة مطلوبة شرعًا ليست مجردة لذاتها؛ لأن المشقة لا تطلب شرعًا لذاتها، والله -جل وعلا- غني عن أن يعذِّب الإنسان نفسه، «إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه»، «مه عليكم من الدين ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا»؛ لأن المشقة ليست مطلوبة لذاتها، وديننا ولله الحمد دين يسر، ليست فيه آصار ولا أغلال، كما هو الشأن في بعض الديانات السابقة.

 نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 طيب لماذا لم تستفِ قبل أن تنذر، وهذا هو الأصل، لكن النذر حصل، فلا بد أن تكون على بيِّنة من أمرها، وهذا الأصل في حال المسلم ألا يقدم على فعل شيء حتى يعرف حكمه الشرعي، ويعرف مأخذ الحكم، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيته فقال: «لتمشِ ولتركب»؛ لأنه لو قال: لتركب فقط يمكن أن ينالها مشقة، بعض الناس يتعب من كثرة الركوب، ويريد أن يمشي أحيانًا، ولذا قال: «لتمشِ ولتركب»، إن احتاجت إلى الركوب تركب، وإن لم تحتج تمشي، متفق عليه، ولم يقل البخاري: حافية، نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، أما حافية فهي من زيادات مسلم- رحمه الله-، وهي في الصحيح، يعني ما فيها إشكال. ومقصود الحديث يحصل بدونها، ووجودها أيضًا زيادة في المشقة.

 وأما ما جاء في الرواية الأخرى، رواية الإمام أحمد والسنن، وفي لفظ: أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة، يعني تجمع بين المشقة والمعصية، تجمع بين المشقة والمعصية، فسألتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن الله -عز وجل- لا يصنع بشقاء أختك شيئا» الله- جل وعلا- غني عن تعذيب الإنسان نفسه وإن كان بحجة التقرب إلى الله -جل وعلا-، وإن كان بحجة التقرب إلى الله- جل وعلا-، «لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر» هذا واجب {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [سورة النــور:31]، لا بد أن تختمر، يجب ­تختمر، هذا ما فيه مثنوية ولا خيار فيه لأحد، ولا طاعة فيه لأحد، ولا يجوز للمرأة أن تطيع أحدًا بنزع الخمار أو الحجاب كائنًا مَن كان، لا زوج ولا ولي أمر ولا حاكم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والطاعة بالمعروف، وهذا ليس من المعروف، فالخمار مطلب شرعي لا يطاع فيه أحد.

 «مُرْها فلتختمر ولتركب» هناك قال: «لتمشِ ولتركب» فقوله «لتمشِ» مطوية في هذه الرواية، وإن كانت مستحضَرة، يعني ما يمنع أن تركب إذا احتاجت للركوب، وتمشي إذا احتاجت للمشي؛ لأنه لو أمرها بالركوب فقط كما أشرنا آنفًا لشق عليها ذلك، لشق عليها ذلك؛ لأن من الناس من لا يطيق الركوب، بل يريد أن يراوِح أحيانًا يمشي ويرتاح بالمشي من عناء الركوب، وأحيانًا يحتاج الركوب؛ ليرتاح من عناء المشي، فالمراوحة هي الأنسب، ولذا قال: لتمشِ ولتركب ولتركب ولتصم ثلاثة أيام، ولتصم ثلاثة أيام، هذه الزيادة التي ليست في الصحيحين مختلَف في ثبوتها، ووُجِد بدلها في بعض الروايات: «ولتُهْدِ بدنة، ولتهد بدنة»، وكأن رواية «ولتهد بدنة» أصح من رواية «ولتصم ثلاثة أيام»، فرواية الصحيحين مطلقة ليس فيها شيء ليس فيها بدل صيام ولا إهداء، ورواية أحمد والسنن فيها الصيام، وفي الرواية الأخرى المصححة عند جمع من أهل العلم: ولتُهْدِ بدنة، الآن هذا نذر معصية غير مختمِرة، هذه معصية، هل يلزم فيه كفارة على ما تقدم في حديث ابن عباس أن فيه كفارة اليمين، لكن تعيين صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين قبل الخصال الثلاث التي قبلها لا وجه له اللهم إلا أن يقال: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- عرف من حالها أنها لا تستطيع الخصال المالية الثلاث تطعِم عشرة مساكين أو تكسوهم أو تحرر رقبة ما تستطيع، ولذا إذا جاء يسأل مَن حَلَف يمينًا وأنت تعرف من حاله أنه لا يستطيع أن يُطعِم ولا يكسو ولا يعتق، يعني مباشرة تقول له: صُم ثلاثة أيام، ولا يقال: إنك اخترت الخصلة الأخيرة والخصال على الترتيب، لكن إذا كنت لا تعرف حاله كما أنك إذا عرفت حاله بالغنى تقول: أطعم عشرة مساكين مباشرة، أو اكسهم، أو حرِّر رقبة، ولا تذكر له صيام ثلاثة أيام؛ لأنه يستطيع ومن خفي عليك أمره تذكر الخصال كاملة لينظر ما يناسبه منها.

 رواه الإمام أحمد وهذا لفظه وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وحسَّنه، يقول المخرِّج بعد أن ذكر من خرَّجه قال: وغيرهم من طريق عبيد الله بن زَحْر عن أبي سعيد الرُّعَيْني عن عبد الله بن مالك عن عُقْبَة به.

 قلت: وهذا سند ضعيف، عُبيد الله بن زَحْر مختلف فيه، وأكثر أهل العلم على تضعيفه، وبه أعله شيخنا، يعني الألباني -رحمه الله- في إرواء الغليل قال -رحمه الله-: وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه استفتى سعدُ بن عبادة سيِّد الخزرج رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيَه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فاقضه عنها»، متفق عليه.

 فالنذر يقبل النيابة، وتقدَّم في كتاب الصيام «من مات وعليه نذر، من مات وعليه صوم من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، وعرفنا فيما تقدم أن من أهل العلم من حمله على صوم النذر لا على الصوم الذي وجب بأصل الشرع، فإن ما وجب بأصل الشرع لا يقبل النيابة وأما ما أوجبه الإنسان على نفسه فإنه يقبل النيابة أن تقضيه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «فاقضه عنها»؛ لأن هذا النذر دَيْن على أمه يجب الوفاء به لو كانت حيَّة، وولدها أولى الناس بقضائه عنها، «فاقضه عنها».

 وهل الأمر: فاقضه على سبيل الوجوب والإلزام، أو على سبيل الاستحباب؟ جمهور أهل العلم على أنه على طريق الاستحباب، لا على سبيل الوجوب واللزوم، وأوجبه بعضهم، ومعه ظاهر اللفظ، ومعه ظاهر اللفظ.

 متفق عليه.

 وعنه- رضي الله عنه- يعني عن ابن عباس قال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه، رجل قائم فسأل عنه قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل هذا الرجل القائم في الشمس اسمه أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا شك أن هذا تعذيب، والله -جل وعلا- لم يكلف الإنسان أن يعذب نفسه، بل رفع الآصار والأغلال والتكليف بما لا يطاق عن هذه الأمة، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل، القيام مطلوب لذاته؟

نعم جاء الأمر به {قُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة:238]، يعني في الصلاة، فهو مطلوب في الصلاة، لكن هل هو مطلوب لذاته في غير الصلاة؟

لا، مثلما قلنا في المشي إلى المسجد والسعي إلى الجمعة يسعى، لنفترض أنه اغتسل غسَّل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومس من طيب أهله، ومشى ولم يركب إلى باب المسجد ثم رجع له من الأجر شيء؟!

هذه كلها أمور توابع ووسائل ليست غايات مطلوبة لذاتها، القيام لذاته ليس بمطلوب، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل، يقول ابن عمر لمن استَظَلَّ في يوم عرفة، قال له: اضْحَ لمن أحرمتَ له، يعني ابرز لمن أحرمتَ له، هذا مطلوب أم غير مطلوب؟ أو نقول: إن هذا من اجتهادات ابن عمر، هذا اجتهاد، ولا يتكلم ويصوم، جمع بين السكوت لا يتكلم والصيام والقيام في غير عبادة قيام مجرَّد في غير صلاة، ويكون هذا القيام في الشمس وكل واحد من هذه الأمور شاق على النفس مشقة شديدة، فكيف باجتماعها؟

 فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مروه فليتكلم وليستظل» «مروه فليتكلم»؛ لأن السكوت ليس بعبادة إلا عن الباطل، السكوت ليس بعبادة مقصودة لذاتها. طيب {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} [سورة مريم:26] ما المراد بالصوم؟ السكوت الإمساك عن الكلام صوم؛ لأن الصيام في اللغة الإمساك {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} [سورة مريم:26] هذا نذر تبرر وطاعة وإلا «مروه فليتكلم»، أو نقول: هذا شرع من قبلنا؟

طالب:.........

 لكن قد يكون إلزام النفس بالسكوت في وقت أو في ظرف أو في حال مطلوبًا؛ لأن الكلام يجُرُّ على صاحبه ما لا تحمد عقباه، بعض الناس لا يملك نفسه إذا تكلم فيسترسل فيما يضره، فإذا خشي على نفسه أقسم أو نذر ألا يتكلم؛ لئلا يجر على نفسه ما يضره، فيكون لأمر خارج لا لذات الكلام ولا لذات السكوت.

 «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه»؛ لأن الصوم طاعة، «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وما عداه ليس بطاعة، لا يلزم الوفاء به.

 رواه البخاري، يعني البدن هل هو ملك للإنسان يتصرَّف فيه كيفما شاء؟ شخص جالس في الشمس المحرقة، درجة الحرارة خمسون، وجالس في الشمس يجيء واحد ويقول له: استظل يا أخي، ثم يرد عليه: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، نقول: يا أخي تتضرر، آثم أنت ما يجوز لك أن تتصرف ببدنك مثل هذا التصرف؟ ويحكم عليه بالسفه، لا يجوز له أن يقحِم نفسه في شيء يضره؛ لأن نفسه وبدنه وجسده ليس ملكًا له، وعلى هذا نقول: إن التبرُّع بالأعضاء ولو أوصى به لا يجوز؛ لأن نفسه ليس ملكًا له، «مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه».

 طيب شخص يموت يحتاج إلى كلية أو يحتاج إلى كبد، وتتبرع له، قال: الحمد لله، هذا ما كتب الله له، والمتبرِّع لا يملك أن يتبرَّع، نعم يتبرَّع بالمال ما فيه إشكال، لكن يتبرع بشيء ببدنه؟

 يأتي إلى شخص مقطوع اليدين وبالإمكان إجراء العمليات أن تركب يد له يقول: تبرع بيد واحدة يقول: أنا تكفيني واحدة، وأنت واحدة، مهما كان بالنسبة له ولو كان أباه أو أمَّه؛ لأنه لا يملك من نفسه شيئًا.

 وعن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال: نذر رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينحر إبلاً، إبلا جمع لا واحد له من لفظه جمع بعير، وله سبب نذر رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينحر إبلاً ببوانة؛ لأنه نذر إن رزقه الله ولدًا ذكرًا أن ينحر إبلاً ببوانة، فرزقه الله ولدًا ذكرًا، حدد المكان، فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، قالوا: هضبة وراء ينبع على ساحل البحر على ساحل البحر، ومنهم من قال: إنها في أطراف الشام، ومنهم من قال: إنها في مواضع متعددة، لكن الأكثر على أنها قريبة من ينبع.

 نذر إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني ما الداعي لهذا التخصيص في هذا المكان؟ «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قال: لا، فعلى هذا لو كان في المكان معبود يتخذه الناس دون الله -جل وعلا- فإنه لا يجوز أن تذبح به ولو ذبحت لله وسميت اسم الله على ذبيحتك؛ لأنك مشبه لهم في اتخاذ هذا المكان، ويترتب على ذلك مع التشبه الاقتداء بك فيقال: رأينا فلانًا يذبح في هذا المكان، فدل على أنه مكان فاضل أو له مزية، فالمفاسد كثيرة إذا كان فيها وثن من أوثان الجاهلية فيه تشبُّه بأهل الجاهلية، وفيه أيضًا يوجَد من يقتدي ولا يعرف القصد، ولا يعرف أنك ذبحت لله- جل وعلا-، فيظن أنك ذبحت من أجل هذا الوثن.

 فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» مفهوم هذا أنه لو كان فيها وثن ولو كان قديمًا، يعني كان فيها محل عبادة ولو كان مُنْدَرِسًا؛ لأن هذا بعث وإثارة لهذا الوثن، وإحياءً لهذه البدعة الشنيعة التي أُمِيْتَت، فلا يجوز ولو انْدَرَسَت معالم الوثن، «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبَد؟» قال لا، قد يقول قائل: إن «يُعبَد» حال، يعني حال كونه يُعبَد الآن وقت النذر، لكن المعنى وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وحماية جناب التوحيد تقتضي أن تحسم المادة بالكلية. قال: لا.

 قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» يعني يترددون عليه في أوقات معيَّنة يزاولون فيها شيئًا من أعمالهم وطقوسهم وعباداتهم، أو يترددون في أوقات معيَّنة لهذا المكان يزورونه، فإذا كان يُزار في أوقات معيَّنة من السنة أو في الشهر أو في الأسبوع فهو عيد؛ لأنه يعود ويتكرر في وقت واحد، قال: لا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرك أوفِ بنذرك». بعد أن استفصل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ورأى أن هذا المكان لا مزيَّة له، لا مزيَّة له، وقد يكون هناك مبررات وقتية لمكان من الأماكن كأن يكون قُرْب مورد، قرب ماء يَرِدُه الناس للشرب، ولسقي أنعامهم، ولسقي أنعامهم، يكون هذا موردًا، فيه مبرر أنك تذبح هناك؛ ليسهل عليك التوزيع، يعني تقصد أماكن التجمعات لا غير، تنذر أن تذبح بالمكان الفلاني ما فيه أي مظهر من مظاهر الشرك، ولا أعياد الكفار، إنما هذا المكان فيه ماء يجتمع الناس حوله؛ من أجل أن يسهل عليك التوزيع، فهذا لا إشكال فيه.

 فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرك» لماذا؟ لأنه نذر طاعة، نذر أن ينحر إبلًا؛ من أجل أن يوزِّعَها على الفقراء والمساكين فهو نذر طاعة «أوفِ بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله».

 مزاولة الطاعة في مكان المعصية يجوز أم ما يجوز؟ الصلاة في مواضع الخسف ومواضع تعذيب الأمم السابقة، يعني جاء النهي عن ذلك، ونُهِيْنا أن ندخلها إلا باكين، فالمواضع التي حصل فيها ما حصل سواء كانت متخذة لعبادات جاهلية أو كانت مواضع خسف أو عقوبات وعذاب لأمم عصت الرب- جل وعلا- فلا يُصلَّى فيها، والنهي عن الصلاة في مواضع الخسف ترجم عليه البخاري- رحمه الله تعالى-.

 «لا وفاء لنذر في معصية الله ولا في قطيعة رحم» تقدم النذر في المعصية، «ولا في قطيعة رحم» ينذر ألا يزور أباه أو أمه أو عمه أو خاله، هذا نوع من نذر المعصية، لكنه نوع خاص، وعطفه على نذر المعصية من باب عطف الخاص على العام؛ للاهتمام بشأن الخاص والعناية به، للاهتمام بشأن الخاص والعناية به.

 «ولا فيما لا يملك ابن آدم ولا فيما لا يملك ابن آدم» إن شفى الله مريضه فأرض فلان وقْف يصح أم ما يصح؟ لا يصح، لا يملكه، إن شفى الله مريضه فعبد فلان حُرّ، وهكذا الذي لا يملكه ابن آدم لا ينفذ فيه نذره، لكن هل هناك كفارة بدل من نذر المعصية وقطيعة الرحم وما لا يملكه ابن آدم؟

على ما تقدم شرحه في حديث عائشة وفي حديث ابن عباس، ولا شك أن كفارة اليمين تُخرِج المكلَّف من عهدة النذر بيقين، تخرجه من عهدة النذر بيقين.

 وعن جابر -رضي الله عنه-، وعن جابر -رضي الله عنه- أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أُصَلِّيَ في بيت المقدس، بيت المقدس من المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ لها الرحال على ما سيأتي في الحديث اللاحق، تشد لها الرحال.

 إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، طيب لماذا لا يصلي في مكة، ومكة أفضل؟ لأنه يرى أن صلاته في مكة والفتح فتح مكة، وهو موجود في مكة، هذا لا يشفي ما في نفسه من الحرص على فتح مكة، فيريد أن ينذر نذرًا فيه شيء مما يشفي النفس، فيه تعب، وفيه مشقة، أما لو نذر أن يصلي في بيت الله الحرام وهو في مكة فكأن النفس ما شفت غليلها، فيريد أن يشق على نفسه في هذا النذر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «صَلِّ هاهنا صَلِّ هاهنا» فسأله فقال: «صَلِّ هاهنا» فسأله فقال: «شأنك إذًا»، وهو نَذْر طاعة، وشد الرحل إليه جائز على ما سيأتي في الحديث الذي يليه، ولا إشكال إلا أنه مفضول بالنسبة لبيت الله الحرام وبالنسبة لمسجده -عليه الصلاة والسلام-، ولذا من نَذَر أن يصلي أو يعتكف في المسجد الأقصى، في بيت المقدس، يكفيه أن يصلي في المسجد النبوي؛ لأنه أفضل، وأن يعتكف في المسجد النبوي، ومن نذر أن يعتكف في المسجد النبوي يكفيه أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل، ولا عكس، فمن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام أو يصلي في البيت الحرام لا يقوم مقامه شيء، لا يقوم مقامه شيء؛ لأنه أفضل المساجد، فلا يقوم المسجد الذي دونه مقامه، من نذر أن يعتكف في المسجد النبوي يجزيه أن يعتكف هنا، ولا يجزيه أن يعتكف في المسجد الأقصى، وأما سائر المساجد من نذر أن يصلي فيها أو يعتكف فيها فإنه يجوز له أن يصلي ويعتكف في أي مسجد؛ لأنه لا مزية لها، لا مزية لها على غيرها، رواه الإمام أحمد.

 «شأنك إذًا» إذًا إعرابها..

طالب: ..........

كيف؟

طالب: ..........

«شأنك إذًا» حرف جواب أم ظرف؟

طالب: ..........

جواب إيش؟

طالب: ..........

طيب لو قال: شأنك حينئذ..

طالب: ..........

نعم، لكن لا بد.. من حيث المعنى، من حيث المعنى لو قدَّرْنا قبلها حين؛ ليستقيم المعنى.

طالب: ..........

حينئذ.. يعني لو قدرنا قبلها ظرف حين؛ ليستقيم المعنى أو وقتئذ أو.. ما فيه إشكال، إذًا هذه تكتب بالتنوين، ومنهم من يرى كتابتها بالنون، منهم من يرى كتابتها بالنون، وهو قول معروف عند أهل اللغة، والمبرِّد يقول: وددت أن أكوي يد من كتبها بالنون، فالأمر سهل، هي نون سواء كانت منطوقة أو مكتوبة، التنوين نون.

 وعلى كل حال الأكثر على أنها تنوين.

 رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود ورجاله رجال الصحيح، والحديث مقبول في الجملة يعني قد لا يصل إلى درجة الصحيح، لكنه مُحْتَجٌّ به.

 قال -رحمه الله- في الحديث الأخير: وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تشد الرحال»، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، يعني من أجل مزاولة العبادة فيها لا تشد إلى أي بقعة من البقاع، «إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا»، وما عدا المساجد الثلاثة لا يجوز أن تَشُدَّ الرحل إليها لتتعبَّد فيها؛ لأنها لا مَزِيَّة لها، ويمكن أن يكون ذلك مثارًا للغلو في البقاع، ولذا نتج من الآثار السيئة من وسائل الشرك حينما شد الناس الرحال إلى البقاع حتى شدوا الرحال إلى القبور والمشاهد، وألفوا فيها، بعضهم ألَّف في المشاهد مناسك، أسموها حج المشاهد، وبالغوا فيها، وبعضهم فضَّلها على بيت الله الحرام، والحج إليها عندهم أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام، نسأل الله العافية، وهذا الذي أراد النبي -عليه الصلاة والسلام- حسمه بقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا»، هذه مساجد مفضَّلة لها ميزة على غيرها تستحق شد الرحل، أما غيرها فلا مزية له فحينئذ لا يُشَد الرحل إليه.

طالب: ..........

ما فيه إشكال ما فيه.. طلب العلم غير إذا وجد المبرر الشرعي طلب العلم أو صلة الرحم أو حتى النزهة السياحة.. الأصل الإباحة، لكن لو مات شخص في بلد وصُلِّي عليه في مسجد لا ميزة له، وشددت الرحل لتُصَلِّيَ على هذا الميت؛ لأنه من قرابتك أو من أهل العلم الذين لهم فضل عليك يدخل في هذا أو لا يدخل؟ أنا ما شددت إلى البقعة؛ لأنه لو صلي عليه في بقعة غيرها شددت الرحل فهذا لا إشكال فيه، إن شاء الله تعالى.

طالب: ..........

مساجد عادية لا مزية لها نفس الشيء، نفس الشيء لا تشد الرحال، لا تُشَد الرحال والآثار السيئة المترتبة على شد الرحال إلى زيارات البقاع والمشاهد والأماكن التي هي مدفن لعلماء وأولياء جَرَّ الناسَ إلى الشرك الأكبر، نسأل الله السلامة والعافية، والمشاهد موجودة في كثير من بلاد المسلمين مع الأسف، وأنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله- جل وعلا- وجدت، ومن قرأ في كتب الرحلات عرف، لا يكاد واحد من هؤلاء الرحَّالين إلا ما قلّ إلا ويصف ما يشاهده مما يصرف من أنواع العبادة، من أنواع العبادة التي لا تجوز ولا تصرَف إلا لله -جل وعلا-، رأى الأمر المهول من الغلو والتبرُّك والتمسح والطواف والاستشفاء بالتراب والنذور والقرابين، كل هذه موجودة في هذه المشاهد، والحديث حسم لهذه المادة، وقطع لدابر هذه الفتنة.

 يعني في المشرق ضريح ومشهد من أكبر المشاهد يقال له: ضريح الشعرة، ضريح مقام على مساحات شاسعة، وفيه جداول الماء تدخل من تحته وتخرج من الجهة الأخرى، يباع هذا الماء بأغلى الأثمان للاستشفاء به، والتراب، ضريح الشعرة هذا الضريح فيه شعرة، ما فيه جسد، شعرة تُنسَب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، يعني النصوص التي جاءت بسد الذرائع الموصلة للشرك وحماية جناب التوحيد لا تُحصَر، ومع ذلك يوجد الشرك الأكبر في هذه الأمة، كما أخبر النبيُّ -عليه الصلاة والسلام-: «لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان» «حتى تصطفق أليات نساء دوس على ذي الخلَصة».

 المقصود أن الشرك وُجِد في هذه الأمة، ومع الأسف أنه يُرعَى من قِبَل بعض من ينتسب إلى العلم؛ لأنه مصدر رزق لهم هذه النذور وهذه القرابين التي تقرَّب لهذه المشاهد، هل يستفيد منها المدفون صاحب المشهد؟ يستفيد منها، فهي مصادر رزق، ولكنه سحت، لكنه سحت.

وبهذا نكون أنهينا الكلام على الجزء المقرَّر وكتاب الجهاد فيه أكثر من خمسين حديثًا لا نستطيع أن نأخذ منه شيئًا يسيرًا ونترك الباقي إلى ما بعد أشهر من الآن، فعلى هذا نقف على هذا وغدًا ليس فيه درس ولا بعد غد.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.