التعليق على تفسير القرطبي - سورة الفرقان (06)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى-:

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69)} [سورة الفرقان:68-69].

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ} [سورة الفرقان:68] إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان، وقتلهم النفس بوأد البنات، وغير ذلك من الظلم والاغتيال، والغارات، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحًا. وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني: لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص،.."

يعني بقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} [سورة الفرقان:63] لا يليق بمن أضافهم الله إليه أن يُنفى عنهم هذه الأوصاف الشنيعة، يعني ما يُمدح إنسان مسلم مضاف إلى الله- جلَّ وعلا- إضافة اختصاص بأنَّه لا يدعو مع الله إلهًا آخر، ولا يزني، أو قيل مثلًا: العالم الفلاني نعم الرجل لا يزني، هذا مدح أم لا؟ هذا على حد زعم القائل يقول: ما يكون مدحًا مثل هذا، نعم يُمدح الإنسان العادي بمثل هذه الأمور، أمَّا من أضافهم الله إليه إضافة اختصاص كيف يُقال: فلان عابد الرحمن لا يزني، لا يُشرك، لا يقتل؟ يظن أنَّ هذا ظاهره إزراء بهم، ولكن النص جاء هكذا، ولا شك أنَّه أوَّل الآيات تأويلًا باطنيًّا على غير ظاهرها، فأوَّل الشرك، وأوَّل القتل، وأوَّل الزنا على طريقة غلاة الصوفية من الباطنية وغيرهم، وهو معروف من تفاسير الإسماعيلية، وتفاسير الرافضة مما يُعرف بالتفسير الإشاري، هذا معروف عندهم ومستفيض، وغالب القرآن محمول على هذا عندهم، لكن يرد قولهم على ما سيأتي.

النبي- عليه الصلاة والسلام-: لمَّا ذكر أعظم الذنوب «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، وأن تقتل النفس التي حرم، وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، وأن تُزاني بحليلة جارك»، ثم استدل بالآية، فدل على أنَّها على ظاهرها، وهذا نظير من يقول: من مناقب أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- هذا منصوص في الصحيح أنَّه كان لا يلتفت في صلاته، لا يلتفت في صلاته، يقول: مسألة الالتفات في الصلاة صبيان المسلمين ما يلتفتون، فكيف بأبي بكر أفضل هذه الأُمَّة بعد نبيها؟ إذًا لابد أن نأوِّل هذا الخبر، ولا يعلم أنَّ الظرف الذي قيل فيه هذا الكلام إنَّه كان لا يلتفت في صلاته أنَّها منقبة له.

النبي- عليه الصلاة والسلام- كان يلحظ إلى جهة الوادي الذي يُخشى منه مجيء العدو، كان أبو بكر لا يفعل ذلك- رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وهذه منقبة له، والرسول- عليه الصلاة والسلام- المُشرِّع يفعل مثل هذا؛ لبيان الجواز، لكن هذه منقبة لأبي بكر بلا شك، يعني في الظروف العادية يقول: فلان ما يتلفت في صلاته، يقولك: وماذا فيه؟ الأطفال ما يتلفتون، فمثل هذا قال هذا القائل، يقول: عباد الرحمن لا يُشركون؟ المسلمون كلهم لا يُشركون، لا يدعون مع الله إلهًا آخر، وسيأتي كلامه والرد عليه.

"لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يُمدحوا بنفيها عنهم؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها لا يدعون الهوى إلها، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلاها".

قتلًا لها.

" فيكون قتلًا لها. ومعنى {إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة، فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحًا، بل بالضرورة فيكون كالنكاح. قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلام رائق".

يعني مقبول في الظاهر، في الظاهر نعم، لكنه.

"غير أنه عند السبر مائق."

يعني زائف، عند السبر زائف.

"وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية، وإنَّما صح تشريف عباد الله باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة، وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفًا لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيدًا لهم، والله أعلم."

تبعيدًا لها. يعني عن هذه الصفات.

"ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيدًا لها، والله أعلم.

قلت: ومما يدل على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها ما روى مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال قلت: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ معك» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَهَا:{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً} [سورة الفرقان:68]. والأثام في كلام العرب العقاب، وبه قرأ ابن زيد وقتادة هذه الآية.

ومنه قول الشاعر:

جزى الله ابن عروة حيث أمسى

عقوقا والعقوق له أثام

أي جزاء وعقوبة.

وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد: إن{أَثاماً} وادٍ في جهنم جعله الله عقابًا للكفرة. قال الشاعر:

لقيت المهالك في حربنا

وبعد المهالك تلقى أثاما

وقال السدي: جبل فيها. قال: وكان مقامنا ندعو عليهم بأبطح ذي المجاز له أثام. وفي صحيح مسلم أيضًا عن ابن عباس: أنَّ ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، وهو يخبرنا بأنَّ لِما عملنا كَفَّارة، فنزلت: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ} [سورة الفرقان:68]".

تعديل.

طالب:................

أنَّ لِما عملناه كَفَّارة.

طالب:................

يعني هذا في أكثر من نسخة. لو تُخبرنا بأنَّ لما عملنا كَفَّارة.

"فنزلت: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً} [سورة الفرقان:68]. ونزل: { يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}..[سورة الزمر:53] الآية. وقد قيل: إن هذه الآية: {يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} [سورة الزمر:53] نزلت في وحشي قاتل حمزة، قاله سعيد بن جبير وابن عباس. وسيأتي في (الزمر) بيانه.

قوله تعالى: { إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي بما يحق أن تُقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنًى بعد إحصان، على ما تقدم بيانه في(الأنعام). {وَلا يَزْنُونَ} فيستحلون الفروج بغير نكاح ولا ملك يمين. ودلت هذه الآية على أنَّه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق ثم الزنى؛ ولهذا ثبت في حد الزنا القتل لمن كان محصنًا أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن."

يعني ما جاء من أنَّ «درهم من ربا أعظم عند الله من ست وثلاثين زنية» هذا مُضعَّف عند جمع من أهل العلم، ومنهم من يجعله في دائرة القبول ويُحسِّنه ويحمله على المبالغة في التنفير، المبالغة في الزجر عنه والتنفير.

"قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [سورة الفرقان:68-69] قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: { يُضاعَفْ} و{ يَخْلُدْ} جزًما. وقرأ ابن كثير: (يُضَعَّفْ) بشد العين وطرح الألف، وبالجزم في.."

وعلى هذا يكون { يُضاعَفْ} بدلًا من {يَلْقَ} الواقعة في جواب الشرط.

" وبالجزم في (يُضَعَّفْ) (وَيَخْلُدْ). وقرأ طلحة بن سليمان: ( نُضَعِّفْ) بضم النون وكسر العين المشددة. {الْعَذَابُ} نصب و{يَخْلُدْ} جزم، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر:{ يضاعف}، {ويخلدُ} بالرفع فيهما على العطف والاستئناف."

ويُخلدُ، يُضاعفُ ويُخلدُ.

"(يُضاعفُ)، (ويُخلدُ) بالرفع فيهما على العطف والاستئناف، وقرأ طلحة بن سليمان:( وتخلد) بالتاء على معنى مخاطبة الكافر. وروي عن أبي عمرو( ويُخْلَد) بضم الياء من تحت وفتح اللام. قال أبو علي: وهي غلط من جهة الرواية. و{يُضاعَفْ} بالجزم بدل من{يَلْقَ} الذي هو جزاء الشرط. قال سيبويه: مضاعفة العذاب لُقْيَ الأثام."

لُقِيُّ.

"مضاعفة العذاب لُقِيُّ الأثام قال الشاعر:

مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا

تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا

وقال آخر:

إِنَّ عَلَيَّ اللَّهَ أَنْ تبايعا

تؤخذ كرها أو تجئ طَائِعَا

الأصل أنَّ عليَّ والله، قسم لكن لمَّا حُذِفَ انتصب على نزع الخافض الذي هو حرف القسم كما هو معروف في نظائره.

"وأما الرفع ففيه قولان: أحدهما أن تقطعه مما قبله. والآخر أن يكون محمولاً على المعنى، كأن قائلًا قال: ما لُقِيُّ الأثام؟ فقيل له: يضاعف له العذاب. و{مُهاناً} معناه ذليلًا خاسئًا مبعدًا مطرودًا.

قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً} [سورة الفرقان:70] لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني. واختلفوا في القاتل من المسلمين على ما تقدم بيانه في النساء، ومضى في المائدة القول في جواز التراخي في الاستثناء في اليمين، وهو مذهب ابن عباس مستدلًا بهذه الآية."

الاستثناء متعقب لثلاثة أمور التي هي الشرك، وقتل النفس، والزنا، والقاعدة أنَّ مثل هذا لا يختلفون في رجوعه إلى الأخير، لا يختلفون في رجوعه إلى الأخير كما في آية النور، في آية القذف، وهنا لا خلاف في أنَّه يرجع إلى الشرك بمعنى أنَّ التوبة من الشرك مقبولة إذا جاءت بشروطها، وعليه أكثر الصحابة لا سيما كبارهم بعد أن كانوا مشركين صاروا خيار الأُمَّة بعد التوبة والدخول في الإسلام، وكذلك الزنا. وأمَّا القاتل فقبول توبته قول جماهير أهل العلم، وقول عامة أهل العلم وهو المقرر عند أهل السُّنَّة والجماعة، ومنهم من يرى أنَّه لا توبة له وهذا محكي عن ابن عباس- رضي الله عنهما-، وآية النساء التي تقضي عليه بالخلود هل تمنع من التوبة؟ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [سورة النساء:93]، تمنعه من التوبة؟

حتى على رأي ابن عباس، حتى على سبيل التنزل؛ لأنَّ المشرك خالد في النار، حرَّم الله عليه الجنة- نسأل الله السلامة والعافية-، ومع ذلك التوبة مقبولة، والكلام فيما إذا مات من غير توبة هل يُخلَّد أو لا يُخلَّد؟ هذا مدلول الآية، وابن عباس- رضي الله عنهما- يرى أنَّه لا توبة له، وكأنَّه أجاب سائلًا معروفًا بالإسراف في القتل، فقال له: هل لي من توبة؟ فقال: لا توبة لك. بمعنى أنَّه لو قال: لك توبة، لقتل وتاب، ثم قتل ثم تاب ثم قتل ثم تاب، وهذا يُجرِّئه على كثرة القتل مع أنَّه من جهة أخرى قفل الباب في وجهه يجعله يسرف أكثر.

 مثل الذي قتل التسعة والتسعين ثم استفتى وقال له: ليس لك من توبة، قال العابد: ليس لك توبة فكمَّل به المائة، مادام ما له توبة ما عليه، خلاص، هذا الذنب حصل ولا توبة له فلا فرق بين تسع وتسعين ومائة ومائتين، وعلى كل حال القول المقرر عند أهل العلم إنَّ التائب من القتل له توبة، ولا يُخلَّدُ في النار الخلود الذي هو خلود الكفار، وإنَّما يُخلد في النار خلود طول المدة والأمد، ومعروف في لغة العرب أنَّ مثل هذا يُقال له: خلود، والله المستعان.

"قوله تعالى: {فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ} [سورة الفرقان:70]، قال النحاس: من أحسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع. وقال مجاهد والضحاك: أن يبدلهم الله من الشرك الإيمان، وروي نحوه عن الحسن. قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا، يبدلهم الله إيمانًا من الشرك، وإخلاصًا من الشك، وإحصانًا من الفجور. وقال الزجاج: ليس بجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن بجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. وروى أبو ذر عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: «أن السيئات تبدل بحسنات»، وروي معناه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وغيرهما. وقال أبو هريرة: ذلك في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته، فيبدل الله السيئات حسنات. وفي الخبر: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات» فقيل: ومن هم؟ قال: «الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» رواه أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ذكره الثعلبي والقشيري.

وقيل: التبديل عبارة عن الغفران، أي يغفر الله لهم تلك السيئات لا أن يبدلها حسنات."

مخرج؟

طالب:...........

لا شك، لفظه منكر، لكن إذا بُدلت هذه السيئات حسنات كمن يُعرض على الله- جلَّ وعلا- ويقرره بذنوبه ثم يبدلها حسنات، وكان قد جحد ما هو أعظم منها ثم يُقر بها من أجل أن تُبدل هذه السيئات حسنات، والأقوال التي تقدمت لا شك أنَّ فيها صرفًا للآية عن ظاهرها؛ لأنَّ ظاهر الآية أنَّ هذه السيئات بعد التوبة النصوح تبدل بالحسنات، وهذا هو اللائق بفضل الله- جلَّ وعلا- وكرمه، هو اللائق بفضل الله وكرمه.  

قد يقول قائل: إنَّ هذا ليس بلائق في العدل، في العدل الإلهي فشخص طول عمره يعمل الطاعات ويُكثر من الحسنات، والآخر مسرف على نفسه طول عمره، حتى إذا بقي شيء يسير من عمره تاب توبة نصوحة، فبدلت هذه السيئات حسنات، ما صار فيه فرق بين هذا وهذا، ولكن الفرق واضح في أنَّ حسنات المطيع مضاعفة وحسنات المسرف العاصي المبدلة عن السيئات ليست مضاعفة؛ لأنَّ البدل له حكم المبدل، البدل له حكم المبدل، والسيئات لا تُضاعف؛ إذًا الحسنات التي أبدلت منها لا تضاعف، فشتان بين من أقل حسابه الواحد بعشرة، وبين من يُحاسب على الواحد بواحد، على الفعلة بحسنة واحدة، وعلى كل حال فضل الله لا يُحد فعال لما يريد، لا يُسئل عما يفعل- جلَّ وعلا-.

"قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال- صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: «أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن»، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:« إني لأعلم آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ فِي كِبَارِ ذُنُوبَهُ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا ها هنا»، فلقد رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه. وقال أبو طويل:"

 هذا يدل أيضًا على أنَّ الحسنات الذي كان أصلها سيئات غير مضاعفة، «فإنَّ لك مكان كل سيئة حسنة» حسنة يعني واحدة، وإن كان يُفهم من كلام شيخ الإسلام- رحمه الله- أنّها تضاعف أيضًا، هذه الحسنات وإن كان أصلها سيئات تُضاعف، لكن العدل- العدل الإلهي- وإن كان الفضل أوسع، لكنَّ العدل يقتضي أن تختلف المعاملة بين شخص أفنى عمره في الطاعة، وليست له صبوة، واستمر على ذلك إلى أن مات، وبين شخص مسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، ثم بعد ذلك يتوب في آخر الأمر، نعم تبدل السيئات حسنات، لكن كرم الله- جلَّ وعلا- وسعة فضله وجوده وإحسانه، لكن لا يستوي هذا وهذا. {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [سورة السجدة:18] إذا كان فاسق وإن كانت الآية تدل على أنَّه فاسق في الحال في وقت المفاضلة، نعم.

"وقال أبو طويل: يا رسول الله، أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها، فهل له من توبة؟ قال: «هل أسلمت»؟ قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبد الله ورسوله. قال: «نعم، تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ يَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ كُلَّهُنَّ خَيْرَاتٍ»، قال: وغدراتي وفجراتي يا نبي الله؟ قال: «نعم». قال: الله أكبر! فما زال يكررها حتى توارى. ذكره الثعلبي."

مخرج؟

طالب: قال: جيد أخرجه الطبراني .......

"قال مبشر بن عبيد، وكان عالمًا بالنحو والعربية: الحاجة التي تقطع على الحاج إذا توجهوا. والداجة التي تقطع عليهم إذا قفلوا."

نعم، والمعنى مناسب وظاهر، الحاجة التي تقطع الحاج إذا توجهوا وهم محملون بالأزواد تقتطع عليهم وتأخذ من أموالهم، والداجة التي تقطع عليهم إذا قفلوا بعد أن تنتهي أزوادهم وليس معهم إلا الشيء الخفيف، ليس معهم إلا البُلغة، ولا شك أنَّ غنيمة أولئك إن سموها غنيمة، أو نهبتهم أكثر.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

الداجة هذه مازالت مستعملة إلى الآن، يقولون الداج إل ما عنده شيء، وفي الغالب أنَّ الناس إذا قفلوا من الحج أنَّه ليس لديهم شيء إلا البُلغة يعني ما يوصلهم إلى بُلدانهم.

" قوله تعالى: {وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً} [سورة الفرقان:71] لا يقال: من قام فإنَّه يقوم، فكيف قال: من تاب فإنَّه يتوب؟"

يعني اتحاد الشرط والجزاء، من تاب فإنَّه يتوب، من قام فإنَّه يقوم، «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» لابد من التقدير ليصح الكلام، يعني لو قلت: من قام قام، من قام قام، من تاب تاب، لكن لو قلت: من تاب تاب الله عليه استقام؛ لأنَّ متعلق التوبة الأولى غير متعلق التوبة الثانية فيستقيم الكلام. وهنا نعم.

" فقال ابن عباس: المعنى من آمن من أهل مكة وهاجر ولم يكن قتل وزنى بل عمل صالحًا وأدى الفرائض فإنَّه يتوب إلى الله متابًا، أي فإني قدمتهم وفضلتهم على من قاتل النبي- صلى الله عليه وسلم- واستحل المحارم. وقال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين؛ ولهذا قال: { إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ} [سورة الفرقان: 70] ثم عطف عليه من تاب.."

لأنَّ من قتل ومن زنى لا يُقال فيه: من تاب وآمن، هو مؤمن من الأصل، اللهم إلا إذا كان في وقت الزنى والقتل بحيث يرتفع عنه الوصف «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فيتجه دخول الزاني والقاتل في الاستثناء الأول، وإن قيل فيه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} بمعنى أنَّه رجع إلى إيمانه واستمر عليه.

"ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملًا صالحًا فله حكم التائبين أيضًا. وقيل: أي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب وعمل صالحًا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب"

يعني صدَّق الدعوى- دعوى التوبة- صدَّقها بالعمل، وإلا فالدعوى كل يستطيعها.

" فهو الذي تاب إلى الله متابا، أي تاب حق التوبة وهي النصوح ولذا أكد بالمصدر. فـ {مَتَابًا} مصدر معناه التأكيد، كقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [سورة النساء:164] أي فإنه يتوب إلى الله حقًا فيقبل الله توبته حقًا.

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} [سورة الفرقان:72] فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. و{الزُّورَ} كل باطل زور وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وبه فسر الضحاك وابن زيد وابن عباس وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. قال عكرمة: لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور. وقال مجاهد:"

نعم، هو في حكم كل مجلس تقع فيه معصية لله- جلَّ وعلا-، كلها مجالس زور- نسأل الله السلامة والعافية-، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، والزور كالكذب كما يكون بالقول يكون بالفعل أيضًا.

" وقال مجاهد: الغناء، وقاله محمد ابن الحنفية أيضًا. وقال ابن جريج: الكذب، وروي عن مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: المعنى لا يشهدون بالزور، من الشهادة لا من المشاهدة. قال ابن العربي: أمَّا القول بأنَّه الكذب فصحيح؛ لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع. وأمَّا من قال: إنه لعب كان في الجاهلية فإنَّه يحرم ذلك إذا كان فيه قمار أو جهالة، أو أمر يعود إلى الكفر، وأمَّا القول بأنَّه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد."

يعني ليس ينتهي إلى حد يُنفر منه بمثل هذا الأسلوب بحيث يسمى زورًا، وهذه وجهة نظر ابن العربي ومعروف رأيه في الغناء، وأهل الأندلس عمومًا فيهم من يتساهل بهذه المسألة، وينبغي أن يُعلم أنَّ الغناء الذي يتكلم فيه أهل العلم ما خلا عن الآية، أمَّا الآلات والمعازف والمزامير هذه كلها ممحوقة بالأدلة الصحيحة، فالغناء عندهم ما خلا عن الآلة، ثم بعد ذلك يُنظر في لفظه فإن كان مباحًا أُديَّ بلحون العرب فلا بأس به، وإن كان اللفظ محرمًا فلا يجوز لا مزاولته ولا استماعه، وإن كان اللفظ مباحًا وأدي بلحون الأعجام وأهل الفسق وأهل الفجور فإنَّه يُمنع من هذه الحيثية.

وقد يلتبس الأمر على بعض طلاب العلم ويُلبَّس عليهم ويؤتى بشبهات ويُقال: إنَّ الغناء موجود في صدر هذه الأُمَّة لا سيما عند أهل المدينة، كثير من سلف هذه الأُمَّة يشتري الجارية لتغني له، نقول: الغناء غير ما تقصده، أولًا هو محرم من محارمها يشتريها تكون ملك يمين، فلا يسمع إلى غناء أجنبية. الأمر الثاني أنَّ الآلة ليست موجودة التي جاء النص على تحريمها «ليكونن من أُمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» يجعلون الحرام حلالًا، فدل على أنَّه حرام. وأيضًا الألفاظ حاشا لسلف هذه الأُمَّة أن يسمعوا الخنا، أو يسمعوا أوصاف القينات، أو أوصاف العاهرات والفاجرات، وحاشهم أن يسمعوا وصف الخمور وما أشبه ذلك، أو الكذب أو الفرية على أحد.

المقصود أنَّهم يسمعون الكلام المباح من هذه الجواري وإن كان الصوت جميلًا ناعمًا دون آلات فلا بأس به إن شاء الله تعالى، وعلينا أن نفرق بين هذا الذي يُذكر في تراجم بعض العلماء من سلف هذه الأُمَّة، وبعض الناس يسمع الغناء ويقول: كل صوره وأنواع من فجور وخنا والنظر في وجوه الموميسات اللاتي يعرضن أنفسهن في هذه القنوات يجعله مثل ما يسمعه خيار هذه الأُمَّة، كلا ثم كلا، لا شك أنَّ هذا تلبيس أو ضلال في الفهم، لا شك أنَّ مثل هذا لا يقول به عاقل يسمع الغناء من امرأة أجنبية متبرجة معها آلاتها، ومعها من يُلحن لها من الرجال على هيئة قبيحة وبألفاظ شنيعة هذا لا يقول به عاقل فضلًا عن متدين.

" قلت: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال، أو يثير كامنًا من حب اللهو، مثل قول بعضهم:

ذهبي اللون تحسب من وجنتيه النار تقتدح

خوفوني من فضيحته ليته وافى وأفتضح"

نسأل الله العافية، نسأل الله العافية.

"لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه الأزمان، على ما بيناه في غير هذا الموضع. وأمَّا من قال: إنَّه شهادة الزور، وهي الثانية: فكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويحلق رأسه".

يعني يُسوِّد وجهه، يسود وجهه.

"ويطوف به في السوق. وقال أكثر أهل العلم: ولا تقبل له شهادة أبدًا، وإن تاب وحسنت حاله فأمره إلى الله. وقد قيل: إنَّه إذا كان.."

يعني مثل الذي يكذب في حديث النبي- عليه الصلاة والسلام-، خلاص من كذب مرة ردت رواياته كلها، ولا تُقبل توبته يعني في باب الرواية. أمَّا ما بينه وبين ربه من يحول بينه وبينه؟ المقصود أنَّ مثل هذا الذي شهد الزور من يضمن أنَّ شهادته صحيحة فيما بعد؟ فعلى هذا لا تُقبل شهادته، ومنهم من يقول: تُقبل شهادته مطلقًا، وشاهد الزور كغيرها من الذنوب والمعاصي، ومنهم من يفرق بين من حصلت منه مرة أو هفوة، وبين من اعتاد ذلك واستمرءه.

" وقد قيل: إنَّه إذا كان غير مبرز فحسنت حاله قبلت شهادته حسبما تقدم بيانه في سورة الحج، فتأمله هناك.

قوله تعالى: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [سورة الفرقان:72] قد تقدم الكلام في اللغو، وهو كل سقط من قول أو فعل، فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما قاربه، ويدخل فيه سفه المشركين وأذاهم المؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر. وقال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا. وروي عنه: إذا ذكر النكاح كنوا عنه. وقال الحسن: اللغو المعاصي كلها. وهذا جامع.

و{كِرَامًا} معناه معرضين منكرين لا يرضونه، ولا يمالئون عليه، ولا يجالسون أهله. أي مروا مر الكرام الذين لا يدخلون في الباطل. يقال: تكرم فلان عما يشينه، أي تنزَّه وأكرم نفسه عنه. وروي أن عبد الله بن مسعود سمع غناءً فأسرع وذهب، فبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال-: «لقد أصبح ابن أم عبد كريمًا». وقيل: من المرور باللغو كريمًا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر."

ماذا يقول؟

طالب:...............

نعم.

"قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً} [سورة الفرقان:73] فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ} أي إذا قرئ عليهم القرآن ذكروا آخرتهم ومعادهم، ولم يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع. وقال: {لَمْ يَخِرُّوا} وليس ثم خرور، كما يقال: قعد يبكي وإن كان غير قاعد، قاله الطبري واختاره. قال ابن عطية: وهو أن يخروا صُمًّا وَعُمْياناً هي صفة الكفار، وهي عبارة عن إعراضهم، وقرن ذلك بقولك: قعد فلان يشتمني، وقام فلان يبكي، وأنت لم تقصد الإخبار بقعود ولا قيام، وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة. قال ابن عطية: فكأنَّ المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر، فإذا أعرض وضل كان ذلك خرورًا، وهو السقوط على غير نظام وترتيب، وإن كان قد شُبِّه به الذي يخر ساجدًا لكن أصله على غير ترتيب. وقيل: أي إذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم فخروا سجدًا وبكيًّا، ولم يخروا عليها صمًّا وعميانًا."

يعني وإن سجدوا، لكنهم مشبهون من به صمم أو عمى، فكأنَّهم لا يسمعون ولا يرون ولا يتأثرون، بخلاف الذين يخرون سجدًا وبُكيًّا، فالذي يسجد وهو غافل لا يدري كيف سجد، وأحيانًا يتعدى آية السجدة، وأحيانًا يسجد قبلها مثل هذا كالأصم لا يدري ماذا يقرأ، ولا يدري كيف يسجد، بخلاف الذين يخرون على أذقانهم سجدًا، يخرون على أذقانهم سجدًا وبُكيًّا، فالله المستعان، فشتان بين هذا وهذا.

" وقال الفراء: أي لم يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا.

الثانية: قال بعضهم: إن من سمع رجلاً يقرأ سجدة يسجد معه؛ لأنَّه قد سمع آيات الله تتلى عليه. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم إلا القارئ وحده، وأمَّا غيره فلا يلزمه ذلك إلا في مسألة واحدة".

نعم السامع لا يلزمه السجود، لا يلزمه السجود، وإنَّما الذي يسجد المستمع الذي يقصد السماع؛ ولذا يقول أهل العلم: ويسجد المستمع دون السامع. أمَّا من يسمع من غير قصد فإنَّ هذا لا يسجد. والمستمع يسجد؛ لأنَّ له مثل أجر القارئ إذا كان يستمع.

"فلا يلزمه ذلك إلا في مسألة واحدة، وهو أنَّ الرجل إذا تلا القرآن وقرأ السجدة فإن كان الذي جلس معه جلس ليسمعه فليسجد معه، وإن لم يلتزم السماع معه فلا سجود عليه. وقد مضى هذا في الأعراف".

ويشترطون مع ذلك أن يكون القارئ ممن يصلح أن يكون إمامًا للمستمع، يصلح أن يكون إمامًا للمستمع، فعلى هذا لو استمع مستمع لقراءة امرأة فإنَّه لا يسجد على كلامهم؛ لأنَّه لا يصلح أن تكون إمامًا له، كذلك لو سمع من غير إنسان من آلة وشبهها، سمع في المُسجِّل مثلًا، أو في الراديو سمع آية سجدة ما يسجد في هذه الحال.

" قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً} [سورة الفرقان: 74-77].

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [سورة الفرقان:74] قال الضحاك: أي مطيعين لك. وفيه جواز الدعاء بالولد وقد تقدم. والذرية تكون واحدًا وجمعًا، فكونها للواحد قوله: { رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران:38]"

الآية فيها الدعاء بصلاح الولد، الدعاء بصلاح الولد والزوجات وليس فيها الدعاء بحصول الولد والزوجات إلا أن يكون من باب اللازم، لا من باب الطلب المباشر، كما أنَّ في قوله- جلَّ وعلا-: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [سورة يوسف:101] ليس المراد منه طلب الوفاة، وإنَّما الطلب على هذه الحال.

" فكونها للواحد قوله: { رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران:38]، { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [سورة مريم:5]، وكونها للجمع {ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} [سورة النساء:9]، وقد مضى في البقرة اشتقاقها مستوفى. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن: {وَذُرِّيَّاتِنا} وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى: { وَذُرِّيَّتِنَا} بالإفراد.

{ قُرَّةَ أَعْيُنٍ} نصب على المفعول، أي قرة أعين لنا. وهذا نحو قوله- عليه الصلاة والسلام- لأنس: « اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه» وقد تقدم بيانه في آل عمران ومريم. وذلك أنَّ الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما ترى، فذلك حين قرة العين، وسكون النفس."

هذا بناء على أنَّ قرار العين ما يُقابل الحركة، الحركة بالملاحظة يمينًا وشمالًا إلى زوجات الناس وأولادهم، هذا بناء على أنَّها حركة. وأمَّا على القول الأخر وهو المعروف أنَّ قرة العين تكون الفرح بما يُعطى وحينئذٍ يكون دمعها باردًا، والقر هو البرد بخلاف الحر. وأمَّا دمعة الحزن كما يقولون حارة، والله المستعان.

" ووحد (قرة)؛ لأنَّه مصدر، تقول: قرت عينك قرة. وقرة العين يحتمل أن تكون من القرار، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر. والقر البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد."

تستريح بالبرد المقبول. أمَّا إذا زاد فإنَّ البرد أشد من الحر عندهم؛ لأنَّ الحر عندهم مؤذي والبرد قاتل.

" وأيضًا فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن سخن، فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو. وقال الشاعر:

فَكَمْ سَخِنَتْ بِالْأَمْسِ عَيْنٌ قَرِيرَةٌ

وَقَرَّتْ عُيُونٌ دَمْعُهَا الْيَوْمَ سَاكِبُ

قوله تعالى: {وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً} [سورة الفرقان:74] أي قدوة يقتدى بنا في الخير، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة، وهذا هو قصد الداعي. وفي الموطأ: « إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم»، فكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المتقين. وقال: {إماما} ولم يقل أئمة على الجمع؛ لأنَّ الإمام مصدر. يقال: أمَّ القوم فلان إمامًا، مثل الصيام والقيام. وقال بعضهم: أراد أئمة، كما يقول القائل: أميرنا هؤلاء، يعني أمراءنا. وقال الشاعر:

يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي

إن العواذل لسن لي بأمير

أي أمراء. وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، يعني بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه. وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هدى، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [سورة الأنبياء: 73]، وقال مكحول: اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون. وقيل: هذا من المقلوب، مجازه: واجعل المتقين لنا إمامًا، وقاله مجاهد. والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول".

نعم، لا شك أنَّ طلب الشخص لنفسه أن يكون إمامًا لغيره أفضل وأكمل من أن يكون له إمام يقتدي به؛ لأنَّه إذا اقتدى بغيره فالفضل جله للمقتدى به، له فضل عمله ولكن المقتدى به له أجر عمله وأجر من يقتدي به، فكونه يطلب الله ويسأله أن يكون إمامًا لغيره ليقتدى به ليحوذ مثل أجورهم هذا لا شك أنَّه هو الأكمل وهو الواضح من الآية.

طالب:...............

على حسب وضعه، إن كانت إمامته واشتهاره بين الناس يُخشى منها النقص عليه في دينه وقدح في إخلاصه هذا يلهج أن يكون تقيًّا خفيًّا، وإن كان مع إمامته وظهوره للناس واقتدائهم به لا يؤثر عليه فلا شك أنَّ هذا أفضل وأكمل.

"والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول، ويكون فيه دليل على أنَّ طلب الرياسة في الدين ندب. وإمام واحد يدل على الجمع؛ لأنه مصدر كالقيام. قال الأخفش: الإمام جمع آم من أمَّ يؤم جُمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام.

قوله تعالى: {أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا} [سورة الفرقان: 75] { أُوْلئِكَ} خبر و{عِبادُ الرَّحْمنِ} في قول الزجاج على ما تقدم، وهو أحسن ما قيل فيه. وما تخلل بين المبتدأ وخبره أوصافهم من التحلي والتخلي، وهي إحدى عشرة: التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والنزاهة عن الشرك، والزنى والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله.

و{ الْغُرْفَةَ} الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أنَّ الغرفة أعلى مساكن الدنيا. حكاه ابن شجرة. وقال الضحاك: الغرفة الجنة. { بِما صَبَرُوا} أي بصبرهم على أمر ربهم، وطاعة نبيهم- عليه أفضل الصلاة والسلام-. وقال محمد بن علي بن الحسين: { بِما صَبَرُوا} على الفقر والفاقة في الدنيا. وقال الضحاك: { بِما صَبَرُوا} عَنِ الشَّهَوَاتِ.

{وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً} [سورة الفرقان:75]،  قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف" ويَلقَون" مخففة، واختاره الفراء، قال: لأنَّ العرب تقول: فلان يتلقى بالسلام وبالتحية وبالخير (بالتاء)، وقلما يقولون فلان يلقى السلامة. وقرأ الباقون" وَيُلَقَّوْنَ" واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: { وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [سورة الإنسان:11].

قال أبو جعفر النحاس: وما ذهب إليه الفراء واختاره غلط؛ لأنَّه يزعم أنها لو كانت {يُلَقَّوْنَ} كانت في العربية بتحية وسلام، وقال كما يقال: فلان يتلقى بالسلام وبالخير، فمن عجيب ما في هذا الباب أنَّه قال يتلقى والآية {يُلَقَّوْنَ} والفرق بينهما بين؛ لأنه يقال: فلان يتلقى بالخير".

يعني استبعد لفظًا، اللفظ الذي استبعده ليس هو المقصود في الآية.

"لأنَّه يُقال فلان يُتلقى بالخير، ولا يجوز حذف (الباء)، فكيف يشبه هذا ذاك! وأعجب من هذا أن في القرآن{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [سورة الإنسان:11] ولا يجوز أن يقرأ بغيره. وهذا يبين أنَّ الأولى على خلاف ما قال. والتحية من الله والسلام من الملائكة. وقيل: التحية البقاء الدائم والملك العظيم، والأظهر أنَّهما بمعنى واحد، وأنَّهما من قِبل الله تعالى، دليله قوله تعالى:{ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [سورة الأحزاب:44] وسيأتي. {خَالِدِينَ} نصب على الحال {فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [سورة الفرقان:76] .

قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [سورة الفرقان:77] هذه آية مشكلة تعلقت بها الملحدة. يقال: ما عبأت بفلان أي ما باليت به، أي ما كان له عندي وزن ولا قدر. وأصل يعبأ من العبء وهو الثقل. وقول الشاعر:

كأن بصدره وبجانبيه عبيرا

بات يعبؤه عروس

أي يجعل بعضه على بعض. فالعبء الحمل الثقيل، والجمع أعباء. والعبء المصدر."

يعني وجه الإشكال، وجه الإشكال أنَّه لا شيء ثقيل بالنسبة إلى الله- جلَّ وعلا-، فلا شيء يكرثه، ولا يثقله، ولا يؤده، مهما بلغ من الثِّقل، هذا وجه الإشكال عنده، لكن إذا أضافه الله- جلَّ وعلا- لنفسه وأثبته له لا سيما وأنَّه جاء به على طريق النفي، مثل قوله: « فإنَّ الله لا يمل» فمثل هذا لا يُثبت؛ لأنَّه ورد على سبيل النفي. وقد يقول قائل: أنَّه لا شك أنَّه نفي لكنه نفي معلق بمحقق الوجود، فالبشر يملون؛ إذًا الله- جلَّ وعلا- مادام علَّق عدم ملَّه- جلَّ وعلا- بمللهم ومللهم محقق إذًا أنَّ الله- جلَّ وعلا- يمل، مادام معلَّقًا على محقق الوجود كما هنا أيضًا، فلا مانع من إثبات ما أثبته الله- جلَّ وعلا- لنفسه على ما يليق بجلاله وعظمته مع الاعتقاد الجازم بنفي مشابهة الخالق للمخلوق، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الشورى:11].

طالب: يُقال ما يعبأ ما يفعل؟

نعم.

طالب: ما يعبأ ما يفعل بكم، الموجودة لغة؟

{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي}.

طالب: { لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ }

{ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} يعني لولا هذا ما اكترث بكم ولا اهتم لكم. مثل قوله: «لا يبالي بأي واد هلك».

طالب:« غفرتها على ما كان منك ولا أبالي، لو بلغت ذنوبك عنان السماء».

نعم.

" و(ما) استفهامية، ظهر في أثناء كلام الزجاج، وصرح به الفراء. وليس يبعد أن تكون نافية؛ لأنك إذا حكمت بأنَّها استفهام فهو نفي خرج مخرج الاستفهام، كما قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [سورة الرحمن:60] قال ابن الشجري:"

والمقصود بالاستفهام هنا النفي بدليل الاستثناء، فالاستثناء لابد أن يكون متعقبًا لنفي أو ما كان في معناه، كما هنا.

" قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي أن موضع (ما) نصب، والتقدير: أي عبء يعبأ بكم، أي مبالاة يبالي ربي بكم لولا دعاؤكم، أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، فالمصدر الذي هو الدعاء على هذا القول مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء. وفاعله محذوف، وجواب {لولا} محذوف كما حذف في قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} [سورة الرعد:31] تقديره: لم يعبأ بكم. ودليل هذا القول قوله تعالى: {خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات:56] فالخطاب لجميع الناس، فكأنَّه قال لقريش منهم: أي ما يبالي الله بكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت، وذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. ويؤيد هذا قراءة ابن الزبير وغيره." فقد كذب الكافرون" فالخطاب بما يعبأ لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه، فسوف يكون التكذيب هو سبب العذاب لزامًا. وقال النقاش وغيره: المعنى، لولا استغناؤكم إليه في الشدائد".

استغاثتكم.

" لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك."

بناء على حمل الدعاء على معناه، وهو الطلب، والذي في البخاري: (دعاؤكم إيمانكم)، يعني قل لا يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم، لولا إيمانكم، لولا هذا الإيمان ما بالى الله بهم، ولا عبأ بهم.

يعني في كتاب الإيمان ترجمة (باب: دعاؤكم إيمانكم)، الثاني تراجم الباب، يقول- رحمه الله: ( باب: دعاؤكم إيمانكم)، قال النووي: يقع في كثير من النسخ هنا باب وهو غلط فاحش وصوابه بحذفه، بمعنى أنَّ هذا التفسير لهذه الكلمة ملحق بالباب الذي قبله بدون ترجمة، أوصيناك يا محمد { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [سورة المائدة:48]، ماذا؟ {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} [سورة الشورى:13] أوصيناك يا محمد وإيَّاه دينًا واحدًا، وقال ابن عباس: شرعة منهاجًا سبيلًا وسُنَّة، دعاؤكم إيمانكم، البخاري- رحمه الله- يفسر بعض الألفاظ من القرآن الكريم إذا جاءت مناسبتها في الباب، ويقول النووي: يقع في كثير من النسخ هنا باب وهو غلط فاحش وصوابه بحذفه، ولا يصح إدخال باب هنا إذ لا تعلق له هنا. قلت: ثبت باب في كثير من الروايات المتصلة منها رواية أبي ذر ويمكن توجيهه.. إلى أخره.

المقصود أنَّ المراد بالدعاء هنا الإيمان، يقول: وقد وصله ابن جرير من قول ابن عباس قال في قوله تعالى: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [سورة الفرقان:77] قال: يقول: لولا إيمانكم، أخبر الله الكفار أنَّه لا يعبأ بهم، ولولا إيمان المؤمنين لم يعبأ بهم أيضًا.. إلى آخر كلامه- رحمه الله-. المقصود أنَّ الدعاء هنا هو الإيمان.

" وقال النقاش وغيره: المعنى لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك، بيانه:{ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} [سورة العنكبوت:65] ونحو هذا. وقيل: {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ} أي بمغفرة ذنوبكم ولا هو عنده عظيم{لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} معه الآلهة والشركاء. بيانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [سورة النساء:146]، قاله الضحاك. وقال الوليد بن أبي الوليد: بلغني فيها أي ما خلقتكم ولي حاجة إليكم إلا تسألوني فأغفر لكم وأعطيكم. وروى وهب بن منبه أنَّه كان في التوراة:" يا بن آدم، وعزتي ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلًا من كل شيء فأنا خير لك من كل شيء".

قال ابن جني: قرأ ابن الزبير وابن عباس: { فقد كذب الكافرون}. قال الزهراوي والنحاس: وهي قراءة ابن مسعود، وهي على التفسير، للتاء والميم في {كَذَّبْتُمْ}. وذهب القتبي والفارسي إلى أنَّ الدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف. الأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب {لَوْلَا} محذوف تقديره في هذا الوجه: لم يعذبكم. ونظير قوله: لولا دعاؤكم آلهة قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [سورة الأعراف:194].

{فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} [سورة الفرقان:77] أي كذبتم بما دعيتم إليه، هذا على القول الأول، وكذبتم بتوحيد الله على الثاني.

{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} أي يكون تكذيبكم ملازمًا لكم. والمعنى: فسوف يكون جزاء التكذيب كما قال: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [سورة الكهف:49] أي جزاء ما عملوا. وقوله: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [سورة آل عمران:106] أي جزاء ما كنتم تكفرون. وحسن إضمار التكذيب لتقدم ذكر فعله؛ لأنَّك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره، كما قال: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [سورة آل عمران:110] أي لكان الإيمان. وقوله: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [سورة الزمر:7] أي يرضى الشكر. ومثله كثير. وجمهور المفسرين على أنَّ المراد باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر، وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم. وفي صحيح مسلم عن عبد الله: وقد مضت البطشة والدخان واللزام.

وسيأتي مبينا في سورة (الدخان) إن شاء الله تعالى."

نعم، عود الضمير على شيء مأخوذ مما يدل عليه، مثل: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [سورة الزمر:7] يعني يرضى لكم الشكر، {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ} يعني الإيمان، فإذا وجد وصف يُمكن أن يعود الضمير على ما اشتُق منه مثل كما في هذين، هذا هو الجاري في النصوص وفي لغة العرب أيضًا؛ ولذا في مثل قوله- عليه الصلاة والسلام-: « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، لفظة المؤمن تدل أو التعبير أو الابتداء بالمؤمن والإخبار عنه يدل على أنَّ التفضيل بالخير والقوة في كون المفضل عليه هو الضعيف يعني في هذا الوصف المؤثر الذي هو الإيمان، يعني كلما كان الإيمان أقوى كان الرجل خيرًا عند الله- جلَّ وعلا- ممن هو أضعف منه، يعني في هذا الوصف المؤثر المذكور في الخبر، مع إمكان حمله على جميع أنواع القوة، لكن يدخل دخولًا أوليًّا القوة التي تفهم من السياق وهي قوة الإيمان؛ لأنَّ هذا الوصف لا شك أنَّهن مؤثر، ما قال: المسلم القوي، قال: «المؤمن» فيدل على أنَّ قوة إيمانه لها أثر في التفضيل.

"وقالت فرقة: هو توعد بعذاب الآخرة. وعن ابن مسعود أيضًا: اللزام التكذيب نفسه، أي لا يعطون التوبة منه، ذكره الزهراوي، فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي يلزمونه. وقال أبو عبيدة: لزامًا فيصلًا أي فسوف يكون فيصلًا بينكم وبين المؤمنين. والجمهور من القراء على كسر اللام، وأنشد أبو عبيدة لصخر:

فإما ينجوا من خسف أرض

فقد لقيا حتوفهما لزاما

ولزامًا وملازمة واحد. وقال الطبري: {لِزَامًا} يعني عذابًا دائمًا لازمًا، وهلاكًا مفنيًا يلحق بعضكم ببعض، كقول أبي ذؤيب:

ففاجأه بعادية لزام كما يتفجر الحوض اللقيف

يعني باللزام الذي يتبع بعضه بعضًا، وباللقيف المتساقط الحجارة المتهدم. قال النحاس: وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال: سمعت قعنبًا أبا السمال يقرأ: {لزَامًا} بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم، والكسر أولى، يكون مثل قتال ومقاتلة، كما أجمعوا على الكسر في قوله- عز وجل-: { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [سورة طه:129]. قال غيره: اللزام بالكسر مصدر لازم لزامًا مثل خاصم خصامًا، واللزام بالفتح مصدر لزم مثل سلم سلامًا أي سلامة، فاللزام بالفتح اللزوم، واللزام الملازمة، والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، فاللزام وقع موقع ملازم، واللزام وقع موقع لازم. كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [سورة الملك: 30] أي غائرًا.

قال النحاس: وللفراء قول في اسم يكون، قال: يكون مجهولًا، وهذا غلط؛ لأنَّ المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [سورة يوسف:90] وكما حكى النحويون: كان زيد منطلق، يكون في كان مجهول، ويكون المبتدأ وخبره خبر المجهول، والتقدير: كان الحديث، فأمَّا أن يقال كان منطلقًا، ويكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه. وبالله التوفيق، وهو المستعان، والحمد لله رب العالمين."

يعني إذا كان اسم كان ضميرًا يعود على مجهول ويفسر دائمًا بالشأن والقصة يكون الخبر جملة، وإذا كان اسمها مذكورًا مفردًا أخبر عنه بالمفرد، كما قال المؤلف- رحمه الله-.

نستمر إذا أمكن.

طالب:.........

الجمعة مسافر أنا إن شاء الله، الجمعة ما فيه درس إن شاء الله، الاثنين القادم إن شاء الله.

"
مباشر شرح المقنع في فقه الإمام أحمد