شرح مختصر الخرقي - كتاب الطهارة (02)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نبدأ بقراءة الكتاب.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، رب يسر يا كريم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المنتخبين، وأزواجه أمهات المؤمنين.

قال الشيخ أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي -رحمه الله ورضي عنه-: اختصرت هذا الكتاب على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، قدس الله روحه، ونور ضريحه ورضي الله عنه؛ ليقرب على متعلمه مؤملاً من الله -عز وجل- الثواب، وإياه اسأل التوفيق للصواب.

حسبك، حسبك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في مقدمة المؤلف ذكر -رحمه الله تعالى- البسملة، وصدر الكلام بها، اقتداء بكتاب الله -جل وعلا-، وبكتبه -عليه الصلاة والسلام-، تفتتح بالبسملة، وكذلك الحمدلة اقتداءً بالكتاب العزيز، وما جاء في ذلك من حديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله)) وهو ضعيف، أما ما جاء من لفظ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله)) فقد حسنه جمع من أهل العلم، وحكم بعضهم على جميع ألفاظ الحديث ورواياته بالضعف، على كل حال البداءة بهما مطلوبة، ولو لم يكن في ذلك إلا الاقتداء بالقرآن الكريم، وأما ما جنح إليه بعض المفتونين حينما رأى الحديث لا يثبت بجميع طرقه ولا ألفاظه، صدر كتابه بقوله: كانت الكتب التقليدية تبدأ بالبسملة والحمدلة، سبحان الله، يعني ذكر الله صار مسبة، ينسب إلى الكتب التقليدية، والكتب التقليدية هي العمد في أبوابها، الكتب القديمة يقصد، ولو لم يكن في الباب إلا افتتاح القرآن بالبسملة والحمدلة، والكلام على البسملة يطول وشرح في مناسبات، وفي كتب كثيرة، وكذلك الحمدلة.

الحمد لله رب العالمين، في الطبعة الأخيرة التي عليها حاشية ابن إسماعيل، يقول: الحمد لله رب العالمين، رب يسر يا كريم، هذه الجملة تكتب في المخطوطات بين البسملة والحمدلة، بينهما، بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر يا كريم، الحمد لله رب العالمين، والطبعة الأولى لا توجد فيها البتة، فإن كان النسخة التي اعتمد عليها فيها مثل هذا الترتيب ذكر الصفحة الأولى أو ما ذكر؟ لا، ما ذكر الصفحة الأولى منها.

على كل حال العادة من النساخ أنهم يقولون:

بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر يا كريم، ثم يصلون الحمد بالصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، هكذا جرت عادتهم.

"الحمد لله رب العالمين" الحمد يُعرِّفه أكثر العلماء بأنه الثناء على المحمود، الثناء على الله -جل وعلا-، لكن تفسيره بالثناء انتقده ابن القيم -رحمه الله-في الوابل الصيب وغيره من كتبه بحديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليه عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي)) فالحمد غير الثناء، وفسر الحمد بأنه ذكر الله -جل وعلا- بآلائه وصفاته مع حبه وتعظيمه.

"رب العالمين" هذه الجملة هي الواردة في صدر القرآن الكريم، في أول سورة الفاتحة، و(أل) هنا للاستغراق، استغراق جميع المحامد لله -جل وعلا-.

"لله" خاص بالله -جل وعلا-، الحمد المستغرق بجميع أنواعه خاص بالله -جل وعلا-.

"رب العالمين" الذي رباهم بنعمه، والعالمين: جمع عالم، وكل ما سوى الله -جل وعلا- عالم، وهم عالمون باعتبار أجناسهم، فكل جنس عالم.

"وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين" ولم يذكر التسليم، اقتصر على الصلاة، وقد صرح النووي -رحمه الله-بكراهة الاقتصار على الصلاة دون السلام، والعكس، راداً بذلك على الإمام مسلم الذي اقتصر على الصلاة.

ولا شك أن الاقتصار على أحدهما غفلة، لا سيما مع طول الكلام، يُنسى السلام، يعني ذكر ما يقرب من سطرين، ونسي السلام، وإلا لا يتم امتثال الأمر بقوله -جل وعلا-: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [(56) سورة الأحزاب] إلا بالجمع بينهما، فمن اقتصر على أحدهما لم يتم امتثاله.

ابن حجر -رحمه الله- قصر الكراهة على من كان ديدنه ذلك، يعني يصلي باستمرار ولا يسلم، أو يسلم باستمرار ولا يصلي، أما من كان يقتصر على الصلاة تارة، وعلى السلام تارة، ويجمع بينهما تارة هذا لا يتناوله الكراهة، وأقل الأحوال أن يقال: إنه خلاف الأولى؛ لأنه لا يتم به الامتثال.

"وصلى الله على سيدنا" سيدنا النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((أنا سيد ولد آدم)) ولا شك في سيادته، لكن لما قيل له: أنت سيدنا، قال: ((السيد الله)) فلكل مقام مقال، إذا خشي من الغلو نفي الوصف المناسب له، إذا خشي من الغلو، أما مع أمنه فهو السيد -عليه الصلاة والسلام-.

"صلى الله على سيدنا" هذه الكلمة ثبتت في الحديث الصحيح أنه سيد ولد آدم، لكن الألفاظ المتعبد بها لا يجوز أن تضاف إليها كلمة سيد، ولو على طريق الاحترام له -عليه الصلاة والسلام-، فلا تقال في التشهد ولا في غيره مما ورد التعبد به، الذي لا يقبل الزيادة، فلا تقل: اللهم صل على سيدنا محمد في التشهد، وإن كان بعضهم يرى الأمر في هذا سعة؛ لأنه إنما كان على طريق الاحترام، وما كان على طريق الاحترام لا يتقيد بالنص، ولا يعد المخالف للنص مخالفاً، ويستدلون بأمره -عليه الصلاة والسلام- لأبي بكر أن يثبت في مكانه حينما صلى مكان النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر، ومع ذلك تأخر.

قالوا: أبو بكر -رضي الله عنه-خالف أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يثرب عليه؛ لأن هذه المخالفة تتضمن احترامه للنبي -عليه الصلاة والسلام-، لكنها مخالفة مقرة من قبله -عليه الصلاة والسلام-، وما كان مقرا يكون مشروعاً، وما لم يقر من قبله -عليه الصلاة والسلام- فالأصل ألا يتعبد إلا بما شرعه الله -جل وعلا- على لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

"على سيدنا محمد خاتم النبيين" خاتم يعني آخرهم، ولا نبي بعده -عليه الصلاة والسلام-، وبعض الفرق الضالة التي ترى أو ادعت أنه وجد بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- نبي منها من هذه الفئة الضالة، قالوا: إنه -عليه الصلاة والسلام- خاتم النبيين، يعني أنه كالخاتم بالنسبة لهم، كالخاتم، زينة للأنبياء، كالخاتم زينة للأصابع، وهذا- نسأل الله العافية- ضلال، لا نبي بعد -عليه الصلاة والسلام-، فمن ادعى ذلك أو جوزه فهو كافر مخالف للنصوص القطعية، نسأل الله العافية.

"خاتم النبيين وعلى آله" الآل، آل النبي -عليه الصلاة والسلام- هم أهله، فالآل أصلها أهل، ويختلف في تحديدهم منهم من قال: من تحرم عليه الزكاة، ومنهم من يقول: هم بنو هاشم فقط، ومنهم من يقول: بنو هاشم وبنو المطلب، ومنهم من يقول: هم العباس وأولاده وعلي وأولاده، ومن في حكمهم، ومنهم من يقول: هم أزواجه وذريته، كما جاء في بعض الروايات، رواية التشهد مكان الآل الأزواج والذرية، ولا شك في دخول الأزواج والذرية في الآل دخولاً أولياً.

"وعلى آله الطاهرين" الطاهرين، الطهارة هذه أخذت من قوله -جل وعلا-؟ هاه؟ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [(33) سورة الأحزاب] وممن يتولى يزعم ولاية الآل، ويرى لهم الطهارة يخرج مِن الآل مَن دخوله في الآية قطعي، وهن أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني الآية في أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- ويقول: لا، بعض أزواجه لا تدخل في هذه الآية، هي نص في الأزواج، والتطهير في الأزواج الذي جاء به النص بهذه الآية، ومع ذلك مخالفة للقرآن كالشمس، ويزعمون أنها لا تدخل في الآل -رضي الله عنها وأرضاها-، ويخالفون بذلك النص، ومن قال بهذا القول فقد كفر، نسأل الله السلامة والعافية، يعني من أخرجها من أزواجه، أو قال: إنها حصل منها ما حصل، وقذفها مع أن براءتها جاءت من الله -جل وعلا-، من فوق سبع سماوات في القرآن، لا شك في كفر مثل هذا.

"وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المنتخبين" الذين اختارهم الله -جل وعلا- لحمل دينه، ونصرة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، ولولا أن الله -جل وعلا- قيض هؤلاء الصحب لما استمر الدين؛ لأنهم هم حملته، هم الذين بلغوا الدين إلى الآفاق، وبلغوهم إلى من سمعه منهم، وهكذا إلى قيام الساعة، وإلا لولا الصحابة ما وصل الدين ولا إلى التابعين، كيف يصل التابعي الدين من غير طريق الصحابة؟ يتصور هذا؟ لا يمكن تصوره، والطعن في الصحابة طعن في الدين؛ لأن الطعن في المُخبِر طعن في الخَبرِ.

"وأصحابه المنتخبين" وجمع المؤلف -رحمه الله تعالى- بين الآل والصحب وفاءاً للجميع؛ لأن الآل لهم حق عظيم على الأمة، وهم وصية النبي -عليه الصلاة والسلام-، والصحب أيضاً لهم حقٌّ عظيم؛ لأنهم بهم انتشر الدين، وبهم حمل الدين، وبهم حفظ الدين، فالجمع بينهما وفاءً للجميع، وخروجاً عن مشابهة طوائف البدع الذين يتولون الآل فقط، والذين يتولون الصحابة فقط، من فرق الروافض والنواصب، والجمع بينهما هو ديدن أهل السنة، وما جاء في حديث، أو ما جاء في الصلاة الإبراهيمية في آخر الصلاة هذا فرد من أفراد المأمور به، في قوله -جل وعلا-: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [(56) سورة الأحزاب] فالآية يتم امتثالها بقولنا: صلى الله عليه وسلم، وذاك فرد من أفراده، والتنصيص على فرد من الأفراد لا ينفي بقية الأفراد، فكلما جاء بما يجمع بين الصلاة والسلام يتم امتثال الأمر، وما بقي من الألفاظ المتعبد بها لا تجوز الزيادة عليها، لا يجوز أن نضيف الصحب في الصلاة الإبراهيمية في آخر الصلاة أبداً؛ لأن هذا لفظ متعبد به، وفرد من أفراد المأمور به، ولا يقصر العموم على مثل هذا الفرد، بل نزيد عليه وننقص منه في حدود المأمور به، فلنا أن نقول: صلى الله عليه وسلم، ومؤلفات أهل العلم طافحة بمثل هذا دون الآل والصحب، لكن إذا أضفنا فلنضف الصحب والآل معاً؛ لنخرج عن مشابهة المبتدعة.

"وأزواجه أمهات المؤمنين" {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [(6) سورة الأحزاب] وهذا في التقدير والاحترام، وتحريم النكاح، وهل يقال: أمهات المؤمنات؟ أو المؤمنات داخلات في المؤمنين؟ نعم؟ على سبيل الإفراد أمهات المؤمنات، نقول هذا أو ما نقول؟ على سبيل الإفراد، أما على سبيل الإجمال نقول: أمهات المؤمنين ويدخل فيها النساء، أما دخول النساء في جمع المذكر ظاهر، يعني فمريم كانت من القانتين، وأما الإفراد أمهات المؤمنات فلم يره جمع من أهل العلم، وهل يقال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: أبو المؤمنين؟ ويقال لإخوان أمهات المؤمنين: أخوال المؤمنين كمعاوية مثلاً خال المؤمنين؟ أو نقتصر على ما ورد فيه النص؟ {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [(40) سورة الأحزاب].

هنا يقول:

"قال الشيخ" في الطبعة الأخيرة الإمام، والطبعة الأولى ليس فيها الإمام، والغالب أن الإمامة إنما تطلق على المتبوع، أو الذي له أثر بين بحيث تتداول أقواله، وتنتشر في الناس، ويعتنى بها.

"قال الشيخ أبو القاسم" وهنا يقول: قال الشيخ الإمام أبو القاسم، والخطب سهل "عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي" نسبة إلى بيع الخرق كما تقدم.

يقول هنا في الطبعة الأولى: "رحمه الله" في الطبعة الأخيرة: "رحمه الله ورضي عنه"، والسؤال الذي ذكرناه سابقاً أشرنا إليه ولو لم نذكره، يقول: قوله: "رضي الله عنه لغير الصحابي متفرداً" العرف عند أهل العلم أنه يقال بالنسبة لله: "جل وعلا" يقال: "عز وجل" وللنبي: "عليه الصلاة والسلام" "صلى الله عليه وسلم" فلا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً، ويصلى على النبي -عليه الصلاة والسلام- ويسلم عليه، ويترضى عن الصحابة، ويترحم على من بعدهم، هذا العرف الذي جرى عليه أهل العلم، وإن وجد كثيراً في كتب العلماء الترضي عن غير الصحابة، ولا يصلى على أحد غير النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا على سبيل التبع، فمن كان من الصحابة يقال: رضي الله عنه، ومن كان من التابعين ومن دونهم يقال: رحمه الله.

يقول: هل يقال: رضي الله عنه لغير الصحابي متفرداً؟ ما الضابط فيه؟ هل يطلق على كل مسلم أم العلماء وأهل الفضل؟

على كل حال الترضي مثلما قلنا: العرف عند أهل العلم خصصه بالصحابة، والترحم على من بعدهم، والأمر فيه سعة؛ لأن المسألة مسألة دعاء، سواءً دعوت بالرحمة أو دعوت بالرضوان على من تقدم أو تأخر، لكن متابعة أهل العلم في عرفهم أولى.

"رحمه الله ورضي عنه، واختصرت هذا الكتاب على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل" وقال: رضي الله عنه، وفي الطبعة الثانية: الشيباني، ولا توجد في الأولى، وهو شيباني، يجتمع مع النبي -عليه الصلاة والسلام- في نزار، ينتهي نسبه إلى ربيعة بن نزار، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ينتهي نسبة إلى مضر بن نزار، الشيباني نسبة إلى شيبان، فهل شيبان الذي ينتسب إليه الإمام أحمد -رحمه الله- هو شيبان الذي النسبة إليه موجودة الآن الشيباني، والشيابين الذين هم فرع من عتيبة، صح؟

طالب:......

طيب هي هي أو غيرها؟

طالب:......

غيرها ، ليست هي، عتيبة هذه ترجع إلى هوازن، نعم.

يقول: "الشيباني قدس الله روحه".

وجاء أيضاً سؤال: ما معنى قوله: "نور ضريحه"؟ وهل هذا الدعاء بهذا اللفظ صحيح؟

يقول في الطبعة الأولى: "رضي الله عنه" فقط، وفي الطبعة الأخيرة قال: "الشيباني قدس الله روحه" يعني طهرها، وهذه كلمة متداولة عند أهل العلم، طهر الله روحه، ونور ضريحه، نوره يعني مرقده، ضريحه، قبره، لا إشكال- إن شاء الله تعالى-، ولا يفهم الناس من الضريح إلا أنه البناء على القبر يسمونه ضريحا، لكنه يطلق بإزاء القبر نفسه.

"ورضي عنه، ليقرب على متعلمه" لا شك أن هذا الكلام المختصر في مذهب الإمام أحمد إنما اختصر وقلل فيه الكلام، وكثرت فيه المعاني، هذا حد الاختصار، قلة الكلام مع كثرة المعاني، الذي هو بمعنى الإيجاز، ويقابله الإطناب، فهذا مختصر، ويقابله مطول، فالكتب والمؤلفات والمصنفات عند أهل العلم على أنحاء، منها: المختصر كهذا "ليقرب على متعلمه، فيسهل حفظه" وتؤلف المطولات لتفهم، فشأن المختصرات الحفظ، وشأن المطولات الفهم، والاستزادة من العلوم التي تذكر فيها مما لا يذكر في المختصرات، فمرة يؤلفون مختصرات لتحفظ، ويقرب تناولها بالنسبة للطالب، وتارة تجد المؤلفات مطولة، وأحياناً تكون متوسطة، وأحياناً يؤلف المختصر، ثم يؤلف عليه شرح مطول، ثم يكتب على الشرح حاشية، بعض الناس يقول: ما هذا التعب؟ يكتب كتابا مطولاً من الأصل، لماذا نبحث عن كتاب مختصر ثم نطول فيه، ثم نكتب عليه حاشية؟ من الأصل نجمع المعلومات كلها في كتاب، ما نحتاج إلى المختصر، وما دام المغني موجودا فماذا نستفيد من هذا الكتاب؟ بعض الناس يقول مثل هذا، يعني مثلما قيل: لماذا الكتب طبقات، طبقة للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين؟ لماذا هذا العناء؟ نقرأ العلم الواحد أربع مرات لماذا؟ نقرأه مرة واحدة، والكتاب الكبير فيه كل ما في الصغار، لكن ألا يدري أن الصغار المبتدئين ما يدركون ما في هذه الكبار؟ فالطالب المبتدئ إذا كان يدرك يحتاج إلى عشرة بالمائة من العلم، المسائل السهلة، السهل تصورها، والذي يليه في الطبقة التي تليها قل يحتاج إلى خمسة وعشرين بالمائة، فكيف تحمل ما لا يدرك إلا عشرة بالمائة ما فيه مائة بالمائة أو تسعين بالمائة؟ هذا الكلام لا شك أنه خلل في التعليم، وهذا تضييع للطلاب، فالمبتدئ يُعطى ما يناسبه من المسائل الواضحة السهلة التي يدركها، والذي يليه يعطى ما هو أصعب منها وأوسع وأكثر، ثم الطبقة التي تليه وهكذا.

"اختصرت هذا الكتاب على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل" يعني تجد كتابا متوسطا يؤلف ابتداءً، كتاب متوسط، ثم يأتي من يختصر هذا الكتاب، ثم يأتي من يشرح الأصل، ويأتي من يشرح المختصر، ويأتي من يكتب حاشية على الشرح، هذا الكتاب إذا كتب الله له القبول وصار بهذه المثابة وصار محورا يدورون عليه الناس، فتقليب العلم بهذه الطريقة لا شك أنه سبب لترسيخه، سبب لترسيخ العلم، وإلا قالوا: ابن قدامة كتب المغني، لماذا كتب الكافي؟ لماذا يكتب الكافي وكل ما في الكافي موجود في المغني؟ نقول: الكافي له ناس يناسبهم، والمغني له أناس يناسبهم، والمقنع له رواد، والعمدة لها أهل، ويتندرون في المجالس أن أهل العلم ينقل بعضهم من بعض هذا يختصر كتاب فلان، وهذا يدعي، وشخص ممن علق على النخبة ابن حجر عادته يذكر في شرحها ما له من مؤلفات في الفن الذي يذكره، النوع الذي يتكلم عليه، ثم يأتي هذا المعلق ويقول: وهذا كعادته في سرقة الكتب، يختصر كتاب فلان ويدعيه لنفسه، أقول: هذا يمكن أن يصدر من طالب علم؟! قد كُتب كعادته في سرقة الكتب، ابن حجر حفظ الله بمؤلفاته العلم، لا شك أن له مختصرات، اختصر كتبا، اختصر البدر المنير، اختصره بالتخليص الحبير، لكن أيهما أكثر وأشهر عند العلماء؟ يعني البدر المنير طبع بعد التلخيص بمائة سنة، والناس ماشيين على التلخيص، نفع الله به نفعاً عظيماً، وقل مثل هذا في الإصابة، وقل مثل هذا في بقية كتبه، التهذيب والتقريب وغيرها من الكتب، والله -جل وعلا-أعدل وأحكم من أن يشهر كتبا ينفع بها الناس وهي مسروقة، والله المستعان.

"ليقرب على متعلمه" يعني من أجل أن يسهل حفظه على المتعلم، ويسهل حصر المسائل وضبطها وإتقانها، والمتعلم لمثل هذا المختصر وغيره من المختصرات يتعلمه لا لأنه دستور لا يحاد عنه، وحي منزل لا يعدل عنه لا، تعلم على أنه كلام لأهل العلم عمدتهم الدليل والتعليل، وقد يكون عند غيره ما هو أرجح منه، والمسائل التي خالف فيها غلام الخلال هذا الكتاب ثمانية وتسعون مسألة، فالصواب مع من؟ يأتي- إن شاء الله تعالى- الكلام في هذه المسائل، وبقية مسائل الكتاب، فطالب العلم بصدد فهم الكتاب في العرضة الأولى، فهم الكتاب، وتصور المسائل، وتصوير المسائل، والاستدلال لها، هذه المسألة ما دليلها؟ يبحث عن دليلها، يكتفي طالب العلم بهذا في أول عرضة للمختصر، ثم بعد ذلك إذا تصور المسائل، واستدل لها العرضة الثانية ينظر من وافق المؤلف ومن خالفه من أهل العلم، ثم ينظر بعد ذلك في دليل المخالف ويوازنه، ويعمل بالراجح الذي يرجحه الدليل، والذين يقدحون في كتب الفقه والعناية بها وتدريسها وإقرائها، والتعب في تفهيمها وإتعاب الطلاب في فهمها كثير من المتعلمين أو ممن صعدوا على أكتاف هذه الكتب صاروا يطعنون بها، يعني ما حصل لهم شيء من العلم إلا بواسطة هذه الكتب، فلما تعلموا رموها، وحذروا منها، وذموا التقليد، نعم التقليد مذموم، والعبرة بقول النبي -عليه الصلاة والسلام- العبرة بقال الله وقال رسوله، ولا يتعبد أحد إلا بما شرعه الله -جل وعلا- في كتابه، وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-، لكن هذه الكتب تجعل بمثابة عناصر بحث، يسير عليها الطالب، فإذا المسألة الأولى كذا، ينظر في هذه المسألة يتصور هذه المسألة، ولا يستطيع تصوير هذه المسألة إلا إذا تصورها تصوراً صحيحاً، ولا يمكن يذل له العلم، ويسهل له العلم إلا إذا تصورها تصوراً صحيحاً، يعني أنتم تجدون فرقا كبيرا بين شرح الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- وبين شرح غيره، تقرءون الشروح، لكن من الذي تحس أنه هضم المسألة وفهمها وصورها على وجوه متعددة، وذكر لها الأشباه والنظائر، بحيث لا يشكل في الكتاب شيء.

الزاد متن متين كان الطلاب يهابونه حتى الكبار، فلما تصدى له الشيخ سهل على آحاد المتعلمين، وهذا نتيجة فهم، وهل نقول: إن الشيخ ابن عثيمين لا يعتني بالدليل أو هو مقلد؟ لا، وقل مثل هذا في غيره من الشيوخ الذين لهم عناية بعلوم الحلال والحرام سواءً كانت عن طريق المختصرات الفقهية، أو كتب أحاديث الأحكام.

"اختصرت هذا الكتاب" يشير إليه (هذا) والأصل أن الإشارة تكون للمحسوس الموجود في الأعيان، هذا، لكن هذه المقدمة إن كانت كتبت قبل تأليف الكتاب فالإشارة إلى ما هو حاضر في الذهن، لا في الأعيان، وإن كانت المقدمة كتبت بعد جمع الكتاب وتأليفه، لا سيما وهو يقول: اختصرت، هذا يدل على أنه انتهى منه، وغالب المؤلفين إنما يكتبون المقدمات بعد الفراغ من الكتاب، بعض العلماء تجد علمه وإن كان محررا ومتقنا ومضبوطا إلا أنه منتقى من كتب، لكن إذا كان علمه حاضرا في ذهنه، ويكتبه مثل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا يكتب المقدمة قبل أن يشرح؛ لأنه كالموجود بين يديه، وكتب فتوى من الفتاوى وصاحبها مستوفز يريدها في مائتين وثلاثين صفحة، ما يرفع القلم- رحمة الله عليه- المقصود أن كتابة المقدمة، وفيها الإشارة: "هذا الكتاب" الذي يغلب على الظن أنها سطرت بعد الفراغ من الكتاب، ولذا صحت الإشارة إليه.

"على مذهب الإمام أبي عبد الله"... إلى آخره "ليقرب على متعلمه".

هناك كتب يسمونها الزوائد، وهي موجودة في كتب الحديث وفي كتب الفقه، فكتب الحديث مثلاً زوائد مسلم على البخاري، وزوائد البخاري على مسلم، وزوائد السنن على الصحيحين، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد على الكتب الستة، وزوائد البزار، وزوائد البيهقي وهكذا، يجعلون الطالب يعنى بمجموعة من الكتب، وأما الكتب التي تليها في الأهمية يعتنون بزوائدها فقط، ومثل هذا عند الفقهاء، زوائد الكافي والمحرر، زوائد الهداية على الخرقي لابن قدامة، وكتب الزوائد كثيرة، ويقال في كتب الزوائد ما يقال في الاختصار، والشرح والتحشية، يعني تقليب العلم من وجه إلى وجه، وكل هذا يفيد طالب العلم؛ لأن طالب العلم لا يكفي أن يسمع المسألة مرة واحدة، بل يسمعها على وجوه، أحياناً مطولة، وأحياناً مختصرة، حتى يفهمها ويهضمها.

"ليقرب على متعلمه، مؤملاً من الله -عز وجل- الثواب" الأمل وهو الرغبة في ثواب الله -جل وعلا-، ومن أمل في الله -جل وعلا- لن يخيب "مؤملاً من الله -عز وجل- الثواب" ثواب تأليف هذا الكتاب "وإياه أسأل التوفيق للصواب" التوفيق للصواب مجانبة الخطأ، والخطأ لا بد أن يقع فيه هو وغيره ممن لم تضمن له العصمة، لكن المسألة نسبية، بعض الناس خطأه كثير، وبعض الناس خطأه يسير مغمور في بحار حسناته، هذا كمن لا خطأ له، لكن إذا كثرت الأخطاء والشواذ مثل هذا يجتنب، وفي الغالب أن الذي يطلب العلم لا على الجادة المعروفة عند أهل العلم أنه تكثر عنده الشواذ والغرائب، لكن الذي يسلك الجادة المعروفة عند أهل العلم مثل هذا يوفق للصواب.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد....