كتاب الأطعمة من سبل السلام (1)

عنوان الدرس: 
كتاب الأطعمة من سبل السلام (1)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ صفر/ 1441 8:00 ص

سماع الدرس

نعم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلن تسليمًا كثيرًا.

قال- رحمه الله تعالى- في البلوغ وشرحه، في كِتَاب الْأَطْعِمَةِ:

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 الْحَدِيثُ دليل عَلَى تَحْرِيمِ مَا لَهُ نَابٌ مِنْ سِبَاعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَالنَّابُ السِّنُّ خَلْفَ الرُّبَاعِيَّةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالسَّبُعُ هُوَ الْمُفْتَرِسُ مِنْ الْحَيَوَانِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا، وَفِيهِ الِافْتِرَاسُ الِاصْطِيَادُ، وَفِي النِّهَايَةِ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» هُوَ مَا يَفْتَرِسُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَيَأْكُلُ قَسْرًا كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَنَحْوِهَا.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد إلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ، وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي جِنْسِ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ سَبُعٌ حَتَّى الْفِيلُ وَالضَّبُعُ وَالْيَرْبُوعُ وَالسِّنَّوْرُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْرُمُ مِنْ السِّبَاعِ مَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ ونحوها دُونَ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْدُوَانِ عَلَى النَّاسِ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ وَعَائِشَةُ.."

يعني الضبع يختلف فيه أهل العلم له ناب، لكن لا يعدو من جهة، ولذلك عدله الصحابة بنظيره من بهيمة الأنعام إذا صاده المُحرم، فدلَّ على جواز أكله؛ لأنَّ الذي لا يؤكل لا يُضمن.

أحسن الله إليك.

"وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْهُ فِيهَا ضَعْفٌ، وَالشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إلَى حِلِّ لُحُومِ السِّبَاعِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [سورة الأنعام:145] الْآيَةَ، فَالْمُحَرَّمُ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ، وَمَا عَدَاهُ حَلَالٌ.

 وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ نَاسِخٌ لِلْآيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وَبِأَنَّ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِالثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ مِنْ الْأَنْعَامِ رَدًّا عَلَى مَنْ حَرَّمَ بَعْضَهَا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ} [سورة الأنعام:139] إلَى آخِرِ الْآيَاتِ.

فَقِيلَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [سورة الأنعام:145] الْآيَةَ، أَيْ أَنَّ الَّذِي أَحْلَلْتُمُوهُ هُوَ الْمُحَرَّمُ وَاَلَّذِي حَرَّمْتُمُوهُ هُوَ الْحَلَالُ، وَأَنَّ ذَلِكَ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَقَرَنَ بِهَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ؛ لِكَوْنِهِ مُشَارِكًا لَهَا فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ كَوْنُهُ رِجْسًا. فَالْآيَةُ.."

فالآيةُ.

أحسن الله إليك.

"فالآيةُ وَرَدَتْ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَيُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ الْآيَةِ بَيَانَ حَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُضَادُّونَ الْحَقَّ فَكَأَنَّهُ قِيلَ مَا حرَّم إلَّا مَا أَحْلَلْتُمُوهُ مُبَالَغَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.

قُلْت:.."

هذا قصرٌ للعام على سببه، قصر للعام على سببه، وعامة أهل العلم على خلاف هذا، وأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: ..........

ما حرَّم إلا ما أحللتموه، ولا أحل إلا ما حرمتموه. ماذا؟

 طالب: ..........

فكأنَّه قيل ما حرَّم إلا ما أحللتموه.

طالب: ..........

كأنَّه قيل: ما حرَّم في هذه الآية إلا ما أحللتموه، أو ما حرام المسألة ما تختلف.

أحسن الله إليك.

"قلت: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قُلْ لَا أَجِدُ الآن مُحَرَّمًا إلَّا مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ بَعْدُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ لَا أَنَّهُ حرام..

وَأَخْرَجَهُ أَيْ أَخْرَجَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مسلم مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: نَهَى أَيْ نهى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَزَادَ أَيْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِخْلَبٍ بِكَسْرِ (الْمِيمِ) وَسُكُونِ (الْخَاءِ) وَفَتْحِ (اللَّامِ) آخِرَهُ مُوَحَّدَةٌ. مِنْ الطَّيْرِ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَزَادَ فِيهِ: يَوْمَ خَيْبَرَ.

فِي الْقَامُوسِ الْمِخْلَبُ ظُفُرُ كُلِّ سَبُعٍ مِنْ الْمَاشِي وَالطَّائِرِ أَوْ لِمَا يَصِيدُ مِنْ الطَّيْرِ. وَالظُّفُرُ لِمَا لَا يَصِيدُ. وَإِلَى تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَنَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إلَى الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ.."

مر بنا مرارًا أنَّ اسمه الصحيح بداية المجتهد.

أحسن الله إليك.

بداية المجتهد، ونهاية المقتصد.

"وفي بداية المجتهد نُسِبَ إلَى الْجُمْهُورِ الْقَوْلُ بِحِلِّ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، قَالَ: وَحَرَّمَهَا قَوْمٌ، وَنَقْلُ النَّوَوِيُّ.."

هذا تأثر بالمذهب؛ لأنَّ صاحب بداية المجتهد مالكي، وهذا رأي المالكية، وهو متأثر بدراسته لمذهبه.

أحسن الله إليك.

"ونقل النووي أَثْبَتُ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَحْمَدَ فَإِنَّ فِي دَلِيلِ الطَّالِبِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَا لَفْظُهُ: وَيَحْرُمُ مِنْ الطَّيْرِ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ كَعُقَابٍ وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَبَاشِقٍ وَشَاهِينَ وَعَدَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي الْمِنْهَاجِ.."

كذا عندكم في دليل الطالب؟

طالب: ..........

أحسن الله إليك.

قل: فإن قيل في الطالب. خطأ معروف.

أحسن الله إليك.

"ومثله في المنهاج لِلشَّافِعِيَّةِ وَمِثْلُهُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَلَا يَحْرُمُ. وَأَمَّا النَّسْرُ فَقَالُوا: لَيْسَ بِذِي مِخْلَبٍ، لَكِنَّهُ يحرم لِاسْتِخْبَاثِهِ. قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: وَيَحْرُمُ مَا نُدِبَ قَتْلُهُ كَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغُرَابٍ أَبْقَعَ وَحِدَأَةٍ وَفَأْرَةٍ وَكُلِّ سَبُعٍ ضَارٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ»، تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، قَالُوا: وَلِأَنَّ هَذِهِ مُسْتَخْبَثَاتٌ شَرْعًا وَطَبْعًا.

قُلْت: وَفِي دَلَالَةِ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا نَظَرٌ، وَيَأْتِي لَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِعَدَمِ الْقَتْلِ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، قَدْ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنَّ الْآدَمِيَّ إذَا وَطِئَ بَهِيمَةً مِنْ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ فَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهَا، قَالُوا: وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ وَالتَّحْرِيمِ.

وَعَنْ جَابِرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَرَخَّصَ عِوَضُ أَذِنَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَاتٍ أَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- وَجَدَ الْقُدُورَ تَغْلِي بِلَحْمِهَا فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا وَقَالَ: «لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا شَيْئًا»، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وفِي رِوَايَةٍ «إنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ»، وَفِي لَفْظٍ: «إنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ».

وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ، الْأُولَى: أَنَّهُ دَلَّ مَنْطُوقُهُ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ إذْ النَّهْيُ أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، وَإِلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِهَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ.."

يعني ابن عباس.

أحسن الله إليك.

"وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [سورة الأنعام:145] الْآيَةَ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَاتٍ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحَةٌ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَه أَبُو دَاوُد عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانٌ حُمُرٍ.."

إلا سمانُ حُمُرِي.

أحسن الله إليك.

إلا سمانُ حُمُرِ بالنسب يا شيخ؟

نعم.

القارئ: بالإضافة.

حُمري، ماذا عندكم؟

القارئ: عندي حُمُر.

طالب: ..........

حُمُري. عنده مجموعة من الحمر سمان، يأتي ما فيه.

أحسن الله إليك.

"فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقال: إنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ. فَقَالَ: «أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ جِهَةِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ».."

جوال يعني الجلالة.

"يَعْنِي الْجَلَّالَةَ، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبْجَرَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ نَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَنَّ سَيِّدَ مُزَيْنَةَ أَبْجَرَ أَوْ ابْنَ أَبْجَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرَوَاهُ مِسْعَرٌ فَقَالَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَقَدْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ يُرِيدُ هَذَا وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد مُتَّصِلًا ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وإنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ».."

الحديث ضعيف سندًا ومتنًا. أمَّا من حيث السند فما ذكره الشارح عن الخطابي. وأمَّا من حيث المتن فهو منكر، منكر، كيف تسمن الحُمُر وهم في سَنَة قحط وجدب؟ سمانُ حمره وهم ميتون من الجوع؟

كيف تسمن الحُمُر في سَنة الجدب والقحط والجوع؟ هذا لا شك أنَّ المتن مُنكر، والسند مثل ما ذكر الخطابي فيه اضطراب.

أحسن الله إليك.

"وَأَمَّا قَوْلُهُ «وإنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ».."

جوَال.

أحسن الله إليك.

"«وإنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ جَوَالِ الْقَرْيَةِ»، فَإِنَّ الْجَوَالَ هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَات وَهِيَ الْجِلَّةُ، إلَّا أَنَّ.."

الجَلَّة، الجِلَّة علية القوم. الجِلَّة علية القوم.

أحسن الله إليك.

نعم.

"وهي الجَلَّة، إلا أنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ لُحُومِهَا؛ لِأَنَّهَا رِجْسٌ، وَسَاقَ سَنَدَهُ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجَةً مِنْ الْقَرْيَةِ فَنَحَرْنَا وَطَبَخْنَا مِنْهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا، وَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان،ِ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ. انْتَهَى.

وَبِهَذَا يَبْطُلُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا إنَّمَا حُرِّمَتْ مَخَافَةَ قِلَّةِ الظَّهْرِ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ مَخَافَةَ قِلَّةِ الظَّهْرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ.."

لو كان الأمر كذلك لحُرِّمت الإبل، وحُرِّمت الخيل.

أحسن الله إليك.

"أنَّه قال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا حَمُولَةُ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ أَوْ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فتردد في علة النهي، فيُقَالُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ حَرَّمَهَا؛ لِأَجل أنَّها رِجْسٌ، وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَدِيثِ فَتَرَدَّدَ فِي علة النَّهْيَ، وَإِذْا قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ وَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ.."

وإذ.

"وإذ قد ثبت النهي وأصله التحريم، عُمِلَ بِهِ وَإِنْ جَهِلْنَا عِلَّتَهُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ نَصْرٍ الْمُحَارِبِيَّةِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: «أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ؟ قَالَ: نعم، قال: «فَأَصِبْ مِنْ لُحُومِهَا»، فَهِيَ رِوَايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لَا تُعَارِضُ بِهَا الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى حِلِّ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَإِلَى حِلِّهَا ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزَلْ سَلَفُك يَأْكُلُونَهُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَأْتِي حَدِيثُ أَسْمَاءَ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمَالِكٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إلَى تَحْرِيمِ أكلها، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ: هَذَا إسْنَادٌ مُضْطَرِبٌ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُرْوَى عَنْ صَالِحٍ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ فِيهِ نَظَرٌ. وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [سورة النحل:8] وَتَقْرِيرُ.."

يعني أظهر وجوه الامتنان فيما يؤكل في الأكل، ولو كانت تؤكل لامتن الله- جلَّ وعلا- بأكلها، ما امتن بركوبها، لكن ليس أظهر وجوه الامتنان بالنسبة للخيل الأكل، نعم بالنسبة للإبل، بالنسبة للبقر، بالنسبة لبهيمة الأنعام الأكل هو أظهر وجوه الامتنان، لكن يبقى أنَّ الخيل هل يُمكن أحد أن يشتري خيلًا من أجل أن يأكل؟ الامتنان بركوبها واستعمالها في الحروب وفي غيرها أكثر أكبر، هل يُمكن أن يشتري الخيل من أجل أن يأكل وهو يجد بهيمة الأنعام؟ لكن إذا وجدت ولم يجد غيرها فأكل فهي حلال، ولا يُعلَّق حلها بعدم وجود غيرها، لكن العادة جرت بهذا.

أحسن الله إليك.

"وتقرير الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ تَقْتَضِي الْحَصْرَ فَإِبَاحَةُ أَكْلِهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْآيَةِ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ الْعِلَّةِ مَنْصُوصَةً لَا تقْتَضِي الْحَصْرَ فِيهَا فَلَا تفِيدُ الْحَصْرَ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ، فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيْرِهِمَا اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِمَا أَغْلَبَ مَا يَطْلُبُ وَلَوْ سَلِمَ الْحَصْرُ..""

ولو سُلِّمَ.

ولو سُلِّمَ الحصر لَامْتَنَعَ حَمْلُ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.

الثَّانِي: مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ عَطْفُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى اشْتِرَاكِهِا مَعَهَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَمَنْ أَفْرَدَ حُكْمَها عَنْ حُكْمِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ."

الاستدلال بدلالة الاقتران معروف ضعفه عند أهل العلم.

"وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ.

الثَّالِثُ: مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ أَنَّهَا سِيقَتْ لِلِامْتِنَانِ فَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَكْثَرَ، فإنَّه يَتَعَلَّقُ بِبَقَاءِ الْبِنْيَةِ وَالْحَكِيمُ لَا يَمْتَنُّ بِأَدْنَى النَّعِيمِ وَيَتْرُكُ أَعْلَاهَا سِيَّمَا وَقَدْ امْتَنَّ بِالْأَكْلِ فِيمَا ذُكِرَ قَبْلَهَا.

وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّ الِامْتِنَانَ بِالرُّكُوبِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ مَا يُنْتَفَعُ بِالْخَيْلِ فِيهِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَخُوطِبُوا بِمَا عَرَفُوهُ.."

أعظم وجوه الامتنان بالنسبة للخيل الركوب، قد تكون الزينة أعظم وجوه الامتنان ببعض مأكولي اللحم، يعني بعض الأنواع مزينة الإبل، أو مزينة الغنم التي تُشترى بمئات الألوف وبالملايين هل يُمكن أن تُشترى للأكل؟ إنَّما تتخذ زينة، فيُمتن بها بأعظم وجوه الانتفاع بها، وهو الزينة، والخيل يُمتن بها للركوب؛ لأنَّ هذا أعظم من كونها تؤكل.

أحسن الله إليك.

"فخوطبوا بما عرفوه وَأَلِفُوهُ كَمَا خُوطِبُوا فِي الْأَنْعَامِ بِالْأَكْلِ وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا لِذَلِكَ، فَاقْتَصَرَ فِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ بِأَغْلَبَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ عليه.

الرَّابِعُ: مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ أنَّه لَوْ أُبِيحَ أَكْلُهَا لَفَاتَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي امْتَنَّ بِهَا وَهِيَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ مِنْ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا أَنْ تَفْنَى لَلَزِمَ مِثْلُهُ فِي الْبَقَرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا أُبِيحَ أَكْلُهُ وَوَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهِ لِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى.

 وأُجِيبَ بِجَوَابٍ إجْمَالِيٍّ وَهُوَ أَنَّ آيَةَ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ اتِّفَاقًا، وَالْإِذْنُ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّ سِنِينَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ آيَةَ النَّحْلِ لَيْسَتْ نَصًّا فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي جَوَازِهِ، وَأَيْضًا لَوْ سُلِّمَ مَا ذُكِرَ كَانَ غَايَتُهُ الدَّلَالَةَ عَلَى تَرْكِ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لخِلَافِ الْأَوْلَى.

وَحَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهَا لَا يَتِمُّ التَّمَسُّكُ، فالتمسك بِالْأَدِلَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْجَوَازِ أولى؛ وَأَمَّا زَعْمُ الْبَعْضِ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِكَوْنِهِ وَرَدَ بِلَفْظِ الرُّخْصَةِ وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ مَانِعِ، فَدَلَّ على أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا بِسَبَبِ الْمَخْمَصَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ الْمُطْلَقِ فَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ.."

يعني لو قيل: إنَّه رُخِّص بعد منع، فأُبيحت بعد منع. إمَّا أنَه رخصة مع قيام المانع، مع قيام الحاضر، فلا، إنَّما رُخِّص فيها بعد أن كانت ممنوعة، أُبيحت بعد أن كانت مُحرَّمة، هذا أوضح في الدلالة.

أحسن الله إليك.

"لأنَّه ورد بِلَفْظِ: أُذِنَ لَنَا.."

وأيضًا حتى لفظ أُذِنَ لنا بعد أن منعنا.

"وبلَفْظُ أَطْعَمَنَا فَعَبَّرَ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: رَخَّصَ عَنْ أَذِنَ لأنه.."

لا أنَّه.

"لا أَنَّهُ أَرَادَ الرُّخْصَةَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ (أَذِنَ) وَ (رَخَّصَ) فِي لِسَانِ الصَّحَابَةِ- رضي الله عنهم-.

وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ، وَهُوَ جِنْس، وَالْوَاحِدَةُ جَرَادَةٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَحَمَامَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ."

ومما يُفرَّق بين جمعه وواحده بالتاء.

أحسن الله إليك.

"وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ الْجَرَادِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- يَتَهَادَيْنَ الْجَرَادَ فِي الْأَطْبَاقِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيّ: إنَّ جَرَادَ الْأَنْدَلُسِ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ. فَإِذَا ثَبَتَ ذلك فَتَحْرِيمُهَا لِأَجْلِ الضَّرَرِ كَمَا تَحْرُمُ السَّمُومُ وَنَحْوُهَا."

يعني لأمر عارض لا للأصل، كما لو يقال الآن لو يأتي جراد ويثبت ضرره؛ لأنَّه عولج بمبيدات سامة، وما أشبه ذلك، وتأثر بها فتضرر الآكل، هنا ما يجوز، مثل جراد الأندلس.

أحسن الله إليك.

"وَاخْتَلَفُوا هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- الْجَرَادَ أَمْ لَا، وَحَدِيثُ الْكِتَابِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ أكل مَعَهُمْ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ زِيَادَةَ: نَأْكُلُ الْجَرَادَ مَعَهُ، قِيلَ: وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنَّ الْمُرَادَ غَزَوْنَا مَعَهُ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ نَأْكُلُ مَعَهُ. قُلْت: وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي يَحْسُنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ إذْ التَّأْسِيسُ أَبْلَغُ مِنْ التَّأْكِيدِ."

لأنَّ معيتهم له ثبتت بقوله: مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

"وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الطِّبِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ بِزِيَادَةٍ: وَيَأْكُلُه مَعَنَا. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ: «لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ»، فَقَدْ أَعَلَّهُ الْمُنْذِرِيُّ بِالْإِرْسَالِ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنْ الضب، فَقَالَ: «لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ»، وَسُئِلَ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ قَالَ النَّسَائِيّ: ثَابِتٌ لَيْسَ بِثِقَةٍ."

ثابت بن زهير، نعم.

أحسن الله إليك.

"وَيُؤْكَلُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِحَدِيثِ: «أُحِلتَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: إنَّ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ الْمَوْقُوفَ وَقَالَ: لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ أَمْ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ؟ وَوَرَدَ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَوَرَدَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ- رضي الله عنهم- أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ فِيهِ الْجَزَاءُ فَدَلَّ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ بَرِّيٌّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَحْرِيٌّ."

نعم، ثبت عن بعض الصحابة أنَّه نثرة حوت، نثرة حوت فدلَّ على أنَّه بحري من كلامهم، وهذا ثابت، لكن الأصل أنَّه بري، وما نُقِل عنهم فلعله مُتلقَّى عن أهل الكتاب، وليس فيه خبرٌ مرفوع.

اللهم صلِّ على محمد.

طالب: .........

على كل حال كل ذي ناب العموم، وجود الناب هذا الأصل إلا ما استثني.

طالب: .........

هذا الأصل إلا ما استثني ما دلَّ الدليل على حله كالضبع مثلًا.