الشمائل النبوية (04)

عنوان الدرس: 
الشمائل النبوية (04)
عنوان السلسلة: 
الشمائل النبوية
تاريخ النشر: 
أحد 23/ Muharram/ 1436 9:15 م

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم الشمائل النبوية في بداية حلقتنا نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بجامعة الإمام بالرياض فأهلاً بكم يا شيخ عبد الكريم.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

نقرأ الحديث الثالث في هذا الكتاب قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب قال سمعت البراء بن عازب يقول كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً مربوعًا بعيد ما بين المنكبين عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه عليه حلة حمراء ما رأيت شيئًا قط أحسن منه.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، حديث البراء بن عازب متفق عليه، خرجه الإمام البخاري في كتاب المناقب في باب صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومسلم في كتاب الفضائل باب في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقدم الكلام في طوله -عليه الصلاة والسلام- "كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلاً مربوعًا" ليس بالطويل ولا بالقصير وقوله: "بعيد ما بين المنكبين" المنكب مجتمع العضد مع الكتف، والمراد عريض أعلى الظهر، وهو مستلزم لاتساع الصدر، وهذا علامة النجابة والقوة والجلالة ولا ينافي التناسب بين الأعضاء، "عظيم الجمة" الجمة بضم الجيم وتشديد الميم أي كثيفها "إلى شحمة أذنيه" جاء في حديث أبي إسحاق عن البراء في هذا الحديث: له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه، هنا يقول إلى شحمة اذنيه، وهناك يقول يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه، قال ابن حجر نقلاً عن ابن التين تبعًا للداودي: قوله يبلغ شحمة أذنيه مغاير لقوله إلى منكبيه، فمقتضى قوله إلى "شحمة أذنيه" أنه قصير، ومقتضى قوله: "إلى منكبيه" أنه طويل، يقول: وأجيب بأن المراد أن معظم شعره كان عند شحمة أذنيه، وما استرسل منه متصل إلى المنكب، أو يحمل على حالتين، يعني حالة يطول فيها إلى المنكبين وحالة يقصر إلى شحمة الأذنين، في المواهب اللدنية شرح الشمائل للبيجوري: الجمة ما سقط من شعر الرأس ووصل إلى المنكبين، وأما الوفرة فهي ما لم يصل إلى المنكبين، وأما اللمة فهي ما جاوز شحمة الأذن سواء وصل إلى المنكبين أو لا، وقيل إنها بين الجمة والوفرة، فهي ما نزل عن الوفرة ولم يصل للجمة، وعلى هذا فترتيبها (ولج)، فالواو للوفرة، واللام للمة، والجيم للجمة، وهذه الثلاثة قد اضطرب أهل اللغة في تفسيرها وأقرب ما وُفِّق به أن فيها لغات وكل كتاب اقتصر على شيء منها كما يشير إليه كلام القاموس في مواضع، وقول المصنف إلى شحمة أذنيه لا يوافق ما تقدم؛ لأن الذي يبلغ شحمة الأذن يسمى وفرة لا جمة، فلذا قيل لعل المراد بالجمة هنا الوفرة تجوّزًا، وهذا مبني على أن الجار والمجرور في قوله: (إلى شحمة أذنيه)  متعلق بالجمة، يعني أن الجمة إلى شحمة أذنيه، ولو جعل متعلقًا بعظيم لم يُحتج لذلك كيف؟ إذا قلنا عظيم يعني معظم فمعظم الجمة إلى شحمة أذنيه وباقيها يكون مسترسلاً إلى المنكبين، فلو جعل متعلقًا بعظيم لم يحتج لذلك؛ لأن العظيم من جمته يصل إلى شحمة أذنيه وما نزل عنها إلى المنكبين يكون خفيفًا على العادة من أن الشعر كلما نزل خف وشحمة الأذن ما لان من أسفلها وهو معلق القرط "عليه حلة حمراء" الحلة ثوبان من جنس واحد، سُميت بذلك إما لحلول بعضها على بعض وإما لحلولها على الجسم، وقوله: حمراء استدل به من جوز لبس الأحمر وهو الشافعي- رحمه الله تعالى- يقول ابن القيم في الهدي: ولبس حلة حمراء، والحلة إزار ورداء ولا تكون الحُلة إلا اسمًا للثوبين معًا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيره، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمنية، هناك قلنا يمانيان بتخفيف الياء كسائر البرود اليمنية، بتشديد الياء التي هي ياء النسب ما الفرق بينهما؟ هي ياء النسب في الموضعين ياء النسب عبارة عن حرفين؛ لأنها حرف مشدد، والحرف المشدد عبارة عن حرفين أولهما ساكن، فإذا أردت أن تنسب إلى اليمن تقول يمنيٌ، وهذا يمني، وإذا قلت يماني فلا تشدد، قالوا لأن الألف عوض عن إحدى اليائين ولذلك تقول برود يمانية ولا تقول يمانيّة، لكن كسائر البرود اليمنيّة بالتشديد، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا  فالأحمر البحت منهي عنه أشد النهي، ففي صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المياثر الحمر، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه ريطة مضرجة بالعصفر فقال ما هذه الريطة التي عليك فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورًا لهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال يا عبد الله ما فعلت الريطة فأخبرته فقال هلا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس بها للنساء، فهذا الكلام يدل على أنها ممنوعة بالنسبة للرجال دون النساء. وفي صحيح مسلم عنه أيضًا قال رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- عليَّ ثوبين معصفرين فقال «إن هذه من لباس الكفار فلا تلبسها» وفي صحيحه أيضًا عن علي رضي الله عنه قال نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لباس المعصفر ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغًا أحمر، وقد استشكل كيف ذكر المعصفر والكلام في الأحمر؟ وأهل الحديث كلهم ترجموا في باب النهي عن لبس الأحمر ويأتون بهذا الحديث، ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغًا أحمر، وفي بعض السنن أنهم كانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فرأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمراء فقال ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم فقمنا سراعًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى نفر بعض إبلنا فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها رواه أبو داود. وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر، وأما كراهته فشديدة جدًا يقول ابن القيم: فكيف يظن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لبس الأحمر القاني، كلا لقد أعاذه الله منه وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. يعني مقتضى كلام ابن القيم أن في قول علي حلة حمراء: أنها ليست خالصة، وإنما فيها خطوط سود، وقال ابن حجر في فتح الباري: تلخّص لنا من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال: الأول الجواز مطلقًا، جاء عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة، وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التابعين. القول الثاني: المنع مطلقًا لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال مر على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه فلم يرد عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- أخرجه الترمذي وحسنه إضافة إلى أبي داود وسبق أدلة هذا القول في كلام ابن القيم الذي هو المنع. القول الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد. القول الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة جاء ذلك عن ابن عباس. القول الخامس: يجوز لبس ما صُبِغ غزله ثم نسج ويمنع ما صبع بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه -عليه الصلاة والسلام- الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن وكذلك البرد الأحمر وبرود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج، هذا اختاره الخطّابي فيكون المنع لما صبغ قبل النسج يصبغ الغزل ثم ينسج أما ما نسج ثم صبغ فلا بأس به عند الخطابي.

 

لعلنا نقف عند هذه الأقوال إذا أذنتم لنا -الأقوال في لبس الأحمر- ونذكر بها الإخوة والأخوات في الحلقة القادمة بإذن الله، أخذنا حتى الآن خمسة أقوال وبقيت مجموعة أقوال نستكملها معكم مستمعي الكرام في حلقة قادمة وأنتم على خير لانتهاء وقت هذه الحلقة شكرًا لطيب متابعتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.