كتاب الجامع من سبل السلام (14)

نعم.

أحسن الله إليك.

"الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

اللهم اغفر لشيخنا وللمستمعين.

أما بعد،

فقال في البلوغ وشرحه في باب الزهد والورع من كتاب الجامع:

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبَيّ. يروى بالإفراد والتثنية، وهو بكسر الكاف مجمع العضد والكتف."

ولا خلاف ولا فرق بين الإفراد والتثنية، لماذا؟

لأن الإفراد مفرد مضاف فيعم، من صيغ العموم المفرد المضاف، إذا قلت: اللهم اغفر ذنبي، هل تقصد ذنبًا واحدًا أم جميع ذنوبك؟

تقصد جميع الذنوب، ما تقصد ذنبًا واحدًا، فهو مفرد مضاف، فيعم، وقل مثل هذا في حديث: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، والرواية: «ليس على  عاتقيه منه شيء»، المفرد يعم العاتقين، والمنكب يعم المنكبين؛ لأنه مضاف، والإضافة تعطيه صفة العموم.

أحسن الله إليك.

"فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت.."

يزيد ابن عمر -رضي الله عنهما- على ما جاء في الخبر من شدة امتثاله لما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام-، ابن عمر يسمع الخبر، فيطبِّق حتى إنه لما سمع: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» قال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، مثل عابر السبيل، وهو ما هو جالس تحت هذه الشجرة مدة طويلة إلا بقدر ما يرتاح فيها وفي هذه الدنيا بقدر البلغة التي توصلك إلى المستقر.

أحسن الله إليك.

"وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك. أخرجه البخاري.

 الغريب هو من لا سكن له يأويه، ولا سكن يأنس به، ولا بلد يستكن فيه، كما قيل في المسيح ابن مريم، سعد المسيح يسيح لا ولد يموت ولا بناء يخرب."

وإذا اتصف بهذا الوصف هانت عليه الدنيا، ورخصت عليه، وشمر للآخرة؛ طلبا لمرضاة الله، فإذا دُعي لجهاد أو غيره بادر، إذا دُعي لإنفاق بادر، لماذا؟ لأنه ما فيه شيء يأسف عليه في هذه الدنيا.

 بخلاف من اتخذ الضيعات، اتخذ التجارات، اتخذ القصور العامرات، فهذا يركن إلى دنياه، لا يحب أن يفارقها، ولذلك لما قيل: إننا نكره الموت، بعض السلف قال: نعم، تكرهونه لماذا؟ لأنكم عمرتم دنياكم، وخربتم آخرتكم، لكن الذي عمر آخرته وقرب دنياه يأسف على شيء؟ ما يأسف على شيء.

أحسن الله إليك.

"وعطف «أو عابر سبيل» من عطف الترقي، وأو ليست للشك، بل للتخيير أو الإباحة، والأمر للإرشاد، ومعنى.."

من باب عطف الترقي، «كن في الدنيا كأنك غريب»؛ لأن الغريب قد يجلس في البلد، ويطيل المكث، لكنه لا ينوي الإقامة الدائمة، أما عابر السبيل فهذا لا يطيل، يريد أن يجلس في البراري والقفار تحت شجرة ويرتاح، يجلس يومين، وثلاثة، وأربعة ما هو بصحيح، لكن الغريب قد يجلس.

أحسن الله إليك.

"والمعنى قدِّر نفسك، ونزِّلها منزلة من هو غريب أو عابر سبيل، ويحتمل أن يكون أو للإضراب."

قال: أو عابر سبيل؛ لأن الغريب قد يستوطن، ما عندك هذا؟

لا.

"والمعنى قدِّر نفسك، ونزلها منزلة من هو غريب أو عابر سبيل."

لأن الغريب قد يستوطن.

أحسن الله إليك.

"لأن الغريب قد يستوطن، ويحتمل أن يكون أو للإضراب.."

لأن من معاني أو الإضراب.

خيِّر أبح قسِّم بأو وأبهم

 

 

 

 

...........................

 

 

إلى أن قال: وإضراب نمي.

 فهي تأتي للإضراب، {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [سورة الصافات:147] معناها بل إضراب.

أحسن الله إليك.

"والمعنى بل، والمعنى: بل كن في الدنيا كأنك عابر سبيل؛ لأن الغريب قد يستوطن بلدًا بخلاف عابر السبيل."

لما أعادها هنا يغلب على الظن أنها في الموضع الأول زائدة.

أحسن الله إليك.

"لأن الغريب قد يستوطن بلدًا بخلاف عابر السبيل، فهمه قطع المسافة إلى مقصده، والمقصد هنا إلى الله، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} [سورة النجم:42].

 قال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم، لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به فهو.."

الغريب الذي ما عنده معارِف في هذا البلد، جاء لا يَعرف، ولا يُعرف، لا شك أنه مستوحش، إنما الأنس يأنس بمعارفه.

أحسن الله إليك.

"فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته وتخفيفه من الأثقال غير متشبث بما يمنعه عن قطع سفره، معه زاده، وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه من مقصده، وفي هذا الحديث إشارة إلى الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها، والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل.

 وقوله: وكان ابن عمر إلى آخره، قال بعض العلماء: كلام ابن عمر متفرع من الحديث المرفوع، وهو متضمن لنهاية تقصير الأمل من الدنيا، وأن العاقل إذا أمسى ينبغي له ألا ينتظر الصباح، وإذا أصبح ينبغي له.."

ومقتضى ذلك، مقتضى أنه إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء أنه لا يزاول محرَّمًا، ولا يقصِّر في واجب؛ لاحتمال أن يبغته الأجل، وما أُتي الناس عمومًا إلا من طول الأمل الذي يغرهم ويجعلهم يسوفون التوبة، ويرتكبون ما يرتكبون من معاصٍ، يقصرون في واجبات؛ رجاء أن يمتد بهم الآجال فيتوبوا، والمشكلة أنه قد يمتد به الأجل إلى مائة سنة، ومع ذلك لا يوفَّق لتوبة؛ لأن التوبة لها أسباب، ولها مقدمات، ولها موانع، ما هي باليد، تشوف الرجل فوق التسعين في صحة متردية، وفي شكل غير مقبول عند الأسوياء، ومع ذلك يرتكب من المحرمات ما يزيده قبحًا، ويتعرض لأمور لا تنفعه في دين ولا في دنيا، والله المستعان، هذه عقوبات.

أحسن الله إليك.

"وإذا أصبح ينبغي له ألا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله قد يدركه قبل ذلك، وفي كلامه الإخبار بأنه لا بد للإنسان من الصحة والمرض، فيغتنم أيام صحته، وينفق ساعاته في الخير وفيما يعود عليه نفعه، فإنه لا يدري متى ينزل به مرض يحول بينه وبين فعل الطاعات، ولأنه إذا مرض كُتب له ما كان يعمل صحيحًا، فقد أخذ من صحته.."

نعم، يكتب له ما كان يعمل صحيحًا، لكن إذا كان في صحته ما عنده عمل فماذا يكتب له؟! لا شيء.

 طالب عند مدرس يختبر الطلاب تحريريًّا وشفويًّا، اختبرهم تحريريًّا، وبقي الشفوي، قال واحد من الطلاب: ضاعف الدرجة وتكفينا أبدًا، الذي آخذه أعطني مرتين، والشفوي أنا صعب علي، درجة التحريري تكفيني، ضاعفها مرتين، قال: ليس من مصلحتك، قال: فقط ضاعفها، وأنا ما عندي استعداد أن أختبر شفويًّا، قال: آخذ صفر بالتحريري ماذا أضاعف؟!

وهذا المفرط في وقت الصحة ماذا يُكتب له في مرضه؟! وهذا المفرط في وقت الحضر ماذا يكتب له في وقت السفر؟!

فعلى الإنسان أن ينتبه لنفسه. خذ من صحتك لسقمك؛ من أجل أن يجرى عليك عملك ما كنت تعمله صحيحًا مقيمًا. يتصور الإنسان وأنتم شباب- ما شاء الله- فيكم الصحة والقوة والنشاط، يتصور الإنسان وقت الوعكة الخفيفة ماذا تصير قيمة الدنيا عنده؟! وهي خفيفة ليست مرضًا مزمنًا ولا مخوفًا، صداع وزكام يتصور هذا ما يضيق صدره، ويخف عمله، ويقلق وتهون عليه الدنيا، فأنت بعد ستين بعد.. أن تتعدى الستين والسبعين، حياتك كلها هذه صحتك هذه فانتبه لنفسك.

أحسن الله إليك.

"ولأنه إذا مرض كُتب له ما كان يعمل صحيحًا، فقد أخذ من صحته لمرضه، فقد أخذ من صحته لمرضه حظه من الطاعات. وقوله: «من حياتك لموتك» أي خذ من أيام الصحة والحياة والنشاط لموتك، لتقديم ما ينفعك بعد الموت، وهو نظير حديث: «بادروا بالأعمال سبعًا ما تنتظرون إلا فقرًا..»."

سبعًا أو ستًّا؟

لا، عندي سبعًا.. أحسن الله إليك.

ما علَّق عليها؟

لا.

هات..

ما علق.

"قال: «بادروا بالأعمال سبعًا..»."

هي "ستًّا" يا شيخ.

ما أدري، ما أدري نعدهن ونراجع الحديث.

طالب: ستا.. هذا حديث آخر..

نعم، طيب.

بادروا بالأعمال سبعًا، ما تنتظرون إلا فقرًا منسيًا أو غنى مطغيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر منتظَر أو الساعة والساعة أدهى وأمر»."

كم سبع؟

سبع نعم.

"أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرية- رضي الله عنه-."

طالب: ..........

في المستدرك ست؟

طالب: .........

 نعم، هذا الذي أنا أحفظ.

طالب: لكن عدها غير ما عدها..

مضبوط نعم، عددت سبعًا.

نعم، لكن في الحاشية يقول: وفي الترمذي لفظه: «بادروا بالأعمال ستًّا قبل طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال ودابة الأرض وخويصة أحدكم وأمر العامة».

حديث آخر.

حديث آخر.

أحسن الله إليك.

"وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من تشبه بقوم فهو منهم». أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان. الحديث فيه ضعيف."

فيه ضعف.

أحسن الله إليك.

"الحديث فيه ضعف، وله شواهد عند جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الصحابة تخرجه عن الضعف."

فيكون صحيحًا لغيره، منهم من يقول: إن هذا الضعيف بمفرداته لا يمكن أن يرتقي إلى الصحة، وإنما يرتقي درجة واحدة يكون حسنًا لغيره، ومنهم من يقول: إنه يكون حسنًا لغيره بشاهد، والبقية ترقيه إلى الصحيح.

أحسن الله إليك.

"ومن شواهده ما أخرجه أبو يعلى مرفوعًا من حديث ابن مسعود: «من رضي عمل قوم كان منهم»، والحديث دال على أن من تشبَّه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء كان مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة."

يعني لا مما يشترك بينهم وبين المسلمين.

"قالوا: فإذا تشبه بالكافر في زي، واعتقد أن يكون بذلك مثلهم كفر، فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء؛ منهم من قال: يكفر، وهو ظاهر الحديث، ومنهم من قال: لا يكفر، ولكن يؤدَّب."

لا شك أن هذا من أحاديث الوعيد، إن اقتضى أنه يوافقهم في الظاهر، وجره ذلك إلى الموافقة في الباطن فهو على لفظه وعلى ظاهره، وأما إذا تشبه بهم في الظاهر، مع مخالفته لهم في الباطن فهذا على خطر عظيم، لكنه لا يصل إلى حد الكفر، وأُلِّف في معنى الحديث مصنفات، وشيخ الإسلام -رحمه الله- في اقتضاء الصراط المستقيم أطال في تقرير هذه المسألة، ولنجم الدين الغزي له كتاب اسمه حسن التنبه في أحكام التشبه، طبع في اثني عشر مجلدًا، لكنه مع ذلك جامع وحاطب ليل، يعني فيه أحاديث صحيحة وأحاديث ضعيفة وموضوعة، وفيه أمور تخالف تحقيق التوحيد، فلو جُرِّد واستُلَّ منه ما يثبت منه وما ينفع بمجلد واحد لكان أنفع وأولى وأحرى، والله أعلم.

اللهم صل على محمد...

طالب: أحسن الله إليك.. ما اسم الكتاب؟

 

حسن التنبه لأحكام التشبه.