الشمائل النبوية (12)

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم الشمائل النبوية مع بداية حلقتنا نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير عضو هيئة التدريس بجامع الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض فأهلاً ومرحبًا بكم يا شيخ عبد الكريم.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

لازلنا نتحدث في باب ما جاء في عيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعدنا الإخوة والأخوات أن نتحدث في المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أقول هذه المسألة الخلاف فيها طويل لأهل العلم ولا يمكن حسمها أيضًا، ولكل قول أدلته والأدلة محتمِلة وهي مفترضة في فقير صابر وغني شاكر مع اتصاف كل منهما بالتقوى لماذا أقول لا يمكن أن تحسم؟ لأنه لا يمكن أن يوجد فقير صابر الصبر التام مع غني شاكر الشكر التام مع اتصافهما بالتقوى على حد سواء، معروف أن البشر لا يمكن أن يوجد اثنان متساويان من كل وجه وأيضًا ما يحتف بالمال، نعم قد يكون الإنسان الغالب عليه الشكر، الغالب عليه البذل لكن قد يعتريه ما يعتريه من بخل في بعض الأحوال.

عندما افترضت هذه المسألة للخروج من الميزان الأساس   ﮅﮆ الحجرات: ١٣  لأنه لو اختل هذا الميزان انتهت هذه المفاضلة.؛لأن الصبر والشكر في الطرفين من فروع التقوى، أقول المسألة مفترضة في فقير صابر وغني شاكر مع اتصاف كل منهما بالتقوى، وإلا فالمعول عليها كما قال تعالى:   ﮅﮆ الحجرات: ١٣  يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إذا استويا في التقوى فهما في الفضل سواء لماذا؟ لأنه إذا وجدت التقوى على حد سواء عند هذا الغني وعند هذا الفقير فهذا الفقير سوف تحمله تقواه على الصبر وهذا الغني تحمله تقواه على الشكر والبذل. يقول ابن الجوزي صورة الاختلاف من وجه آخر، صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص وغني ليس بممسك؛ إذ لا يخفى أن الفقير القانع لا يختلف أحد في أنه أفضل من الغني البخيل، وأن الغني المنفق أفضل من الفقير الحريص. قال ابن الجوزي: وكل ما يراد لغيره ولا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده فبه يظهر فضله، فالمال ليس محذورًا لعينه بل لكونه يعوق عن الله وكذا العكس، يعني الفقر ليس مقصودًا لذاته وإنما قد يشغل عن الله عز وجل، يشتغل الإنسان بمعيشته فينشغل عن الله، وقد يكون الفقر أفضل أيضًا من جهة أخرى لاسيما لبعض الناس حيث يفرّغه لعبادة ربه؛ ولذا قال ابن الجوزي: وكل ما يراد لغيره ولا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده فبه يظهر فضله، والمال ليس محذورًا لعينه بل لكونه يعوق عن الله وكذا العكس، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله، إلى أن قال: وإن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد، فالغالب أن الغنى يطغي.

لكن الفقر قرن بالكفر ولو كان الفقر رجلا لقتلته.

الفقر مذموم ولا أحد يمدح الفقر، واستعاذ النبي -عليه الصلاة والسلام- من الفقر، لكن مع ذلك إذا وجد مثلاً فقر مجرد أو غنى مع ما يحمل الغنى وصاحبه من طغيان ﮔ ﮕ  ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ  ﮛ ﮜ العلق: ٦ - ٧  إلى أن قال: وإن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد، يعني إذا نظرت في واقع الناس تجد الفقير أقرب إلى الخير من الغني في الغالب، يوجد غني يعدل فئام من الفقراء لأنه إضافة إلى عبادته الخاصة واللازمة نفعه المتعدي أبعد؛ لأن فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر ومن العصمة ألا تجد، ومما يستدل به لتفضيل الغني حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء الفقراء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون قال -عليه الصلاة والسلام- للفقراء «ألا أحدثكم بأمر

إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين» النبي -عليه الصلاة والسلام- يلفت نظر الشخص الذي ليس عنده أرصدة مالية يتصدق منها ليدّخر من أرصدة الحسنات التي رتِّبت على الأذكار ، يعني يعوق المسلم عن أي عمل من الأعمال فبإمكانه أن يأتي بأعمال أمثال الجبال من سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، الباقيات الصالحات أرصدة لا يستطيع سارق أن يسطو عليها، لا تغيضها نفقة ولا تنقص إلا إذا تصرف فيها الشخص بنفسه إذا فرقها كما في حديث المفلس، فالإنسان الذي عنده أموال يتصدق منها هذا لا شك أنه موفق، لكن الشخص الذي ليس عنده أموال ويريد أن يكتسب حسنات يمتثل هذا التوجيه: «تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة» سبحان الله وبحمده في دقيقة ونصف مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك إلى آخره عشر مرات كأنما أعتق أربعة من ولد إسماعيل، يعني الذكر لا يكلف الإنسان شيئا على أي حال وعلى أي وضع، ولا تحتاج إلى أن تكون على حال معينة أو على وضع مناسب أبدًا، ومع ذلك الباقيات الصالحات خير عند ربك. رواه البخاري وزاد مسلم: قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» إذا اجتمع النفع القاصر والنفع المتعدي نور على نور، لكن إذا لم يجتمعا مثلاً اكتفى الفقراء بالأذكار واكتفى الأغنياء بالإنفاق هذا يكون في مقابل هذا، بل قد يكون صاحب الذكر أفضل، سبق المفردون وهم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات. الخلاصة أن الجميع ابتلاء من الله عز وجل لا الفقر ولا الغنى      ﮨﮩ النمل: ٤٠.

نعم.

ﯿ الأنبياء: ٣٥.

نعم، الخلاصة أن الجميع ابتلاء من الله عز وجل من كسب المال من حله وصرفه في مصارفه الشرعية كما أُمر، فهو على خير عظيم ولا يُذَم الغنى أو الغني، لا يُذم بمجرد وجود الأموال عنده يعني إذا اتصف بهذا الوصف لا يُذم لكونه غني لكن متى يذم؟

يؤدي حق هذا المال.

ابن القيم رحمه الله تعالى في طريق الهجرتين بسط المسألة وذكر أن المال لا شك أنه نعمة لاسيما إذا أدي حقه لكن يُذم إذا رأى أنه استغنى     العلق: ٦ - ٧  لماذا؟ لما يلزم على ذلك من الطغيان كما في الآية، فالإنسان إذا رأى والرؤية هذه رؤية النفس، إذا رأى نفسه، إذا رأى ماله، رأى علمه، رأى كل ما يمتلكه، رآه لأن هذه الرؤية تولد شيئًا من الطغيان، يعني إذا تأمل في نفسه، وفرق بين أن يرى رؤية تأمل ﮣﮤ الذاريات: ٢١  لكن إذا رأى أنه أكمل الناس مثلاً خلقا يعني صحيح عنده خلق جميل حسن لكن رأى أنه عنده خلق فهذا يذم به، من أفضل العبادات قراءة القرآن وجلس جالس بالمسجد يقرأ القرآن لكن كل من خرج من المسجد أتبعه بصره إلى أن يخرج من الباب يزدري الناس فهذا الذي رأى أنه يقرأ القرآن إذا ترتب على هذه الرؤية احتقار الآخرين لزم منها الطغيان.

فالطغيان بالموجود سواء كان عَرَضا أو ثابتا، إذا رأى أنه أجمل من في المجلس مثلاً يحمله هذا على الترفع عليهم وازدراء الناس، وهذا الباب يحتاج إلى بسط طويل، وابن القيم رحمه الله تعالى في طريق الهجرتين له كلام جميل في هذا الباب.

له كتاب رحمه الله حول هذا الموضوع يا شيخ عدة الصابرين.

نعم في الصبر على المصائب ومنها الفقر.

قارن بين الفقير

ذكر وأفاض في الكتاب.

والصحيح كذا عِدَة الصابرين يا شيخ؟

نعم يعني ما وعدهم الله جل وعلا به وبعضهم يقول عُدَّة يعني ما يعتمدون عليه ويستعدون به على الصبر.

 

 

أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم بقي موضوع هام فضيلة الدكتور وهو ما يتعلق في الحديث عن عيشه -صلى الله عليه وسلم- أشرتم إلى جملة من الأحاديث نريد أن نبسط هذا الحديث ولكن يكون هذا في الحلقة القادمة بإذن الله خصوصًا أننا بحاجة إلى أن نذكر أنفسنا ونذكر الإخوة والأخوات بهذا الموضع الهام الذي بدأت تغفل النفوس عنه نسأل الله تعالى أن يصلح الأحوال شكر الله لكم فضيلة الدكتور نلتقي مع الإخوة والأخوات بإذن الله في الحلقة القادمة لاستكمال الحديث حول باب ما جاء في عيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شكرًا لكم أيها الإخوة لقاؤنا في الحلقة القادمة بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

"