كتاب الأطعمة من المحرر في الحديث - 02

عنوان الدرس: 
كتاب الأطعمة من المحرر في الحديث - 02
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 9:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أنس، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: مررنا فاستَنْفَجْنَا، فاستَنْفَجْنَا" يعني أَثَرْنا وذَعَرْنا "أرنبًا بمَرِّ الظهران، بمَرِّ الظهران" يقولون في الشروح: إنه هو المسمى الآن بوادي فاطمة.

 "بمَرِّ الظهران فسعوا عليه" تبعوه، "فلَغِبُوا" يعني تَعِبُوا في طلبه والسعي وراءه، الأرنب سريع العدو، خفيف الجسم، يُتعِب من يتبعه بغير سلاح، فلَغِبُوا يعني تعبوا، {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [سورة ق:38] يعني تعب "قال"، مَن؟

 أنس راوي الحديث "فسعيتُ عليها" يعني لحقتها وتبعتها بسرعة؛ لأنه حينئذ شاب، "فسعيت عليها حتى أدركتها" أدركها حَيَّة، "فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها" تخصيص أبي طلحة من بين سائر الرَّكْب من قِبَل أنس -رضي الله عنه- له سبب أم ما له سبب؟

 ما السبب؟

طالب: .............

زوج أمه.

"فأتيتُ بها أبا طلحة فذبحها فبعث بوركها" الورك ما فوق الفخذ كما هو معلوم من الإنسان وغيره، "بوَرْكِها وفخِذَيْها وفخذيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتيت بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقَبِلَه، فقَبِلَه" مما يدل على جواز أكلها، مما يدل على جواز أكلها، والجواز هو قول عامة أهل العلم، كرهها بعض العلماء؛ لأنها كما قالوا: تَحِيْض، لكن لا قيمة لهذه الكراهة في مقابل هذا النص المتفق عليه، والقول بأكلها قول عامة أهل العلم، الكراهة إن كانت جِبِلِّيَّة تعود إلى ذات الشخص، وليست كراهة شرعية، هذه لا يلام عليها؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- عاف الضب؛ لأنه لم يكن بأرض قومه، ولم يحرِّمه، فمن كرهها مثلاً؛ لأنها إذا وُضِعَت على المائدة أشبهت القط مثلاً، تقززت نفسه منها وعافها، فهذا الأمر يعود إليه، لكن الحكم الشرعي إباحتها بلا كراهة، ومثل ما قلنا: إن الإنسان قد تعاف نفسه الشيء مع جزمه وقطعه بِحِلِّه.

 يعني لو قُدِّم لإنسان مثلاً لبن مخلوط بشاي، يعني ما يقدم عليه أكثر الناس، ما يقدمون عليه أو مرق مخلوط بلبن تعافه نفسه، لكن هل يستطيع أن يقول: حرام؟

لا، كون الإنسان يكره الشيء وتعافه نفسه كما هو الشأن في حال كثير من الناس يكرهون لحم البقر، فإذا كان مرد هذه الكراهة كون النفس تعافه، تعاف هذا الشيء؛ لأنها تحيض فهذه علة عليلة، هذا إن صح أنها تحيض.

 على كل حال القول المعتبر عند عامة أهل العلم أنها مباحة من غير كراهة، ونُقِل عن بعضهم الكراهة ولم يحرِّمها إلا طائفة من المبتدعة أشبهوا بذلك اليهود الذين يرون تحريمها.

 وفي رحلة ابن بَطُّوْطَة لما دخل خراسان أسبل يديه في الصلاة ولم يقبضهما، فاتهموه بالرفض، فاختبروه بالأرنب، قدَّموا له أرنبًا فأكل منها، فأكل منها، قالوا: سبحان الله رافضي وتأكل الأرنب؟! قال: لا، أنا لست برافضي، أنا مالكي، قالوا: كيف تسبل يديك وأنت مالكي؟! قال: هذا قول معروف عند المالكية إسبال اليدين وعدم القبض، فلا يُعرَف القول بتحريم لحم الأرنب عند كل من يُعتد بقوله من أهل العلم.

 "متفق عليه، واللفظ لمسلم.

 وعن ابن أبي عمّار قال: قلت لجابر بن عبد الله: الضَّبْع أَصَيْد هِيَ؟ الضبع أَصَيْد هِيَ؟ قال: نعم، قلت: قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم" ما الباعث على مثل هذا السؤال؟ ما الباعث؟

طالب: .............

هي سبع..

طالب: .............

لها ناب.. ما الذي جعل السائل ابن أبي عمار يسأل جابرًا: أصيد هي؟

طالب: .............

منهم من يقول: لأنها سَبُع، ومنهم من يقول: لأن لها نابًا تُشبِه السباع، هذا مثار الإشكال ومورد السؤال، والإنسان المسلم عليه أن لا يفعل شيئًا، ولا يقدم على شيء إلا بعد أن يتحقق من حِلِّه، وابن أبي عمار ليس عنده نص يبيح له أكل الضبع، وهذا يؤيد قول من قال: إن الأصل التحريم حتى يرد دليل التحليل، حتى يرد الدليل على حل مراد الأكل، ما يراد أكله الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، الصحابة -رضوان الله عليهم- جعلوا الفداء فيمن صاد الضبع قالوا: كبش كبير، من صاد الضبع في الحرم أو وهو محرم فيه كبش، ولا يُفدَى إلا مأكول اللحم، ولا يُفدَى إلى مأكول اللحم، والإمام الشافعي في الأم يقول: مازال الناس يتبايعونها بين الصفا والمروة، يتبايعونها بين الصفا والمروة، كيف يتبايعونها بين الصفا والمروة؟ هي الصيد، وليست إنسية مثل الإبل والبقر والغنم تذبح بالحرم يتبايعونها ليذبحوها خارج الحرم، أم أن الصيد داخل الحرم يجب إرساله وإطلاقه، ولا يجوز إمساكه، هذا هو المعروف عند أهل العلم، لكن لعلهم يتبايعون اللحم الذي صيد خارج الحرم، ذُبح وجلب للبيع في الحرم، وهذا ما فيه إشكال يؤكل الضبع.

 أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ يعني هل هذا شيء تأثره عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو شيء من اجتهادك؟ قال: نعم، يعني قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ليس من اجتهاد جابر بن عبد الله، وإنما هو مرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-.

 "رواه الإمام أحمد وأبو يعلى، وهذا لفظه" أيضًا هذا لفظ الترمذي، وهو أولى بالتنصيص عليه من أبي يعلى.

 "وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان، وصححه البخاري أيضًا" سأل الترمذيُّ الإمامَ البخاري عن هذا الحديث فقال: صحيح، البخاري لم يخرجه في صحيحه، وإنما صححه حينما سأله الترمذي عنه قال: صحيح.

 قال -رحمه الله-: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتل أربع من الدواب، نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد".

 النملة معروفة، وعدم حِلّها إجماع، حِلِّ أكلها، والنحلة والهدهد والصُّرَد خالف بعض أهل العلم في جواز أكلها، وإن كان قول الجماهير التحريم والنهي عن قتل الحيوان، النهي عن قتله دليل على حِلِّه أو على حرمته؟

نعم يدل على حرمته، وساق هذا الحديث، نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتل أربع من الدواب؛ ليستدل بذلك على عدم حِلِّ أكلها؛ لأنها لو كانت مما يؤْكَل لجاز قتلها، لجاز قتلها، فمادام النهي عن النبي -عليه الصلاة والسلام- عن قتله ثابتًا فهذا دليل عندهم على تحريم أكلها، الفواسق التي أُمِرَ بقتلها، التي أُمِرَ بقتلها هذه نهي عن قتلها، وقال العلماء: إنه لا يجوز أكلها؛ لأنه نُهِيَ عن قتلها، فماذا عن الفواسق التي أمر بقتلها في الحِلِّ والحرم تؤكل أم ما تؤكل؟

طالب: .........

إذًا ما صار هناك ضابط، ما صار هناك ضابط قلنا: نهي عن قتلها، إذًا لا يجوز أكلها، أُمِرَ بقتلها إذًا لا يجوز قتلها، إذًا ما صار ضابط هذا نهي عن قتل الحيوان إلا لمأكلة، يعني المأكول لا يجوز قتله عبثًا إلا من أجل الأكل، وهنا نُهِيَ عن قتل الأربع من الدواب، والمراد بالدواب بالإطلاق العام لا بالعرف الخاص؛ لأن الدابة خصصها العرف بذوات الأربع، وهنا من باب إطلاق العام {وَمَا مِن دَآبَّةٍ} [سورة الأنعام:38]، وهل الطائر من الدواب أو ليس من الدواب؟ {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [سورة الأنعام:38].

طالب: .............

نعم، بالإطلاق العام يشمل كل ما يدب على الأرض، بالإطلاق الخاص والعرف الخاص يُطلَق على ذوات الأربع، هنا من باب الإطلاق العام من الدواب وقلنا: إن النهي عن قتلها دليل على تحريم أكلها، فماذا عن الأمر بقتل الخمس الفواسق التي تقتل في الحل والحرم إذا كان النهي عن القتل دليلًا على التحريم، فهل الأمر بالقتل دليل على الحِلّ؟

 ليس بدليل، إذًا يسلَّم مثل هذا النص في الدلالة على تحريم الأكل.

 الآن الكتاب كتاب الأطعمة ما يَحِلُّ منها وما يحرم، وأراد المؤلف- رحمه الله تعالى- أن يستدل على تحريم أكل هذه الأربع بالنهي عن قتلها؛ إذ لو كانت مما يؤكل لجاز قتلها، هل يحرم قتل البعير؟

نعم عبثًا لا يجوز قتله، وكذلك بقية ما يؤكل لحمه فقد جاء النهي عن قتل الحيوان إلا لمأكلة إلا للأكل، فالمؤلف -رحمه الله- ساق هذا الحديث لبيان أن هذه الدواب الأربع لا يجوز أكلها؛ للنهي عن قتلها، فهل هذا مطرد أو غير مطرد؟ كل ما لا يجوز قتله لا يجوز أكله، يعني عندنا طَرْد، وعندنا عكس، الطَّرْد مسلَّم، كل ما نُهِيَ عن قتله لا يجوز أكله؛ إذ لو جاز أكله لجاز قتله؛ لأنه لا يمكن أن يؤكل وهو حي، لكن العكس الطرد مسلَّم.

طالب: .............

لا، العكس لا، بدليل الخمس الفواسق التي تقتل في الحل والحرم لا يجوز أكلها، لا يجوز أكلها، ولذا جعل بعض العلماء الضابط فيما يمنع صيده في الحرم الأكل إن كان مما يؤكل فلا يجوز صيده، وإن كان مما لا يؤكل فإنه يقتل، وجعلوا العلة في الفواسق الخمس عدم الأكل، وفرَّقوا بين ما يصاد وما لا يصاد بهذا، طيب الذي لا يؤكل وجوَّز أهل هذا القول صيدَه من غير فدية يخدش في استدلال المؤلف على عدم حِلِّ أكل هذه الدواب بجواز القتل.

طالب: .............

يقول: إذا كان النمل مؤذيًا وهو مؤذٍ في الحقيقة، يلسع، وضرره شديد لاسيما على الصغار الذي يؤذي يُقتَل، الذي يؤذي يُقتَل؛ لأذاه؛ لأنه أشبه الفواسق في العلة التي هي الفسق، وما من واحد من هذه الفواسق إلا وهو مؤذٍ، فلذا جاز أو أُمِرَ بقتله في الحل والحرم.

طالب: ............

 أدخلتَ علينا كلامًا قطع التسلسل في أصل المسألة، نقول: يرد على استدلال المؤلف بهذا الحديث أن النهي عن القتل دليل على النهي عن الأكل تعليل بعضهم قتل الفواسق بكونها لا تؤكل، فإنها تقتل؛ لأنها لا تؤكل، ومن قتل شيئًا مما لا يؤكل لحمه فليس عليه جزاء يرد أم ما يرد؟

طالب: .............

كيف غريب؟

طالب: .............

يعني كون العلة عدم الأكل.

طالب: .............

نعم، السبب الأذية المفهومة من الفسق الوصف المؤثِّر، الوصف المؤثِّر، ولذا جاء الأمر بقتل الكلاب، ثم نسخ هذا الأمر، لكن ماذا عمن قتل كلبًا في الحرم أو في الإحرام غير العقور المأمور بقتله.

طالب: .............

ما عليه شيء، لا شيء عليه، طيِّب الاستدلال بكون الحيوان لا يؤكل بالنهي عن قتله، بالنهي عن قتله مثل ما في حديث الباب ألا يرد عليه أن من قتل كلبًا مثلاً في الحل، في الحرم أو في الإحرام أنه لا شيء عليه؟ لا يرد على مثل هذا؟ الأمر بقتل الكلاب كان في أول الأمر، ثم نُسِخ، هو ليس عليه جزاء، وليس عليه.. طيب شخص وجد حمارًا أهليًّا فقتله، إذا وجد حمار وحش فيه الفداء؛ لأنه يؤكل، طيب قتل حمارًا أهليًّا فهل عليه شيء أم ما عليه شيء وهو لا يؤذي؟

طالب: .............

كيف؟

طالب: .............

يضمن؟

طالب: .............

هو ليس ملكًا لأحد.

طالب: .............

مسيَّب يأثم، يأثم كما لو قتل نملة أو نحلة أو ما أشبه ذلك؛ لأنه غير مؤذٍ، لكن من قتل حيوانًا مؤذيًا، جاء الأمر بقتل كل ما يؤذي من الحيوان الحية والعقرب والحدأة والكلب العقور، الفأرة، كل ما يؤذي يقتل، يقاس على الفواسق، وتكون العلة في الأمر بالقتل هي الأذى المأخوذ من فسقها وخروجها عن الطبع المعتاد، عرفنا أن النهي دليل على التحريم مطَّرِد، لكنه لا ينعكس، لكنه لا ينعكس، فالأمر بقتل الفواسق لا لأنها محرمة الأكل، وإنما لأذاها، النملة معروفة الحشرة الصغيرة وصغارها يقال له: الذر، فجعل الله فيها على صغرها قوة مُدْرِكَة لا تصل إلى أن تكون عقلاً، لا، قوة مدرِكة تُدرِك بها ما ينفعها فتطلبه، وما يضرها فتدرؤه، تخزن ما تحتاجه من القوت في جحرها، ثم تَعْمَد إلى الحبة فتكسرها نصفين، لماذا؟

طالب: .............

حتى لا تنبت، لو كانت كاملة وجاءها رطوبة نبتت، ما صارت حبة، يعني مَن ألهمها إلى مثل هذا الفعل؟! مَن ألهمها؟!

وخرجت تستسقي وحذَّرت من حَذَّرت قومها من سليمان؛ لئلا يحطمونهن، وهم لا يشعرون، هناك أشياء مذهِلَة في مخلوقات الله -جل وعلا-، يعني يحتار الإنسان كيف تتصرف هذه التصرفات، وهذا دليل على تمام القدرة الإلهية، ومن أراد الأمثلة الكثيرة من هذا النوع فليقرأ في مفتاح دار السعادة لابن القيم فيه من هذا النوع ومن هذا الضرب الشيء الكثير، الشيء الذي يجعل الإنسان مهما كان في ذكائه وعبقريته يستسلم خاضعًا ذليلاً لقدرة الله -جل وعلا-، أمور لا تخطر على باله حتى في نفسه {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [سورة الذاريات:21].

 ابن القيم -رحمه الله- ذكر في أقسام القرآن وفي مفتاح دار السعادة فيما يشتمله عليه ويحتويه جسم الإنسان من العجائب التي تزيد في إيمان الشخص؛ لأن من أعظم روافد الإيمان وما يرسخ الإيمان النظر في آيات الله المتلوة، والكونية الدالة على قدرته- جل وعلا-، ومن أنفع ما يُقرَأ في هذا الباب كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم، فليحرص عليه طالب العلم؛ لأن الإنسان بحاجة إلى حياة قلبه وما يزيد في إيمانه وطمأنينته ويقينه.

كثير من الناس غافل سادر حتى من طلبة العلم تجده في غفلة إذا صلى لا يعي من صلاته شيئًا، إذا قرأ لا يفقه مما يقرأ شيئًا، لماذا؟

لأنه لم يسعَ في حياة قلبه، رانت على القلوب الذنوب حتى قست وصارت لا تستفيد لا من صلاة ولا من تلاوة ولا من ذكر، وإذا لم يحضر القلب في هذه المواضع الثلاثة فليعلم الإنسان أن الباب مغلق فليسعَ في فتحه، «زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة»، يتردد الإنسان على القبور مرارًا، ويقسم بعضهم أنه لا فرق بين القبر وحفرة الزيت حتى وجد من يدخّن على شفير القبر، وأما المكالمات الهاتفية في المقبرة والميت يدفن والكلام في أمور الدنيا فهذا شيء كثير، وكثُر بين الناس، وذلك بعد أن قست القلوب، وأبعد القلوب من الله، القلب القاسي بَعُد العهد وطال الزمن حتى وصلنا إلى هذه الحال، يقول: لا فرق بين قبر وحفرة زيت، كل إنسان يجده من نفسه هل نعتبر ونتعظ، يبكي الإنسان إذا نظر في هذه الحفرة التي مآله إليها؟ ولا شيء.

 القرطبي -رحمه الله- في تفسير {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [سورة التكاثر:1] ذكر كلامًا على كل طالب علم أن يراجعه في تفسير القرطبي، لكن إذا لم يستفد من زيارة القبور فإنها تذكر الآخرة.

 فيه ناس أدركناهم قبل ثلاثين سنة أو أكثر أدركناهم إذا رأوا الجنازة تمر في الشارع تأثروا أثرًا بليغًا، وبعضهم لا يخرج من بيته في ذلك اليوم، وبعض الشباب لا ينام في تلك الليلة، يتأثرون، شباب في هذا المكان الطاهر، بل من جنس أنعم من الشباب يذهبون إلى الجنائز وهي مصفوفة هناك، بل بعضهم يحاول الكشف عن وجهه، يعني إلى هذا الحد وصلت القلوب؟ زوروا القبور فإنها..

القرطبي يقول: إذا كان قلبك لا يتأثر إذا زرت القبور فاحرص على مشاهدة المحتضَرين، احرص على مشاهدة المحتضَرين، وإذا لم يكن القلب حيًّا يقظًا فقد تتأثر في المرة الأولى ثم الثانية، ثم يكون الأمر لا شيء، كالقبور، فعلى الإنسان أن يبحث ويسعى جاهدًا لإصلاح قلبه، ويصلح الخلل والمرض الذي في قلبه؛ ليستفيد ويتعظ إذا سمع كلام الله.

 يعني كان السلف يتأثرون تأثرًا بالغًا إذا سمعوا القرآن أو قرؤوا القرآن، لكن والله الآن نسأل الله- جل وعلا- أن يحيي قلوبنا، والله إننا نقرأ القرآن ولا أثر له في نفوسنا، يعني بعض الناس إذا صار إمامًا وقرأ بكى، والله أعلم به إذا كان بمفرده هذه أمور بين الإنسان وبين ربه، لكن كيف يقرأ هذه الآية ويبكي ثم يقرأ الآية التي بعدها وكأن شيئًا لم يكن؟ لا أثر له على لسانه ولا على قلبه، هل هذا التأثر يفيد صاحبه الفائدة المرجوَّة؟

 عمر إذا بكى من خشية الله جلس أيامًا يُزَار في بيته، نحن لا فرق، يعني تبكي ثم تخرج لنزهة وتأتي بكل ما تذكره من نكت ومضحكات وطرائف، وقد تتعدى ذلك إلى الكلام المحرَّم، هل هذا التأثُّر صحيح؟

كل شيء له علامة، وكل شيء له دلالة تدل على صدقه وأمارة وقرينة زرارة بن أوفى سمع الإمام يقرأ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [سورة المدثر:8] فسقط مغشيًا عليه ومات، بعض الناس يقول: هذا تمثيل ما هو بصحيح، وله سلف، له سلف، ابن سيرين فيما نقله الذهبي في السِّيَر يقول: هذا الذي يُغمى عليه ويغشى عليه يصيبه الغَشِي عند سماع القرآن ضعه على جدار واقرأ القرآن، إن سقط فهو صادق، ويستدل بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يحصل له شيء من ذلك ولا كبار الصحابة، لكن شيخ الإسلام يرى أنه لا مانع من وقوع ذلك، النبي -عليه الصلاة والسلام- نزل عليه القول الثقيل الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، جبل، فالقول ثقيل، القرآن ثقيل على القلوب، لكنه أنزل على قلب قوي يتحمل هذا القول الثقيل؛ ليبلغه، وأشبهه صحابته في قوة القلوب مع استحضار عظمة المتلوّ، مَن جاء بعدهم ممن ذُكِر عنهم هذا النوع من الغَشِي وهذا الإغماء بل يصل الحد إلى الموت يستحضرون عظمة المتلوّ عظمة هذا القرآن، لكن القلوب ضعفت، ما تتحمل هذه العظَمة، فيحصل ما يحصل، ثم طال العهد بالناس، فلا استحضار لعظَمة مع ضعف القلوب، فلا يحصل شيء.

 على كل حال نحن بحاجة إلى العلاج الشرعي لهذه القلوب لهذه الأمراض، وهذا الران الذي غطى على القلوب وغلَّفها وغشاها حتى تستفيد من كلام الله، ومن الاتصال به، والتلذذ بمناجاته؛ ليُفتَح الباب، والله المستعان.

 النملةِ بدل بعض من الدواب، والنحلة المعروفة التي تَجْمَع من الأشجار والأزهار الغذاء والشفاء الذي هو العسل، والهدهد أيضًا الهدهد معروف، ما ندري عن بعض الجهات التي قد يكون فيها قليلاً، قد لا يعرفونه، لكنه معروف في البراري والقفار يقولون: طائر ذو خطوط، يعني فيه ألوان أخرى، وله منقار، وفوق رأسه شعر ريش بارز، والصُّرَد يقولون: طائر ضخم الرأس، له ريش كثير، يقولون: نصفه أبيض، ونصفه أسود، هذا قول الأكثر، ومنهم من يقول: إنه طائر صغير فوق العصفور، له صوت مزعج.

 على كل حال هذه الدواب معروفة، وهي تكثر في بعض البلدان، وتقل في بعضها.

 يقول -رحمه الله- "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وأبو حاتم البستي".

 ثم قال: "وعن مجاهد عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال: وعن مجاهد عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الجَلَّالة وألبانها، عن أكل الجَلَّالة وألبانها".

 الجلَّالة هي التي تأكل الجَلَّة، العَذِرة من الغنم أو من البقر، وهي التي فيها اللبن وفي بعض الروايات نهى عن ركوبها؛ لأنها تنجس بسبب ما تأكله، فلا يؤكل لحمها؛ لنجاسته، ولا لبنها يشرب ولا تُركَب؛ لئلا تعلق على راكبها، والمقصود أن هذه الجلالة التي تأكل العذرة تتأثَّر بالأكل، ولا شك أن الأكل مؤثِّر حتى في الأخلاق والطباع، هذه الجَلَّالة التي تـأكل العَذِرَة لا تؤكل حتى تُحبَس حتى يطيب لحمها وينتهي منها أثر هذه النجاسة المؤثِّرة في لحمها ولبنها، ويختلفون في المدة التي يطيب بها اللحم، فمنهم من يقول: ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: أربعون يومًا، ومنهم من يزيد، ومنهم من ينقص.

 على كل حال مثل هذا الذي لم يرد به دليل على التحديد تحبس حتى يغلب على الظن أن لحمها قد طاب حتى يغلب على الظن أن لحمها قد طاب، وتُطعَم الطيب من المأكول الطاهر، وتحبس عن النجس، كثير من الأغذية التي ترد وتستورد للحيوانات هي خليط من طاهر وغير طاهر، فهي بهذا الاعتبار جلَّالة، وهذا لا يختص ببهيمة الأنعام، بل يتناول حتى الدجاج تأكل من النجاسات ما تأكل.

 وذكرنا في درس سابق أن رؤبة بن العجاج الراجز المشهور لا يأكل الدجاج، ومع ذلكم هو يأكل الفأر يقول: إن الدجاج يأكل ما تعلمون، يعني من هذه النجاسات، والفأر إنما يأكل البر والسمن، قلنا في وقتها: إن هذا الشخص لا عبرة به في مثل هذا الشأن لاسيما وأنه مُصادِم للنصوص الصحيحة الصريحة، وليس بشيء في ميزان العلم الشرعي، هو راجز، ولا عبرة بقوله، وإنما يُذكَر من باب الطرائف، ولا يذكر قوله في مقابل النصوص أو في مقابل أقوال أهل العلم؛ لأنه ليس من أهل العلم، لكن الشاهد من كلامه أن هذه الدجاج تأكل العذرة، وهذا شيء مشاهَد، فلا يجوز أكلها حتى تحبس مدة يغلب على الظن أن لحمها قد طاب، ولا يُشرَب من ألبانها إذا كانت ذات لبن.

 وماذا عن البيض؟ الحكم حكم اللبن أو يختلف؟ البيض حكمه حكم اللبن أم لا؟

طالب: .............

ماذا فيه؟

طالب: .............

يختلف؟

طالب: .............

لماذا؟

طالب: .............

البيض يمكن يعني يأتي غير متأثِّر بمصدره الذي هو الدجاجة؟ يتأثر أم ما يتأثر؟ طيب ماتت الدجاجة وفي جوفها بيضة تؤكل أم ما تؤكل؟ أو يفرَّق بين ما صلب قشره وما رَقَّ قشره؛ لأن ما صلب قشره لا يتأثر بالنجاسة، وما رَقَّ قشره يتأثر بالنجاسة، بيض الجَلَّالة لا شك أن البيض مجتمِع من أثر المعاشرة بين الديك والدجاجة أو لا يحتاج إلى ذلك.

طالب: .............

كيف؟

طالب: .............

لا يحتاج؟

طالب: .............

يعني تبيض الدجاجة ولو كان ما عندها ديك؟!

طالب: .............

التلقيح يقوم مقام الديك، يقوم مقام الديك، لكن يبقى أنه هل يمكن أن تبيض الدجاجة من غير معاشرة كالإنسان؟

طالب: .............

ما معنى بيض الديك؟!

طالب: .............

إنما هو لمجرد الأكل، هذا يكون للأكل في المشاريع في المشاريع الكبرى إنما هو للأكل فقط، لا للتفريخ، على ذكر قولك بيض الديك ذكر القرطبي في تفسيره وغيره من أهل العلم أن الديك قد يبيض مرة في عمره مرة في عمره يسمونها بيضة العُقْر، واللفظ مستعمل الآن إذا رآه شخص وحيد بين أهله أو له وصف يتميز به عن غيره يقال: هذا بيضة عقر مازال مستعملًا وله أصل في كتب أهل العلم، على كل حال المسألة المفترضة في بيضة الجلَّالة هل هي مثل لبن الجلَّالة أم لا؟

اللبن سائل وسريع التأثُّر وسريع التأثُّر، وهو مُتَحَلِّب من البدن المتأثر من النجاسة، وهذا لا إشكال فيه، وهل يرد فيه الخلاف خلاف من يقول: يجوز شرب لبن الميتة؛ لأنه محفوظ في وعاء يمنعه من النجاسة، وهذا قول معروف، وكان شيخ الإسلام يميل إليه- رحمه الله-، لبن الميتة وإنْفَحَتها وعظمها هذا الأصل للحنفية، ويميل إليه شيخ الإسلام- رحمه الله-، فلبن الجلَّالة لا شك أنه متأثِّر بما تأكله، فلا يجوز شربه، كما أن اللحم متأثِّر، فلا يجوز أكله حتى تحبس مثل ما قلنا مدة يغلب على الظن أن لحمها قد طاب، وأن لبنها قد طاب.

 قال: "رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه، وقد روي مرسلاً"، لكن يصل إلى درجة الصحيح لغيره.

طالب: .............

البيضة ماذا صار فيها؟!

طالب: .............

ما صار شيء؟!

طالب: .............

لكن هل البيضة منتزَعة من اللحم؟ يعني لها ارتباط باللحم المتنجس بالجلَّة أو لا ارتباط لها؟

طالب: .............

طيب أنت متخصص؟ أنت تَعْرِف؟

طالب: .............

طيب شاة جلَّالة، بقرة جَلَّالة وَلَدَت هل هذا الولد متأثِّر بالجَلَّة أو لا علاقة له بها؟

طالب: .............

لا، هو من اللحم من لحم الحيوان أو نتيجة التلاقح بين الذكر والأنثى ولا علاقة له باللحم؟

طالب: .............

هو يتغذى من أمه، ولذلك أثناء الحمل ينقطع الحيض لتغذية الجنين، فماذا عن ولد الجلَّالة وعن بيضة الجلَّالة وعن لَبَن الجلَّالة منصوص عليه، هل نقول: إنه لو كان له حكمها لنُصَّ عليه كاللبن؟

لو كان له حكم الأم كان منصوصًا عليه كاللبن، يمكن أن يقال مثل هذا؟ ومادام سُكِت عنه فيختلف حكمه عن حكم أمه، أو الإشارة باللبن إلى التنبيه إلى ما هو أشد مخالطة من اللبن، فيكون من باب أولى إذا كان اللبن ممنوعًا منه فالولد ممنوع منه.

طالب: .............

كيف؟

طالب: .............

يقول: دل الحديث السابق: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الأم وولدها، فعلى هذا يأخذ حكمها، فلا يؤكَل حتى يطيب لحمه كأمه صحيح أم لا وجه له؟ له وجه أم ليس له وجه؟

طالب: .............

نعم، الارتباط الوثيق بين الأم وولدها يتجلى في حديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، وهو جزء منها يتغذى بغذائها.

نأخذ الحديث الأخير..

قال- رحمه الله- "وعن عيسى بن نُمَيْلَة الفَزَارِي أو نملة الفَزَارِي عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ" أولاً عيسى بن نُمَيْلَة مجهول، وأبوه كذلك، فهما مجهولان.

 "عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن القنفذ، فتلا هذه الآية: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}" [سورة الأنعام:145] إلا ما استثني إلى آخر الآية {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [سورة الأنعام:145] "إلى آخر الآية، قال شيخ عنده" وهذا أيضًا مجهول، إذا كان عيسى بن نُمَيْلَة وأبوه مجهولين جهالة حال أو عين؛ لأنه لم يَرْوِ عنهما إلا واحد فإن الشيخ هذا مجهول جهالة ذات، وهي أشد من جهالة العين.

 "قال شيخٌ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذُكِرَ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «خبيثة من الخبائث»"، والدليل دل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُحِلُّ لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، يحرِّم عليهم الخبائث، لكن هل كل خبيث حرام أم لا؟ «كسب الحجام خبيث»، والنبي -عليه الصلاة والسلام- احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا ما أعطاه، {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [سورة البقرة:267]، فالمقصود بالخبيث هنا وهناك في حديث الحجام الرديء، نعم هو كسب الرديء ونوع رديء من المتصَدَّق به، فلا تتيمم الرديء فتتصدق به، ولا يمكن أن تأخذه وفاءً لدَينك إلا أن تغمض فيه، يعني حينما تظن أو يغلب على ظنك أنه ما فيه إلا هذا إن ما أخذت هذا الرديء فإنه يضيع دَينك فأنت تتساهل وتتسامح من باب الاقتناع ببعض الشيء.

 فقال: « خبيثة من الخبائث » ، داخلة في قوله: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [سورة الأعراف:157].

"فقال ابن عمر: إن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله فهو كما قال"، لكن الحديث ضعيف، الحديث ضعيف، "رواه الإمام أحمد"..

عرفنا أن فيه ثلاث علل: جهالة هذا الشيخ، وجهالة عيسى بن نُمَيْلَة، وجهالة أبيه.

 "رواه الإمام أحمد وأبو داود والبيهقي، ولم يَرِد إلا بهذا الإسناد، وفيه ضعف"، طيب إذا اعتبرنا هذا الحديث ضعيفً، ووجوده مثل عدمه، وجوده مثل عدمه، فماذا عن أكل لحم القنفذ؟ نرجع إلى أصل المسألة، إلى أصل المسألة، فمن كان الأصل عنده الإباحة حتى يرد الحاضر المانع المحرِّم فهو يأكله حتى يرد الدليل، ومن كان عنده الأصل المنع فهو لا يأكله حتى يرد دليل الإباحة كما قلنا سابقًا.

طالب: .............

انتهينا، لكن هات لنا المثال.

طالب: .............

نعم، الصقنقور الذي يصرفه الأطباء الشعبيون علاجًا لبعض الأمراض هو ما فيه دليل يخصه، وكل على أصله؛ فمن يقول: الأصل الإباحة يقول: يصرف للمرضى حتى نجد ما يمنع، ومن يقول: الأصل الحظر يقول: لا يجوز صرفه حتى نجد دليلًا يبيحه.

طالب: .............

كيف؟

طالب: .............

والله عندي أنا الأصل المنع، وأن لا يُبنَى الجسم إلا على شيء متأكَّد من حلِّه.

طالب: .............

{قُل لاَّ أَجِدُ} [سورة الأنعام:145]..

طالب: .............

هذا دليل لمن يقول: إن الأصل الإباحة، دليل من يقول..

طالب: .............

أيُّ؟

طالب: .............

القنفذ له ناب؟!

طالب: .............

لكن هل يكفي الناب؟ يستقل..؟

طالب: .............

سبُع؟

طالب: .............

لكن الناب لا يستقل بالمنع حتى يكون سبُعًا، نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.

طالب: .............

يأكل..

طالب: .............

على كل حال جمهور أهل العلم على تحريمه، جمهور أهل العلم على تحريمه، عند المالكية والشافعية كراهة، لكن البقية على المنع {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [سورة الأنعام:145] هذه الآية معروف أنها مكية أم مدنية؟ مكية، حُرِّم بعدها أشياء كثيرة، حرم بعدها أشياء كثيرة {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [سورة الأنعام:145] الدم المسفوح، وفي الآية الأخرى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ} [سورة المائدة:3]، فالدم مُطْلَق، وفي الآية التي معنا آية الأنعام {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [سورة الأنعام:145] مُقَيَّد، والمطلق والمقَيَّد في الآيتين يتفقان في الحكم والسبب، في الحكم والسبب، وعلى هذا يحمل المطلق على المقَيَّد بالاتفاق، يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق، فلا يحرم إلا الدم المسفوح، على هذا ما يبقى في ثنايا اللحم أو العروق فإنه ليس بنجس، وليس بحرام، إنما المحرم الدم المسفوح حملاً للمطلق على المقيَّد؛ للاتفاق في الحكم والسبب، وفي هذه الصورة متفق عليه بخلاف ما إذا اختلفا في الحكم والسبب، اختلفا في الحكم والسبب، اليد في آية السرقة مطلقة، وفي آية الوضوء مقيدة، يحمل المطلق على المقيَّد لا بالاتفاق، وإذا اتحدا في الحكم واختلفا في السبب مثل الرقبة، الرقبة في القتل مقيَّدة بكونها مؤمنة، وفي الظهار مطلقة، يتحدان في الحكم، ويختلفان في السبب، الجمهور على حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة وعكسها فيما إذا اتحدا في السبب، واختلفا في الحكم مثل اليد في آية الوضوء وفي آية التيمم السبب واحد، وهو الحدث، والحكم مختلف، هذا غسل بالماء، وهذا مسح بالتراب، فالحكم مختلف، وحينئذ لا يُحمَل المطلق على المقيد عند الجمهور.

والله أعلم.

 وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.