كتاب الأطعمة من سبل السلام (5)

عنوان الدرس: 
كتاب الأطعمة من سبل السلام (5)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ صفر/ 1441 8:00 ص

سماع الدرس

نعم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

قال- رحمه الله تعالى- في البلوغ وشرحه، في كتاب الأطعمة، في باب الصيد والذبائح:

"وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» بِفَتْحِ (الْغَيْنِ) الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ (الرَّاءِ) (فَضَادٌ) مُعْجَمَةٌ. هُوَ فِي الْأَصْلِ الْهَدَفُ يُرْمَى إلَيْهِ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ غَايَةٍ يَتَحَرَّى إدْرَاكُهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْحَدِيثُ نَهْيٌ عَنْ جَعْلِ الْحَيَوَانِ هَدَفًا يُرْمَى إلَيْهِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ ويزيد قُوَّةُ.."

يعني الأصل في النهي التحريم، يعني يؤخذ ما فيه الروح مما يـتألم بتعرضه للأذى كالسهم ونحوه لا يجوز أن يُتخذ غرض، وقد أُمِرنا أننا إذا قتلنا أن نُحسن القِتلة، وإذا ذبحنا أن نُحسن الذبحة، وأُمرنا بحد الشفرة؛ لئلا يتعذب المذبوح، فكيف يُجعل غرضًا؟ هدف يتعلم عليه الرماة؟

أحسن الله إليك.

بعضهم صحَّف الحديث إلى: لا تتخذوا الروح عرضًا، يعني النوافذ التي تدخل معها الريح، لا تُتخذ بالعرض، بالطول، تصحيف قديم هذا.

طالب: .........

أمَّا بين الأشخاص للتعلم على أساليب الكر والفر والقتال فهذا ما فيه إشكال، لكن إذا كانت بين حيوانات يدخل فيها، بين الديكة، بين الكبوش، بين الثيران كذا، هذه الذي يدخل فيها.

أحسن الله إليك.

طالب: ........

جاء فيها النهي نعم.

أحسن الله إليك.

"الحديث نهي عن جعل الحيوان هدفًا يُرمى إليه، والنهي للتحريم؛ لأنَّه أصله، ويزيده قوة حَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا لِمَا مَرَّ- صلى الله عليه وسلم- وَطَائِرٌ قَدْ نُصِبَ وَهُمْ يَرْمُونَهُ». حِكْمَة النَّهْيِ أَنَّ فِيهِ إيلَامًا لِلْحَيَوَانِ، وَتَضْيِيعًا لِمَالِيَّتِهِ وَتَفْوِيتًا لِذَكَاتِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُذَكَّى وَلِمَنْفَعَتِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُذَكًّى."

قد يقول قائل: كيف يكون فيه تفويت لذكاته، تضييع لماليته وهو صيد صِيد بما يُنهر الدم بالرمح؟ نقول الصيد على خلاف الأصل، الأصل الذكاة، فالمقدور عليه لابد أن يُذكَّى، ولا يكفي فيه أن يُنهر دمه من أي جهة، لكن إذا كان غير مقدور عليه كالصيد، أو المتوحش من بهيمة الأنعام فإنَّه يُقتل بأي شيء.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَذْكِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَدَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ بِالْحَجَرِ الْحَادِّ إذَا فَرَى الْأَوْدَاجَ؛ لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَسَرَتْ الْحَجَرَ وَذَبَحَتْ بِهِ، وَالْحَجَرُ إذَا كُسِرَ يَكُونُ فِيهِ الْحَدُّ. وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَكْلُ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ وَخَالَفَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَغَيْرُهُمْ. وَاحْتَجُّوا بِأَمْرِهِ- صلى الله عليه وسلم- بِإِكْفَاءِ مَا فِي قُدُورِ مَن ذبح من المغنم.."

ما ذُبِحَ.

أحسن الله إليك.

"بِإِكْفَاءِ مَا فِي قُدُورِ مَا ذُبِح مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ إنَّمَا.."

إلا أنَّ هذا من باب التأديب، أخذوا من المغانم قبل قسمتها، لكن ما في حديث الباب، ما في حديث الباب إن لم تفعل ما فعلت هذه المرأة فإنَّ المآل إلى أن تموت هذه الشاة، تموت هذه الشاة، فتضيع على صاحبها، لكن ليس في هذا دليل لمن يتساهل في حقوق العباد ويقول: إنَّها على خطر فذبحها؛ ولذا جاء في الهدي الذي يُهدى إلى البيت أنَّه إذا تعرض لخطر فإنَّه يُذكَّى ولا يأكل منه من بُعث معه ولا أصحابه؛ سدًّا لهذه الذريعة.

أحسن الله إليك.

"وأجيب: بأنَّه إنَّما أُمِرَ بِإِرَاقَةِ الْمَرَقِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَبَاقٍ جُمِعَ وَرُدَّ إلَى الْمَغْنَمِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُنْقَلْ جَمْعُهُ وَرَدُّهُ إلَيْهِ، قُلْنَا: وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ وَأَحْرَقُوهُ.."

الإتلاف حصل بإكفاء القدور، ويكون هذا من باب الردع، يكون هذا من باب الردع.

"فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَا مُوَافَقَةً لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ.

 قُلْت: لَا يَخْفَى تَكَلُّفُ الْجَوَابِ، وَالْمَرَقُ مَالٌ لَوْ كَانَ حَلَالًا لَمَا أُمِرَ بِإِرَاقَتِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمُدَّعِي بِشَاةِ الْأُسَارَى فَإِنَّهَا ذُبِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا، فَأَمَرَ- صلى الله عليه وسلم- بِالتَّصَدُّقِ بِهَا عَلَى الْأُسَارَى كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، فَإِنَّهُ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَسْتَحِلَّ أَكْلَهَا، وَلَا أَبَاحَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكْلَهَا، بَلْ أمر أَنْ يطْعمَ الْكُفَّارَ الْمُسْتَحِلِّينَ لِلْمَيْتَةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ، فَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا تَغْلِي إذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَلَى فَرَسِهِ، فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يُزمِّل اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ.."

يرمُل.

أحسن الله إليك.

أو يُرَمِّلُ، يخلطه بالرمل.

"ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ وَقَالَ: «إنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنْ الْمَيْتَةِ»، فَهَذَا مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَفِيهِ إتْلَافُ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ، فَعَرَفْت قُوَّةَ كَلَامِ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بِأَكْلِ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى الظَّاهِرِية؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِحِلِّ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ نَحْوَهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.."

وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، لكن مخاطبتهم بها لا يعني كفهم عنها، وإنَّما هو من أجل زيادة عقوبتهم عليها، وإلا فهم يُباشرون أشياء.

طالب: .........

يعني بيع الخمر والخنزير على الكفار هل يُستدل بهذا على جوازه؟

طالب: ..........

«فإنَّها لهم في الدنيا»، «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة».

طالب: ........

أمَّا المحرم عليهم فلا إشكال في منعهم منه، المحرم عليهم في شرعهم لا إشكال من المنع منه، لكن ما هو مباح لهم في شريعتهم وإن كان محرمًا عليهم في شرعنا وهم مخاطبون بالفروع، لكن هناك ما يتعدى ضرره إلى الغير، وهناك ما لا يتعدى ضرره منها، وهناك ما يُجاهر به، وهناك ما يُفعل خُفية، تتفاوت هذه الأمور.

طالب: ..........

لا، لا، يُمكن أن يُغيِّر صورتها بأن تكون ذهبًا ليست بآنية.

طالب: ..........

هذه أموال ليست مقطوعًا بتحريمها، إنَّما هي أموال خبيثة، ومنعها لا لذاتها، وإنَّما لأمر طارئ، بهيمة أنعام مذكاة، لكن طرأ المنع؛ لأنَّها بغير إذن صاحبها، من باب «أطعموه ناضحك». فهو مال خبيث يُتخلص منه.

طالب: .........

دعك من قول المصنف، افهم مثلما قيل.

أحسن الله إليك.

طالب: .........

لا، هي مال خبيث، وليست ميتة.

أحسن الله إليك.

"وفيه دليل على أنَّه يجوز تمكين الكفار مما هو محرم على المسلمين، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- نَهَى عُمَر عَنْ لُبْسِ الْحُلَّةِ مِنْ الْحَرِيرِ، فَبَعَثَ بِهَا عُمَرُ لِأَخِيهِ الْمُشْرِكِ بمَكَّةَ."

وهذا لا يتعين أن يلبسها المشرك، وإن كان احتمالًا، لكن ليس بمتعين؛ ولذلك لمَّا لم يتعين لبسها أهداها النبي- عليه الصلاة والسلام- إلى عمر، وأهداها عمر إلى قريب له مشرك.

أحسن الله إليك.

"كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى تَصْدِيقِ الْأَجِيرِ الْأَمِينِ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْخِيَانَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً رَاعِيَةً لِغَنَمِ سَيِّدِهَا، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَخَشِيَتْ عَلَى الشَّاةِ أَنْ تَمُوتَ فَذَبَحَتْهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْمُودَعِ لِمَصْلَحَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ.

وعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: سَبَبُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» بِفَتْحِ (الْهَمْزَةِ) (فَنُونٌ) سَاكِنَةٌ (فَهَاءٌ) مَفْتُوحَةٌ (فَرَاءٌ) أَيْ مَا أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةٍ مِنْ النَّهْرِ، «وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظّفرُ فَمُدَى» بِضَمِّ (الْمِيمِ) وَبِفَتْحِهَا وَفَتْحِ (الدَّالِ) الْمُهْمَلَةِ (فَأَلِفٌ) مَقْصُورَةٌ جَمْعُ مُدْيَةٍ مُثَلَّثَةُ (الْمِيمِ) وَهِيَ الشَّفْرَةُ أَيْ السِّكِّينُ. «الْحَبَشَة». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الذَّكَاةِ مَا يَقْطَعُ وَيُجْرِي الدَّمَ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَكُونُ الذَّكَاةُ بِالنَّحْرِ لِلْإِبِلِ، وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْحَدِيدِ فِي لَبَّةِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يُفْرَى أَوْدَاجُهَا، وَاللُّبَّةُ بِفَتْحِ (اللَّامِ)."

ولَبَّةُ.

أحسن الله إليك.

"حَتَّى يُفْرَى أَوْدَاجُهَا، وَاللَّبَّةُ بِفَتْحِ (اللَّامِ) وَتَشْدِيدِ (الباء) مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ فِي الصَّدْرِ. وَالذَّبْحُ لِمَا عَدَاهَا، وَهُوَ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ أَيْ الْوَدَجَيْنِ، وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، فَقَوْلُهُمْ: الْأَوْدَاجُ تَغْلِيبٌ عَلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، فَسُمِّيَتْ الْأَرْبَعَةُ أَوْدَاجًا.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَكْفِي قَطْعُ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَكْفِي قَطْعُ الْأَوْدَاجِ وَالْمَرِيءِ، وَعَنْ الثَّوْرِيِّ يُجْزِئُ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ، وَعَنْ مَالِكٍ: يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» وَإِنْهَارُهُ إجْرَاؤُهُ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ؛ لِأَنَّهَا مَجْرَى الدَّمِ، وَأَمَّا الْمَرِيءُ فَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَلَيْسَ بِهِ مِنْ الدَّمِ مَا يَحْصُلُ بِهِ إنْهَارُهُ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُجزئ الذَّبْحُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ، فَيَدْخُلُ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ وَالْحَجَرُ وَالْخَشَبَةُ وَالزُّجَاجُ وَالْقَصَبُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُحَدَّدَةِ. وَالنَّهْيُ عَنْ السِّنِّ وَالظُّفُرِ مُطْلَقًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مُنْفَصِلٍ أَوْ مُتَّصِلٍ وَلَوْ مُحَدَّدًا. وَقَدْ بَيَّنَ- صلى الله عليه وسلم- وَجْهَ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ»، فَالْعِلَّةُ كَوْنُهَا عَظْمًا، وَكَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ–".

وكونه عظمًا يعني لا يجوز تلويثه، كما أنَّه لا يجوز الاستنجاء به، لكن هل العلة وكونه عظمًا هي العلة التي جاءت في عدم الاستنجاء بالعظم أو الرجيع؛ لأنَّها زاد إخواننا الجن؟ يعني العظم لا يجوز الاستنجاء به، ولا يجوز الذبح به؛ لكونه زاد إخواننا الجن، فهل السن من بني آدم يُمنع لهذه العلة، يعني يعود أوفر ما كان كعظم البهيمة؟

القارئ: الظاهر ..

طيب العظم عرفنا أنَّه يُمنع الاستنجاء بالعظم؛ لأنَّه زاد إخواننا الجن، طيب ما العلاقة بينه وبين ..

القارئ: المقصود عظم ما يؤكل يا شيخ؟

ماذا؟

القارئ: المقصود عظم ما يؤكل لحمه؟

لا، هم ينشدون على عظم الإنسان الذي يقطعون به، يذبحون به الطيور الصغيرة، «أمَّا السِّنُّ فعظم»، والذي نعرف عن تلويث العظم، وتنجيس العظم العلة المنصوصة: «لأنَّه زاد إخواننا الجن»، فهل عظم الإنسان يكون زادًا للجن بحيث يعود أوفر ما كان كعظم البهيمة؟ الظاهر لا، لكن لماذا قال: عظم؟

 هل أراد أن يقطع الطريق لمن سأل، أو أراد مشابهة العظم الذي لا يجوز الاستنجاء به؟ لكن من أي وجه تكون المشابهة؟

طالب: .........

ماذا؟

طالب: .........

هو جزء من محترم، لا يجوز أن يُستنجى بيد البهيمة أو رجلها أو ما أشبه ذلك، حتى صوفها مادام عليها. نقول: إنَّ التعليل بكونه عظمًا إذا ضممنا هذا أنَّه لا يجوز تلويث السن؛ لأنَّه عظم. طيب قد يقول قائل: ثم ماذا إذا كان عظمًا؟ شيء محدد ويفري الأوداج، يعني إذا ضممنا هذا إلى ما جاء في الاستنجاء بالعظم، وأنَّ تلويثه وتنجيسه حرام، والعلة هناك معروفة؛ لأنَّه زاد إخواننا من الجن، فهل نستصحب هذه العلة التي هناك هنا؟

لا يتصور أنَّ عظم الإنسان، سن الإنسان عظم، ويعود أوفر ما يكون، هذا الكلام ما يتجه، ولا يُتصور.

طالب: .........

هو قال: عظم، ما قال: عظم إنسان، «أمَّا السِّنُّ فعظم».

طالب: ..........

ليس السِّنُّ والظفر، من الذي يذَكِّي سن المُذَّكِي وظفر المُذَكِّي، هذا المقصود في الحديث، المقصود في الحديث سن المُذَكِّي وظفر المُذَكِّي؟

طالب: .........

خشية تلويث السِّن بالنجاسة، انتهينا من هذا، خشية التلويث تُمنع لماذا؟ لأنّ إرجاعنا إلى الأصل الأصلي «أمَّا السِّن فعظم»، واستقر عندنا أنَّ العظم لا يجوز تلويثه بالنجاسة؛ لأنَّه زاد إخواننا الجن وعلة منصوصة، أو نفصل هذا الباب عن ذاك.

القارئ: نفصل يا شيخ، الذي يظهر ما بينهما علاقة يا شيخ.

ما بينهما علاقة، لماذا قال: عظم؟

القارئ: كأنَّه يقول أي عظم لا يُستنجى به، عفوًا، لا يُذَكَّى به، ولا يُستنجى، هذا له علة، وهذا له علة يا شيخ.

طالب: .........

نعم الذي يذَكِّي؟

يفري الأوداج، وينهر الدم، والتعليل لا لأنَّه لا يُفري؛ لأنَّه عظم، ما فيه أحد إلا يستحضر مسألة الاستنجاء بالعظم؛ لأننا منعنا من الدم المسفوح، نجس، ونلوث به العظم، والعظم لا يجوز تلويثه بنجاسة، ولا يجوز الاستنجاء به إذًا ضممنا هذا إلى هذا، لكن يبقى الفرق في كون العظم زاد إخواننا الجن، والسن جزء من محترم، وهو الإنسان، ويبقى أنَّ الربط بينهما فيه قلق، فيه قلق ويأتينا ما في الظفر.

أحسن الله إليك.

"قال: والنهي عن السِّنِّ والظفر مطلقًا من آدمي أو غيره منفصل أو متصل ولو محددًا، وقد بيَّن- صلى الله عليه وسلم- وجه النَّهْي فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ»، فَالْعِلَّةُ كَوْنُهَا عَظْمًا، وَكَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ- صلى الله عليه وسلم- نهي عَن الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ، وَقَدْ عَلَّلَ النَّوَوِيُّ وَجْهَ النَّهْيِ عَنْ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ أَنَّهُ يُنَجَّسُ بِهِ، وَهُوَ طَعَام من الْجِنِّ.."

من طعام الجن.

"وهو من طعام الجن، فَيَكُونُ كَالِاسْتِجْمَارِ بِالْعَظْمِ. وَعَلَّلَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيَ عَنْ الذَّبْحِ بِالظُّفُرِ بِكَوْنِهِ مُدَى الْحَبَشَةِ أَيْ وَهُمْ كُفَّارٌ، وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَبَشَةَ تَذْبَحُ بِالسِّكِّينِ أَيْضًا، فَيَلْزَمُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِلتَّشَبُّهِ."

لا، الأمر المشترك بين الناس كلهم هذا لا يُلحظ فيه التشبه، الناس كلهم يشربون، وكلهم يأكلون، وكلهم يذبحون بالسكين، وكلهم فلا يكون في هذا تشبه إذا لم يستقلوا به، لكن الإشكال التعليل بكون الظفر مُدى الحبشة، يستعملونه بمثابة السكين الظفر.

 طيب شخص اشترى من عند باب المسجد سواكًا، واحتاج لإصلاحه، فيه سكين، ما معه سكين، بظفره هل نقول: لا يجوز؛ لأنَّه مُدى الحبشة؟

القارئ: لا؛ لأنَّه لا يُشترط له سكين، صدر السلاح بأي شكل من الأشكال.

حتى الذبح ما يُشترط له سكين، أي مُحدد.

القارئ: لا، لكن القصد في الذبح إنهار الدم، وهذا ما فيه دم.

المنع من إنهار الدم بالظفر؛ لأنَّها مُدى الحبشة، فهل يُمنع استعمال الظفر فيما تُستعمل فيه السكين؛ لأنَّه مُدى الحبشة؟

القارئ: لا.

تقول لا، انتظر، تأمل؛ لأنَّ الحديث كله مُشكل، الحديث كله إشكالات، يعني كونه يمر علينا ونمشيه هكذا، ليس بصحيح.

القارئ: جزاك الله خيرًا.

لأنَّه قال: «وأمَّا الظفر فمُدى الحبشة» مُدى الحبشة، اشتريت سواكًا، ويحتاج إلى إصلاح للاستعمال، الأصل أنَّه بسكين، لكن أنت ما معك إلا ظفرك، نقول: لا تستعمله؛ لأنَّ الظفر مُدى الحبشة؟

القارئ: لكن يا شيخ الله يسلمك...

طالب: .........

أحسن الله إليك يا شيخ....

مُدى يعني سكين الحبشة.

طالب: ........

يعني ما كل استعمالات السكين يُمنع فيه؛ لأنَّه استعمال للظفر مكان السكين، ما قال لأنَّها آلة الذبح عند الحبشة، قال: «لأنَّها مُدى الحبشة»، والمُدى تستعمل للذبح وغير الذبح.

طالب: ........

ماذا؟

طالب: السياق ما يدل سياق الحديث.

لا؛ لأنَّه مُدى الحبشة، والمُدى تستعمل في الذبح وغيره.

طالب: ..........

الآن العلة؛ لأنَّ الظفر هو مُدى الحبشة، سكين الحبشة، يستعملونه فيما يُستعمل فيه السكين في الذبح وغيره، ما قال: لأنَّه آلة ذبح الحبشة، قال: لأنَّه مُدى الحبشة، سكاكين الحبشة ظفور، والسكاكين تُستعمل للذبح وغيره، وكذلك الأظفار تُستعمل في الذبح وغيره، فهي مُشبِهة لها.

طالب: .........

يا إخوان لا يتخمر بالرأس شيء ثم نُعبِّر عنه، لا، خلونا نقطة نقطة في الحديث.

طالب: أحسن الله إليك، ......

هو قال: مُدى الحبشة للتشبه، استعملناه في تعبد أو غير تعبد هذا تشبه بهم، نُهينا عن استعمال مُدى الحبشة التي منها الظفر؛ لئلا نتشبه بهم، فكوننا نصلح السواك بالظفر استعمال لمُدى الحبشة.

طالب: ..........

لكن العبرة..

طالب: .........

لكن العبرة، العبرة بعموم اللفظ.

طالب: ..........

نعم، فيه جواب، الذي عنده جواب جزاكم الله خيرًا. الآن نُصلح السواك بالظفر أم لا؟

طالب: ..........

 مُدى الحبشة لا.

 كَمِّل. وأجيب.

القارئ: طيب يا شيخ، الآن قياسًا على مسألة السواك، مثلًا لو أردنا..

كل الاستعمالات، يُستعمل بالمُدى والسكاكين ما نستعمل الظفر.

القارئ: لكن لو ورد نهي يا شيخ عن لباس معين، نوع معين من اللباس، فلو جاء آخر واستخدمه مثلًا في تنظيف الأشياء هذا اللباس فهل نقول له: إنَّه ممنوع؛ لأنَّه نُهي.

نعم؛ لأنَّ العلة قال: مُدى، فجعل الظفر هو مُدى الحبشة، فمستعمل الظفر مستعمل لُمدى الحبشة في أي استعمال.

القارئ: هو مستعمل هذا اللباس المنهي عنه كذلك.

لا، ما استعمله فيما صُنع من أجله، وهو اللبس، وما نُهي من أجله وهو اللباس، لا لا، غير هذا.

طالب: ..........

نبحث عن جوابها، والمتخمر بالذهن ما فيه إشكال، لكن نريد مخرجًا عن الحديث.

أحسن الله إليك.

"وعلل في الحديث النهي عن الذبح بالظفر؛ لكونه مُدى الحبشة، أي وهم كفار وقد نُهيتم عن التشبه بهم، وأورد عليه بأنَّ الحبشة تذبح بالسكين أيضًا، فيلزم المنع من ذلك للتشبه. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْحَبَشَةِ، وَعَلَّلَ ابْنُ الصَّلَاحِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْذِيبِ لِلْحَيَوَانِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ إلَّا الْخَنْقُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى صِفَةِ الذَّبْحِ. وقال الْبَيْهَقِيِّ رِوَايَة عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ حَمَلَ الظُّفْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الطِّيبِ، وَهُوَ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ لَا يَفْرِي فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْخَنْقِ. وَإِلَى تَحْرِيمِ الذَّبْحِ بِمَا ذُكِرَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ الْمُنْفَصِلَيْنِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «أَفْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْت»، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ خَصَّصَهُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ أَيِّ حَيَوَانٍ صَبْرًا، وَهُوَ إمْسَاكُهُ حَيًّا ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يَمُوتَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ وَلَا حَرْبٍ وَلَا خَطَأٍ فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ الْحَبْسُ.

وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، شَدَّادٌ (بِالشِّينِ) الْمُعْجَمَةِ (وَدَالَيْنِ) مُهْمَلَتَيْنِ هُوَ أَبُو يَعْلَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ النَّجَّارِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا، نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّام، مَاتَ بِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ شَدَّادٌ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ.

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» بِكَسْرِ (الْقَافِ) مَصْدَرٌ نَوْعِيٌّ، «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ»، بِزِنَةِ الْقِتْلَةِ، «وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ."

الفعلة الهيئة، الفعلة الهيئة، والفَعلة المرة يعني هذا اسم هيئة، وهذا اسم مرة.

"قَوْلُهُ: «كَتَبَ الْإِحْسَانَ» أَيْ أَوْجَبَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [سورة النحل:90]، وَهُوَ فِعْلُ الْحَسَنِ ضِدِّ الْقَبِيحِ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَسَنَ شَرْعًا وَالْحَسَنَ عُرْفًا، وَذكَرَ مِنْهُ مَا هُوَ أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ اعْتِبَارِ الْإِحْسَانِ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ فِي الْقَتْلِ لِأَيِّ حَيَوَانٍ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ فِي حَدٍّ وَغَيْرِهِ. وَدَلَّ عَلَى نَفْيِ الْمُثْلَةِ مُكَافَأَةً إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [سورة البقرة:194]."

يعني في القصاص هناك المثلة، وهناك المماثلة، المُثلة أن يُمثَّل بالقتيل فتُجدع أطرافه، وأنفه، وأذنه، المقصود أنَّه يُمثَّل به. والمماثلة مثل ما فعل النبي- عليه الصلاة والسلام- بالعرنيين حينما فعلوا بالراعي ما فعلوا، ففعل بهم النبي- عليه الصلاة والسلام- مثلما فعلوا، هذه مماثلة، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [سورة النحل:126]، فالمماثلة غير المُثلة.

أحسن الله إليك.

"وَدَلَّ عَلَى نَفْيِ الْمُثْلَةِ مُكَافَأَةً إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [سورة البقرة:194]، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، وَأَبَانَ بَعْضَ كَيْفِيَّةِ إحْسَانِهَا، بِقَوْلِهِ: «وَلْيُحِدَّ» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ أَحَدَّ السِّكِّينَ إذا أَحْسَنَ حَدَّهَا، وَالشَّفْرَةُ بضم (الشين) الْمُعْجَمَةِ السِّكِّينُ الْعَظِيمَةُ وَمَا عَظُمَ مِنْ الْحَدِيدِ وَحُدِّدَ.

 وَقَوْلُهُ: «وَلْيُرِحْ» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ أَيْضًا مِنْ الْإِرَاحَةِ، وَيَكُونُ بِإِحْدَادِ السِّكِّينِ وَتَعْجِيلِ إمْرَارِهَا وَحُسْنِ الصنعة.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِأَسَانِيدِهِا كُلِّهَا، وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ لَا يَتَطَرَّقُ احْتِمَالٌ إلَى مَتْنِهِ، وَلَا ضَعْفٌ إلَى سَنَدِهِ، وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ يُعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُؤَيِّدُ الْعَمَلُ بِهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنِينَ إذَا.."

يعني هو بمجموعه وكثرة طرقه التي تدل على أنَّ له أصلًا يثبت القول به. وأمَّا مفرداته ففيها كلام، ويختلف العلماء بمضمونه، حكم مضمونه تبعًا لإعرابه، فالجمهور على أنَّ الإعراب ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه، يعني أنَّ ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه، يعني هي ذكاة أمه فلا يحتاج إلى ذكاة، إذا خرج من بطن أمه ميتًا فلا يحتاج إلى ذكاة، بل يؤكل؛ لأنَّه مات بذكاة أمه، والحنفية يقولون ذكاة الجنين ذكاة أمه يعني أنَّه يُذَكَّى كذكاة أمه، فلا تكفي تذكية أمه.

طالب: .........

إذا نزل حيًّا فلابد من ذكاته.

"وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنِينَ إذَا أُخْرِج مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَيِّتًا بَعْدَ ذَكَاتِهَا فَهُوَ حَلَالٌ مُذَكًّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يرو عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِاسْتِئْنَافِ الذَّكَاةِ فِيهِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَذَلِكَ لِصَرَاحَةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، فَفِي لَفْظٍ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (فَالْبَاءُ) سَبَبِيَّةٌ، أَيْ أَنَّ ذَكَاتَهُ حَصَلَتْ بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ لِيُوَافِقَ مَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا «ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ».

 وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْعَرَ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ»، لَكِنَّهُ قَالَ الْخَطِيبُ: تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَقد عُورِضَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ»، وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِسُوءِ حِفْظِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ»، رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَفْعُهُ عَنْهُ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.

 قُلْت: وَالْمَوْقُوفَانِ عَنْهُ قَدْ صَحَّا وَتَعَارَضَا فَيُطْرَحَانِ، وَيُرْجَعُ إلَى إطْلَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْجَنِينَ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَإِنَّهُ مَيْتَةٌ؛ لِعُمُومِ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [سورة المائدة:3]، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ إذَا خَرَجَ حَيًّا نحو ذَكَاة أُمِّهِ قَالَهُ الإمام المهدي فِي الْبَحْرِ.

قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إلْغَاءٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ الْإِفَادَةِ، فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَكَاةَ الْحَيِّ مِنْ الْأَنْعَامِ ذَكَاةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جَنِينٍ وَغَيْرِهِ، كَيْفَ وَرِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظِ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ»، فَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِرِوَايَةِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَفِي أُخْرَى: بِذَكَاةِ أُمِّهِ."

يعني على الاحتمالين الواردين في ضبط (ذكاة) الثانية فَهم الجمهور وهو أنَّ تذكية الأم تكفي لتذكية الجنين، وهو بهذا يؤسس حكمًا جديدًا، وعلى فهم الحنفية وهو أنَّ الجنين يُذَكَّى كذكاة أمه مثلها، لابد من تذكيته يكون الحدث مؤكدًا، وإذا احتمل النص التأسيس والتأكيد كان حمله على التأسيس أولى؛ لأنَّ حمله على التأكيد يلغيه، يجعله عديم الفائدة.

أحسن الله إليك.

"وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ»، الضَّمِيرُ لِلْمُسْلِمِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ حَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِيهِ: «فَإِنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تعالى»، «فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ رَاوٍ فِي حِفْظِهِ ضَعْفٌ."

على كل حال الحديث ضعيف، فلا يُلتفت إليه.

أحسن الله إليك.

"بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ»، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ،  وَفِي الْبَابِ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهَا لَا تُقَاوِمُ مَا سَلَفَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّهَا تَفُتُّ فِي عَضُدِ ظن وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا، وَتَجْعَلُ تَرْكَ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ التَّوَرُّعِ."

يعني لوجود المعارض، وإن كان المعارض ضعيفًا، فيبقى القول المرجح أنَّ التسمية شرط لحل الذبيحة.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله.