تعليق على تفسير سورة الأعراف من أضواء البيان (03)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة الأعراف من أضواء البيان (03)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير أضواء البيان
تاريخ النشر: 
خميس 22/ Dhu al-Qada/ 1440 8:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله تعالى-: "قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32].

أمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَسْأَلَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ: كَاللِّبَاسِ فِي الطَّوَافِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ: كَالْأَنْعَامِ، وَالْحَرْثِ الَّتِي حَرَّمَهَا الْكُفَّارُ، وَكَاللَّحْمِ وَالْوَدَكِ الَّذِي حَرَّمَهُ بَعْضُ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْحَجِّ.

وَصَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ -جَلَّ وَعَلَا- كَقَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل:116]".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فليس من تحريم الزينة ولا تحريم الطيبات من الرزق ما يسلكه بعد الزهاد الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، فيلبسون الخشن من الثياب، والرث منها، ويأكلون الخشن من الطعام، ولا يتنعمون؛ إيثارًا للآخرة وعدم استرسال في أمور الدنيا وزينتها؛ لأنهم لا يحرمونها، ولا يقولون: إنه حرام، ولا يؤثِّمون من يفعله، وإنما هو ارتكابٌ لعزيمةٍ رأوا أنها هي الأحوط لهم، فليس من هذا الباب أن يُرى شخص متنسِّك عابد يُقال: هذا يُحرِّم الزينة، هذا لا يُحرِّم الزينة.

بعض الناس أمضى وقتًا من عمره لا يركب السيارة، هل يدخل هذا فيمن يُحرِّم الزينة؟ هو ما حرَّمها، لكن يرى أنه يعيش بدونها ولا يُريد أن يترفه ويتنعَّم.

في سورة {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر:1] في قوله –جلَّ وعلا-: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] لو نظرنا في سبب نزولها وما قاله النبي –عليه الصلاة والسلام- فيها في الماء البارد، والتيس الحنيذ، وما أشبه ذلك.

طالب: ..........

 فهذا ليس بتحريم إنما هو خشية الاسترسال في هذا النعيم الذي يجر إلى المحرَّم؛ لأن بعض الناس ما يملك نفسه إذا استرسل، فلا يُلام من فعل هذا، ولا يُظن به أنه يُحرِّم ما أحل الله، ويُحرِّم الطيبات والزينة لا يُظَن به هذا، وإن سخر به من سخر واستدلوا بالآية عليه، هذا شيء وذاك شيء، الكلام فيمن يقول: يأثم من يفعل كذا، ويُحرِّم ما أحل الله، فهذا هو المفتري على الله –جلَّ وعلا- الذي يُحرِّم ما أحل الله، وكذلك من يُحل ما حرَّم الله.

طالب: ...........

نعم.

طالب: ..........

القدوة أفضل من أن يقتصر الناس من أمور الدنيا على ما أباح الله لهم، لكن في ظرفٍ يغلب على الظن أن هؤلاء لا يفهمون ولا يفقهون ماذا يُريد هذا العالم، يُريهم أحيانًا، ما يُخالف، كما كان النبي –عليه الصلاة والسلام- يفعل ما يفعل؛ لبيان الجواز.

طالب: ...........

يتنعمون إلى أي حد؟

طالب: ...........

إلى الحد الذي نراه الآن؟

طالب: ...........

أولًا: ليس عندهم من القدر ما يتنعمون به، خرج الرسول –عليه الصلاة والسلام- وقد ربط الحجر على بطنه، فوجد أبا بكر كذلك، ووجد عمر كذلك، وأبو هريرة ملقىً في الأرض ينتظر من يُمده بتمرة.

طالب: ...........

لا، في إطار المباح ما أحد يلوم، لكن الذي يُلام من يُثرِّب على من أراد ارتكاب العزيمة، وقصَّر على نفسه بعض التقصير خشية أن يسترسل في المباح، فلا يملك نفسه عن الحرام، هذه طريقتهم، ويقولون: تركنا تسعة أعشار الحلال؛ خشية أن نقع في الحرام؛ لأنك تعرف أن النفس ما لها نهاية، ليس لها نهاية، والدنيا لما فُتِحت ما استطاع الناس أن يكفوا عن الحرام فضلًا عن المكروه والشُّبهات، بل توغلوا في المحرمات، ووقعوا فيما يُخل بالدين وتنازلوا عنه، وتنازلوا عن الأعراض لما فُتِحت الدنيا، ولما أكلوا الجيف ما تنازلوا لا عن عِرض ولا دين، فالمسألة تحتاج إلى توازن.

التحريم لا يُحرَّم إلا بدليل {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]، والذي يُريد أن يتورع، ويُريد أن يحتاط لنفسه، ولا يقع في محظور بسبب استرساله في المباح هذا ما يُلام «التَّقْوَى هَاهُنا».

طالب: ...........

والظاهر ما له قيمة أبدًا، ليس له قيمة ولا يُنظَر إليه؟

الظاهر عنوان الباطن، أما إنك لو اتقيت الله -يقوله عمر-: ما شربت المسكِر، قدامة بن عثمان بن مظعون لما شرِب المُسكِر، واستدل بالآية {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [المائدة:93] أن الرسول يقول: «التَّقْوَى هَاهُنا».

 طيب أنت لو اتقيت الله ما شربت، أين التقوى التي تزعم؟ ما فيه تقوى أصلًا إذا وجِدت المعصية.

طالب: ...........

هذا منهج، وهذا منهج، هذا يخشى على نفسه، وهذا آمنٌ من نفسه، ويرى أنه قدوة يقتدي به الناس، وهذا يخشى على نفسه.

طالب: ...........

الناس منازل، من أراد واستطاع أن يرتكب العزيمة يرتكب عزيمة، ومن لم يستطع أن يرتكب العزيمة، ويخشى من آثار العزيمة فله أن يترخَّص، ما فيه أحد يمنعه، لكن تُشَن حروب... كتاب أُلِّف عن التصوف في نجد وجزيرة العرب وضعوا على صورة الغلاف شيخًا من شيوخنا، من أزهد الناس وأورعهم، وأعلمهم وأجملهم لباسًا، أنا أعرفه، هل هذا التصوف؟

"وَصَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ -جَلَّ وَعَلَا- كَقَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل:116]".

وهؤلاء الذين يُفتون بغير علم، يفترون على الله، يدخلون في قوله –جلَّ وعلا-: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر:60]، إذا ضممنا هذه الآية إلى قوله –جلَّ وعلا-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل:116] الكذب؛ لأن الذي يُفتي بغير علمٍ يكذب على الله، يفتري عليه.

"وَقَوْلِهِ: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام:140]، وَقَوْلِهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59]، وَطَلَبُهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ طَلَب إِعْجَازٍ أَنْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا، وَنَهَى نَبِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنْ شَهِدَ لَهُمْ شُهُودُ زُورٍ أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام:150] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف:38].

لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا السَّبَبَ الَّذِي مَكَّنَهُمْ مِنْ إِضْلَالِهِمْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مَكَّنَهُمْ مِنْ ذَلِكَ هُوَ كَوْنُهُمْ سَادَتَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَتْبَاعَ يُطِيعُونَ السَّادَةَ الْكُبَرَاءَ فِيمَا يَأْمُرُونَهُمْ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} [الأحزاب:67-68] الْآيَةَ، وَبَسَطَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ (سَبَأٍ) بِقَوْلِهِ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} [سبأ:31-33]".

هؤلاء الأتباع الذين تبعوا كبراءهم وسادتهم في معصية الله –جلَّ وعلا-؛ لغلبة الجهل عليهم، هل عُذِروا بهذا الجهل هل عُذِروا؟

لم يُعذَروا {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} [الأحزاب:68]؛ لأنهم عُذِّبوا بسببهم، فدعوا عليهم، فلم يُعذر الأتباع؛ لأنهم اقتدوا بأمرائهم وكبرائهم وقدواتهم.

وهذا حاصل في كثيرٍ من الأقطار تجده يتبع الذي يراه كبيرًا حتى على الشرك من غُلاة المبتدعة، والذين يتساهلون في أمور القبور ويطوفون بها، يقولون: منذ أن نشأنا، ومنذ أن عرفنا أنفسنا وشيوخنا هؤلاء يطوفون بها ويتقربون إليها، ويتوسلون بها، ونحن تبعٌ لهم ولو كان غيره خيرًا لسبقونا إليه، وتقول لهم: العالم الفلاني -إذا كنت تقتدي بفلان- فالعالم الفلاني المتمسك بالكتاب والسُّنَّة يرى أو يقول، واسمع وانظر قوله؛ لأن النص عند الأتباع في الغالب لا يؤثِّر مثل تأثير المتبوعين، تأتي له بالنص قال: لو كان معناه هكذا ما خالفه فلان من علمائنا وكبرائنا، تقول له: الشيخ الفلاني، يقول: هذا قدوة عندك كما أن هذا قدوة عندي، فيضيعون بسبب هذا التعصب.

وهذا موجود عند بعض متعصبة المذاهب في المذاهب الفرعية، تقول له: هذا الحديث في صحيح البخاري، يقول: لو كان صحيحًا ما خفي على فلان، ما خفي على أحمد، ما خفي على مالك، على الشافعي، هم أعرف منَّا، ثم إذا كررت عليه قال: ولو، وهذا آخر جوابه.

العبرة بالدليل قد يكون العامي ليست لديه أهلية النظر، ويتهم نفسه بأن فيه دليلًا يُعارض هذا وهو لا يعرفه، لكن يتأوَّل، ويجزم بأن النص هو الحَكم.

تجد بعض الحنابلة مثلًا يتبع قول الإمام والحديث في الصحيح، الإمام ما هو بمُلزم بالصحيح؛ لأنه إمام مثل البخاري، في قدر البخاري أو أعلى من البخاري، لكن إذا كان قول الإمام في مقابل قول البخاري المنقول عنه فيما ينقله الترمذي وغيره فهو إمام مثله، لا يلزمك أن تُقلِّد البخاري وتترك أحمد في شيءٍ لم يُدوَّن في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول.

أحيانًا يكون عند المتمذهِب سبب في تركه ما في البخاري واتباع قول أحمد أو غير أحمد، فمثلًا الحنابلة ليس عندهم في مواضع الرفع إلا ثلاثة: عند الكوع، والرفع منه، وتكبيرة الإحرام.

عند القيام من الركعتين ما هو عندهم، لماذا، وهو في البخاري؟ تقول له: في البخاري، قال: نعم، عند البخاري، لكن البخاري يُصححه مرفوعًا، وأحمد يُصححه موقوفًا، أحمد يُصحح الحديث موقوفًا، ولا يُصححه مرفوعًا، فلا يلزم أحمد أن يعمل به؛ لأن هذا ما أداه إليه اجتهاده، لكن أنت يا طالب العلم وأنت ترى هذا الكتاب تلقته الأمة بالقبول، وحلف كثيرٌ من كبار الفقهاء أنه لو حلف رجلٌ بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح ما حنث، في مثل هذه الحالة حينما يكون مُدوَّنًا في الصحيح فما يُعارض بقول أحمد ولا غيره؛ لأن البخاري تلقته الأمة بالقبول، لكن لو كان القول برفع اليدين مما ذكره الترمذي أو غيره عن البخاري وازنَّا، أئمة بعضهم نِد لبعض، ورجَّحنا بين أقوالهم، لكن ما جاء في الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول هذا له شأنٌ آخر.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف:38].

بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْآيَاتِ: أَنَّ الْأَتْبَاعَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُضَاعِفَ الْعَذَابَ لِلْمَتْبُوعِينَ، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: أَنَّ مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ لِلْمَتْبُوعِينَ لَا تَنْفَعُ الْأَتْبَاعَ، وَلَا تُخَفِّفُ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، كَقَوْلِهِ: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف:39]، وَقَوْلِهِ هُنَا: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف:38] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف:39]، وَقَوْلِهِ: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر:48] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [الأعراف:43].

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- يَنْزِعُ مَا فِي صُدُورِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارَ فِي الْجَنَّةِ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ نَزْعَ الْغِلِّ مِنْ صُدُورِهِمْ يَقَعُ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ آمِنِينَ مِنَ النَّصَبِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي (الْحِجْرِ): {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر:47-48]".

طالب: ..........

نزع الغل لا شك أنه مُعلل بكونهم إخوانًا ما فيه فرق، إذا نُزِع الغِل وعلى سُررٍ متقابلين، فإذا ذهب ما في صدورهم من غِل تمت لهم السعادة؛ لأن الغِل هو الذي يُكدِّر الحياة، فإذا نُزِع صاروا إخوانًا متحابين متآلفين.

طالب: ...........

هو إذا نُزِع الغِل انتهى كل مُشكِل، وكونهم إخوانًا، من مقتضى نزع الغِل أن يكونوا إخوانًا، وكونه يُصرَّح به في موضع دون موضع يُستحضَر ذلك الموضع كما هي طريقة الشيخ.

طالب: ...........

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [الأعراف:43]، والثانية آية الحِجر: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47].

طالب: ...........

لكن هل فيه تعارض؟

طالب: ...........

لا، بعد الحساب والفراغ منه خلاص ينتهي كل شيء، وينتهون إلى الجنة على سُررٍ متقابلين، وغير ذلك من النعيم الذي ذكره الله- جلَّ وعلا-.

طالب: ...........

الغِل درجات، أصل الغِل والحقد موجود، لكن كون الإنسان يُجاهد نفسه؛ لإزالة هذا الغِل وزرع المودة والمحبة بينه وبين إخوانه المسلمين هذا نوع من الجهاد، ويؤجَر عليه.

واحد من عامة الناس يقول: الحديث الذي مُفاده عنده يقول: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» قال: هذا ليس بصحيح، والحديث في الصحيح في البخاري، يقول: ليس بصحيح؛ لأنه لا يتصور هذه المرتبة لا يتصورها، ولا يظنها تقع بين البشر، وفي صور يقول: مستحيل أنك تحب لأخيك الشيء الذي لا يُوجد منه إلا واحد في الدنيا، أنت رأيت امرأة جميلة أردت أن تخطبها، فهل تتمنى أن الناس كلهم يخطبونها؟! يخطبون مثلها، ويتيسر أمرهم ولا... ليست المسألة بهذا الحساب، هو ما يفهم، لكن رأى أن هذا لا يُمكن أن يقع، ونُقنِع ونتكلم.

والمقصود من المسألة.. يعني أنت لك زميل أو زملاء يُنافسونك في الدراسة، هل تتمنى أن كلهم مثلك في الدرجات؟ هذا مما أورده ذلك الشخص، والله –جلَّ وعلا- يقول: {وَسَارِعُوا} [آل عمران:133]، ويقول: {سَابِقُوا} [الحديد:21]، يعني معناه أنكم تصيرون في درجةٍ واحدة؟ تصلون جميعًا وتسارعون جميعًا؟

إيراد إشكالات في أمور...

طالب: ...........

لا لا، هذا حث من الشرع على نزع الغِل وتمني الخير لإخوانك المسلمين كما تتمناه لنفسك بغض النظر عن مفرداته وتفاصيله.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} [الأعراف:46] الآية.

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ حِجَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذَا الْحِجَابَ هُنَا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ بِقَوْلِهِ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13] الْآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف:46].

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ، يَعْرِفُونَ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ بِسِيمَاهُمْ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا سِيمَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَا أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ لِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:106] الآية".

طالب: ...........

ما أدري والله.

طالب: ...........

ابحث، التفاصيل يعني تجد القرطبي مثلًا في (التذكرة) يُبين هذه الأمور ويُفصِّل فيها تفاصيل قد لا تخطر على البال، فيُراجع.

طالب: ...........

بعد دخلوهم على كلامه بعد، إن أهل الجنة على جهة، وأهل النار على جهة، وبينهما حجاب.

طالب: ...........

تُراجع المسألة.

"فَبَيَاضُ الْوُجُوهِ وَحُسْنُهَا سِيمَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَوَادُهَا وَقُبْحُهَا وَزُرْقَةُ الْعُيُونِ سِيمَا أَهْلِ النَّارِ، كَمَا قَالَ أَيْضًا فِي سِيمَا أَهْلِ الْجَنَّةِ: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين:24]، وَقَالَ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة:22] الْآيَةَ، وَقَالَ فِي سِيمَا أَهْلِ النَّارِ: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} [يونس:27] الْآيَةَ، وَقَالَ: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} [عبس:40] الْآيَةَ، وَقَالَ: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102].

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف:48].

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ قَالُوا لِرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ: يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ، وَلَا كَثْرَةُ جَمَاعَتِكُمْ وَأَنْصَارِكُمْ، وَلَا اسْتِكْبَارُكُمْ فِي الدُّنْيَا".

أولًا: أهل الأعراف مختلفٌ فيهم بين أهل العلم، والجمهور على أنهم أُناسٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا يستحقون دخول الجنة؛ لقصور الحسنات، ولا يستحقون دخول النار؛ لعدم استيجابها بالسيئات، فهم على الأعراف، بين هؤلاء وهؤلاء، إذا صُرِفت أبصارهم لهؤلاء قالوا، وإذا صُرِفت أبصارهم... ثم بعد ذلك مآلهم إلى الجنة؛ لأنهم لا يستحقون النار بموازنة الحسنات والسيئات.

ومنهم من يقول: ليسوا ممن استوت حسناتهم وسيئاتهم، وإنهم قومٌ ذوو مرتبةٍ رفيعة يُستشهَدون على الناس ويشهدون لهم.

على كل حال كلام الجمهور واضح، وليس فيه نصٌّ صريح في مرادهم، الغريب أن الشيخ ما تكلم عنهم.

طالب: ...........

في سورة الأعراف، أو القرطبي؛ لأن القرطبي له عناية في أمور الآخرة، وصنَّف فيها، وأطال فيها.

طالب: ...........

{بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13].

طالب: ...........

لا، هم معهم نور في أول الأمر، معهم نور، ثم إذا تجاوزوه أُطفئ النور.

طالب: ...........

أين؟

طالب: ...........

لا، عندك المنافقون يبدؤون بالصراط، والصراط الذي يعبره أصناف، بعضهم في سرعته كالريح، وبعضهم كذا وكذا، وآخر مُكردسٌ في نار جهنم، مما يدل على أنهم يُباشرون، ثم يقعون.

طالب: ...........

ما أعرف أن هذا قيل، لا أعرف أن هذا قيل {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف:46].

طالب: ...........

ماذا؟

طالب: ...........

لا، القرطبي.

طالب: ...........

الآن نحن نكتفي.

طالب: ...........

ما عندك تفسير لأهل الأعراف؟

قال الإمام القرطبي –رحمه الله تعالى-: "{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} [الأعراف:46] أي: بين النار والجنة -لأنه جرى ذكرهما- حاجزٌ، وهو السور الذي ذكره الله في قوله:" {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد:13].

{وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف:46] أي: على أعراف السور، وهي شرفه، ومنه عُرف الفرس وعُرف الديك.

روى عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباسٍ أنه قال: الأعراف الشيء المشرف.

وروى مجاهد عن ابن عباسٍ أنه قال: الأعراف سورٌ له عُرف كعرف الديك.

والأعراف في اللغة: المكان المشرف، جمع عُرف، قال يحيى بن آدم: سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثنا إسرائيل عن جابرٍ، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ قال: الأعراف سورٌ له عرفٌ كعرف الديك، فقال: نعم والله.

واحده يعني: وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس، فكتبه، وهذا الكلام خرج مخرج المدح، كما قال فيه: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]

وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال:

فقال عبد الله بن مسعودٍ، وحذيفة بن اليمان، وابن عباسٍ والشعبي، والضحاك، وابن جبير: هم قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم.

قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان -في آخر الجزء الخامس عشر- حديثٌ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابةٍ دخل النار»".

ما الصؤاب؟

صغار القمل.

طالب: بيضة القمل.

بيض القمل.

طالب: ...........

الصؤاب: الصيبان.

"قيل: يا رسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف» {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف:46].

 وقال مجاهد: هم قومٌ صالحون فقهاء علماء، وقيل: هم الشهداء، ذكره المهدوي، وقال القشيري: وقيل: هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس، فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يُردوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شيء، وخلاف المعلوم مقدور، فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها.

وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عُصاة لآبائهم.

وذكر الطبري في ذلك حديثًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم".

يعني عصى أباه وخرج إلى الجهاد، فهذا عنده حسنة وسيئة، يُريده من هذا النوع أن هذا الحسنة حسنة الجهاد مع الشهادة تُعادل –على كلامه- تُعادل سيئة عصيان الوالدين والخروج بغير إذنهم، مع أن الحديث الصحيح «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قال: نعم، قال: «فَفِيهما فَجَاهِدْ»، لكن مسألة المعادلة الله أعلم، الله يعفو ويسامح.

"وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباسٍ في قوله –عزَّ وجلَّ-: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف:46] قال: الأعراف موضعٌ عالٍ على الصراط، عليه العباس، وحمزة، وعلي بن أبي طالب، وجعفر ذو الجناحين -رضي الله عنهم- يعرفون مُحبيهم ببياض الوجوه، ومُبغضيهم بسواد الوجوه.

وحكى الزهراوي أنهم: عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة، واختار هذا القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه، فهُم على السور بين الجنة والنار.

وقال الزجاج: هم قومٌ أنبياء، وقيل: هم قومٌ كانت لهم صغائر لم تكفَّر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا، وليست لهم كبائر فيُحبسون عن الجنة؛ لينالهم بذلك غم، فيقع في مقابلة صغائرهم، وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون.

وقيل: هم أولاد الزنى، ذكره القشيري عن ابن عباس.

وقيل: هم ملائكةٌ موكَّلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، ذكره أبو مجلز، فقيل له: لا يُقال للملائكة: رجال، فقال: إنهم ذكورٌ، وليسوا بإناث".

ما اسم أبي مجلز؟

طالب: ...........

لا، قيل، قيل.

طالب: ...........

نعم.

"فقيل له: لا يُقال للملائكة: رجال، فقال: إنهم ذكورٌ وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم، كما أُوقِع على الجن في قوله: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} [الجن:6]، فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم، والكفار بعلاماتهم، فيُبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد، فيطمعون فيها، وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب.

قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالًا من أهل الجنة يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وُصِف من الاعتبار في الفريقين.

{يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف:46] أي: بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحُسنها في أهل الجنة، وسوادها وقُبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء.

قلت: فوقف عن التعيين؛ لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم".

كلام ابن عطية أن هذا ما تدل عليه الآية، وما جاء من قدرٍ زائد على ذلك في أقوال أهل العلم لا تدل عليه الآية ولا تنفيه.

"ثم قيل: الأعراف جمع عُرف وهو كل عالٍ مرتفع؛ لأنه بظهوره أعرف من المنخفض.

قال ابن عباس: الأعراف شُرف الصراط.

وقيل: هو جبل أُحد يوضع هناك، قال ابن عطية: وذكر الزهراوي حديثًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ، هُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وذكر حديثًا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أُحدًا على ركنٍ من أركان الجنة».

 قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإنه لعَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ»".

هو أول الحديث محفوظ أول الحديث «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، وفي روايةٍ: «اثْبُتْ أُحُدُ» هذه الأحاديث في الصحيح أما بقيته فيحتاج إلى مراجعة، ابن عبد البر أورده.

طالب: ...........

ارجع إلى كتابه.

طالب: ...........

هو يُطلق من باب إطلاق الأكمل ولو لم يرد به نص، كما اختار عامة أهل العلم أن الملائكة عقلاء ما ورد نص ينص على أنهم كذا؛ لكن لأن العقلاء في مقابل المجانين، ولا يُتصوَّر أن هؤلاء الملائكة الذين يُديرون هذه الأمور بأمر الله –جلَّ وعلا- غير عقلاء؛ ولذلك رد العلماء على محمد حامد الفقي الذي قرر أن الملائكة غير عقلاء؛ لأنه ما ورد وصفهم بالعقل، فيه كتاب (تنبيه النبلاء في الرد على محمد حامد الفقي في قوله: إن الملائكة غير عقلاء) رسالة أربعون أو خمسون صفحة.

طالب: ...........

مذهب الجمهور على أن الأكمل إذا كان يُقابله ضده، فكما قيل في كل كمالٍ: فالله أولى به، والكمال البشري النبي أولى به، كما قيل في مسألة... ما المسألة التي كنا نُقررها؟

هي مسألة الحسر عن الفخذ، واستقبال القبلة بالبول والغائط، قالوا: هذا خاص بالنبي –عليه الصلاة والسلام-، فقلنا: إن هذه صفة كمال لائقة بالنبي –عليه الصلاة والسلام-، فلا يكون غيره أفضل منه فيها.

طالب: ...........

معروف، هذا منصوص في القرآن.

طالب: ...........

بيض القمل نعم، وهو مُستعمل إلى الآن صيبان.

طالب: ...........

الزهراوي من المفسرين، من مفسري الأندلس، ينقل عنه ابن عطية وغيره.  

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف:48].

ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ قَالُوا لِرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ: يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ، وَلَا كَثْرَةُ جَمَاعَتِكُمْ وَأَنْصَارِكُمْ، وَلَا اسْتِكْبَارُكُمْ فِي الدُّنْيَا.

وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَجْهَ ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُحْشَرُ فَرْدًا، لَا مَالَ مَعَهُ، وَلَا نَاصِرَ، وَلَا خَادِمَ، وَلَا خَوَلَ، وَأَنَّ اسْتِكْبَارَهُ فِي الدُّنْيَا يُجْزَى بِهِ عَذَابَ الْهَوْنِ فِي الْآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94]، وَقَوْلِهِ: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم:80]، وَقَوْلِهِ: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:95]، وَقَوْلِهِ: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأحقاف:20] الْآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف:53].

بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَ، إِذَا عَايَنُوا الْحَقِيقَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ الرُّسُلَ جَاءَتْ بِالْحَقِّ، وَيَتَمَنَّوْنَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ شُفَعَاءُ فَيُنْقِذُوهُمْ، أَوْ يُرَدُّوا إِلَى الدُّنْيَا لِيُصَدِّقُوا الرُّسُلَ، وَيَعْمَلُوا بِمَا يُرْضِي اللَّهَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَلْ يَشْفَعُ لَهُمْ أَحَدٌ؟ وَهَلْ يُرَدُّونَ؟ وَمَاذَا يَفْعَلُونَ لَوْ رُدُّوا؟ وَهَلِ اعْتِرَافُهُمْ ذَلِكَ بِصِدْقِ الرُّسُلِ يَنْفَعُهُمْ؟ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.

 فَبَيَّنَ: أَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُ لَهُمْ أَحَدٌ بُقُولِهِ: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء:100]، وَقَوْلِهِ: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48]، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] مَعَ قَوْلِهِ: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7]، وَقَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:96]".

{الْفَاسِقِينَ} [التوبة:96] المراد بهم: الكفار؛ لأن الفسق فيما دون الكفر تنفع فيه شفاعة الشافع، لكن بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.

"وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:12-13].

فَقَوْلُهُ: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [السجدة:13] الْآيَةَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ وَجَبَتْ لَهُمْ، فَلَا يُرَدُّونَ، وَلَا يُعْذَرُونَ، وَقَوْلُهُ: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37].

فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ قَطَعَ عُذْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ بِالْإِمْهَالِ مُدَّةً يَتَذَكَّرُونَ فِيهَا، وَإِنْذَارِ الرُّسُلِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ رَدِّهِمْ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم:44]، جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ: {أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} [إبراهيم:44]، وَقَوْلِهِ: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا} [غافر:12]، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ: {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر:11]، وَقَوْلِهِ: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:45] الْآيَةَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:44]، وَقَوْلِهِ هُنَا {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأعراف:53] الْآيَةَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ} [الأعراف:53] الْآيَةَ.

فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرَّدِّ إِلَى الدُّنْيَا، وَعَلَى وُجُوبِ الْعَذَابِ، وَأَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْهُ".

وقد نفى الله –جلَّ وعلا- عنهم أنهم يتمنون الموت {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة:95] مقرون بالتأبيد، ثم لما عاينوا العذاب تمنوه وقالوا: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77] وهذا مما يستدل به أهل العلم أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد ولو قُرِنت، هذه في الآية مقرونة بالتأبيد لا تقتضي النفي المؤبد.

وَمَنْ رَأى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدًا


 

فَقَوْلَهُ انبِذ وَسِواهُ فاعضُدا


مدرس كان يُدرِّس في جامعة، وكأنه يميل إلى قول المعتزلة أنهم يرون النفي المؤبد، فقال: ما تقولون في قوله –جلَّ وعلا-: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج:73] سيأتي يوم يخلقون فيه ذبابًا؟ {وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج:73]، كما أنها لا تقتضي النفي المؤبد كذلك لا تنفيه، قد يوجد النفي المؤبد، وتدل عليه (لن)، والأصل أنها لا تنفي، فهم لن يخلقوا ذبابًا، كما قال الله –جلَّ وعلا-، لكن لو أراد الله –جلَّ وعلا- ولو نُفي بـــ(لن) وأُبِّد وأراد الله إيجاده لوجِد؛ لأنها لا تقتضيه، كما أنها لا تنفيه.

المعتزلة في قوله –جلَّ وعلا-: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:143] قالوا: نفي الرؤية مؤبَّد في الدنيا والآخرة بدلالة (لن)، وقالوا: إن (لن) تقتضي التأبيد، ومنهم الزمخشري.

ردّ عليهم أهل العلم بأن الله -جلَّ وعلا- قال عن أهل النار: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة:95] ثم قال عنهم بعد ذلك أنهم يقولون: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77] يتمنونه، والله المستعان.

طالب: ...........

هو الخلق، نجزم بأن النفي في الآية مؤبَّد، وهذا دليلٌ على أنها قد ترد للنفي المؤبد، لكنها لا تنفيه، لا تقتضيه.

"وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا إِلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام:28] الْآيَةَ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْمَعْدُومَ الْمُمْكِنَ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ كَيْفَ يَكُونُ لَوْ وُجِدَ، فَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى، وَيَعْلَمُ هَذَا الرَّدَّ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]".

حتى ولو على هذا أن المعدوم هل هو شيء أو ليس بشيء؟ إن كان شيئًا في حقيقته يُمكن الإخبار عنه، وإن لم يكن بشيء فالإخبار عنه غير ممكن، وفرقٌ بين المعدوم بالنسبة للمخلوق في حد علمه، وبالنسبة لعلم الله –جلَّ وعلا- الذي أحاط بكل شيء.

طالب: ...........

ممكن في قدرة الله –جلَّ وعلا-، وأما المعدوم المستحيل هذا الذي ليس بشيء، ولا يُمكن أن يُخبَر عنه.

طالب: ...........

يُقال: أجاب عنه العلماء وقالوا: إنه في قرارة نفسه أنه لو عُمِّر أبد الآباد لاستمر على كفره.

"وَيَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَخَلِّفِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لَا يَحْضُرُونَهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ثَبَّطَهُمْ عَنْهَا لِحِكْمَةٍ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة:46] الْآيَةَ، وَهُوَ يَعْلَمُ هَذَا الْخُرُوجَ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة:47] الْآيَةَ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ اعْتِرَافَهُمْ هَذَا بِقَوْلِهِمْ: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:53] لَا يَنْفَعُهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:11]، وَقَوْلِهِ: {قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر:71]، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ".

الكلام على الصفات عند الشيخ طوَّل فيه كثيرًا.

طالب: ...........

لكن {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس:3] تبع {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ} [يونس:3].

طالب: ...........

نعم.

طالب: ..........

 لكنها جزء من الآية، بداية الآية {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ} [يونس:3].

طالب: ...........

كله خمسة أسطر أو أربعة أسطر.