التعليق على تفسير القرطبي - سورة محمد (03)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى–:

قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (22) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24)}.

 فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ:

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ}، اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى " إِنْ تَوَلَّيْتُمْ"، فَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوِلَايَةِ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِأَخْذِ الرِّشَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَمْرَ الْأُمَّةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ. وَقَالَ كَعْبٌ: الْمَعْنَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمُ الْأَمْرَ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ الْحَرَامِ. وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

 فما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من معاني التولي: إنه من الولاية أو من الإعراض من الولاية يعني توليتم الحكم بين الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم وقطيعة الأرحام وغير ذلك مما ينتج عنه التسلط والتولي بغير حق أو من الإعراض عن الدين الذي يعرض عن الدين يحصل منه ما يحصل من هذه الأمور يقول: وقال ابن جريج: المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة، ثم قال بعد ذلك وقيل: من الإعراض على الشيء، قول ابن جريج داخل في القول الثاني، فالمفروض أن يساق بعده، نعم.

" وَقِيلَ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} أَيْ فَلَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَهُ أَنْ تُفْسِدُوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرئ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْفًى." وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ، وَفِيهِ بُعْدٌ."

لأن الحرورية والخوارج لم يكونوا وجدوا وقت التنزيل.

"وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ ابْنُ حَيَّانَ: قُرَيْشٌ. وَنَحْوَهُ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْفَرَّاءُ، قَالَا: نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي هَاشِمٍ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}" ثُمَّ قَالَ: «هُمْ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِنْ وَلُوا النَّاسَ أَلَّا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا يَقْطَعُوا أَرْحَامَهُمْ»، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ."

يعني نزلت في الدولتين اللتين بعد الخلافة الراشدة في بني أمية وبني هاشم بني العباس، وهذا على سبيل التنزل إن صح، أو اتجه أنه إخبار عن مغيب سيأتي، ولا يبعد أن يراد هذا باعتبار أن الله جل وعلا مطلع على ما سيأتي، ومحذر عما سيأتي في المستقبل.

 "{إِنْ تُوُلِّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَرَوَاهَا رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ. يَقُولُ: إِنْ وَلِيَتْكُمْ وُلَاةٌ جَائِرَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَحَارَبْتُمُوهُمْ"

خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم يعني حاربتموهم حرب، خرجتم معهم في الفتنة وحاربتم معهم وهذا مقتضى السياق؛ لأنه الذي يخرج مع من يثور في الفتنة، ويخوض فيها ما خرج معه إلا لينصره وإلا يكون خروجه مع غيره، إذا أرد أن يحاربه كان خروجه مع غيره، أما إذا كان خروجه معه فيحارب معه، لا يحاربه، قال: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم، يعني حاربتموهم يعني حاربتم الطائفة الثانية معه.

طالب: هل يا شيخ ... تنزيل على فعل الخوارج؟

هو فعل الخوارج ينطوي تحت هذا، لكن هل الآية نزلت فيهم بسببهم هذا الذي يمكن أن يقال، وإلا فدخول الخوارج في مثل هذا دخول أولي؛ لأنهم أفسدوا في الأرض وقطعوا الأرحام.

طالب: هل يقال المعنى ثم خرجتم معهم ثم خرجتم عليهم .....

لا، خرجتم معهم في الفتنة.

طالب: ...هل يقال ..ثم حاربتم..

يعني حاربتم بعد لك.

طالب:  خرج ......

كيف خرجوا معهم في الفتنة؟ خرجوا مع ولاة الجور في الفتنة، ثم حاربوهم، يعني هم في الأول على الجادة، خرجوا مع ولاة الجور؛ لأنهم مأمورون بالجهاد معهم على من بغى عليهم، ثم بعد ذلك حاربتموهم يعني صرتم مع الطائفة التي بغت عليهم؟ على كل حال الواو لا تقتضي هذا.

طالب:......

قال: إن تُوليتم..

طالب:......

كيف؟

طالب: المحقق .....قراءة على قراءة عشرية..

أن يقول قراءة على قراءة عشرية.

طالب: يقول: قراءة على قراءة العشرية..

ما تجيء، لا، ما تجيء إن أراد أن يقول: قراءة علي قراءة عشرية استقام الكلام.

"{وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ} بِالْبَغْيِ وَالظُّلْمِ وَالْقَتْلِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَسَلَّامٌ وَعِيسَى وَأَبُو حَاتِمٍ: " وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، مِنَ الْقَطْعِ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ}".

ويكون التشديد حينئذ للتكثير، تضعيف الحرف يكون للتكثير، وعلى رواية التخفيف أنه يحصل القطع ولو بمرة.

" وَرَوَى هَذِهِ الْقِرَاءَةَ هَارُونُ عَنْ أَبَى عَمْرٍو. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: " وَتَقَطّعُوا" مَفْتُوحَةَ الْحُرُوفِ مُشَدَّدَةً، اعْتِبَارًا بقوله تعالى: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [الأنبياء: 93]. والْبَاقُونَ: " وَتُقَطِّعُوا" بِضَمِّ التَّاءِ مُشَدَّدَةَ الطَّاءِ، مِنَ التَّقْطِيعِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ. وتقدم ذكر" عَسَيْتُمْ" [البقرة: 246] فِي (الْبَقَرَةِ). وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ: لَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ" عَسِيَ" بِالْكَسْرِ."

يعني تقدم قال: عسيتم بالفتح والكسر، عسَيتم وعسِيتم، يقول الزجاج: لو جاز هذا لجاز عسِي، عسيتم من الفعل بالكسر، لكن ما المانع أن يجوز هذا وهذا، إذا جاز هذا يجوز هذا، ولا مانع منه إذا ثبت لغة وقراءة.

طالب:.....

نعم.

" قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ: عَسَيْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَسِيتُ بالكسر. وقرئ" فَهَلْ عَسِيتُمْ" بِالْكَسْرِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي " الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى.

 {أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} أَيْ طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ."

هذا مقتضى اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله نسأل الله العافية-، وهذا من عظائم الأمور، ولذا جاء في الحديث الصحيح: «لعن المؤمن كقتله»، وليس المؤمن باللعان ولا بالطعان، لكن من استحق اللعنة من الله جل وعلا-، وثبت لعن جنسه بالنص، هل يجوز لعنه على وجه التعين أو لا؟ الجنس يلعن؛ لعن الله السارق، لعن الله الشارب، لعن الله المتبرجات، الجنس، لكن الأفراد محل خلاف بين أهل العلم، كثير منهم يطلق اللعن، فلان لعنه الله، يرد على لسان كثير من أهل العلم، لكن الأولى ألا يكون المسلم مرسلًا للسانه باللعن، ومما ذم به النساء أنهن يكثرن اللعن، فيحفظ الإنسان لسانه، أما من لعنه الله بالتنصيص عليه فلا مانع من لعنه، يُلعن الظالمون، لكن أعيانهم وأفردهم يدخل في الخلاف المعروف بين أهل العمل في خلاف المعين.

طالب: السارق لعن الله السارق من سرق .... تقطع يده...

نعم.

طالب: يجوز لعن السارق؟

في الجملة، السارق جنس السارق، أما لو سرق شخص بعينه، زيد من الناس سرق، فما تقول: زيدٌ لعنه الله، لا تكن عونًا للشيطان على أخيك.

طالب: .......

السب والشتم، يجيء.

طالب:..اللعن ...هذا..

قاتل الله اليهود يعني لعنهم، فليقاتله، قال بعض أهل العلم بالسب والشتم، لكن هذا القول غير صحيح، إنما يترادف هذا مع هذا، لكن إذا جاء في النص اللعن هو الطرد، الطرد من رحمة الله، هذا الأصل فيه.

طالب: قول لعنهم الله..

أبعدهم من رحمته.

طالب: أبعدهم الله بسبب اللعن.

ماذا؟

طالب: قول: أبعدهم الله..

طردهم وأبعدهم المعنى واحد، من اللعن.

طالب:......الكفار في مسألة....

الذين ماتوا على كفرهم هؤلاء لا مانع، يعني الشخص المعين من الكفار على خلاف أيضًا بين أهل العلم، لكن الأكثر على جواز لعنه، لا سيما من تعدى شره وضرره.

"{فَأَصَمَّهُمْ" عَنِ الْحَقِّ} وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ" أَيْ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْخَيْرِ. فَأَتْبَعَ الْأَخْبَارَ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَقَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُ، وَسَلَبَهُ الِانْتِفَاعَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ حَتَّى لَا يَنْقَادَ لِلْحَقِّ وَإِنْ سَمِعَهُ، فَجَعَلَهُ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ. وَقَالَ: " فَهَلْ عَسَيْتُمْ" ثُمَّ قَالَ:" أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ" فَرَجَعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ."

يسمى الالتفات من الخطاب إلى الغيبي، وهذا أسلوب مطروق في النصوص وفي لغة العرب.

طالب:....العكس.

بعضهم يمنع العكس، لكنه موجود.

" الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} أَيْ يَتَفَهَّمُونَهُ، فَيَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، {أمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} أَيْ: بَلْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالٌ، أَقْفَلَهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْهِمْ، فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ."

يعني حمل الآية على السياق على ما يقتضيه السياق هو مثال من الأمثلة، والأصل أنها أعم من ذلك، والتدبر يفيد المتدبر من العلم والإيمان واليقين والطمأنينة ما هو أعم وأشمل من ذلك، يريد هذا وغير هذا، وهذه الآية من الآيات التي جاءت في الحث على التدبر ففي النساء: { أفلا يتدبرو القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيها اختلافًا كثيرًا }، وفي المؤمنون، وفي ص، وهنا، كل هذه الآيات تحث علي التدبر، وأنه لب القراءة، والآثار المترتبة على قراءة القرآن لا تتم إلا بالتدبر.

 فتدبر القرآن تُؤتَ الهدى      فالعلم تحت تدبر القرآن

نعم، يحصل أجر الحروف، كل حرف عشر حسنات لمن قرأ، ولو من غير تدبر، لكن الفائدة العظمى النافعة للعلم والعمل والقلب كل هذا إنما يتم بالقراءة على الوجه المأمور به من الترتيل والتدبر.

طالب: ......

آية المؤمنون.

طالب:.....

ماذا؟

طالب:......

 كيف تقرأ؟

طالب: بالتدبر

نعم.

طالب: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ}.

طالب:. الآية فيها ..... من قرأ القرآن.........

 يعني لو وقع هل يدخل في هذه الآية من يقرأ هذًّا، جاء مدح القراءة سواء كان هذًّا أو ترتيلاً، «يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتقِ في دار الجنة كما كنت تقرأ في الدنيا هذًّا كان أو ترتيلاً»، في المسند والدارمي بإسناد حسن.

طالب:....

كيف

طالب :.....

لا، هذه محمولة على وجه الإعراض بالكلية.

" وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ مَذْهَبَهُمْ."

الذين يقولون: إن الإنسان هو الذي يخلق فعله، وأنه هو الذي يجعل القفل على قلبه، وليس الله جل وعلا-.

 وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قَالَ: «إِنَّ عَلَيْهَا أَقْفَالًا كَأَقْفَالِ الْحَدِيدِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يَفْتَحُهَا»، وَأَصْلُ الْقَفْلِ الْيُبْسُ وَالصَّلَابَةُ. وَيُقَالُ لِمَا يَبِسَ مِنَ الشَّجَرِ: الْقَفْلُ. وَالْقَفِيلُ مِثْلُهُ. وَالْقَفِيلُ أَيْضًا نَبْتٌ. وَالْقَفِيلُ: الصَّوْتُ. قَالَ الرَّاجِزُ:

لَمَّا أَتَاكَ يَابِسًا قرشبا ... قُمْتَ إِلَيْهِ بِالْقَفِيلِ ضَرْبَا

كَيْفَ قَرَيْتَ شَيْخَكَ الْأَزَبَّا"

المراد به كثير الشعر كما في الحاشية.

"الْقِرْشَبُّ (بِكَسْرِ الْقَافِ): الْمُسِنُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ. وَأَقْفَلَهُ الصَّوْمُ أَيْ أَيْبَسَهُ، قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ. فَالْأَقْفَالُ ها هنا إشارة إلى ارتتاج الْقَلْبِ وَخُلُوِّهِ عَنِ الْإِيمَانِ. أَيْ لَا يَدْخُلُ قُلُوبَهُمُ الْإِيمَانُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَقَالَ: " عَلى قُلُوبٍ"؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: عَلَى قُلُوبِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ قَلْبُ غَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَالْمُرَادُ أَمْ عَلَى قُلُوبِ هَؤُلَاءِ وَقُلُوبِ مَنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَقْفَالُهَا. الثَّالِثَةُ: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-".

ذكرنا مرارًا الخلاف بين أهل العلم في الأفضل في القراءة الترتيل والتدبر مع قلة الحروف، أو كثرة الحروف مع عدم الترتيل ولا التدبر، والجمهور على أن الترتيل والتدبر ولو قلت الحروف هو الأفضل، فمن ختم في الشهر مرة على الترتيل والتدبر أفضل ممن ختم على هذا القول عشر مرات أجر الحروف ثابت لمن القرآن على الوعد، كما جاء به النص، وأما  أجر الترتيل والتدبر فأمره أعظم وابن القيم –رحمه الله- ضرب مثلًا فقال من يقرأ القرآن مع السرعة تكثير الحروف، ولنفترض أنه يختم في الشهر عشر مرات، والذي مثله مع من يقرأ القرآن بالترتيل والتدبر بحيث يختم مرة واحدة كمن أهدى عشر درر، والثاني أهدى درة واحدة، لكن هذه العشر درر قيمة كل واحدة منها ألف، والدرة الواحدة قيمتها مائة ألف، فرق شاسع، لكن الذي تعود الهذ يصعب عليه أن يتركه لاسيما إذا عود نفسه حزبًا معينًا في القرآن أو في الشهر أو في الأسبوع لا يستطيع الإخلال به، ويخشى إن رجع عنه يعني هذا الذي يختم في الشهر مثلاً عشر مرات قال: خلاص، أنا أقلل القراءة أو أقرأ القرآن في سبع، لكن بدلًا من أن أسرع أرتل وأتدبر الذي يخشى أنه يقلل القراءة، ثم يرجع إلى عادته من الهذ، وهذا محتمل احتماله قوي؛ لأن الإنسان إذا تعود شيئًا يصعب عليه الرجوع عنه، ولذلك في مثل هذه الحالة الذي تعود على الهذ خله يبتدئ يهذ ما يخالف، لكن يجعل له ختمة تدبر في وقت من الأوقات؛ لأن من يضمن أنه يستمر على التدبر؛ لأنه تعود هذا الشيء مجرب مجرب، يعني الإنسان حدد لنفسه شيئًا، ومشى عليه سنين، هذا لا يعني يصعب أن يرجع عنه فتساوره نفسه أن يرجع إلى شيء من التدبر والتريث، ويقلل الكمية، ثم يرجع إلى طريقته من الهذ التي تعود عليه فيكون على حساب أجر الحروف لا يحصل أجر الترتيل والتدبر، وإنما سيؤثر على حساب أجر الحروف، فالحل الأمثل في مثل هذا الحال أن يستمر على ما تعود عليه، ويحصل به أجر الحروف، ويختم به كل شهر على ما اعتاد أربع مرة كل سبع أو عشر إذا كان يختم كل ثلاث أو ما أشبه ذلك، ويجعل من وقته يفرض وقتًا جديدًا لقراءة التدبر.

 ذكر الحافظ ابن كثير –رحمه الله- في ترجمة رجل أنه أمضى عمره يختم كل يوم، وله ختمة تدبر أمضى فيها عشرين سنة، ومات لم يكملها، مات لم يكملها، يعني إذا افترضنا أن الإنسان يجلس للقرآن ساعة، ساعتين يجلس يضيف أيضًا نصف ساعة لمثل هذه القراءة، أو ساعة، ما الذي يضيره؛ لأن أجر قراءة القرآن هو الكلام الوحيد الذي لا نظير له في ترتب الأجر على مجرد القراءة، يعني متعبد بتلاوته، هو كلام الله.

  المقصود أن الإنسان إذا أمكن أن يرجع فلا شك أن الرجوع أفضل من أن يستمر على طريقته، وإن أمكن أن يفرض وقتًا ثانيًا خشية ألا يضمن أن يرجع حتى عن طريقته وكيفية قراءته، فالذي يخشى منه يقلل مقدارًا ويعود إلى طريقته، وهذا مجرب ذكره، كثير من الناس أنهم سمعوا ما جاء في التدبر والترتيل، ثم خففوا القراءة، فصار على حساب الحروف، المقصود أنه مثل هذا ينبغي أن يعتنى به، يراد.

طالب: ......

هذا يستعان به على قراءة ما يعين على فهم القرآن، يعني طالب علم يريد أن يتدبر ويفهم لا يتسنى له بمفرده أن يفعل ذلك قد يخفى عليه كثير من الألفاظ الغريبة وبعض التراكيب، فيستعين بذلك في أول الأمر على المختصرات؛ لأن الاستعانة بالمطولات تعوقه عن القراءة، فيكون بين يديه كتاب في تفسير غريب القرآن أو تفسير من المختصرات يعينه على الفهم، فيقرأ ما يراد قراءته، ويراجع هذا الكلام المختصر عليه، ثم بعد ذلك يفهم، أما إذا قال: استصحب تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير  والبحر المحيط والمطولات خمس، ست، عشرة، تفاسير، هذا يموت وما انتهت البقرة، لكن في أول الأمر يستعين بالمختصرات، ثم بعد ذلك ينتقل منها إلى الكتب المتوسطة في الطول، ثم بعد ذلك ينتهي بالمطولات، وكل كتاب فيه فائدة تخصه.

طالب: ...ما ذكرته في الترتيل والتدبر والكلام عليه كثير...خاصة من عند عوام الناس......يدخل رمضان تجده يفتح المصحف، ثم يجلس فترة قصيرة، ثم يقول خلاص ...القراءة ..التدبر...وهو لا يملك آلية التدبر...

لا، لا مثل هذا يقرأ على أي حال الذي هو غير مؤهل للتدبر يقرأ لكن لا يضيع أجر الحروف.

طالب :.....الكلمات وكذا...ثم يصبح الناس ...واحد يقرأ .......تدبر..

الآن حديث «لا يفقه من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث»، افترضنا أن فيه شخصًا يجلس بعد صلاة الصبح يقرأ فيه خمسة، وبعد صلاة الظهر يقرأ خمسة، وبعد ثلاثة العصر يقرأ خمسة، فسمع هذا الحديث قال: لا أريد أن أقرأ في ثلاث، ماذا صنع؟ ألغى قراءة الظهر، سيقرأ خمسة بعد الصبح كما كان، وخمسة بعد العصر كما كان، وألغى قراءة الظهر، هل هذا حقق الهدف من الحديث؟

طالب:......

ما حقق الهدف، لكن لو بدل خمس قراءات ثلاثة وثلاثة وأربعة، وأربعة الصبح، وثلاثة الظهر، وثلاثة العصر بشيء من التأني والترتيل، والتدبر هنا يحقق المطلوب، أما أن يقلل كمية من أجل أن يوافق الحديث هذا ليس بمقصود، والناس يتفاوتون في فراغهم وشغلهم، الناس ما لهم شغل، ناس ليس لديهم عمل مثل هذا يقال له: استكثر، والأجر تبع كل حرف عليه عشر حسنات، هذه فرصة يمكن ما يتسنى لك في عمرك مرة أخرى يمكن أن يأتيك ما يشغلك عن القراءة، استغل صحتك لسقمك، وفراغك لشغلك، ونعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، الصحة والفراغ.

طالب: لا يقال: إن النصوص جاءت بالحث على كثرة القراءة فرتل........ بل جاءت نصوص في التدبر......

هذا مثل ما قلت آنفًا هو مثل ما قلته.

طالب: يفرق يا شيخ أن الكلام يوجه لعوام الناس وما يملكون أي تدبر لذلك..... يقرأ في اليوم في رمضان ثلاثة أجزاء، أربعة أجزاء وسط الناس...... أصبح الآن لا يقرأ إلا نصف جزء ينتهي رمضان وهنا لا ختمة ولا تدبر .... وكل من أراد.......

لا لا مثل الذي لا يملك الآلية يقال له: اقرأ على أي وجه.

طالب: جاء الحث على كثرته. 

حتى الذي يقرأ القرآن، وفي قراءته ضعف، ويتتعتع في قراءته فله أجران، المقصود أن الإنسان ينظر في كتاب ربه، ولا تغيب عليه شمس يوم وهو ما قرأ من القرآن شيئًا، هذا إذا كان بالنسبة لعموم المسلمين فلا شك أن طالب العلم مطالب بما هو أكثر من ذلك.

طالب:.... حتى لو أنه تدبر شيخ بالنسبة لملكة..... القرآن يكفي فيه كلام واضح، يعني يستطيع أن يتدبر......يعني يعرفه العامة ..........

لا شك أن القرآن على أنحاء منها ما يعرفه العرب من لسانهم، ومنها ما لا يعرفه إلا طلاب العلم، ومن يستطيع المراجعة، ومنهم من لا يعرفه الراسخون في العلم، هذا أمر ظاهر، هو أقسام، لكن الإشكال حينما تنزل الحقائق الشرعية على الحقائق العرفية نقول: إن العامي يعرف ويفهم {للسائل والمحروم} يأتي بذكاته لشخص من أغنى الناس عنده أرصدة في البنوك، لكنه محروم لا ينفق على نفسه وولده يقول هذا هو المراد، ليس هذا هو المراد، فيميز بين هذه الحقائق.

طالب:...ختم الأجر أو تكرار ........

وجاء عن الصحابة أنه بعد الفراغ من القرآن وختم القرآن دعوة مستجابة، ولكن أجر الحروف مرتب على جنس القراءة، يعني لو قرأ لو كرر سورة البقرة مرتين أو قرأ بدلًا من قراءتها ثانية آل عمران والنساء أيهما أفضل؟

طالب:.....الحروف...

عدد الحروف.

طالب: شيخ، يشهد لكلامكم عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- جلس في البقرة ثماني سنوات لما ختم.

أو اثنتي عشر سنة أو ابن عمر كذلك.

طالب: نحر الجذور هل معنى ذلك في الثماني سنوات ما يقرأ إلا البقرة؟ أكيد أن له قراءة أخرى، لكن هذه قراءة.

 لكن جلس يتعلم.

طالب: الحديث «إن عليها أقفالًا كأقفال الحديد» يقول: حديث مرفوع..

أين؟

طالب:......

 نعم، مرفوع، خرج؟

طالب :....

أن عليها أقفالًا..

طالب: قال: أخرجه الدارقطني في الأفراد وابن مردويه كما في الدر من حديث سهل بن سعد، ولم أقف على إسناده، وأخرجه الطبري بسند جيد عن عروة مرسلًا تلا رسول الله هذا الآية فقال شاب من أهل اليمن.. فذكره، وهو من كلام الشاب، والله أعلم.

ما أخرجه إلا الدارقطني وابن مردويه.

طالب: قوله: لَوْ قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ قَلْبُ غَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، هل هذا كلام مستقيم؟

ماذا فيه؟

طالب: هل هذا كلام مستقيم.

انظر للآية.

طالب: الآية أم على قلوبِهم..

قلوبهم ليشملهم ويشمل غيرهم.

طالب: ولو جاءت قلوبَهم ما تشمل..

لا، ما تشمل إلا هؤلاء المنصوص عليهم، الذين إذا تولوا قطعوا.

طالب: القاعدة تقول: إن العبرة بعموم السبب.

بعموم اللفظ، هيا، لكن إذا ارتبط باللفظ بما قبله وما بعده فما الذي يخرجه عن السياق؟

" الثَّالِثَةُ: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَبكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكَ لَكِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها}، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْآيَةِ فَلَعَلَّكُمْ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْكُمْ، إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ أَنْ تَعُودُوا إِلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لِسَفْكِ الدِّمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى! أَلَمْ يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ الْحَرَامَ وَيَقْطَعُوا الْأَرْحَامَ وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ. فَالرَّحِمُ عَلَى هَذَا رَحِمُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّتِي قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ إِخْوَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"}. وَعَلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَالْمُرَادُ مَنْ أَضْمَرَ مِنْهُمْ نِفَاقًا، فَأَشَارَ بِقَطْعِ الرَّحِمِ إِلَى مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْقَرَابَةِ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقِتَالَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّحِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدين، ويجب مُوَاصَلَتَهَا بِمُلَازَمَةِ الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ لِأَهْلِهِ وَنُصْرَتِهِمْ، وَالنَّصِيحَةِ وَتَرْكِ مُضَارَّتِهِمْ وَالْعَدْلَ بَيْنَهُمْ، وَالنَّصَفَةَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمُ الْوَاجِبَةِ، كَتَمْرِيضِ الْمَرْضَى وَحُقُوقِ الْمَوْتَى مِنْ غُسْلِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَدَفْنِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ، وَهِيَ رَحِمُ الْقَرَابَةِ مِنْ طَرَفَيِ الرَّجُلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَتَجِبُ لَهُمُ الْحُقُوقُ الْخَاصَّةِ وَزِيَادَةٌ، كَالنَّفَقَةِ وتفقد أحوالهم، وَتَرْكِ التَّغَافُلُ عَنْ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ ضَرُورَاتِهِمْ، وَتَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ حُقُوقُ الرَّحِمِ الْعَامَّةُ، حَتَّى إِذَا تَزَاحَمَتِ الْحُقُوقُ بُدِئَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ.

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الرَّحِمَ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا هِيَ كُلُّ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ وَبَنِي الْأَخْوَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا فِي كُلِّ رَحِمٍ مِمَّنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمَوَارِيثِ، مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ. فَيُخْرَجُ مِنْ هَذَا أَنَّ رَحِمَ الْأُمِّ الَّتِي لَا يَتَوَارَثُ بِهَا لَا تَجِبُ صِلَتُهُمْ وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُمْ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْمَلُهُ وَيَعُمُّهُ الرَّحِمُ تَجِبُ صِلَتُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قُرْبَةً وَدِينِيَّةً، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، والله أعلم."

الرحم التي تجب صلتها قربًا وبعدًا أمور نسبية تختلف من شخص لآخر بحسب كثرة الأقارب وقلتها، فإذا كثروا صارت في الأقرب والأبعد الذي يشق صلته يقال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإذا قلوا وجب صلة الجميع، ففرق بين من له عشرة أعمام، ولكل واحد من الأعمام جمع من الأولاد، وله أخوال، ولكل واحد منهم جمع وخالات وعمات وإخوان كثر، هؤلاء يصل منهم الأقرب فالأقرب؛ لأنه لا يتصور أن يصل هذه الأعداد التي تبلغ المئات، وإذا قلوا فليس له إلا عم واحد، وله ولدان، وخال أو خالان ولهم ولد أو ولدان، هذا صلتهم ممكن، ومع ذلكم الله –جل وعلا- قد أوجب هذه الخصلة التي هي الصلة وحرم القطيعة هو في ذلك يراعي الطرفين الواصل والموصول، فإذا راعى الموصول بوجوب صلته فإنه لن يهدر حق الواصل تضيع حقوقه والوجبات عليه بسبب هذه الصلة، فهذه أمور نسبية، وأقل ذلك ما يقطع الهجرة، وهو السلام، هذا أقل لذلك فيما يجب من عموم المسلمين الذي يقطع الهجرة هو السلام، وأحيانًا يطلب من الإنسان أن يصل أرحامه في كل أسبوع، ومنهم من لا يجب صلته إلا في كل شهر، ومنهم من لا تجب صلته إلا في المناسبة، وهذا ما قرره جمع من أهل العلم أنه يتبع القلة والكثرة، كلما كثروا خف الأمر بالنسبة للأبعدين، وكلما قلوا تشدد الأمر وزاد الطلب في الصلة؛ لأن هذا لا يكلف مثل ما يكلف من كثر أقاربه.  

طالب: كيف تصل المرأة ابن عمها........

لا، هذا ليس بمحرم لها؛ لأنها لو كلمها وكلمته فلا مانع من أن توصل بمال أو شبه بواسطة أقاربها ومحارمها إذا أمنت الفتنة، لكن بغير ذلك الزيارة وغيرها ما أمكن..

طالب: المكالمات الهاتفية ورسائل الجوال.

تكفي، تكفي نعم.

طالب: ....العرف والمرد...

على كل حال المنظور إليه ما يهم الطرفين على حسب حاجة الموصول، وعدم الإضرار بالواصل، نعم.

طالب: ...بالعدل مثل عم أزوره كل أسبوع أما الخال لا ما يحصل من كل أسبوع..

أو عم وعم، عم وعم تزوره كل أسبوع، وعم تزوره كل أسبوعين، نعم هذا الذي وقعنا فيه الآن وهو أن صلتنا وقطيعتنا مقرونة بحسن الاستقبال فهذا إشكال الذي وقع فيه الآن كثيرٌ منا لا ينظر في ذلك إلى أن هذا أمر شرعي، واجب شرعي، والله ذهبت له أو لقاني بوجه ما له داعٍ مرتين، ثلاثًا، انظر الذي يستقبلك.

طالب:......

لا، لا هذا لا ينظر إليه ألبتة.

طالب: أحيانًا يكون كل شيء مرتبًا.

أحيانًا يكون المزور يتبرم بكثرة الزيارة، وحينئذ يسقط حقه بهذا.

طالب: أحيانًا يا شيخ شيء مرتب جلسة كل أسبوع عند عمته، لكن ما تكون مثلها عند خالته هل الإنسان يقول: لا، يجبن أن يزور خالته..

أما العدل في مثل هذا فلا يجب، وإنما الواجب ما يرفع القطيعة، ونلحظ الملحظ الذي أشرت إليه هذا في صدور كثير من الناس حتى تجده في زيارة زملائه، في زيارة شيوخه يفرق بين هذا وهذا، لماذا؟ لأن هذا يستقبله، وهذا لا يستقبله ما كانت الزيارات لله.

طالب: ....يقوم المعاصي ...

إذا كان ثمة معصية فلا يجوز غشيان هذا المجلس إلا بنية الإنكار.

طالب: لا، ...وقت المعصية....بل هو عنده معاصٍ.....

لا، مثل هذا يزار، يكثر عليه الزيارة من أجل دعوته وتأليف قلبه، وإذا أنس منه كان الطريق الثاني للعلاج، وهو الهجر أحيانًا، قد يطلب الهجر.

" وقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: « إِنَّ لِلرَّحِمِ لِسَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ يَقُولُ: يَا رَبِّ قُطِعْتُ، يَا رَبِّ ظُلِمْتُ، يَا رب أسئ إِلَيَّ، فَيُجِيبُهَا رَبُّهَا: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قطعك». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-:  «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ» "خَلَقَ" بِمَعْنَى اخْتَرَعَ، وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ، كَمَا تَقَدَّم. وَالْخَلْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أَيْ مَخْلُوقُهُ."

نعم، يطلق المصدر ويراد به اسم المفعول، لكنه ليس بمطرد، ليس بمطرد، يطلق المصدر ويراد به اسم المفعول، هذا حمل يعني محمول، لكنه ليس كل مصدر يراد منه اسم المفعول.

 "وَمَعْنَى فَرَغَ مِنْهُمْ كَمّلَ خَلْقَهُمْ. لَا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهِمْ ثُمَّ فَرَغَ مِنْ شُغْلِهِ بِهِمْ؛ إِذْ لَيْسَ. فِعْلُهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ، وَلَا خَلْقَهُ بِآلَةٍ وَلَا مُحَاوَلَةٍ."

من فعله –جل وعلا – ما هو بمباشرة خلق آدم بيده خلق كنة عدن بيده، كتب التوراة بيده، كلامه ليس على إطلاقه.

" فِعْلُهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ، وَلَا خَلْقَهُ بِآلَةٍ وَلَا مُحَاوَلَةٍ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: «قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ» يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَقَامَ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الرَّحِمِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ مَنْ يُنَاضِلُ عَنْهَا، وَيَكْتُبُ ثَوَابَ مَنْ وَصَلَهَا وَوِزْرَ مَنْ قَطَعَهَا، كَمَا وَكَّلَ اللَّهُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ كِرَامًا كَاتِبِينَ، وَبِمُشَاهَدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ملائكة متعاقبين.

وثانيهما: أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّمْثِيلِ الْمُفْهِمِ لِلْإِعْيَاءِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ هَذَا الْكَلَامَ".

ولكن ظاهر الكلام الحمل على حقيقته، ولا مانع والقدرة الإلهية صالحة لمثل هذا أن تقول الرحم والمعني يتجسد، والجماد يتكلم بأمر الله –جل وعلا-، يعني لما تكلمت السماوات والأرض في قوله: {أتينا طائعين}، هل يلزم من هذا أن يكون لها لسان مثل لسان الآدمي لا يلزم، ولذا لما أنكرو صفة الكلام من المبتدعة قالوا إنه يلزم أن يكون له لسان، ويكون له أنف، ويكون له فم، ويكون له أسنان ومخارج تخرج منها الحروف تعالى الله عما يقولون، لا نثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، وكلامه محمول على الحقيقة، وكلام الرحم، وكلام السماوات والأرض، وكلام الذئب، وكلام البقرة حينما قالت: ما خلقنا لهذا، كله حق على حقيقته، والقدرة الإلهية صالحة لهذا وما هو أعظم منه.

طالب: النار اشتكت..

والنار تشتكي، كثير من الجمادات تكلمت بأمره –جل وعلا-، وكثير من المعاني تتجسد، الأعمال التي توزن الأعمال التي توزن، الله –جل وعلا- له من القدرة ما يجعل هذا متصورًا.

" فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ هَذَا الْكَلَامَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّه} ِ-ثُمَّ قَالَ:- {وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

وَقَوْلُهُ: فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، مَقْصُودُ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِتَأَكُّدِ أَمْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ نَزَّلَهَا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَخِفَارَتِه، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْذُولٍ ،وَعَهْدُهُ غَيْرُ مَنْقُوضٍ. وَلِذَلِكَ قَالَ مُخَاطِبًا لِلرَّحِمِ: ( أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ)، وَهَذَا كَمَا قَالَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: « وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ بِذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكُهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ فِي النَّارِ على وجهه».

 قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ } قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد ما عَرَفُوا نَعْتَهُ عِنْدَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، قَعَدُوا عن القتال بعد ما عَلِمُوهُ فِي الْقُرْآنِ، {الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُم} أَيْ زَيَّنَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، قَالَهُ الْحَسَنُ. " وَأَمْلى لَهُمْ" أَيْ مَدَّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي الْأَمَلِ، وَوَعَدَهُمْ طُولَ الْعُمُرِ، عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا. وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْلَى لَهُمْ فِي الْأَمَلِ، وَمَدَّ فِي آجَالِهِمْ هُوَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْمُفَضَّلُ."

إن كان المراد بهذا الإملاء المد الحقيقي في الأجل فهو إلى الله وحده دون غيره، وإن كان الإملاء هو المد بالأماني وطول الأمل من غير أن يوافق للحقيقة فهذا للشيطان، وتكون الجملتان مساقهما واحد، والكنايات تعود إلى الشيطان، الشيطان سول لهم، أملى لهم يعني أملى لهم غرورًا، وسول طول الأمر، وزين لهم الأعمال، ومد لهم في هذه الأعمال، وحتى اغتروا ثم يُؤخذون على غرة، وأما مد الأجل الحقيقي فهو إلى الله وحده.

" وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: إِنَّ مَعْنًى " أَمْلى لَهُمْ" أَمْهَلَهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى أَمْلَى لَهُمْ بِالْإِمْهَالِ فِي عَذَابِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ {وَأُمْلِىَ لَهُمْ} بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَكَذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ هُرْمُزٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْجَحْدَرِيُّ وَيَعْقُوبُ، إِلَّا أَنَّهُمْ سَكَّنُوا الْيَاءَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنَا أُمْلِي لَهُمْ. وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: لِأَنَّ فتح الهمزة يوهم أن الشيطان مْلِي لَهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلِهَذَا عَدَلَ إِلَى الضَّمِّ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ " وَأَمْلَى لَهُمْ" فَالْفَاعِلُ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ قِرَاءَةَ الْعَامَّةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُومٌ؛ لِقَوْلِهِ: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ} [الفتح: 9]، رَدَّ التَّسْبِيحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَالتَّوْقِيرَ وَالتَّعْزِيرَ على اسم الرسول."

يعني وجه الإشكال في أملي لهم ما الذي يملي ويمهل ويمد في الأجل هو الله –جل وعلا- هذا الذي جعلهم لا يجعلن الضمير يعود إلى الشيطان كالضمير الذي قبله، لكن إذا كان الإملاء غرورًا لا حقيقة له فلا مانع أن يكون من الشيطان.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا} أَيْ ذَلِكَ الْإِمْلَاءُ لَهُمْ حَتَّى يَتَمَادَوْا فِي الْكُفْرِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ {لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نزل الله} وَهُمْ مُشْرِكُونَ {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} أَيْ فِي مُخَالَفَةِ مُحَمَّدٍ وَالتَّظَاهُرِ عَلَى عَدَاوَتِهِ، وَالْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ مَعَهُ وَتَوْهِينِ أَمْرِهِ فِي السِّرِّ. وَهُمْ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ سِرًّا فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" أَسْرَارَهُمْ" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، جَمْعُ سِرٍّ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ".

طالب: فيه أبي عبيد....

واختيار أبي عبيد وأبي حاتم ما عندك.

" وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ" إِسْرارَهُمْ" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَصْدَرِ، نَحْوُ قوله تعالى: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً} [نوح: 9] جمع لاختلاف ضروب السر.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَيْفَ} أَيْ فَكَيْفَ تَكُونُ حَالُهُمْ." إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ" أَيْ ضَارِبِينَ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ التَّخْوِيفُ وَالتَّهْدِيدُ، أَيْ إِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فَإِلَى انْقِضَاءِ العمر. وقد مضى في" الأنفال والنحل". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُتَوَفَّى أَحَدٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا بِضَرْبٍ شَدِيدٍ لِوَجْهِهِ وَقَفَاهُ. وَقِيلَ: ذلك عند القتال نصرة لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بِضَرْبِ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ عِنْدَ الطَّلَبِ وَأَدْبَارَهَمْ عِنْدَ الْهَرَبِ. وَقِيلَ: ذَلِكَ في القيامة عند سوقهم إلى النار."

نعم، يضربون وجوههم وأدبارهم عند الوفاة؛ لأن أرواحهم تأبى الخروج من أجسادهم إذا عرفت المآل فلا تخرج إلا بالضرب، هذا على القول الأول، أما القول الثاني: إن الملائكة يضربونهم في قتالهم للنبي –عليه الصلاة والسلام- يضربون الوجوه المقبلة والدبار الهاربة.

طالب: كيف توجهون توفتهم الملائكة؟

توفتهم حتى توفاهم أثناء القتال تقتلهم، القتل وفاة ما ظهر منهم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذلِكَ} أَيْ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ." بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ كِتْمَانُهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَضْمَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ. " وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ" يَعْنِي الْإِيمَانَ." فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ" أَيْ مَا عَمِلُوهُ مِنْ صَدَقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، على ما تقدم."

فأحبط أعمالهم؛ لأنهم كفروا، والكفر محبط للعمل.

طالب:........

ماذا؟

طالب: .......

لأن المصدر يطلق على القليل والكثير، نعم المصدر يطلق على القليل والكثير، فيجمع لتعدد أنواعه واختلاف ضروبه.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} نِفَاقٌ وَشَكٌّ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ {أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ} الْأَضْغَانُ مَا يُضْمَرُ مِنَ الْمَكْرُوهِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: غِشَّهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَسَدَهُمْ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: عَدَاوَتَهُمْ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ مَا أَرَدْتُ بِمَنْطِقٍ ... سَاءَ الصَّدِيقَ وَشَيَّدَ الْأَضْغَانَا

وَقِيلَ: أَحْقَادُهُمْ. وَاحِدُهَا ضِغْنٌ. قَالَ: وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ

وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

وَإِنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَفْشُو ... عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينَا"

الإنسان إذا استطاع أن يكتم مرة، مرتين، الثالثة الرابعة لابد أن يخرج ما عنده.

طالب :....

نعم

طالب: أسرار مفرد...أسرار...

لكنه مصدر.

طالب : مفرد .......

أين؟

طالب : أسررت بالمساعدة الثانية.....أسرار..

سنطيعكم في بعض الأمر أسرار جمع سر.

طالب: لكنه يقول إنه أسررتم لهم إسرار جمع باختلاف .....

نعم، على القراءة، على قراءة أسرار بالفتح.

طالب: مفرد يا شيخ؟

أسرار جمع سر.

طالب: أسرار هو الاسم ....

لكنه جمع سر.

طالب: أسرار.

نعم.

طالب: اسم ....

سر اسم مصدر ما هو بعيد، ما هو بعيد عنها.

"قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضِّغْنُ وَالضَّغِينَةُ: الْحِقْدُ. وَقَدْ ضَغِنَ عَلَيْهِ (بِالْكَسْرِ) ضِغْنًا. وَتَضَاغَنَ الْقَوْمُ وَاضْطَغَنُوا: أَبْطَنُوا عَلَى الْأَحْقَادِ. وَاضْطَغَنْتَ الصَّبِيَّ إِذَا أَخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ. وَأَنْشَدَ الْأَحْمَرُ:

كَأَنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا

أَيْ حَامِلُهُ فِي حِجْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

إِذَا اضْطَغَنْتُ سِلَاحِي عِنْدَ مَغْرِضِهَا ... وَمِرْفَقٍ كَرِئَاسِ السَّيْفِ إِذْ شَسَفَا

وَفَرَسٌ ضَاغِنٌ لَا يُعْطِي مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجَرْيِ إِلَّا بِالضَّرْبِ."

شفسا يعني يبس، وما زالت هذه اللفظة من الإطلاق الشافس على اليابث لازالت مستعملة.

" وَالْمَعْنَى: أَمْ حَسِبُوا أَنْ لَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَدَاوَتَهُمْ وَحِقْدَهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ {وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ} أَيْ لَعَرَّفْنَاكَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي سورة" براءة".

وذكر من أوصافهم ما يكشفهم.

 " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي سورة" براءة"."

تَقُولُ الْعَرَبُ: سَأُرِيكَ مَا أَصْنَعُ، أَيْ سَأُعْلِمُكَ، ومنه قوله تعالى: {بِما أَراكَ اللَّهُ} [النساء: 105] أَيْ بِمَا أَعْلَمَكَ."

يعني يطلق الرأي، ويراد به العلم.

"{فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ} أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ."

تقدم بنا مرارًا أن الفعل رأى تختلف معانيه تبعًا لمصادره رأى رأيًا هذا في العلم، رأى رؤية هذا في البصر، ورأى رؤيا هذا في النوم.

" قَالَ أَنَسٌ: مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ. وَقَدْ كُنَّا فِي غَزَاةٍ وَفِيهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَشُكُّ فِيهِمُ النَّاسُ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ وَعَلَى جَبْهَةِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ (هَذَا مُنَافِقٌ) فَذَلِكَ سِيمَاهُمْ.

ماذا؟

 طالب: قال: لا أصل له.

هذا الذي يظهر أنه لا أصل له، ما عرف هذا أنه في مكتوب على جبينه كافر إلا..

طالب: الدجال..

أو الدابة تكتب على وجوه الناس نعم، والدجال مكتوب بين عينيه كافر.

" وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَدَّرَ اللَّهُ إِظْهَارَهُمْ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، فَحُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ وَنَكَحُوا وَأُنْكِحُوا بِهَا." {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} أَيْ فِي فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَخَيْرُ الْكَلَامِ مَا كَانَ لَحْنًا

أَيْ مَا عُرِفَ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يُصَرَّحْ بِهِ. مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ فِي الْإِعْرَابِ، وَهُوَ الذَّهَابُ عَنِ الصَّوَابِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ»

يعني أفصح وأبلغ.

 أَيْ أَذْهَبُ بِهَا فِي الْجَوَابِ؛ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَصْرِيفِ الْكَلَامِ. قال أبو زيد: لَحَنْتُ لَهُ (بِالْفَتْحِ) أَلْحَنُ لَحْنًا إِذَا قُلْتَ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ. وَلَحِنَهُ هُوَ عَنِّي (بِالْكَسْرِ) يَلْحَنُهُ لَحْنًا أَيْ فَهِمَهُ. وَأَلْحَنْتُهُ أَنَا إِيَّاهُ، وَلَاحَنْتُ النَّاسَ فَاطَنْتُهُمْ."

يعني يتحدث معهم بالكلام غير الواضح ويفهم ويفهمونه.

طالب : ........

يعني من حيث مخالفة العربية وموافقة الفصاحة هنا ألحن يعني أبلغ وأفصح، واللحن كما يطلق على هذا يطلق على مخالفته قواعد العربية.

" قَالَ الْفَزَارِيُّ:

وَحَدِيثٍ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا

مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا ... نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا

يُرِيدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ وَهِيَ تُرِيدُ غَيْرَهُ."

وهو ما يعرف بالتورية.

" وَتُعَرِّضُ فِي حَدِيثِهَا فَتُزِيلُهُ عَنْ جِهَتِهِ مِنْ فِطْنَتِهَا وَذَكَائِهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}. وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلَابِيُّ:

وَلَقَدْ وَحَيْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ... وَلَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ

وَقَالَ مَرَّارٌ الْأَسَدِيُّ:

وَلَحَنْتُ لَحْنًا فِيهِ غِشٌّ وَرَابَنِي ... صُدُودُكِ تُرْضِينَ الْوُشَاةَ الْأَعَادِيَا

قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنَافِقٌ إِلَّا عَرَفَهُ."

لأنه لو تكلم بلحن، ما تكلم بكلام صريح، والله –جل وعلا – يقول: {ولتعرفنهم في لحن القول} يتبين له أمرهم.

 وَقِيلَ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بِكَلَامٍ تَوَاضَعُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ."

يعني اصطلحوا عليه مصطلحات خاصة بهم.

 وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْمَعُ ذَلِكَ، وَيَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ الْمُعْتَادِ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَكَانَ بَعْدَ هَذَا يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِذَا سَمِعَ كَلَامَهُمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَخْفَ مُنَافِقٌ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَرَّفَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أَوْ عَلَامَةٍ عَرَفَهَا بِتَعْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ} أَيْ لَا يخفى عليه شيء منها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أَيْ نَتَعَبَّدَكُمْ بِالشَّرَائِعِ، وَإِنْ عَلِمْنَا عَوَاقِبَ الْأُمُورِ. وَقِيلَ: لَنُعَامِلَنَّكُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبَرِينَ {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} عَلَيْهِ".

 لأن الله –جل وعلا – لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان، المقصود أنه لا تخفى عليه خافية، لكنه من أجل قطع الحجة قطع العذر يختبر ويبتلي كما هنا، ويضع الموازين؛ لينكشف للإنسان نفسه ما كان عليه من مخالفة ومن رجحان سيئاته على حسناته، فإذا قال: ولنبلونكم أي نتعبدكم بالشرائع، وإن علمنا عواقب الأمور فالله –جل وعلا- لما خلق الخلق قال: هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي، إذن ما الفائدة أن يوجدوا هذه المدد المتطاولة في الدنيا؟

 الدنيا دار عمل؛ لتظهر هذه النتائج على الحقيقة وعلى الواضح والمكشوف؛ ليراها الناس كلهم، ويعرف كل إنسان من نفسه أنه موافق ومخالف، فتقوم الحجة لله –جل وعلا- على الناس.

" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" حَتَّى نَعْلَمَ" حَتَّى نُمَيِّزَ. وَقَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: " حَتَّى نَعْلَمَ" حتى نرى. وقد مضى في البقرة، وقراءة العامة بالنون في: " لَنَبْلُوَنَّكُمْ"، و" نَعْلَمَ"، " ونبلوا". وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ فِيهِنَّ. وَرَوَى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ إِسْكَانَ الْوَاوِ مِنْ" نَبْلُو" عَلَى الْقَطْعِ مِمَّا قَبْلُ. وَنَصَبَ الْبَاقُونَ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ:" حَتَّى نَعْلَمَ". وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْجَزَاءُ."

يعني هذا الابتلاء وهذا الاختبار من الله –جل وعلا – لعباده مع علمه بمآل أهل الجنة، وأن هؤلاء للجنة وأن هؤلاء للنار، وزيد من أهل السعادة، وبكر من أهل الشقاوة، هذا في علم الله –جل علا –، لكن خروجه في عالم الشهادة والشهود؛ لتقوم به الحجة على هؤلاء الخلق، ما يقال: عذبتني وأنا ما عملت شيئًا، مع أنه لو مكن من العمل لعمل بمقتضى ما في علم الله- جل وعلا-.

 هل نأخذ من هذا ما يقرره أهل العلم أن القاضي لا يحكم بعلمه، بل لابد أن يكون حكمه على مقتضى القواعد الشرعية، والنبي –عليه الصلاة والسلام- بالإمكان أن يحكم بما هو مطابق للواقع؛ لأنه مؤيد بالوحي، لكنه من أجل أن يقتدي به غيره من القضاة يحكم بالقواعد المقررة شرعًا، فإذا كانت الوسائل وسائل الحكم شرعية، فالنتيجة شرعية ولو خالفت الواقع، وليس للقاضي أن يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينات والأيمان، ولو كان يعلم من حال هذا أنه صاحب حق، وهذا على غير الحق.

طالب: شاذ..

لا، لا، هو حاكم، يعني لو قلنا شاذ قلنا حكم بعلمه.

 المقصود أن الابتلاء هذا هو من الله –جل وعلا-، وهو يعلم ما تؤول إليه الأمور، وهو أحكم الحاكمين، هل يمكن أن يؤخذ منه أنه إذا كان هذا بالنسبة له –جل وعلا-، فكيف بغيره؟

 أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه، الله –جل وعلا – يعلم أن هذا من أهل النار، لكن ما اكتفى بعلمه، مكنه من العمل، وجعل فيه الحرية والاختيار، وهداه النجدين، وبين له الصراط المستقيم، لكنه مع ذلك أبى إلا أن يكون ممن حقت عليهم الضلالة.

طالب:......

 يمكن أن يقال مثل هذا؟

طالب:....

نعم.

طالب:......

الرسول -عليه الصلاة والسلام-يقول: «إنما أنا بشر، أقضي على نحو ما أسمع، أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار، فليأخذها أو يدعها»، مع إمكان أنه يمكن أن ينزل الوحي بإخباره بحقيقة الأمر، ولا يحتاج إلى شهود ولا غيره، وإنما يسن للقضاة من بعده.

طالب:.... في هذه الحالة قاضي شهد ......بقال أولى له ألا يحكم .....قاضٍ آخر  ...

لئلا يخالف الواقع؟

طالب: ولأجل أن.....شهادته صاحب الحق..

أنت تفترض أن القاضي على علم يقيني أن هذه السلعة المدعاة لفلان، ولكن المدعي أحضر البينة التي تبرأ الذمة بقبول شهادته، يعني ما فيها قادح واضح اللهم إلا مخالفة الواقع الذي استقر في ذهن القاضي، ما علينا من المقدمات وغيرها؛ لأنه لو شهد ثلاثة بأن فلانًا زنى بفلانة، ثلاثة، ولم يستطع المدعي، ما استطاع المدعي أن يحضر الرابع، فالثلاثة عند الله كاذبون، ولو رأوه بأم أعينهم، فهم كاذبون، وهذا حكم شرعي سواء قال بالواقع، طابق الواقع، ما له علاقة، عندنا مقدمات وعليها نتائج، مقدمات شرعية، نتائج شرعية، بغض النظر عن مطابقة الواقع ومخالفته.

طالب : أحسن الله إليك، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لولا الإيمان لكان لي ولها شأن». نعم؛ لأنها جاءت به على الوصف المكروه، لكن إذا كان القاضي يعرف أن هذه العين لفلان، قد يكون حضر العقد بنفسه، لكن بدون شهود، كثيرًا ما تبرم العقود بدون شهود، فكان ممن حضر هذا القاضي، وأحيلت إليه، ويعرف يقينًا أن فلانًا باع على فلان، واستلم القيمة، هل نقول: إنه يحكم في هذه القضية، ويستعمل المقدمات الشرعية، ويرتب عليها النتيجة الشرعية، ولو كانت خلاف الواقع المقطوع به عندهم، أو نقول: إنه يعتذر عنها، وتحال إلى غيره، وإن احتيج إلى شهادته يشهد كغيره، أيهما أولى؟

طالب: الثاني..

نعم الثاني أولى؛ لئلا يضيع الحق مع إمكان حفظه.

" وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِمْ. فَتَأْوِيلُهُ: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ عِلْمَ شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا أُمِرُوا بِالْعَمَلِ يَشْهَدُ مِنْهُمْ مَا عَمِلُوا، فَالْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَقَعُ عَلَى عِلْمِ الشَّهَادَةِ. {وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ} نَخْتَبِرُهَا وَنُظْهِرُهَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ: كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بكى وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا."

بقي من السورة ورقتان ....

طالب:......

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

"