شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 24

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 24
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصيام من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم  بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين

المقدم: قال المُصنِّف-رحمه الله تعالى- وعنها-رضي الله عنها- في رواية زيادة وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملُّوا، وأحبُّ الصلاة إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ما دوِّم عليه وإن قلَّت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها».

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

 فهذه الرواية هي طرف من الحديث السابق وجزء منه، ولذا عطف الراوي، بل الرَّاوية وكنّى عنها بالضمير كالعادة في المختصرات، أنه لا يُذكر الراوي باسمه الصريح إذا كان هو راوي الحديث السابق، فقال: وعنها يعني عن عائشة –رضي الله عنها-، فالضمير يعود عليها؛ لأن الحديث طرف من الذي قبله، وتمامه في الأصل عن أبي سلمة أن عائشة –رضي الله عنها- حدثته قالت: «لم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله، وكان يقول: خذوا من العمل ما تُطيقون» الحديث.

المقدم: أبو سلمة الصحابي؟

لا أبو سلمة، اسمه عبد الرحمن التابعي، والحديث ضمن الترجمة السابقة باب صوم شعبان، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، «لم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرًا أكثر من شعبان،» مما حذفه المختصر؛ لأنه ذُكِر في القطعة السابقة من الحديث، وفي الحديث السابق: «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان»، وفي قبلها «وما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان»، وفي هذا الجزء من الحديث وكان يصوم شعبان كله، وكان يصوم شعبان كله، ومضى الجمع والتوفيق بين ما يدل صراحة كما هنا على أنه يصوم شعبان كله وما يدل على أنه لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان من كلام ابن المبارك وتعقيبات أهل العلم التي سبق ذكرها، لكن هل يمكن أن يُقال: الحديث الثاني حديث آخر لعائشة في الباب؟ أو هو قطعة من الحديث، طرف منه كما هو مُقتضى..

المقدم: صنيع.

المُرقِّم

المقدم: نعم، والله يا شيخ الذي ينظر للألفاظ ما يعتبرها قطعة منها يا شيخ.

 كأنه حديث مستقل.

المقدم: نعم.

 بدليل..

المقدم: الأكثر.

 نعم.

المقدم: فرق يعني.

 الاختلاف في المعنى.

المقدم: نعم.

 الاختلاف في المعنى، نعم، فكأنه حديث آخر. يمكن المحقق أو المُرقِّم غرَّه أن العلماء يعتبرون الحديث الواحد باتحاد الصحابي، نعم هو حديث واحد لو اتحدت القصة مع اتحاد الصحابي، أما إذا اختلفت القصة وتعددت الواقعة فإنهما حديثان ولو كان الصحابي واحدًا؛ لأن مدار أهل العلم في العد في عد الأحاديث لابد فيه من ملاحظة أمرين: اتحاد الصحابي واتحاد الواقعة، فإذا اختلف الصحابي فهما حديثان.

المقدم: نعم.

 ولو اتحدت القصة نعم، ولو اتحدت الألفاظ فهما حديثان.

المقدم: باعتبار كل واحد له صحابي مستقل راويه.

نعم نعم، وإذا تعددت الواقعة، وصار فيها شيءٌ من الاختلاف المؤثر الذي يدل على الاختلاف في المعني المقدم: ولو كان الراوي واحدًا.

 ولو كان الراوي واحدًا نعم.

المقدم: اعتبره حديثين.

 اعتبره حديثين، ولذا نستطيع أن نجمع أحاديث أبي هريرة على  مثل صنيع المُرقم، الخمسة آلاف وزيادة نسوقها مساقًا واحدًا وتصير حديثًا واحدًا؛ لأن صحابيها واحد، وهذا لا يقول به أحد.

المقدم: صحيح، طيب أهل العلم الذين شرحوا البخاري قبل صنيع المُرقِّم، ألم يشيروا إلى هذه القضية، ابن حجر وغيره-رحمهم الله-؟

 ساقه البخاري، الإشكال أننا نتعامل مع المُختصر.

يعني لو كنا نتعامل مع الأصل، الأصل فيه وضوح. يسوق الحديث كاملًا بإسناده كاملًا وما فيه إشكال.

والمُرقِّم إشكاله حينما يُرقِّم الكتب التي اعتني بها نعم، هو يتبع في أرقامه المستشرقين اللذين ألفوا المعجم المُفهرِس نعم، فتجده يتابعهم، وهذا أدخل عليه شيء من الخلل، وإلا له عناية بالترقيم يعني ليس من أهل العلم بالحديث، هو ليس بمُحدِّث، لكن له خدمة في الحديث، وحقق بعض الكتب، وصنع بعض الفهارس، فله جهود في هذا الباب، لكن لا يُقال: أنه مثل شيخ أحمد شاكر أو غيره ممن له عناية بمتون الحديث وأسانيدها، ولذا يقع أخطاء في كثير في تحقيقاته، في سنن ابن ماجه شيء كثير من هذا. المقصود أن الذي يغلب على الظن أنه ليس بطرف، وإنما هو حديث مستقل، حديث مستقل، وتبعًا للمُرقِّم نذكر الأطراف في نهاية شرح هذا الحديث فنذكر الأول والثاني والثالث على ما سيأتي-إن شاء الله تعالى-، الحديث ضِمن الترجمة السابقة باب صوم شعبان والمطابقة في قوله: «لم يكن النبي-صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرًا أكثر من شعبان وكان يصوم شعبان كله» فالمطابقة واضحة، وأكثر مباحِثه فيما يتعلق بصوم شعبان تقدَّم في الحديث السابق.

المقدم: نعم.

 وتقدم الكلام عليه أيضًا في آخر كتاب الإيمان أو في أواخر كتاب الإيمان في باب: أحب الدين إلى الله أدومه، ومناسبة ذلك للحديث الإشارة إلى أن صيامه –صلى الله عليه وسلم- حينما يُكثر من الصيام ويصوم أكثر شعبان، بل يصوم شعبان كله، وأيضًا ما تقدم في وصاله –عليه الصلاة والسلام- لا ينبغي أن يتأسَّى به فيه، لا ينبغي أن يتأسى به فيه إلا من أطاق، ما كان يُطيق –عليه الصلاة والسلام-، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خُشي عليه أن يَمَل، فيُفضِي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قلت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع، قد يكون الإكثار أفضل من الدوام من وجه، متى؟ إذا كان أمر يفوت، إذا كان أمر يفوت، فيستغل الإنسان هذا الظرف الذي يفوت فيُكثر من هذا العمل.

المقدم: مثل الآفاقيين في مكة يُكثرون من الطواف.

نعم، إذا كان شيء يفوت لا يُتدارك، وما لا يفوت يؤخذ بالراحة على ما قالوا، وكان يقول: «خذوا من العمل ما تُطيقون» أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يُطاق، وهو عام في الأعمال الشرعية، وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون» أي اشتغلوا من الأعمال ما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يُطاق وهو عام في الأعمال الشرعية. الآن الذي لا يُطاق، هل يستطيع الإنسان أن يأتي به؟

المقدم: ممكن يأتي به لكن.

الذي لا يُطاق؟ دعنا من الذي يُطاق مع مشقة شديدة الذي لا يُطاق، صخرة زنتها خمسمائة كيلو مثلًا.

المقدم: لا يُطيقها.

 لا، هل يمكن أن يتكلفها الإنسان؟ هذا لا يُطاق، لكن صخرة زنتها ثمانون كيلًا مثلًا والإنسان القوي يحملها لكنها تشُق على بعض الناس هذا هنا يُقال:

المقدم: يُطاق.

 تشق عليه، لكنها تُطاق.

المقدم: هذا مبحث التكليف بما لا يُطاق عنده.

معروف، لكن هل مرادهم بما لا يُطاق {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}[البقرة:286]، نعم، ربنا،

المقدم: نعم.

 نعم، {ما لا طاقة لنا به}، هل معنى هذا أنه يكلفهم ما يشُق عليهم مشقة زائدة أو لا يستطيعون ألبتة؟ يعني هل الذي لا يمكن أن يُطاق مثل الصخرة خمسمائة كيلو يُكلَّف شخص عادي بحملها، هل مثل هذا يدخل في المبحث، ويمكن أن يُطلب من الله –جل وعلا- ألا يُكلِّف به؟ هل هذا هو المراد الدعاء

المقدم: لا طبعًا.

بنفيه في الآية وهو المراد في الحديث أو أن المراد ما يشق؟

المقدم: المشقة بلا شك.

لأنه قال: «خذوا من العمل ما تُطيقون»، الذي تستطيعونه مفهومه.

المقدم: اُتركوا ما لا تُطيقون.

يقتضي النهي عن تكلف ما لا يُطاق، حتى مع التكلف لا يمكن.

المقدم: صح.

إذا كان المراد به لا يُستطاع البتة.

المقدم: نعم.

 لكن المراد به ما يُستطاع.

المقدم: يُطاق بمشقة.

 لكن مع مشقة شديدة. يقول: فمفهومه فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يُطاق وهو عام في الأعمال الشرعية.

وفي شرح ابن بطَّال قوله: «فإن الله لا يمَل حتى تملُّوا» فإن الله تعالى لا يجوز عليه المَلل ولا هو من صفاته، وإنما سُمي المجازاة باسم الفعل وهذا هو أعلى طبقات الكلام، أولًا هذه الجملة سبق بحثها في كتاب الإيمان. المقدم: صحيح.

ذكرنا فيها أقوال أهل العلم.

المقدم: نعم.

 ونذكر بعض أقوالهم هنا؛ لأن الوقت طال بها، ويقول الكرماني: قوله: لا يمل، فإن قُلت: ما وجه إطلاق الملال على الله تعالى؟ قلت: إطلاق مجازي عن ترك الجزاء، إطلاق مجازي عن ترك الجزاء، وقال: اعلم أن المَلال لا يجوز على الله ولا يدخل تحت صفاته فلابد من تأويل، فلابد من تأويل، واختلف العلماء فيه فاختلف العلماء فيه، فقال الخطَّابي: معناه أنه لا يترك الثواب. الآن ما الذي جعل الشُّرَّاح كلهم يتفقون على أنه لا يُمكن أن يُطلق على الله –جل وعلا-؟ لأنه صفة..

المقدم: نقص.

صفة نقص، لكن هل كل صفة نقص في المخلوق صفة نقص بالنسبة للخالق؟ أو لـ هذا له ما يناسبه وذاك له ما يُناسبه؟

المقدم: نعم.

 نعم، الولد الآن العُقم صفة نقص بالنسبة..

المقدم: للمخلوق.

 للمخلوق، وصفة كمال.

المقدم: بالنسبة للخالق.

  بالنسبة لله –جل وعلا-، هذه الصفات التي يظهر منها أو يتبادر منها بالنسبة للسامع، النقص؛ لأنها ظاهر، لأن النقص فيها ظاهر بالنسبة..

المقدم: للمخلوق.

للمخلوق، هل تُثبت لله –جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته ما دام أثبتها هو لنفسه وأثبته له الرسول– عليه الصلاة والسلام- كالاستهزاء مثلًا، الكيد والمكر.

المقدم: السخرية.

نعم، المقصود أن مثل هذه الأمور من أثبتها؟ قال: أثبتها الله –جل وعلا- لنفسه مما في كتابه، أو فيما صحَّ عن  نبيِّه –عليه الصلاة والسلام-، وليس لنا أن نتكلف أو نقرن ما للخالق بالنسبة لما للمخلوق.

المقدم: صحيح.

 فنُثبت كما أثبت.

الآن الذي معنا الصفة مثبتة أم منفية؟  

المقدم: «لا يمل حتى تملُّوا».

 لا يَمَل مُثبتة أم منفية؟

المقدم: منفية.

منفيَّة، هل هذا النفي يقتضي إثباته أو لا يقتضي؟

المقدم: المفهوم منه إذا مللتم.

 نعم.

المقدم: هل يُفهم منه إذا مللتم حصل الملل؟

يعني ما دام النفي مقرونًا بغاية فلا بد من تحققها، وهي ملل المخلوق.

المقدم: صحيح، فهل يُفهم من هذا؟

 لا، هو إذا قُرِن بغاية لابد من حصولها.

المقدم: حصل هذا.

 يحصل ما عُلق عليه، فالنفي هنا المراد به الإثبات المراد به..

المقدم: الإثبات.

 الإثبات، لأنه غُيَّ بغاية لا بد من حصولها.

المقدم: من حصولها.

حصولها نعم، يعني هل هناك فرق بين أن يقول الشخص نعم، إن زرتِ آل فلان فأنتِ طالق، وبين ما يقول إذا دخل رمضان فأنتِ طالق؟

المقدم: ما فيه شك، فرق كبير.

 فرق كبير، هذا.

المقدم: هذا.

 ممكن ما يصير.

المقدم: نعم.

 ممكن ما تزور ولا يقع.

المقدم: أما هذا فهو متحقق.

 لابد من وقوعه.

المقدم: متحقق نعم.

متحقق نعم، يعني أدرك الفرق بين أن بعضهم يقول: إن الملل هنا جاء بصيغة النفي.

المقدم: النفي.

 فكيف نثبته؟ نقول: النفي المُغَيَّا بغاية ما لا بد من وقوعه لابد من وقوعه ولو من بعض الناس، يعني قد يُتصور أن إنسانًا يلتزم ما جاء في التوجيه في الحديث، يكلف من العمل ويأخذ من العمل ما يُطيق فلا يمَل نعم، فلا يقع ما عُلِّق عليه وهو الملل المُضاف إلى الله-جل وعلا-، وكثير من الناس يحصُل منه الملل؛ لأنه كلِف من العمل ما لا يُطيق، وأخذ من العمل ما لا يُطيق. المقصود أن أقوال أهل العلم كثيرة جدًّا نذكر بعضها. يقول الكرماني: اعلم أن الملال لا يجوز على الله، ولا يدخل تحت صفاته فلابد من تأويل، واختلف العلماء فيه. نقول: كونه لابد من تأويله مثل هذه الصفة التي يختلف العلماء فيها، الإشكال في نفيها الأصل أن يُطرد الباب كله.

المقدم: نعم.

 يُثبت لله –جل وعلا- ما أثبته لنفسه، كونه يفيد نقصًا أو يُفيد كمالًا، هذا ما نتصوره إلا في المخلوق، أما بالنسبة للخالق فهو كمال بالنسبة له، فيكون الباب مطردًا عندنا.

المقدم: نعم.

 لكن لو نفينا مثل هذه الصفة، جاءنا من يقول: إن الصفات الأخرى التي يُجمِع أهل السنة على إثباتها في بعضها بالنسبة ما هو للمخلوق، نقص، إذًا لابد أن نطرد المذهب. يعني في الإثبات والنفي ما أجمع عليه سلف الأمة هذا لا كلام فيه، وليس لأحد فيه اجتهاد، يعني من نفى شيء منه فهو مُبتدع، يعني ما اختلف فيه السلف كالساق مثلًا، أن الخلف النظر ما دام له من سبقه ممن اُعتد بقوله من سلف هذه الأمة وأئمتها من الصحابة مثلًا، ما دام له سلف له أن ينظر، أما الصفات التي اتفق عليها سلف هذه الأمة فليس لأحد نظر، يعني من نفى مما أجمع السلف على إثباته هذا مُبتدع.

المقدم: نعم.

 يقول: اعلم أن الملال لا يجوز على الله، ولا يدخل تحت صفاته فلابد من تأويل، واختلف العلماء فيه فقال الخطابي: معناه أنه لا يترك الثواب على العمل ما لم يترك العمل، وذلك أن من مَلَّ شيئًا تركه، فكنى عن الترك بالملل الذي هو سبب الترك، وقال ابن قتيبة: معناه «لا يمَل إذا مللتم»، لا يمل إذا مللتم، «فإن الله لا يمَل إذا مللتم»، قال: ومثله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع.

المقدم: حتى.

حتى ينقطع خصومه، معناه لا ينقطع إلا إذا انقطعت خصومه، ولو كان معناه ينقطع إذا انقطعت خصومه  لم يكن له فضل على غيره، وقال بعضهم: معناه أن الله تعالى لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك، فلا تتكلفوا ما لا تُطيقون من العمل، وكنى بالملال عنه؛ لأن من تناهت قوته في أمرٍ وعجز عن فعله ملَّه وتركه، وقال التيميِ: قالوا معناه أن الله تعالى لا يمل أبدًا لا يمل أبدًا، مللتم أنتم أم لم تملُّوا، نحو قولك نحو قولهم: لا أُكلمك حتى يشيب الغراب لا أُكلمك حتى يشيب الغراب. يقول الكرماني: ولا يصح التشبيه؛ لأن شيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف مِلال العباد.

المقدم: مثل {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ }[الأعراف:40].

لا يمكن نعم.

المقدم: مثله.

 يعني لا يمكن.

المقدم: لا يمكن.

 لا يمكن عادة غير ممكن عادة، وإن كان الشاعر يقول:

ولو أن ما بي من جوىً وصبابة

على جملٍ لم يدخل النار كافر

ما معناه؟

المقدم:  يريد يذوب الجمل.  

 هو نفسه يريد يذوب.

المقدم: نعم.

 هو من الجوى والصبابة ذاب، فلو أن ما به..

المقدم: على هذا الجوى.

من هذا الجوى والصبابة على جمل..

المقدم: لذاب الجمل.

لصغر ونحل ودقَّ حتى يدخل في سم الخياط.

المقدم: في سم الخياط، وبالتالي لن يدخل النار.

نعم؛ لأنه علق دخولهم حتى يلج الجمل في سم الخياط، يقول: ولا يصح التشبيه؛ لأن شيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف ملال العباد. يقول الكرماني: وأقول: إنه صحيح نعم، لأن المؤمن أيضًا شانه ألا يمل من الطاعة وهو قول ابن فورك، وقال ابن الانباري: سُمي فعل الله تعالى مللًا على جهة المزاوجة كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، ما معني المزاوجة؟ المُشاكلة.  

المقدم: المشاكلة.

المشاكلة والمجانسة في التعبير، وهذا مر بنا مرارًا مثل هذا الكلام، مر بنا مرارًا. يعني كما في قول الشاعر:

قالوا: اقترح شيئًا نُجِد لك طبخه 

قلت: أطبخوا لي جُبَّة وقميصًا

نعم، فقال أطبخوا لي مجانسة ومشاكلة. {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40]، السيئة الأولى بالفعل سيئة؛ لأنها جناية، جزاؤها محاسبة الجاني ومعاقبته.

المقدم: ليست سيئة.

 ليست سيئة، لكن من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، وهذا مرَّ بنا في قول عُمر: نعمة البدعة.

المقدم: نعم.

 وقولنا: إنه من باب المشاكلة. قال الكرماني: وأقول: فلقوله: «لا يمَل حتى تملُّوا» تواجيه، يعني توجيهات، أكثر من توجيه، والتأويل إما في يمل وهو ثلاثة أوجه، وإما في حتى وإما في تملُّوا، والله أعلم. في شرح الإمام الحافظ ابن رجب- رحمه الله- وقوله: «فإن الله لا يمَل حتى تملُّوا» في رواية: «لا يسأم حتى تسأموا»، الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه، ومله قطعه وتركه، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل، فإن العبد إنما يُجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره، إذا كان قطعه لغير عذر من مرضٍ أو سفر أو هرم، كما قال الحسن: إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر، إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر، فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء، تقول له الملائكة: ما شأنك يا فلان؟ فيقول: إن صاحبي فتر، قال الحسن: أمدوهم -رحمكم الله- بالنفقة، وسمي هذا المنع من الله مللًا وسآمة مقابلةً للعبد على ملله وسآمته كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} [التوبة:67]. فسمي إهمالهم وتركهم نسيانًا مقابلة لنسيانهم له، هذا أظهر ما قيل في هذا. يعني أنه من باب..  

المقدم: المشاكلة.

 المشاكلة، ويشهد له أنه قد رُوي عن حديث عائشة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «اكفلوا من العمل ما تُطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل» خرجه بقية بن مخرج، وفي بقية إسناده موسى بن عبيدة، معروف موسى بن عبيدة الربذي مضعف عند أهل العلم، وقد قيل: إن حتى ها هنا بمعنى الواو واو العطف، ولكن لا يصح كون.. ولكن لا يصح دعوى كون حتى عاطفة؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجُمل. هذا هو المعروف عند النحويين وخالف فيه بعضهم.

المقدم: يعني بالواو يا شيخ لا يملُّو وتملُّوا،

 نعم.

المقدم: هذا إذا اعتبرنا حتى واو.

 نعم، وقيل: إن حتى فيه بمعنى حين وهذا غير معروف وقد يُقال: إنما يدل هذا الكلام على نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية مفهوم الغاية، ومن يقول: إنه لا مفهوم لها فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية، بعضهم يقول: الغاية لا مفهوم لها، ومن يقول: بالمفهوم فإنه يقول: متى دلَّ الدليل على انتفائه لم يكن مرادًا منه كلام؛ لأن أدلة منطوقة خالفت هذا المفهوم، وحينئذٍ يُقدَّم المنطوق..

المقدم: على المفهوم.

على المفهوم، يعني لذلك نظائر، يعني مفهوم قول الله –جل وعلا-: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة:80].

المقدم: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً}.

 نعم فلن يغفر الله لهم.

المقدم: لو استغفر واحدًا وسبعين.

مفهومه لو استغفر واحدًا وسبعين لن يغفر لهم، لكن هذا مُعارض بمنطوق..

المقدم: نعم.

قول الله-جل وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}[النساء:48].

ومثلها {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}[آل عمران:130].

مفهومها أنه إذا كان ضعفًا واحدًا أو أقل من ضعف...

المقدم: جاز.

 أنه جاز، لكن منطوقات النصوص الأخرى ..

المقدم: تحرمه.

 ترده.

المقدم: نعم.

 ومن يقول: بالمفهوم فإنه يقول: متى دلَّ الدليل على انتفائه لم يكن مرادًا من الكلام، وقد دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى، ومن جملة ذلك لحوق السآمة والملل له، ولكن ومثل هذا الكلام يمكن أن يُقال في الصفات الأخرى المتفق عليها، نقول: دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب، يعني هل يمكن أن يُستدل بقوله –جل وعلا-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] في التنزيه على انتفاء صفات أخرى ثبتت بالأدلة الأخرى كما هنا؟

المقدم: لا.

لا، لماذا؟ لأنها ثبتت بمنطوق أحاديث ليست بمفهوم الصفات التي دلت بمنطوق ما تُنفى بأدلة أخرى إجمالية بخلاف ما هنا؛ لأن بعض الناس يسمعون مثل هذا الكلام..

المقدم: يقول: هذا نفي للصفات.

 يقول: هذا نفي للصفات، لا؛ لأن هذا بطريق المفهوم الصفة دل عليها الخبر بطريق المفهوم والأدلة التي دلت على انتفاء النقائص والعيوب منطوقة.

المقدم: طيب يا شيخ.

فالأدلة التي دلت بمنطوقها إثبات صفات.

المقدم: مقدمة.

ولو تصور المبتدعة أن تقتضي نقصًا، لا يتم لهم الاستدلال بنفي بنفيها من خلال الإجمال التي ورد في قوله– جل وعلا-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11].

يقول: ولكن بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق، بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق بمعنى أـنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقًا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره، فعلى هذا يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الدكتور، وجعلنا نستكمل بإذن الله ما تبقى في حلقة قادمة وأنتم على خير، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصيام في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح. شكرًا لطيب متابعتكم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.