كتاب الرجعة من سبل السلام (16)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (16)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

"بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال -رحمه الله تعالى- في سبل السلام:

"بَابُ الرَّضَاعِ، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَمِثْلُهُ الرَّضَاعَةُ:

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

الْمَصَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْمَصِّ، وَهُوَ أَخْذُ الْيَسِيرِ مِنْ الشَّيْءِ كَمَا فِي الضِّيَاءِ. وَفِي الْقَامُوسِ: مَصِصْتُهُ بِالْكَسْرِ أَمُصُّهُ، وَمَصَصْته أَمُصُّهُ، كَخَصَصْتُهُ أَخُصُّهُ شَرِبْته شُرْبًا رَفِيقًا.

وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَصَّ الصَّبِيِّ لِلثَّدْيِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ لَا يَصِيرُ بِهِ رَضِيعًا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الثَّلَاثَ فَصَاعِدًا تُحَرِّمُ".

هو مفهوم الحديث أنه إذا كانت المصة أو المصتان لا تحرم، فالثلاث المفهوم أن الثلاث تحرم.

"وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُد وَأَتْبَاعُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذَا، وَحَدِيثِهِ الْآخَرِ «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ» فَأَفَادَ بِمَفْهُومِهِ تَحْرِيمَ مَا فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: وَهُوَ أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ، وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَآخَرِينَ مِنْ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ قَالُوا: وَحَدُّهُ مَا وَصَلَ الْجَوْفَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ".

وهو قليل وهو كثير، قليله وكثيره يفطر الصائم.

"وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِاسْمِ الرَّضَاعِ، فَحَيْثُ وُجِدَ اسْمُهُ وُجِدَ حُكْمُهُ وَوَرَدَ الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِلْآيَةِ، فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». وَلِحَدِيثِ عُقْبَةَ الْآتِي. وَقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا؟»، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ".

وهذه النصوص كلها مجملة بُينت في نصوصٍ آخرى، والعبرة بالمبين دون المجمل.

"فَهَذِهِ أَدِلَّتُهُمْ، وَلَكِنَّهَا اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي ضَبْطِ الرَّضْعَةِ وَحَقِيقَتِهَا اضْطِرَابًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى دَلِيلٍ، وَيُجَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّعْلِيقِ بِاسْمِ الرَّضَاعِ أَنَّهُ مُجْمَلٌ بَيَّنَهُ الشَّارِعُ بِالْعَدَدِ، وَضَبَطَهُ بِهِ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ لَا يُقَالُ: إنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِفْصَالَ".

"الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ إلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْخَمْسِ، وَبِأَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ أَرْضَعَتْ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَيَأْتِي أَيْضًا".

هذا في رضاع الكبير، سالم مولى أبي حذيفة احتيج إليه، فأمر النبي –عليه الصلاة والسلام- بإرضاعه على ما سيأتي.

أحسن الله إليك.

"وَهَذَا وإنْ عَارَضَهُ مَفْهُومُ حَدِيثِ الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَانِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا مَنْطُوقٌ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمَفْهُومِ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ".

نعم المنطوق مقدم على المفهوم.

"وَعَائِشَةُ وَإِنْ رَوَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قُرْآنًا، فَإِنَّ لَهُ حُكْمَ خَبَرِ الْآحَادِ فِي الْعَمَلِ بِهِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ عَضَّدَهُ حَدِيثُ سَهْلَةَ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلَ صَحَابِيَّةٍ، فَإِنَّهُ دَالٌّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مُتَقَرِّرًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا تُحَرِّمُ إلَّا الْخَمْسُ الرَّضَعَاتُ وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ".

"وَأَمَّا حَقِيقَةُ الرَّضْعَةِ فَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الرَّضَاعِ، كَالضَّرْبَةِ مِنْ الضَّرْبِ، وَالْجَلْسَةُ مِنْ الْجُلُوسِ، فَمَتَى الْتَقَمَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وَامْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ عَارِضٍ كَانَ ذَلِكَ رَضْعَةً، وَالْقَطْعُ لِعَارِضٍ كَنَفَسٍ، أَوْ اسْتِرَاحَةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ لِشَيْءٍ يُلْهِيهِ ثُمَّ يَعُودُ مِنْ قَرِيبٍ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا رَضْعَةً وَاحِدَةً، كَمَا أَنَّ الْآكِلَ إذَا قَطَعَ أَكْلَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ عَنْ قَرِيبٍ كَانَ ذَلِكَ أَكْلَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي تَحْقِيقِ الرَّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، فَإِذَا حَصَلَتْ خَمْسُ رَضَعَاتٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ حَرَّمَتْ".

"وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ –صلى الله عليه وسلم- كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ".

لأنه لا يعرفه فظنه أجنبيًّا.

"فَقَالَتْ: إنَّهُ أَخِي، فَقَالَ: «اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هذا الرجل، وَأَظُنُّهُ ابْنًا لِأَبِي الْقُعَيْسِ".

"وَقَوْلُهُ: «اُنْظُرْنَ» أَمْرٌ بِالتَّحْقِيقِ فِي أَمْرِ الرَّضَاعَةِ هل رضاع".

هل هو.

" هَلْ هُوَ رَضَاعٌ صَحِيحٌ بِشَرْطِهِ مِنْ وُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الرَّضَاعِ وَمِقْدَارِ الْإِرْضَاعِ؟ فَإِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ الرَّضَاعِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا وَقَعَ الرَّضَاعُ الْمُشْتَرَطُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ الَّذِي إذَا جَاعَ كَانَ طَعَامُهُ الَّذِي يُشْبِعُهُ اللَّبَنَ مِنْ الرَّضَاعِ، لَا حَيْثُ يَكُونُ الْغِذَاءُ بِغَيْرِ الرَّضَاعِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِإِمْعَانِ التَّحَقُّقِ مِنْ شَأْنِ الرَّضَاعِ، وَإِنَّ الرَّضَاعَ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ وَتَحِلُّ بِهِ الْخَلْوَةُ هُوَ حَيْثُ يَكُونُ الرَّضِيعُ طِفْلًا يَسُدُّ اللَّبَنُ جُوعَهُ؛ لِأَنَّ مَعِدَتَهُ ضَعِيفَةٌ يَكْفِيهَا اللَّبَنُ، وَيَنْبُتُ بِذَلِكَ لَحْمُهُ فَيَصِيرُ جُزْءًا مِنْ الْمُرْضِعَةِ، فَيَشْتَرِكُ فِي الْحُرْمَةِ مَعَ أَوْلَادِهَا، فَمَعْنَاهُ لَا رَضَاعَةَ مُعْتَبَرَةَ إلَّا الْمُغْنِيَةَ عَنْ الْمَجَاعَةِ، أَوْ الْمُطْعِمَةَ مِنْ الْمَجَاعَةِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ»، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

 وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّغَذِّيَ بِلَبَنِ الْمُرْضِعَةِ مُحَرَّمٌ سَوَاءٌ كَانَ شُرْبًا، أَوْ وَجُورًا، أَوْ سَعُوطًا، أَوْ حُقْنَةً حَيْثُ كَانَ يَسُدُّ جُوعَ الصَّبِيِّ".

يعني حيثما وصل إلى الجوف من أي مسلك، فإنه يحرم.

أحسن الله إليك.

"وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا تحرمُ الْحُقْنَةُ، وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الرَّضَاعِ.

قُلْت: إذَا لُوحِظَ الْمَعْنَى مِنْ الرَّضَاعِ دَخَلَ كُلُّ مَا ذَكَرُوا، وَإِنْ لُوحِظَ مُسَمَّى الرَّضَاعِ، فَلَا يَشْمَلُ إلَّا الْتِقَامَ الثَّدْيِ وَمَصَّ اللَّبَنِ مِنْهُ كَمَا تَقُولُهُ الظَّاهِرِيَّةُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يحرمُ إلَّا ذَلِكَ، وَلِمَا حُصِرَ فِي الْحَدِيثِ الرَّضَاعَةُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْمَجَاعَةِ كَمَا قَدْ عَرَفْت، وَقَدْ وَرَدَ حديث عائشة معارضً لذلك وهو:

وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، فَقَالَ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»". وفي سنن أبي داود: فأرضعيه".

ما عندك رواه مسلم؟

لا.

فَقَالَ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «فَأَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ» فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ مُعَارِضًا لِذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَالْمُشِيرِ إلَى أَنَّهُ قَدْ خُصِّصَ هَذَا الْحُكْمُ بِحَدِيثِ سَهْلَةَ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ الرَّضَاعَةِ مِنْ الْمَجَاعَةِ".

وبمقتضى حديث سهلة هذا الحديث حديث الباب تقول عائشة –رضي الله عنها- راوية الحديث: وإن رضاع الكبير يحرم مطلقًا، استدلالاً بهذا الخبر، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه عند الحاجة فقط، لا يحرم إلا إذا احتيج إليه كما في هذه القصة.

أحسن الله إليك.

"وَبَيَانُ الْقِصَّةِ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ كَانَ قَدْ تَبَنَّى سَالِمًا وَزَوَّجَهُ، وَكَانَ سَالِمٌ مَوْلًى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَار،ِ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} [سورة الأحزاب:5] الْآيَةَ، كَانَ مَنْ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ نُسِبَ إلَى أَبِيهِ وَمَنْ لَا أَبَ لَهُ مَعْرُوفٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَتْ سَهْلَةُ تَذْكُرُ مَا نَصَّهُ الْحَدِيثُ فِي الْكِتَابِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَذَهَبَتْ عَائِشَةُ إلَى ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاضِعُ بَالِغًا عَاقِلًا. قَالَ عُرْوَةُ: إنَّ عَائِشَةَ أَخَذَتْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ وَبَنَاتِ أَخِيهَا يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَعُرْوَةَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وابْنِ حَزْمٍ، وَنَسَبَهُ فِي الْبَحْرِ إلَى عَائِشَةَ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ سَهْلَةَ هَذَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [سورة النساء:23]".

وهذا يدخل فيه الكبير والصغير.

"فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ".

ولكن النصوص الآخرى قيدت، «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ».

"وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي الصِّغَرِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الصِّغَرِ، فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: مَهْمَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، فَإِنَّ رَضَاعَهُ يُحَرِّمُ، وَلَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بَعْدَهُمَا؛ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [سورة البقرة:233].

 وَقَالَ جَمَاعَةٌ: الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ، وَلَمْ يُقَدِّرُوهُ بِزَمَنٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ فُطِمَ وَلَهُ عَامٌ وَاحِدٌ وَاسْتَمَرَّ فِطَامُهُ، ثُمَّ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ هَذَا الرَّضَاعُ شَيْئًا، وَإِنْ تَمَادَى رَضَاعُهُ وَلَمْ يُفْطَمْ فَمَا يَرْضَعُ، وَهُوَ فِي الْحَوْلَيْنِ حَرَّمَ وَمَا كَانَ بَعْدَهُمَا لَا يُحَرِّمُ، وَإِنْ تَمَادَى إرْضَاعُهُ.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ عَارِيَّةٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ، فَلَا نُطِيلُ بِهَا الْمَقَالَ.

 وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» وَتَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى مَنْ يُشْبِعُهُ اللَّبَنُ وَيَكُونُ غِذَاءَهُ لَا غَيْرَهُ، فَلَا يَدْخُلُ الْكَبِيرُ سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ. وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ سَالِمٍ بِأَنَّهُ خَاصٌّ بقضية سَهْلَةَ، فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى غَيْرِهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِعَائِشَةَ: ما نَرَى هَذَا إلَّا خَاصًّا بِسَالِمٍ، وَما نَدْرِي لَعَلَّهُ رُخْصَةٌ لِسَالِمٍ. أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ".

"وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ: بِأَنَّ الْآيَةَ وَحَدِيثَ «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» وَارِدَانِ لِبَيَانِ الرَّضَاعَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّفَقَةِ لِلْمُرْضِعَةِ، وَاَلَّتِي يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْأَبَوَانِ رَضِيَا أَمْ كَرِهَا، كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ آخِرُ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [سورة البقرة:233]. وَعَائِشَةُ هِيَ الرَّاوِيَةُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» وَهِيَ الَّتِي قَالَتْ: بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَأَنَّهُ يُحَرِّمُ، فَدَلَّ أَنَّهَا فَهِمَتْ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ".

وأهل العلم في مسألة تعارض الرأي مع الرواية حينما يروي الصحابي خبرًا ويفتي بخلافه، فالعبرة بما روى لا بما رأى عند الجمهور.

أحسن الله إليك.

"وَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: إنَّهُ خَاصٌّ بِسَالِمٍ، فَذَلِكَ تَظَنُّنٌ مِنْهَا، وَقَدْ أَجَابَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: أَمَا لَك فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَسَكَتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَلَوْ كَانَ خَاصًّا لَبَيَّنَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا بَيَّنَ اخْتِصَاصَ أَبِي بُرْدَةَ بِالتَّضْحِيَةِ بِالْجَذَعَةِ مِنْ الْمَعْزِ".

وشيخ الإسلام يطرد مثل هذا، يقول: من وُجد فيه الظرف الذي وجد في سالم الحاجة فالرضاعة تحرم، ومن حاله كان مثل حال أبي بردة فإنه يضحي بالجذعة، فقصره –رحمه الله- في هذه النصوص قصر أحوال، لا قصر أشخاص.

أحسن الله إليك.

"وَالْقَوْلُ بِالنَّسْخِ يَدْفَعُهُ أَنَّ قِصَّةَ سَهْلَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ آيَةِ الْحَوْلَيْنِ، فَإِنَّهَا قَالَتْ سَهْلَةُ: لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟! قال: فَإِنَّ هَذَا السُّؤَالَ مِنْهَا اسْتِنْكَارٌ لِرَضَاعِ الْكَبِيرِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّحْلِيلَ بَعْدَ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ.

قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرَّضَاعَةَ لُغَةً إنَّمَا تَصْدُقُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي سِنِّ الصِّغَرِ، وَعَلَى اللُّغَةِ وَرَدَتْ آيَةُ الْحَوْلَيْنِ وَحَدِيثُ: «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ»، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْآيَةَ لِبَيَانِ الرَّضَاعَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّفَقَةِ لَا يُنَافِي أَيْضًا أَنَّهَا لِبَيَانِ زَمَانِ الرَّضَاعَةِ، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَمَانَ مَنْ أَرَادَ إتمَامَ الرَّضَاعَةِ، وَلَيْسَ بَعْدَ التَّمَامِ مَا يَدْخُلُ فِي حُكْمِ الشارع".

في حكم ما حكم الشارع.

"في حكم مَا حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ سَهْلَةَ وَمَا عَارَضَهُ كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّهُ يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ فِي الرَّضَاعَةِ إلَّا إذَا دَعَتْ إلَيْهِ الْحَاجَةُ كَرَضَاعِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْ دُخُولِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَيشقّ احْتِجَابُهَا عَنْهُ كَحَالِ سَالِمٍ مَعَ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَمِثْلُ هَذَا الْكَبِيرِ إذَا أَرْضَعَتْهُ لِلْحَاجَةِ أَثَّرَ رَضَاعُهُ. وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ الصِّغَرِ انْتَهَى. فَإِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ حَسَنٌ وَإِعْمَالٌ لَهَا مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لِظَاهِرِهَا بِاخْتِصَاصٍ، وَلَا نَسْخٍ، وَلَا إلْغَاءٍ لِمَا اعْتَبَرَتْهُ اللُّغَةُ وَدَلَّتْ لَهُ الْأَحَادِيثُ".

يكفي.

اللهم صل على محمد.