شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 11

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 11
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم.

إلى حلقةٍ جديدة في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، ولا زلنا في كتاب الصوم.

ويسرنا مع بداية الحلقة أن نُرحِّب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: لا زلنا في حديث ابن عمر –رضي الله عنهما– قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم– يقول: «إذا رأَيْتُموه فصوموا، وإذا رأَيْتُموه فأفطِروا، فإنْ غُمَّ عليكم فاقدُروا له» يعني هلال رمضان.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

في قوله –عليه الصلاة والسلام–: «إذا رأَيْتُموه فصوموا» قررنا أنّ المخاطب من تتأتى منه الرؤية، ويثبت بخبره الحكم، لا الجميع، «إذا رأَيْتُموه فصوموا» فإذا ثبت الهلال بقول من يثبت الحكم بقوله، مسلم ثقة، فمن الذي يلزمهم الصوم؟

مقتضى قوله: «فصوموا» وهو خطابٌ للأمة بأكملها أنّ الأمة يلزمهم جميعهم الصوم، يلزم جميع الأمة الصوم من شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، وهذا ما يُعرف بمسألة اتحاد المطالع واختلافها، والحديث لا شك أنه محتملٌ، أنه احتمل هذا المعنى: أنه مادام «صوموا لرؤيته» والخطاب لمن؟ لأهل المدينة فقط؟ لا، إذًا ما الذي يجعله لأناسٍ دون آخرين؟ مقتضى الحديث أنّ الأمة يلزمهم الصوم كلهم.

يقول ابن حجر: قد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلدٍ غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك.

المقدم: لكن الإلزام هذا بمجرد فهمه لهذا النص كما قلنا: إنه محتملٌ لهذا الفهم؛ ولذلك قال: الإلزام.

بلا شك.

ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأنّ قوله: حتى تروه خطابٌ لأناسٍ مخصوصين فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروفٌ عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحدٍ؛ فلا يتقيد بالبلد ما دام الخبر مصروفًا عن ظاهره بالنسبة للرائي، فلا مانع للصرف عن ظاهره بالنسبة للمأمور بالصيام.

 قلنا: إنه مصروفٌ حتمًا في «إذا رأيتموه»، أنه لا يتجه الخطاب لجميع الأمة، «إذا رأيتموه»، إنما يتجه للمجموع، ويكفي من ذلك ما يثبت الخبر به.

 يقول: ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأنّ قوله: حتى تروه خطابٌ لأناسٍ مخصوصين فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروفٌ عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحدٍ؛ فلا يتقيد بالبلد، واختلف العلماء في ذلك على مناهج.

المقدم: لكن هذا توجيهٌ سليمٌ مادام أنه مصروفٌ كما ذكرنا في البداية من كلام عامة الناس إلى عمومهم، هل هذا متوجهٌ أيضًا في مسألة أنه «إذا رأيتموه» مصروفٌ للعامة.

أما بالنسبة للرائي فصرفه الإجماع.

المقدم: هذا بلا شك.

أما بالنسبة للمأمور بالصيام، فالمسألة خلافية بين أهل العلم، واللفظ يحتمل المذهبين، ولكلٍّ أدلته.

من أهل العلم من يرى أنّ لأهل كل بلدٍ رؤيتهم، في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عباس– رضي الله عنهما– روى الإمام مسلم عن إسناده عن كريب: أنّ أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس– رضي الله عنهما-، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية -ليلة الجمعة- فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم–.

فدل على أنّ لأهل الشام ما يخصهم، ولأهل المدينة ما يخصهم، وأنّ لأهل كل بلدٍ رؤيتهم.

المقدم: هل حدود هذا البلد؟ وكيف يخضع للوالي؟

سيأتي من يربطه بالحاكم وإلا فالظروف التي تعيشها الأمة في العصور المتأخرة مع هذه الحدود يحصل إشكالات كبيرة.

المقدم: بعضها صغيرةٌ جدًّا يا شيخ.

وبعضها طرفه مثلًا أقرب إلى البلد الثاني من قلب البلد التي تنتمي إليه؛ فلا شك أنّ القول بهذا يحصل فيه إشكال، لذا جاء في قرار الهيئة -كما سنذكر- هيئة كبار العلماء في هذه البلاد ما يخفف من أمر هذا الخلاف، وسوف نسوقه إن شاء الله تعالى.

يقول: هكذا أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم–، قد يقول قائل: هذا نصٌّ يرفع الخلاف في اختلاف المطالع، نصٌّ أم ليس بنص؟

المقدم: بلى، مادام قال: أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم–.

طيب، هذا القول حكاه ابن منذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكى الماوردي وجهًا للشافعية.

القول الثاني مقابله: إذا رؤي الهلال ببلدةٍ لزم أهل البلاد كلها الصيام، هذا هو المشهور عند المالكية، وهو أيضًا المشهور عند الحنابلة: أنه إذا رؤي الهلال ببلدٍ يلزم المسلمون كلهم الصيام.

 وحكى ابن عبد البر الإجماع، لكنه إجماع خاص قال: أجمعوا على أنه لا تُراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس.

نعم، أولًا: مسألة اختلاف المطالع هذا أمرٌ مقررٌ متفقٌ عليه، المطالع مختلفة، لكن هل العمل على اختلاف المطالع أو لا؟  هذا هو محل الخلاف، أيضًا من كان في أقصى البلاد في خراسان من المشرق أو في الأندلس من المغرب رؤي هنا أو هنا، وقيل: باتحاد المطالع مثلًا، وما فيه وسائل تخبر الناس إلا بعد أيامٍ، يمكن طلوع شهر.

المقدم: يمكن من بعثته أم الفضل ما جاء إلا في آخر الشهر وسأله ابن عباس.

نعم، قال القرطبي: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضعٍ ثم نُقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم.

وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي تثبت فيه الشهادة إلا أن تثبت عند الإمام الأعظم يعني الإمام الأعظم الذي يحكم المسلمين كلهم فيلزم الناس كلهم؛ لأنّ البلاد في حقه كالبلد الواحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.

طيب كيف اعتبرنا هذا بلدًا واحدًا وهو أقاليم؛ لأنّ الإمام الأعظم واحدٌ؟ على هذا القول، الذي جعلناه الآن مثلًا مربوطًا بالإمام، ما اعتبرنا اختلاف المطالع من جهةٍ؛ لأنّ هذا الإمام قد يحكم أكثر من إقليمٍ تختلف مطالعها، ونحن علقناه بالإمام، وإن حكم أكثر من إقليم تختلف مطالعه.

المقدم: وهذا ظاهرٌ؛ فيه بعض البلدان التي تكون كبيرةً جدًّا.

بلا شك، حتى أيام الدول الإسلامية.

المقدم: هارون الرشيد كانت مملكته ضخمة.

بلا شك، على كل حالٍ الحديث محتمِلٌ أنه خطابٌ للأمة بمجموعها؛ فيلزم الجميع كالقول الثاني، ويحتمل أنه خطابٌ لمن تتأتى منه الرؤية ويتمكن منها كالقول الثاني، والقول الثاني مرجحٌ بحديث ابن عباس، إذ يقول: لا نفطر حتى نراه، طيب رؤية معاوية والناس؟ هكذا أمرنا رسول الله– صلى الله عليه وسلم –.

 ويرجح حديث ابن عباس –رضي الله عنهما– ولاسيما وقد صرح برفعه للنبي –صلى الله عليه وسلم–: هكذا أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم–، إلا أنّ لمخالفهم فهمًا لقول ابن عباس: أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ابن عباس لم يذكر صيغة الأمر، وهل كان أمره بنصٍّ خاصٍّ في هذه القضية، يعني لا تصوموا حتى تروه وإن رآه غيركم، أو كان أمره– عليه الصلاة والسلام – لعموم قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وعمل ابن عباس بمقتضى هذا النص؛ وحينئذٍ يرجع إلى قول الجمهور، إلى القول الثاني.......

المقدم: هو يسأل: هل هناك نصٌ أم فهم ابن عباس –رضي الله عنهما-؟

هذا الكلامٌ، قول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم–، هل الأمر هذا بنصٍّ خاصٍّ ينص على هذه القضية بعينها: وهو أنه إذا رؤي في بلدٍ لا يلزم البلد الثاني الصيام كما في قصة ابن عباس؟

المقدم: لم نسمع هذا النص، ولم يُنقل إلينا وبالتالي يُعتقد.....

لم يُنقل إلينا، أو يكون ابن عباس بقوله: هكذا أمرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم– بعموم قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» احتمال.

المقدم: فيكون من فهمه.

فيكون من فهمه، فالمسألة فيها سعةُ؛ ولذا ساغ الخلاف فيها.

في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء سؤال: هل يمكن أن يصوم أهل إفريقيا برؤية أهل مكة؟

الجواب: قد صدر بهذه المسألة قرارٌ من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية هذا مضمونه:

أولًا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي عُلمت بالضرورة حسًّا وعقلًا، ولم يختلف فيها أحدٌ من العلماء، اختلاف المطالع، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره، يعني إذا رآه شخصٌ في أقصى المشرق، هل يصح أن نقول: إذا رأيتموه قد رأيناه فنصوم؟ يعني لا نعتبر اختلاف المطالع؟ احتمال، يعني على اعتبار اختلاف المطلع وعدم اعتباره، هذا محل الخلاف.

ثانيًا: مسألة اختلاف اعتبار المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية، هذا كلام الهيئة، هيئة كبار العلماء، من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجالٌ، والاختلاف فيها واقعٌ ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يُؤجر فيه المصيب بأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم يرَ اعتباره، واستدل كل فريقٍ منهما بأدلةٍ من الكتاب والسّنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [سورة البقرة 189] هذا يشمل جميع الناس.

وبقوله –صلى الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» الحديث؛ وذلك لاختلاف الفهم في النص، وسلوك كل منهما طريقًا في الاستدلال به، ونظرًا لاعتباراتٍ رأتها الهيئة وقدرتها، ونظرًا إلى أنّ الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثارٌ تُخشى عواقبها فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنًا لا نعلم فيها فترةً جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤيةٍ واحدةٍ فإنّ أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولةٍ إسلاميةٍ حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته ومستنداته؛ لأنّ النصوص محتملة كما قررنا.

وأما بالنسبة لاختلاف المطالع هذا ما يختلف فيه أحدٌ، الخلاف في اعتبار الاختلاف: هل يعتبر أم ما يعتبر؟ الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- علق على قرار الهيئة في مجموع فتاواه ورسائله قلت: وهذا قولٌ وسطٌ، يعني التخيير بين القولين، قلت: وهذا قولٌ وسطٌ، وفيه جمعٌ بين الأدلة وأقوال أهل العلم إذا علم ذلك؛ فإنّ الواجب على أهل العلم في كل بلادنا أن يُعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه، وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم، ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس، وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك، ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر؛ لأنّ ذلك يسبب انقسام الناس، وكثرة القيل والقال؛ هذا إذا كانت الدولة غير إسلامية، العلماء يجتهدون، يعني الجاليات غير الإسلامية إذا كان عندهم من تبرأ الذمة بتقليدهم من أهل العلم يجتهد ويقر لهم ما يرجح.

المقدم: هذا في الدول غير الإسلامية.

يقول: أما الدول الإسلامية فإنّ الواجب عليها اعتماد ما قاله أهل العلم، وإلزام الناس به من صومٍ أو فطرٍ عملًا بالأحاديث المذكورة، وأداءً للواجب، ومنعًا للرعية مما حرم الله عليها، ومعلومٌ أنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين، والثبات عليه، والحكم به، والتحاكم إليه، والحذر مما يخالفه، إنه جوادٌ كريمٌ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وآله وصحبه. هذا كلام الشيخ -رحمه الله-.

فكأنّ الهيئة وما علق الشيخ -رحمه الله- يرون أنّ في المسألة سعةً. من رأى الهلال، إذا رأيتموه فصوموا.

المقدم: فيه سؤالٌ يقول: إذا كان هناك بلدٌ يا شيخ، وكان هذا البلد المعمول به هو الحساب وليست الرؤية الشرعية؛ فهل من أراد أن يحتاط يصوم على أقرب بلدٍ مجاورةٍ لهم تعتمد الرؤية الشرعية؟

بلا شك، إذا كان المقدمات ووسائل الإثبات غير شرعية فلا بد من اللجوء إلى الوسائل الشرعية، إما أن يتراءاه تلك البلاد بطريقتهم الشرعية بالرؤية، إذا لم يتمكنوا من رؤيته يقلدون أقرب البلدان إليهم ممن كانت وسائلهم في الإثبات شرعية.

المقدم: يقصد الأخ: ما يثار الآن في مسألة المطالع إذا اشتركت دولتان في جزءٍ من الليل فإنّ مطلعهم يعتبر واحدًا؟ إذا رؤي في الدولة الشرقية عن الغربية صامت الدولتان؟

لو نظرنا في حديث ابن عباس مع تقرير اختلاف المطالع بين المدينة والشام مع أنها تشترك في غالب الليل، واختلفت المطالع، فهذا الكلام ما له أثرٌ.

السائل: هذه القضية بالإضافة للقضية الأولى التي هي المكان الأول: مقدماته غير شرعية، طريقة الرؤية والاستدلال على دخول الشهر غير شرعية، بالفلك، والمكان الثاني مكانٌ يأخذ بشكلٍ شرعي فبالتالي هنا.....

ما فيه شك أنّ الذي يقلَّد من يعمل بالشرع، أما الذي لا يعمل بالمقدمات الشرعية هذا الذي لا عبرة به، ولا يقلد البتة، ولو صام أهل البلد كلهم على غير مقتضى الشرع لا اعتبار به.

فيمن رأى الهلال مثلًا وحده وردت شهادته، هذه المسألة يبحثها أهل العلم.

المقدم: هل يصوم أو لا يصوم؟

لأنّ الصوم علق بالرؤية وقد رآه؛ فما الذي يخرجه من هذا الحديث؟ هل يصوم أو لا يصوم؟ هل يصوم عملًا بهذا الحديث أو لا يصوم باعتبار أنه يصبح شاذًّا من بين الأمة؟

على كل حالٍ من رأى الهلال وحده ورُدت شهادته يختلف أهل العلم في حكمه: هل يصوم وحده أو يفطر وحده أيضًا؟ يعني إذا رأى هلال شوال، المسألة خلافية:

فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصوم وحده، ويفطر وحده، وقيل: لا، بل عليه أن يصوم مع الناس، ويفطر معهم، يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس؛ لحديث «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»، هذا الحديث مخرجٌ عند الترمذي من حديث أبي هريرة وحسَّنه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- وجمع من أهل العلم.

يقول الشيخ ابن باز: وهذا القول أظهر في الدليل، واستدل بحديث الترمذي «الصوم يوم تصومون»، والمسلمون لم يصوموا؛ فتصبح شهادته لاغيةً في حقه وحق غيره فلا يصوم، وهذا هو الأرجح. هذا كلام الشيخ، والله ولي التوفيق.

يعني الرؤية هذه هل هي رؤيةٌ حقيقية أو حكمية؟ بمعنى أنه رآها ببصره.

المقدم: حقيقية.

لأنه إذ رُدت شهادته إذًا لم يره حكمًا وإن رآه حقيقةً، يعني ننظّر بمسألةٍ أخرى: من رأى الزاني -نسأل الله السلامة والعافية- وهو يمارس الزنا بشكله الكامل...

المقدم: ثبتت الرؤية، لكن لم يصدر الحكم.

لكن هذه رؤيةٌ حقيقية أم حكمية؟ هذه رؤيةٌ وإن كانت رؤيةٌ حقيقية، لكنها ليست بالرؤية الشرعية؛ لا يثبت بها حكمٌ؛ ولذلك يُسمى قاذفًا ويُحد، وإن كان قد رأى رؤية لم مراء فيها إذا لم يكتمل النصاب الأربعة، الآن لما نظّرنا هذه المسألة بتلك ظهرت أم لم تظهر؟

المقدم: بلى، ظهرت، هذا يصدق -إن أذنت لي فضيلة الدكتور- يعني يصدق بالذات في مسألة هلال شوال أكثر؛ لأنه يشترط فيه أن يوجد اثنان، إذا رآه شخصٌ فإنه يتقدم مباشرةً لإثبات رؤياه، أو ينتظر حتى يتأكد من وجود شخصٍ آخر، وكونه يتقدم إن جاء أحدٌ؟

عليه أن يتقدم، ما له دعوة بالآخرين، أما شهادته تقبل أو لا تقبل هذه مسألة أخرى ليست له، هو عليه أن يؤدي ما عليه، هذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن باز -رحمه الله-، والظاهر من حديث الترمذي: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون».

المقدم: لكن كلامه كله على رد الشهادة؟

نعم؟

المقدم: كلام يعني أهل العلم هنا في مسألة تقرير شيخ الإسلام وابن باز -رحمه الله- على رد الشهادة، الحكم لو قبلت الشهادة ولم يُستوف الأصل فهل الحكم واحدٌ؟

الحكم واحد، هي رُدت حكمًا، يعني إذا شهد بأنه رأى هلال شوال وحده ولم تُقبل مردودٌ لا لخللٍ فيه، هو ثقةٌ، لكن لعدم اكتمال النصاب؛ فهو مردود الشهادة.

وعلى كل حالٍ مثل هذه الأمور التي هي أمورٌ جماعية هل نقول: إنّ هذا صام يوم الفطر وصيام يوم الفطر حرامٌ؟ ما ثبت العيد بالوسائل الشرعية، والأمة مطالبةٌ بالوسائل الشرعية كونها طابقت الواقع أو لم تطابق.

ولذلك يبحث أهل العلم مسألة: لو وقف الناس كلهم بعرفة اليوم الثامن غلطًا، أو في اليوم العاشر؟ نقول: حجهم باطلٌ؟ لا، ليس بباطلٍ؛ لأنّ عندهم وسائل شرعية، نظير ما يحكم به القاضي من الشهود، الذي تبرأ الذمة باعتبار شهادتهم، ولو كانوا في الواقع في واقع أمرهم قد غلطوا في شهادتهم.

 ولذا النّبي –عليه الصلاة والسلام – المؤيد بالوحي مأمورٌ باتخاذ الوسائل الشرعية والنتائج ليست له؛ ولذلك قال –عليه الصلاة والسلام – في الحديث الصحيح: «إنما أنا بشرٌ أقضي على نحو ما أسمع، ومن قضيت له شيئًا بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعةً من نارٍ فليأخذها أو ليذرها» وهذا المؤيد بالوحي فمن باب أولى غيره.

والقاضي تبرأ ذمته إذا سلك الوسائل الشرعية، ونحن تبرأ ذمتنا إذا عملنا بالمقدمات الشرعية في الرؤيا سواء في دخول الشهر أو في خروجه، ونحن -ولله الحمد- في هذه البلاد قد وكل الأمر إلى من تبرأ الذمة باعتبارهم؛ فإذا أثبتوا لنا أنّ الهلال دخل بشهادة من قبلوا شهادته وهم الآن نحسبهم من التحري، نعم يعني المجلس، من أهل التحري والتثبت تبرأ الذمة بتقليدهم.

لا يقال: المسألة اجتهاديةٌ ومطلوبٌ من كل شخصٍ، الذي يطلب الاجتهاد والكمال لا يقلد في دينه الرجال يذهب لينظر بنفسه، مطلوبٌ أن يذهب الإنسان أن يتحرى الهلال وينظر، لكن هل هذا طلب للأمة بكاملها؟

المقدم: أبدًا.

نعم، وما يُثار في مثل هذه القضايا حقيقةً يوجد إشكالات عند العامة، وفي الحقيقة لا أثر شرعي له، يعني وُكِل الأمر إلى من تبرأ الذمة بتقليده؛ فنحمد الله -جلَّ وعلا- على هذه النعمة، أن جعلنا نكتفي بمثل هذا، وإلا فالمسألة يكون فيها حرجٌ عظيمٌ على الأمة، لو أخذنا بالإيثارات والإشكالات وما أشبه ذلك.

 

على كل حالٍ الحديث خرجه الإمام البخاري في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول: في كتاب الصوم باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا، قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثني اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قال: أخبرني سالم أنّ ابن عمر –رضي الله عنهما– قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم– يقول: «إذا رأَيْتُموه فصوموا، وإذا رأَيْتُموه فأفطِروا، فإنْ غُمَّ عليكم فاقدُروا له»، وقال غيره: عن الليث حدثني عقيل ويونس لهلال رمضان، وتقدم ذكر المناسبة.

والموضع الثاني: في كتاب الصوم أيضًا باب قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما– أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم– ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه»، والمناسبة ظاهرةٌ.

والموضع الثالث أيضًا في كتاب الصيام في الباب المذكور في باب قول النبي –عليه الصلاة والسلام-: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما– أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم– قال: «الشهر تسعٌ وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» أيضًا المناسبة ظاهرةٌ، والحديث خرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- فهو متفقٌ عليه.  

المقدم: جزاك الله خيرًا، وأحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.

أيها الأخوة والأخوات، بهذا نصل بكم إلى ختام هذه الحلقة في برنامجكم شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لقاؤنا يتجدد بكم بإذن الله تعالى مع باب آخر وأحاديث أخرى من كتاب الصوم.

حتى ذلكم الحين نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.