شرح ألفية الحديث للحافظ العراقي (53)

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح ألفية الحافظ العراقي (53)

(غريب أَلفاظ الأَحاديث)

 

الشيخ/ عبد الكريم الخضير

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

أحسن الله إليك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين يا ذا الجلال والإكرام.

قال الحافظ -رحمه الله تعالى-:

غَرْيِبُ أَلْفَاْظِ الأَحَاْدِيْثِ

وَالنَّضْرُ أَوْ مَعْمَرُ خُلْفٌ أَوَّلُ
ثُمَّ تَلَى أبو عُبَيْدٍ وَاقْتَفَى
فَاعْنِ بِهِ وَلاَ تَخُضْ بالظَّنِّ
وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ
كَذَاكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيْ، وَالْحَاكِمُ

 

 

مَنْ صنَّفَ الْغَرِيْبَ فِيْمَا نَقَلُوْا
القُتَبِيُّ ثُمَّ حَمْدٌ صنَّفَا
وَلاَ تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ
فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ وَهْوَ وَاهِمُ

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف الناظم -رحمه الله تعالى-: "غريب ألفاظ الحديث".

وهو يختلف عن الغريب الذي سبق الحديث عنه، فالغرابة هناك تعني التفرد والانفراد بالرواية، وهنا غريب الألفاظ، غريب المتون، الألفاظ الغريبة التي يشق فهمها من أول وهلة، بل تحتاج إلى مراجعة كتب تشرحها، هذا غريب ألفاظ المتون، وهناك يعني التفرد بالرواية، ففرق بين هذا وذاك، قد يكون الحديث الغريب الفرد من أوضح الأحاديث متنًا يفهمه كل من يسمعه، وهنا قد تكون الألفاظ تحتاج إلى مراجعة ولو استفاضت أسانيدها وتباينت طرقها فلا تلازم بين هذا وهذا.

غريب ألفاظ الحديث المراد به الألفاظ الغامضة في متون الأحاديث التي تحتاج إلى مراجعة، إما للكتب أو لأهل العلم الضابطين المتقنين، وهذا النوع من أنواع علوم الحديث كما يقول أهل العلم: جدير بالعناية، جدير بالتحري، حري بالتوقي، لماذا؟ لأن الإنسان إذا قال برأيه في هذا الباب، وقال: المراد من الحديث كذا، فقد يكون قد قال على الرسول -عليه الصلاة والسلام- بغير علم، فهو على خطر ولو أصاب؛ يعني مثل هذا لا بد فيه من التحري؛ لأنك تخبر عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وعن مراده بهذه اللفظة، وكان السلف من الأئمة يتوقون هذا النوع، وما جاء في القول على الله بغير علم يتناول مثل هذا؛ لأن القول على رسوله -عليه الصلاة والسلام- كالقول عليه؛ لأنه مبلغ عنه، وأحاديثه وكلامه -عليه الصلاة والسلام- وحي؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وجاء الوعيد الشديد في حق من قال في القرآن برأيه، وإذا كان الأثر المترتب على القول بالقرآن بالرأي نظيره القول بالرأي بالنسبة لما يختص بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، فالأئمة يتوقون ويتحرون في مثل هذا، الإمام أحمد على سعة الرواية عنده حيث كان يحفظ سبعمائة ألف حديث، والذي يحفظ هذا المقدار يندر أن يوجد من ألفاظ الحديث ما يشق عليه فهمه؛ لأنه إذا أُجمل في موضع فصل في موضع آخر، وإذا كان اللفظ غريبًا في متن، جاء واضحًا في متن آخر، والإمام أحمد يقول: أنا لا أفسر كلام الرسول -عليه الصلاة والسلام- يعني برأيه، وكذلك الأصمعي الذي يحفظ من دواوين العرب ما يحفظ، ويتصور اللغة بمفرداتها كما نتصور الأمور البدهية، يقول لما سئل عن حديث: ((الجار أحق بصقبه)) قال: أنا لا أفسر حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولكن العرب تزعم أن الصقب اللزيق، يعني الجار الملاصق.

والصحابة -رضوان الله عليهم- لما ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال بعضهم: لعلهم كذا، لعلهم كذا، لعلهم كذا، ولا شك أن مثل هذا لا يحتاج إلى توقيف، إذا جيء بحرف الترجي لا يحتاج إلى توقيف؛ لأن الإنسان لم يجزم بأن هذا مراد النبي -عليه الصلاة والسلام-، إنما هو على سبيل البحث بين الأقران، وعلى هذا لو طرحت آية أو حديث في مجلس بين طلاب علم، وقيل: المعنى لعله كذا وقال آخر: لا، لعل المراد كذا، إذا جيء بحرف الترجي فالمرجو أنه لا بأس به -إن شاء الله تعالى- من غير جزم بأن هذا هو المراد، الجزم يحتاج إلى رجوع...

قد يقول قائل: إننا نجد في كتب الشروح -شروح الحديث- وقبلها في التفاسير بعض المفسرين يهجم على اللفظ ويفسره بما لم يسبق إليه، وبعض الشراح كذلك، هل نقول: إن هذا قال برأيه؟ وبعض أهل العلم يسأل عن الآية ويجيب بأن معناها كذا، ويسأل عن الحديث ويقول: معناه كذا، هل يدخل في هذا الوعيد؟ نقول: فرق بين شخص له عناية بهذا العلم سواءً كان بالتفسير أو بالحديث، وله سعة اطلاع على أقوال المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، ومن له سعة اطلاع في الشروح -شروح الأحاديث- المتنوعة المختلفة المشارب، ثم بعد ذلك تكونت لديه الأهلية، تكونت لديه ملكة يفهم بها كلام الله -جل وعلا-، وكلام رسوله -عليه الصلاة والسلام- مثل هذا لا يلام، مع أنه إذا تورع أولى، لكن الإشكال إذا هجم على النصوص مَن ليس في العير ولا في النفير، ليس له أدنى ارتباط بالنصوص، ويقول: القرآن عربي، ونحن عرب، الرسول -عليه الصلاة والسلام- عربي، ونحن عرب، نفهم كلامه، نقول: ما تفهم كلامه، وكم من شخص انبرى لهذه الأمور وافتضح، وبعضهم سئل عن معنى آية فأجاب بقولٍ والآية مختلف فيها على ثمانية أقوال أو على عشرة أقوال بين المفسرين ولا أصاب ولا واحد منها، وكذلك الحديث يعني إذا سئل هو خالي الذهن، لا ارتباط له بالحديث؛ ولذلك يقولون: بالنسبة لغريب الحديث: لا يتصدى له إلا من جمع بين الخبرة والمعرفة بلغة العرب والحديث، ما يكفي لغوي يفسر الحديث، ويشرح الحديث أبدًا، ما يكفي، ولا يكفي محدث يشرح الغريب دون معرفة وإلمام باللغة؛ ولذا أصحاب الغريب كلهم من أهل اللغة، لكن لهم عناية بالحديث، لماذا؟ لأن اللفظ في الحديث يأتي وله في اللغة معان كثيرة، له في اللغة معان كثيرة، لكن من يطبق المعنى المراد على الحديث؟ قد يكون إذا راجعت لسان العرب أو غيره من كتب اللغة تجد لهذه اللفظة عشرة معان، لكن من الذي يختار القول المناسب من هذه الأقوال أو المعنى المناسب من هذه المعاني لهذا المتن؟ من الذي يختار؟ الذي يختار من له خبرة باللغة صحيح شخص لا معرفة له باللغة ويأتي يفسر ولو كان محدثًا، ولو جمع من الحديث ما جمع، لكن لا بد أن يكون جامعًا بين الأمرين، فإذا كان للفظ الواحد عشرة معان، ما الذي ينزل المعنى المناسب على هذا اللفظ الوارد في هذا الحديث؟ نعم إذا كان له خبرة بمعرفة الحديث يستطيع أن ينزل المعنى المناسب؛ لأنه قد يأتي اللفظ في حديث ويأتي نفس اللفظ في حديث آخر، والمعنى مختلف؛ لأن السياق الذي هو من اختصاص أهل الحديث له دور كبير في تحديد المراد، وكذلك الاطلاع على أقوال اللغويين له دور أيضًا في فهم المراد، فلذا لا يتصدى لهذا النوع إلا من جمع بين الفنين.

طالب:........

يختلف ماذا؟

طالب:........

إيه يوجد.

طالب:........

من جمع بين الأمرين، نقدم من جمع بين الأمرين.

طالب:........

شوف يا أخي عندك، المحدثون الأصل فيهم الرواية، يتفرغون لها، الأصل في أهل الحديث الرواية، حينما يقولون مثلًا: الناسخ والمنسوخ ليس من مباحث هذا الفن، إنما هو من مباحث الأصول، لماذا يقولون مثل هذا؟ لأنهم يفترضون في المحدث أنه لا علاقة له بالمتن يروي فقط؛ ولذلك يسمونه الصيدلي، والاستنباط شأن الفقيه، هكذا يفترضون، لكن شخص جمع الله له بين العلوم كلها، وصار من التفنن بحيث يستطيع أن يفهم النصوص، ويتعامل مع النصوص على أكثر من وجه، هذا هو المقدم في كل فن.

طالب: ........ بالجمع بين الأمرين.......

يعني أبو عبيد مثلًا، يعني هو مقدم على أبي عبيدة وعلى الأصمعي وعلى فلان وعلان، لماذا؟ لأنه محدث مع علمه باللغة، وهذا مثال.

طالب:........

كيف؟

طالب:........

دعنا من المتأخرين الذين تأثروا بالمذاهب الأصلية والفرعية، ترى التأثير فيهم واضح، مذاهبهم أثرت فيهم؛ ولذلك نقول في مناسبات كثيرة: إن حتى كتب اللغة التي يرجع إليها، ينبغي أن تكون همة طالب العلم إلى المتقدمين الذين لم تؤثر فيهم المذاهب.

طالب:........

يجئ الكلام عليهم، الآن ما بعد دخلنا في الكتب، ما دخلنا في الكتب.

غريب ألفاظ الحديث

"والنضر" بن شُميل "أو معمر" معمر بن المثنى أبو عبيدة.

"خُلفٌ أولُ"، يعني أول من صنف في غريب الحديث هل هو النضر بن شميل أو معمر بن المثنى أبو عبيدة؟

..........................خلفٌ أولُ
 

 

من صنف الغريب فيما نقلوا
ج

لأنهما وجدا في زمن واحد، فلا يدرى أيهما السابق بالتأليف؟ ثم تلا أبو عبيد، نعم أبو عبيد القاسم بن سلام بعدهم، بعد النضر وبعد أبي عبيدة، ثم أبو عبيد النضر ومَعمر والأصمعي وغيرهم من المتقدمين على أبي عبيدة هؤلاء مؤلفاتهم صغيرة، يجمعون بعض المتون المشكلة ألفاظها والغامضة ألفاظها فيفسرونها، كتب صغيرة يعني وهذا شأن بداية التأليف، يعني الذي يؤلف في الفن أول من يؤلف لا شك أنه يبدأ الأمر عنده يسير، ثم بعد ذلك يبني عليه من يأتي بعده، ويفتح له المجال، ويفتح له آفاقًا قد تكبر الكتب عند الثاني والثالث بالنسبة للأول بسبب الأول، إما زيادة نظائر على ما ذكر مع الموافقة، أو من أجل أن يرد عليه عند المخالفة، فتزداد حجم الكتب؛ ولذلك تجدون كلما تأخر الزمان زادت الكتب، لماذا؟ لأن الكتب القديمة تودع في هذه الكتب المتأخرة، ثم بعد ذلك يضاف إليها من الأمثلة والنظائر وغيرها بما يزيد به الحجم، مما هو مطلوب في الفن، أو يزيد الحجم بالتصدي للمؤلف المتقدم عند المخالفة.

"ثم تلى أبو عبيد" وأبو عبيد محل ثقة عند الجميع؛ لأنه إضافة إلى كونه من أئمة اللغة سليم الاعتقاد، وهو في الوقت نفسه محدث نظير الأئمة المتقدمين من أهل الحديث، فينبغي أن يعتنى بكتابه، وصار كتابه محل عناية من المتأخرين، صار من جاء يؤلف في غريب الحديث إنما يدور في فلكه، وكتابه مطبوع ومتداول، لكن ترتيبه يحتاج إلى فهرسة، فالوصول إلى اللفظة التي تريدها تحتاج إلى عناية وكثرة تردد على الكتاب، هذا الذي يجعل مثل هذا الكتاب لا يتداوله طلاب العلم بكثرة، يلجئون إلى النهاية؛ لأن ترتيبها سهل، أبو عبيد إضافة إلى كونه إمام في اللغة إمام في الحديث، سليم الاعتقاد؛ ولذلك محل ارتياح من أهل العلم، ولهم عناية في كتابه.

"واقتفى ** القتبي" يعني جاء ابن قتيبة عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وألّف في غريب الحديث، واستفاد من أبي عبيد فائدة كبرى، ثم جاء بعده الخطابي وصنف في غريب الحديث، ونقل ممن تقدم، وتعقب ورد، فزاد حجم كتابه، وكتابه مطبوع أيضًا، وغريب الحديث لابن قتيبة مطبوع، وأبو عبيد مطبوع، كلها مطبوعة، هذه المؤلفات..، والمؤلفات في غريب الحديث كثيرة جدًّا لا تكاد تحصى من كثرتها، فعلى طالب العلم أن ينتقي منها؛ لأن الرجوع إليها كلها فيه شيء من الوعورة والعسر، فيعتني بغريب الحديث لأبي عبيد، وما زيد عليه من قَبل ابن قتيبة، والخطّابي، وابن الجوزي، وعبد الغافر الفارسي، والزمخشري في الفائق، هذه كتب نافعة في باب الغريب، ثم بعد ذلك النهاية التي جمعت أكثر أو كثير من كتب الغريب؛ لتأخر مؤلفها؛ لأن ابن الأثير جمع غريب الحديث من كتب الغريب ومن كتب اللغة، وذكر مصادره ومراجعه في مقدمة الكتاب، فكتابه جامع، يعني من أراد أن يقتصر على كتاب واحد في الغريب فعليه بالنهاية، لكن من أراد أن يؤصل العلم، يؤصل هذا الفن، ويبني على أساس متين يبدأ بأبي عبيد، ثم من تلاه؛ لأن التدرج في التأليف ينفع طالب العلم، يفيده كثيرًا بخلاف ما إذا كان يتخبط، مرة يأخذ من متأخر، ومرة من متقدم، ومرة من كذا، ومرة من كذا؛ لأن التدرج في الفن الواحد يفيد طالب العلم، ويجعله ينسب القول لقائله ومنشئه بدقة؛ لأنه قد تنقل من النهاية وأنت ما تدري الكلام لمن، يمكنه لأبي عبيد، ثم تقول: قال في النهاية، وإن كان محل نقد انتقدت ابن الأثير، وهو في الأصل لابن قتيبة وعليه ملاحظات، غريب الحديث لابن قتيبة، هناك أيضًا غريب الحديث لإبراهيم الحربي، وطبع منه القسم الخامس ومن أنفع كتب الغريب، عرفنا الذي ذكرنا أبو عبيد والزمخشري والنهاية إضافة إلى ابن قتيبة والخطّابي وابن الجوزي، الدلائل من أنفع كتب الغريب الدلائل لقاسم بن ثابت السرقسطي، لكنه مات لم يكمله، فأكمله أبوه ثابت، يعني على خلاف العادة، العادة أن الولد هو الذي يكمل كتاب الأب، لكن الأب تأخرت وفاته عن ابنه فأكمل كتاب ابنه، واسمه الدلائل، وطبع قسم منه، أظن في ثلاثة مجلدات.

هذه من أهم كتب الغريب، وطالب العلم الذي يريد أن يعتمد على نفسه في هذا العلم يجمع بين هذه الكتب، لماذا؟ لأنه قد يقع إذا كان اعتمد على كتاب واحد فيه خطأ ولا يتنبه له، لكن لو كان عنده أكثر من كتاب نعم إذا تتابعوا على نقل معنًى واتفقوا عليه هذا ما فيه إشكال، لكن إذا ذكره واحد ثم انتقده الثاني يفتح لك أبوابًا مثل هذا، وأيضًا يضاف إلى كتب الغريب كتب اللغة، ومن أهمها الصحاح للجوهري ومتقدم، والتهذيب للأزهري والمحكم لابن سيده، ولسان العرب وتاج العروس والقاموس وغيرها من كتب المتأخرين؛ لأنها جمعت أكثر الكتب، لكن ينقل منها بحذر، لماذا؟ لأنها تأثرت بالمذاهب، أعني كتب المتأخرين.

"فاعن به" يعني اهتم به، اهتم به ذا النوع من أنواع علوم الحديث، لماذا؟ لأنك إذا لم تفهم اللفظ كيف تستطيع أن تستنبط منه؟ واللفظ إذا لم تفهمه سهل أن يتصحف عندك، وسهل أن تقلد مصحِّفًا؛ لأنك ما فهمت اللفظة، فأنت إذا لم تفهم معناها يعني إذا سمعتها من شخص تثق به قلدته في لفظها، لكن ما تدري ويش معناها؟ لكن إذا عرفت معناها تحرر لك لفظها.

فاعن به ولا تخذ بالظنِ
 

 

...................................
 

يعني أنت إذا غلب على ظنك أن هذا المعنى المراد من هذا اللفظ من الحديث النبوي أو من القرآن الكريم فأنت تجرؤ على كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- في الظن، فلا بد من المراجعة، لا بد من مراجعة في الكتب، ومراجعة أهل المعرفة والاختصاص، الذين عُرفوا بالدقة والتثبت والتحري.

فاعن به ولا تخذ بالظنِ
 

 

ولا تقلد غير أهل الفنِ
 

لأنك تسأل فقيهًا مثلًا عن راوٍ من الرواة، أو عن لفظ غريب، أو تسأل شخصًا لا يد له في هذا الفن قد يفتيك بما لا يدل عليه دليل، وبما لا أصل له، يعني بعض الناس لو تسأله ولو كان من طلاب العلم، {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [(18) سورة طـه] يعني مجرد ما يسمع يقول: نبغي نهش عليها على شان يمشون، ويطردهم يمينًا وإلا يسارًا، وهذا الكلام ليس بصحيح، ما قال: أهش بها غنمي، ولا قال بهذا أحد من أهل العلم، وإنما المراد أنه يهش بها يعني يضرب بها الشجر ليتساقط ما فيها لتأكله الغنم.

يعني نقول: إن بعض الألفاظ التي تتبادر إلى الذهن ليست هي المرادة، كثير هذا في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، يعني بعض الناس يرى ترجيح التأخر في الحج؛ لقوله -جل وعلا-: {لِمَنِ اتَّقَى}، {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [(203) سورة البقرة] ظن أن التقوى للتأخر، مع أن التقوى للجميع، والآية لا يؤخذ منها ترجيح التأخر على التقدم، إنما يؤخذ من فعله -عليه الصلاة والسلام-، والتقوى مطلوبة للجميع لرفع الإثم عمن تقدم وعمن تأخر، فيكون معنى الآية هو معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) فمثل هذا يحتاج إلى تأن، العجلة ما تفيد في مثل هذا.

....................................
وخير ما فسرته بالواردِ

 

 

ولا تقلد غير أهل الفنِ
...................................

 

لأنه قد يأتي اللفظ مستغلقًا في حديث، لكنه يأتي واضحًا مفسرًا في حديث آخر، كما أن أولى ما يفسر به القرآن القرآن، وكذلك أولى ما تفسر به السنة السنة، وخير ما فسرته بالوارد؛ لأنك إذا فسرته بقول قائله برئت من عهدته، والمتكلم أعرف الناس بكلامه؛ ولذا كثيرًا ما يقولون: "رَب الدار أعرف بما في الدار"، "وأهل مكة أدرى بشعابها" دائمًا يقولون مثل هذا، وإذا كان للماتن شرح على هذا المتن فإنه يكون أولى ما يعتنى به، لا سيما المتون المعصورة أو النظم، هذا إذا كان للمؤلف شرح فهو أولى ما يعتنى به، وبعض الشراح الآخرين قد ينازعون صاحب المتن إذا شرح، قد ينازعونه في فهم كلامه، يعني تقدم لنا في أصح الأسانيد: "وابن شهاب عنه به" نعم قال الحافظ العراقي: "به" يعني بالحديث، قال السخاوي: لا، به يعني بالسند، نعم، "وابن شهاب عنه به" الناظم يقول..، قال الحافظ العراقي: به يعني بالحديث، قال السخاوي: لا، به يعني بالسند، نعم، "وابن شهاب عنه به" الناظم يقول: بالحديث، والسخاوي يقول: لا، بالإسناد، طيب هذا كلامي، أنت تبي توضح لي كلامي؟ يعني قد ينتقد السخاوي في مثل هذه الجرأة، لكن علة السخاوي أن البحث هنا ليس في الأحاديث إنما هو في أصح الأسانيد، "به" يعني بالإسناد، ليس بالحديث، يعني هل يوافق على مثل هذا؟ أو نقول: رب الدار أدرى بما فيها؟ وحينئذٍ إذا سئلت وقيل لك: أيها أفضل: شروح الألفية؟ هل تقول: شرح المصنف أو شرح السخاوي؟

وخير ما فسرته بالواردِ
 

 

...................................
 

يعني لأنه كلام المتكلم نفسه، قد يتكلم الإنسان بكلام قد تخونه العبارة، أو قد تقصر عبارته عن بيان معناه، ثم يأتي من يوضحه لغيره ممن تسعفه العبارة، هذا موجود، لكن الأصل أن المتكلم أعرف، وكما يقولون، يكررون: أهل مكة أدرى بشعابها، يعني مثلما قال النووي في ضبط الكرماني قال: بفتح الكاف (الكرماني)، وأصر، ويقال: بكسرها والفتح أفصح وأكثر وأشهر، ثم جاء الكرماني قال في نسبة راوٍ من الرواة منسوب إلى هذه البلدة قال: كرمان بكسر الكاف وإن قال النووي بفتحها وأهل مكة أدرى بشعابها، يعني حصل من بعض المتعجلين، وهذه من الطرائف، مشاهد يعني أنا حضرتها، كل واحد يعرف بنفسه، قال واحد منهم: أنا فلان ابن فلان وذكر اسمه، ورد عليه واحد من الحاضرين، لكن الخلاف في الضبط ما هو بفي..، يعني لو سبق لسانه إلى كلمة غير صحيحة، لكن الكلام يعني..، كيف ترد على صاحب الاسم وأنت..، يعني هذه طرائف تحصل في مثل هذا، ومثل ما قلنا: إنه خير ما فسرته بالواردِ، وهذا مطرد، إلا أنه قد تقصر عبارة..، لا نقول هذا في الكتاب والسنة، يعني في كلام البشر، يعني لو أن خليل -صاحب المختصر- شرح مختصره بدلًا من مائة صفحة يشرحه في خمسمائة صفحة، لكن جاء شخص شرحه بألف صفحة، بكلام أوضح وأسهل، هل نقول: إن شرح خليل أفضل من شرح هذا المتأخر، يعني مثل ما قلنا بالنسبة لشرح المؤلف وشرح السخاوي بالنسبة للألفية، شرح السخاوي أفضل بكثير، لا سيما وأن شرح المؤلف يكاد يكون مستوعبًا في شرح السخاوي، وليس هذا من باب أن السخاوي أفهم وأعرف وأدرى بما يقوله الناظم نفسه، هذه أمور تقدر بقدرها.

وخير ما فسرته بالواردِ
 

 

كالدخ بالدخان لابن صائدِ
 

النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له: ((خبأت لك خَبئًا)) فقال: الدخ، يعني جاء بيانه في روايات أخرى، وأن المراد به الدخان، أن المراد به الدخان، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((اخسأ فلن تعدو قدرك)) يعني قدر الكهان الذين يخطفون من الكلمة بعضها، الكاهن قد يختطف بعض الكلمة، ما يكمل الكلمة خشية أن يدركه شهاب، فصار هذا ديدن لهم، يخطفون بعض الكلمة ويقرونها في أذن وليهم قر الدجاج، كما جاء في الخبر، فقال: الدخ، بالدخان، جاء في متن آخر أن مراد النبي -عليه الصلاة والسلام- الدخان لا سيما وقد تلا: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [(10) سورة الدخان] وقال بعضهم: أن عيسى -عليه السلام- يقتل الدجال على جبل يقال له: جبل الدخان.

كذاك عند الترمذي.................

 

...................................

يعني جاء تفسير الدخ بالدخان عند الترمذي، لكن ماذا عن الحاكم أبي عبد الله؟

............................والحاكمُ
 

 

فسره الجماع وهو واهمُ
 

قال: الدخ، يقال: بضم الدال وفتحها الدَّخ هو الجماع، لماذا؟ لأنه سأل عنه من لا عناية له باللغة، ولا بالحديث، فقال: الدخ والزخ هو الجماع، وذكروا بيت علي -رضي الله عنه-:

طوبى لمن كانت له مزخّة
 

 

 

يزخها ثم ينام الفخة
ج

شوف لما سأل شخص ما له عناية بالعلم، لا عناية له بلغة العرب؛ لأنه لا يوجد في لغة العرب أن الدخ بمعنى الجماع، والحديث جاء تفسيره في حديث آخر بالدخان؛ ولذا قال:

............................والحاكمُ
 

 

فسره الجماع وهو واهمُ
 

مما يفيد في شرح وبيان غريب ألفاظ الحديث: الشروح، شروح كتب السنة، يعني كما أن التفاسير تفيد في فهم كلام الله -جل وعلا-، شروح الحديث تفيد في فهم كلام النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا حاجة ولا داعي إلى أن نذكر هذه الشروح، وأهم هذه الشروح، ومزايا كل شرح؛ لأن هذا فيه أشرطة كفتنا، يعني ألقيناها قبل سنين، قبل عشر سنوات، وصار الناس يتداولونها، ويذكرون أنهم استفادوا منها، فمن أراد هذه الشروح ومزايا كل شرح يرجع إليها، سميت (مناهج شروح الكتب الستة) نعم؟ أو مقارنة بين شروح الكتب الستة، على كل حال هذا رد على...، لكن التسمية ليست من عندي، هذه التسمية ليست من عندي.

طالب:........

من حفظ حجة على من لم يحفظ.

طالب:........

جزاك الله خيرًا، لا، لا كلام طيب؛ لأنه يروح يسأل عن مناهج كتب..، يمكن ما يلقى، يسأل التسجيلات مع أنها اشتهرت بهذا يعني، اشتهرت بهذا، والأصل في الدورة أظنها عنوانها مقارنة بين شروح الكتب الستة، فسميت بهذا الاسم، وإلا فالأصل هي مناهج يعني، يعني باختصار حسب ما أسعف به الوقت؛ لأن المدة أسبوع.

طالب:........

والسخاوي بالسند.

طالب:........

لا، لا الحديث يقصد به المتن، ما فيه إلا أنهم جعلوا الحديث يدور على اختلاف صحابيه، فيجعلون هذا حديث؛ لأنه مروي من طريق أبي هريرة، وهذا حديث باعتبار أنه مروي من طريق ابن عمر مثلًا.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

بالمعنى العام بمعنى ما يتحدث به، يشمل الترجمة أيضًا عليه، إذا قلنا: إن المعنى ما يتحدث به توسعنا، نعم.

الْمُسَلْسَلُ

مُسَلْسَلُ الْحَدِيْثِ مَا تَوَارَدَا
حَالًا لَهُمْ أوْ وَصْفًا أوْ وَصْفَ سَنَدْ
وَقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ
وَمِنْهُ ذُوْ نَقْصٍ بِقَطْعِ السِّلْسِلَهْ

 

 

فِيْهِ الرُّوَاةُ وَاحِدًا فَوَاحِدَا
كَقَوْلِ كُلِّهِمْ: سَمِعْتُ فَاتَّحَدْ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفًا يَحْصُلُ
كَأوَّلِيَّةٍ وَبَعْضٌ وَصَلَهْ

 

نعم يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:

"المسلسل"

المسلسل: مأخوذ من التسلسل وهو التتابع والاتفاق على وصف أو حال أو هيئة قولية أو فعلية، إذا تسلسل السند أو أضيف على شيء من المتن بعض الأحوال إما هيئة محدِّث أو مكان أو زمان تسلسلوا عليه، أو صفة محدِّث فهذا يسمونه مسلسلاً.

يفيد في مسألة اتصال الإسناد، يفيد أيضًا في الضبط، إذا حُفظ ما يحتف بالخبر مما يتعلق بإسناده أو متنه دل على أن هذا الخبر محفوظ، وهذا الأصل من التسلسل في البداية، لكنه مع الأسف لما طال الزمان، وحرص الناس على التسلسل صار على حساب الصحة؛ ولذا كثير من المسلسلات لا تثبت، ولو رجعت إلى المناهل، السلسلة في الأحاديث المسلسلة وجدت أن أكثر ما فيه أحاديث واهية، لا تثبت، كل هذا من أجل الحفاظ على هذا التسلسل، وهذا الحفاظ على هذا التسلسل عاقهم عن تحصيل هذه الأحاديث بأسانيد أصح وأنظف، فتجدهم يحرصون على الرواية عن هذا الراوي؛ لأنه اتصف بهذا الوصف؛ لأن اسمه محمد مثلًا، والسند كله من المحمدين، أو لأنه فقيه، والسند كله فقهاء، أو لأنه فعل هذا الفعل الذي تتابع الرواة عليه، وإن لم يكن ممن يثبت خبره.

مسلسل الحديث ما تواردا
 

 

...................................
 

يعني تتابع.

...................................
 

 

فيه الرواة واحدًا فواحدا
ج

يعني واحد تلو الآخر، يعني بدءًا من الأصل الذي هو الرسول -عليه الصلاة والسلام- ثم الصحابي ثم التابعي إلى آخر من يرويه، يتسلسلون، وقلَّ أن يوجد، ندر أن يوجد إسناد يتتابع فيه هذا التسلسل من أوله إلى آخره، يعني حديث معاذ: ((إني أحبك)) يعني تسلسل هذا؛ لأن الكلمة قالها النبي -عليه الصلاة والسلام- وتتابعوا عليها، لكن أشهر حديث في المسلسلات حديث المسلسل بالأولية: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) هذا أشهر الأحاديث المسلسلة، لكن الصحيح أن التسلسل في الأخير ماشي إلى يومنا هذا وهو يقول: أول حديث سمعته منه، لكن هذا التسلسل ينقطع عند سفيان، يعني في طبقتين أو ثلاث ما في تسلسل إلا بطرق لا تثبت، ليست صحيحة.

حالًا لهم أو وصف متن أو سند
 

 

....................................
 

يوصف المتن أو يوصف السند.

....................................
 

 

كقول كلهم: سمعت فاتحد
 

يعني سواءً كان بأسماء الرواة أو بأوصافهم أو بصيغ الأداء كلهم يقول: قال فلان، سمعت فلانًا، قال: سمعت فلانًا، قال: سمعت، إلى آخره، أو حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، إلى آخره، أو مسلسل بالعنعنة عن فلان عن فلان عن فلان.

....................................
 

 

كقول كلهم: سمعت فاتحد
 

يعني الإسناد من أوله إلى آخره مسلسل.

في صحيح مسلم في آخره حديث فيه صيغة أداء نادرة ومتسلسلة، ولا تجد الشراح يشيرون إليها، إلا أنها قد انقطعت في الآخر...

طالب:.......

حدثنا فلان رده إلى فلان، قال: حدثنا فلان، رده إلى فلان وهكذا، هذا في صحيح مسلم، هي من صيغ الأداء النادرة.

طالب:.......

الظاهر عاد يتعبنا بحثه، خلوه، هو على كل حال هو مثاله موجود في صحيح مسلم، حدثنا فلان قال: رده إلى فلان...، أظنه في الفتن.

...................................
وقسمه إلى ثمان مثلُ

ج

 

كقول كلهم: سمعت فاتحد
...................................

 

ذكر الحاكم أنواعًا وأمثلة ثمانية، كثيرًا ما يسمي الأمثلة أنواع، فظن ابن الصلاح أن القسمة حاصرة، وهي في الحقيقة أمثال، أمثلة للمسلسل، وليست حاصرة بمعنى أنه لا يمكن الزيادة عليها.

وقسمه إلى ثمان، يعني ثمانية أقسام كما زعم ابن الصلاح، فهمًا من كلام الحاكم إنما هي مثل، يعني أمثلة.

...................................

 

وقلما يسلم ضعفًا يحصلُ
ج

يعني إذا بحثت عن حديث مسلسل من أوله إلى آخره يندر أن تجد من هذا النوع حديثًا سالمًا من الضعف، والكتب المؤلفة في هذا شاهدة.

...................................
ومنه ذو نقص بقطع السلسله
 

 

وقل ما يسلم ضعفًا يحصلُ
...................................

ج

يعني ما تسلسل من النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى يومنا هذا، نعم إلى يومنا موجود، لكنه....

وجدته؟

لكنه ينقطع عند سفيان، يعني أول من قال: وهو أول حديث سمعته سفيان، وما بعده ما في أول حديث سمعته، فهل يمكن أن يقال: هذا مسلسل؟ ما يمكن أن يقال: مسلسل إلا إلى سفيان، يعني بالتقييد.

ومنه ذو نقص بقطع السلسله
 

 

كأوليةٍ وبعض وصله
ج

بعض وصله لكنه لا يثبت هذا الوصل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يثبت، يعني من الأحوال الفعلية يعني قبض اللحية مثلًا، حدثني وقبض لحيته، حدثني قائمًا، فلما حدثني تبسم، هذه موجودة في الأحاديث المسلسلة، والله إني لأحبك، كلهم قالوا هذا، وقبض لحيته وقال: ((آمنت بالقدر خيره وشره)) بالأحوال الفعلية والقولية.

على كل حال مثل هذه الأمور إنما هي من مُلح هذا العلم، ومع الأسف أنها بدلًا من أن تكون دلالة على ضبط الرواة للخبر صارت سببًا للتساهل في نقل الخبر، بحيث ينقل عن طريق من لا يثبت الخبر به.

اقرأ الناسخ والمنسوخ.

ما لقيته؟

طالب:.......

سم.

اقرأ الناسخ والمنسوخ، إن شاء الله نحضره الدرس القادم -إن شاء الله-.

أحسن الله إليك.

النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوْخُ

وَاَلنَّسْخُ رَفْعُ الشَّارِعِ السَّابقَ مِنْ
أَنْ يُعْتَنَى بِهِ وَكَانَ الشَّافِعِي
أَوْ صَاحِبٍ أَوْ عُرِفَ التَّارِيْخُ أَوْ
دَلاَلَةَ الإِجْمَاعِ لاَ النَّسْخَ بِهِ

 

 

أَحْكَامِهِ بِلاَحِقٍ وَهْوَ قَمِنْ
ذَا عِلْمِهِ ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ
أُجْمِعَ تَرْكًا بَانَ نَسْخٌ وَرَأَوْا
كَالْقَتْلِ فِي رَابِعَةٍ بِشُرْبِهِ

 

نعم يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: في هذا النوع من أنواع علوم الحديث:

"الناسخ والمنسوخ" وأهل العلم يؤكدون على أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ سواءً كان في القرآن أو في السنة؛ لأن من أراد العمل بالنص قد يعمل به بمجرد سماعه، ولا يدري هل هو منسوخ أو محكم؟ قد يعمل بنص منسوخ؛ ولذا يقول الزهري: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من منسوخه، وقف علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على قاصٍّ فقال له: "أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت" صحيح؛ لأنه قد يدل الناس على عمل منسوخ، والمثال الذي نذكره في اجتهاد بعض طلاب العلم قبل الأهلية أنه وجد من طلاب العلم الصغار من قرأ: باب الأمر بقتل الكلاب، ثم أخذ المسدس وليلة كاملة يبحث عن الكلاب ويقتل، لما جاء درس الغد: باب نسخ الأمر بقتل الكلاب، يعني معرفة الناسخ والمنسوخ والمتقدم من المتأخر في غاية الأهمية للمتفقه، مهم جدًّا؛ لئلا تعمل بخبر رفع حكمه.

الناسخ هو الرافع، والمنسوخ هو مرفوع الحكم، والنسخ هو رفع الحكم الثابت بخطاب آخر شرعي متراخ عنه، فالنسخ من خصائص النصوص؛ ولذا إذا قيل: هذا الحكم نُسخ بالإجماع فمعناه أن الإجماع دل على وجود ناسخ، وإن لم نطلع عليه؛ لأن النسخ من خصائص النصوص، ولا أحد يستطيع أن يرفع حكمًا شرعيًّا لا واحد ولا مجموعة ولا أمة ولا، الحكم الشرعي لا يرفعه إلا من شرعه.

طيب حينما يقول بعض الأصوليين: إن الإجماع مقدم على النص، نص الكتاب والسنة، يعللون هذا بأن الإجماع لا يحتمل نسخًا ولا تأويلاً، بخلاف النص، يحتمل نسخًا وتأويلاً، هناك أحاديث ذكر أهل العلم أنهم أجمعوا على ترك العمل بها، أجمعوا على ترك العمل بها، ما معنى يتصرفون من أنفسهم أو أن إجماعهم دل على وجود ناسخ؟ فعلى هذا تقديم الإجماع ليس بتقديم له لذاته، وإنما تقديم للدليل الذي اعتمد عليه هذا الإجماع؛ لأن الإجماع لا بد أن يعتمد على نص، وحينما يقول الترمذي -رحمه الله- في علل الجامع: ليس في كتابي مما أجمع على ترك العمل به إلا حديث الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وفي رواية: "ولا سفر" حديث ابن عباس، وأيضًا قتل الشارب وستأتي الإشارة إليه.

إذا أُجمع..، الحافظ ابن رجب أضاف أحاديث قال بعض أهل العلم: إنه أجمع على ترك العمل بها، وغيره أيضًا أضاف أحاديث.

هذه المسائل التي فيها أحاديث ثبتت بنصوص صحيحة، وأُجمع على عدم العمل بها هذه العمل إنما حصل بدليل هذا الإجماع، الدليل الذي اعتمد عليه الإجماع، وتوسع بعضهم قال: أُجمع على ترك العمل به كما سيأتي في قتل المدمن، والخلاف منقوض بوجود المخالف.

يقول -رحمه الله-:

والنسخ رفع الشارع...............

 

...................................

يعني من خصائص النصوص ما يستطيع أحد أن يرفع حكمًا شرعيًّا إلا الله -جل وعلا-: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [(21) سورة الشورى] ما في إلا بإذن الله، نعم؟

طالب:........

هذه مسائل نسبية قد يمشي على هذا جيل من الناس، خلاص يسلمون، أُجمع، بحثنا فلم نجد، وقد يوفَّق شخص بكتاب ليس بمظنة ويجد الناسخ.

طالب: معناه أن المستند عليه.....

لا، قد لا تقف عليه.

طالب:.......

لا، في مسائل قالوا: أجمعوا عليها ودليلها فيه غموض، والسبب في هذا التساهل في نقل الإجماع؛ ولذا الإمام أحمد في رواية قوية عنه أنه لا إجماع بعد الصحابة، الناس تفرقوا ما يمكن ضبط أقوالهم، وتساهل كثير ممن ينقل الإجماع، ابن المنذر يعني لُوحظ عليه على بعض إجماعاته، ابن عبد البر، ابن قدامة، ابن القطان وغيرهم ممن يعتني بنقل الإجماع، تجد بعض الإجماعات مخرومة، فضلًا عن النووي الذي ينقل الإجماع وقد ينقل الخلاف، نعم، قد ينقل الخلاف بعد أن نقل الإجماع، وقد ينقل الإجماع في مسألة ما والخلاف ظاهر في كتاب متداول بين الناس كلهم، وقد يكون الخلاف في كتاب قد يخفى على كثير من طلاب العلم، فمثلًا لما يقول: أجمع العلماء على أن صلاة الكسوف سنة، وأبو عوانة في صحيحه يقول: باب: وجوب صلاة الكسوف، وحينما يقول النووي: أجمع العلماء على أن عيادة المريض سنة، والبخاري يقول: باب: وجوب عيادة المريض، لكن لا شك أن هذه الدعاوى للإجماع -وإن كانت غير ملزمة في الجملة- إلا أنها تجعل طالب العلم يتوقف، ويهاب مثل هذا النقل، نعم حتى يجد مخالفًا، لكن الشوكاني -رحمه الله- صرح في نيل الأوطار في أكثر من موضع قال: دعاوى الإجماع التي ينقلها فلان وفلان وفلان تجعل طالب العلم لا يهاب الإجماع، نقول: لا بد من هيبة الإجماع حتى نجد مخالفًا، ومخالف ممن يعتد بقوله من أهل العلم، و ذكرنا مرارًا مسألة اتفاق الأئمة الأربعة على قول مع جميع أتباعهم، مع أن المخالف لهم ليس بمنزلتهم ولا بمنزلة بعض أتباعهم، هذا لا شك أنه يوجد لمثل هذا القول هيبة، ومخالفته تحتاج إلى نص صحيح صريح؛ لأنه في كثير من المسائل تجد الأئمة الأربعة وأتباعهم على القول باستحباب كذا أو بكراهية كذا، مع أن الظاهرية ينصون على التحريم أو على الوجوب، يعني ما وجدنا صارفًا، ومع ذلك الأئمة كلهم على هذا وأتباعهم ما وجد رواية في مذهب أو شيء، يعني إذا وجد رواية في مذهب من المذاهب المعتبرة أمر سهل يعني، تخرج عن البقية، لكن ما وجد لهم ولا رواية ولا واحد من أتباعهم المعتبرين خالف لا شك أن لمثل هذا القول هيبة، ويبقى أن الحَكَم في المسألة هو النص، الحكم هو النص، لكن يبقى أن طالب العلم لا يتعجل في مثل هذه المسائل؛ لئلا تكثر الشذوذ في أقواله.

طالب:.......

سبب مثل هذا القصور أو التقصير، النص لا بد أن يكون موجودًا، لكن بحثت فيما بين يديك من المراجع قلت: والله ما وجدت، وكلفت، وسألت وكذا ما وجدت، في مظانه ما وجدت شيئًا، نحن نقول: لا بد من وجود نص يعتمد عليه هذا الإجماع.

طالب: الإشكال يا شيخ قضية مخالفة وجود الإجماع، قد يوجد الإجماع لكن الإشكال في انضباط مخالفة الإجماع هل هو شذوذ؟ هل هو ثابت؟ هل هو صحيح؟

مسائل الإجماع ترى فيها إشكال كبير، يعني الإجماع بعد الخلاف، اشتراط انقراض العصر، هذا أيضًا مسألة خلافية بين أهل العلم تجعل في المسألة مجال للنظر، على كل حال مسائل الإجماع مبحوثة ومستوفاة في كتب الأصول؛ ولذا يقولون: إن مثل هذا المبحث أصولي، حتى الناسخ والمنسوخ يجعلونه أصوليًّا، لا من مباحث علوم الحديث؛ لأن هذا من شأن الفقيه، المستنبط، لا من شأن المحدث الذي هو مجرد راوية، لكن لا شك أن حديثًا بلا فقه خلل ونقص؛ لأن الاستنباط هو الغاية، نعم، وفِقه بدون حديث شلل، يعني إذا كان ذاك خلل فهذا شلل، يعني يوجد فقيه بدون حديث؟ هم يفصلون بين الأمرين، لكن هل يمكن أن نصف فقيه حقيقي داخل في حديث: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) ما عنده نصوص؟ يعني في تصرفات أهل العلم وانتقاداتهم لبعض الأمور يفصلون بين الفقه والحديث، فيجعلون هذا صيدلي وهذا طبيب، هذا يركب الأدوية وهذا يعالج، وهذا قد يوجد، لكن ينازع في كون هذا فقيهًا وهو ما عنده نصوص يعتمد عليها، وينازع في كون هذا محدث وهو لا يفهم الحديث، قال:

والنسخ رفع الشارع السابق من
 

 

أحكامه بلاحق.....................
 

ج

رفع ما هو بانتهاء مدة؛ لأن النص قد يكون له أمد: {حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [(15) سورة النساء] في حديث عبادة بن الصامت: ((خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا)) هل هذا نسخ وإلا بيان؟ لأن هذه مدة تنتهي عندها، طيب رفع الجزية ثابتة بالدليل القطعي، بالقرآن، ومع ذلك إذا جاء عيسى -عليه السلام- يضع الجزية، ما يقبل إلا الإسلام، هل نقول: هذا نسخ؟ لا، الحكم إلى أمد، وهذا ليس بنسخ؛ ولذا يقول:

والنسخ رفع الشارع السابق من
 

 

أحكامه بلاحق.....................
 

ج

يعني متأخر متراخ، لا يأتي المنسوخ ثم الناسخ بعده مباشرة، إلا في مسألة النسخ قبل التمكن من الفعل، لكن لا يمكن أن يأتي نسخ قبل التمكن من الفعل أو أسبابه، أسباب الفعل، لا بد من بذل شيء يمكن نسخه، ينسخ ما وراءه، قد تبذل الأسباب ويباشر الفعل ثم ينسخ قبل التمكن منه، كما في قصة الذبيح.

...................................

 

...................بلاحق وهو قمِن

بكسر الميم، وقد تقال بفتحها قمَن، قمَن وقمِن، تقدم في بيت من الأبيات.

وكثر استعمال عن في ذا الزمن
 
ج

 

إجازة وهي بوصل ما قمَن
 

 

قالوا: هنا الفتح أولى، من أجل ماذا؟ يطابق الزمن, وهنا قمن أولى، لماذا؟ من أجل أن تطابق من، يعني جدير وخليق، قال:

...................................
أن يعتنى به.......................

 

..........................وهو قمن
...................................

ذكرنا أن هذا النوع من أنواع علوم الحديث، ومن أنواع أصول الفقه، يعني من أهم ما يعتنى به طالب العلم، وألفت فيه المؤلفات، هناك الناسخ من المنسوخ أكثر من مؤلف بالنسبة للقرآن، وكذلك بالنسبة للسنة، ومن أفضل ما ألف في الناسخ والمنسوخ في السنة الذي نحن بصدد الحديث عنه (الاعتبار) للحازمي، (الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار).

أن يعتنى به وكان الشافعي
 

 

...................................
 

الإمام محمد بن إدريس الشافعي، "ذا علمه" يعني صاحب علم الناسخ والمنسوخ، يعني إليه المرجع وعليه المعول في هذا الفن، وكتبه شاهدة بذلك، يعني لو قرأت في الرسالة وجدت بابًا كبيرًا في الناسخ والمنسوخ، أيضًا بحوث كثيرة ومسائل كثيرة في الأم، ولذلك قال:

.....................وكان الشافعي

 

 

ذا علمه ثم بنص الشارعِ
 

يعني هل يقال: إن الحافظ العراقي شافعي وتعصب لإمامه؟ نقول: لا، الواقع يشهد بهذا، الإمام الشافعي له يد طولى، وكذلك سائر الأئمة، لكن الشافعي كلامه في النسخ مدون، لكن بالنسبة لغيره من الأئمة ما تجد الكلام مدونًا، لكن بالنسبة لغيره من الأئمة ما تجد الكلام مدون، إنما هو منثور في أسئلة يسأل عنها.

...................................
أو صاحب أو عرف التاريخ أو
 
ج

 

...................ثم بنص الشارعِ
أجمع تركًا بان نسخٌ...............

 

يعني ثم بان نسخ، يعني يعرف النسخ، يبين النسخ بنص الشارع، ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها)) يعني نجزم بأن النهي عن زيارة القبور منسوخ بأي شيء؟ بنص الشارع، "أو صاحب" بأن يقول الصاحب: هذا الحكم منسوخ، وبعضهم ينازع في كون هذا مما يبين به النسخ؛ لأنه قد يقوله باجتهاده، يظن تعارض بين هذا النص وهذا النص ثم يستروح إلى أن هذا النص متأخر، فيقول: إنه منسوخ، أو صاحب..، لكن إذا قال الصحابي: كان آخر الأمرين من فعله -عليه الصلاة والسلام- ترك الوضوء مما مست النار، عرفنا أن المتقدم منسوخ بقول الصحابي، "أو صاحب أو ** عرف التاريخ" ومعرفة التاريخ معروفة عند أهل العلم، ولهم عناية بها، تواريخ المتون، ولذا عُنوا بالمكي والمدني بالنسبة للقرآن؛ ليعرف المتقدم من المتأخر، وكذلك بالنسبة للسنة يعرف بالصحابي مثلًا وببعض الأحوال وبما يحتف بالقصة، وبمن بالبحث عن المبهم في الخبر، ليعرف المتقدم والمتأخر.

المقصود أن الوسائل لمعرفة التاريخ كثيرة جدًّا لأهل العلم؛ ولذلك أمثلة، عرف التاريخ: حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) حديث شداد بن أوس، مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- احتجم وهو صائم، حديث ابن عباس، يقول الإمام الشافعي: حديث شداد في الفتح -فتح مكة- أو في عمرة القضية، مع أن حديث ابن عباس في حجة الوادع، فقال: إن حديث ابن عباس ناسخ لحديث شداد بن أوس، وهذا قول معتبر عند أهل العلم، عند من يقول: إن الحجامة لا تفطر.

................أو عرف التاريخ أو

 

أجمع تركًا.........................

إذا أجمعوا على ترك العمل به عرفنا أنه منسوخ، وسبق الكلام في هذه المسألة، وأن الناسخ في الحقيقة هو ما اعتمد عليه الإجماع من نص.

................................ أو
دلالة الإجماع لا النسخ به
 

 

أُجمع تركًا بان نسخ ورأوا
...................................
 

يعني ما دل أو الدليل الذي اعتمد عليه الإجماع هو الناسخ لا النسخ، لماذا؟ لأن النسخ من خصائص النصوص، لا النسخ به، فالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ، لا النسخ به، أولًا: لأن الإجماع لا يثبت إلا بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام-، وبوفاته تنقطع النصوص، والنسخ من شأنها.

....................... لا النسخ به
 

 

كالقتل في رابعة بشربه
 

((من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاقتلوه))، وفي بعض الروايات: الخامسة، وهو مروي من طريق أحد عشر صحابيًّا، فالحديث صحته لا إشكال فيها، لكن مفاده أن المدمن يقتل، وعلى خلاف بين أهل العلم في الرابعة عند من يقول به، في الرابعة أو الخامسة حسب الأدلة الدالة على ذلك.

يقول الترمذي: إن هذا مما أجمع العلماء على ترك العمل به، مع أنه يقول به ابن حزم، يقول: يقتل إذا شرب الرابعة، وأيده السيوطي في تعليقه على الترمذي، وللشيخ أحمد شاكر رسالة اسمها: (كلمة الفصل في قتل مدمن الخمر) وتعليقه على المسند واف في هذه المسألة، أطال في تقريرها، هذا على القول بأن هذا حد، حد يقتل في الرابعة، هذا القول على أنه حد، والجمهور على أنه منسوخ لا يعمل به، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم يرونه تعزيرًا، يعني إذا كثر في الناس وفشا فيهم وما نفع فيهم الحد للإمام أن يقتل المدمن، والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.