كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 42

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 42
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

باب: المساجد

عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من بنى مسجداً -قال بكير: حسبت أنه قال- يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)) متفق عليه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وإسناد بعضهم على شرط الصحيحين، ورواه الترمذي مرسلاً ومتصلاً، وقال في المرسل: هذا أصح، والدور القبائل والمحال.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) متفق عليه.

ولمسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، كذا رواه البخاري، وروى مسلم بنحوه.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((أطلقوا ثمامة)) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: "قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك" ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال: نعم" متفق عليه أيضاً.

وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)) رواه مسلم.

وعن بريدة -رضي الله عنه- أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له)) رواه مسلم، ورواه النسائي متصلاً ومرسلاً.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله عليك)) رواه النسائي في اليوم والليلة، والترمذي وقال: حديث حسن غريب.

وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تقام الحدود في المسجد، ولا يستقاد فيها))...

مسجد وإلا مساجد؟

عفا الله عنك.

((لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد فيها)) رواه أحمد وأبو داود، وفي إسناده انقطاع.

وعن مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟)) فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل فوجدت كسرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه" رواه أبو داود، ومبارك وثقه ابن معين في رواية، وقال النسائي: ضعيف.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيمة في المسجد ليعودوه من قريب".

ليعوده.

ليعوده من قريب، فلم يرعهم، وفي المسجد معه خيمة من بني غفار إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذُ جرحه دماً، فمات فيها -رضي الله عنه-" متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وعنها -رضي الله عنها- قالت: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((دعهم، أمناً بني أرفدة)) يعني: من الأمن، متفق عليه، واللفظ للبخاري.

وعنها -رضي الله عنها- أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته -أو وقع منها- فمرت به حدياة وهو ملقى، فحسبته لحماً فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشوني حتى فتشوا قبلها! قالت: والله أني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته! قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به، وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلمت.

قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث هي عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلساً إلا قالت:

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا
ج

 

ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
ج

قالت عائشة -رضي الله عنه-: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث" رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)) متفق عليه.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) رواه مسلم.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، رواه أبو داود وابن حبان.

وعن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما أو من أين أنتما؟؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. رواه البخاري.

وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) متفق عليه.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن -أو آية- أوتيها رجل ثم نسيها)) رواه أبو داود وابن خزيمة والترمذي، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه واستغربه.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

ففي هذا الباب جمع المؤلف -رحمه الله تعالى- أحاديث ذكر فيها بعض الأحكام المتعلقة بالمساجد، والمسائل والأحكام المتعلقة بالمساجد مبثوثة ومنثورة في الكتب، ومجموعة أيضاً في أبواب من كتب السنة، وفيها مصنفات، ومن أجمعها كتاب لبدر الدين الزركشي، وهو مطبوع في مجلد، جمع فيه أحكام المساجد، ما جاء فيها من النصوص، وما استنبط منها من أحكام، وهو كتاب جامع لمسائل متعلقة بالمساجد.

والمساجد: مفاعل صيغة منتهى الجموع، وقد يقال: مساجيد لأن صيغة منتهى الجموع مفاعل ومفاعيل، مثل مساند ومسانيد، مفاتح ومفاتيح، مراسل ومراسيل.

المساجد: جمع مسجد، وهو المكان الذي تؤدى فيه الصلاة، الذي يصلى فيه هو المسجد، ويقال: بفتح الجيم مسجَد إلا أنهم خصوا ما جاء بفتح الجيم خصوه بموضع السجود من المسجد، موضع السجود من المسجد، ولذا يقولون: يُستحب للمصلي أن ينظر مسجده، يعني موضع سجوده، والمراد بالمسجد هو ما يُحيط به سوره، هذا المسجد الذي تترتب عليه الأحكام، فما كان خارجاً عن سوره لا يلحق به، فلا يصح الاعتكاف فيه، ولا تصح الصلاة اقتداءً بالإمام إلا إذا اتصلت الصفوف، هذا إذا كان خارجاً عن السور، وإذا كان خارجاً عن السور ولو كان من ملحقات المسجد ومتعلقاته إلا أنه ليس في سوره تجلس فيه الحائض، ويجلس فيه الجنب؛ لأنه لا تنطبق عليه أحكام المسجد، وأم عطية تقول: أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد، يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى، يعني الموضع الذي يصلي فيه الناس، فمصلى العيد له أحكام المسجد في المكان الذي يصلى فيه، وما عداه لا يأخذ أحكام المسجد وإن كان المسجد له أحكام أكثر من أحكام المصلى، مصلى العيد أو الجبانة مصلى الجنائز أو غير ذلك، لكن الحيض لا يشهدن أو لا يحضرن موضع صلاة العيد، المسجد إذا لم يسور بل هو عبارة عن صحراء، فهذا ليست له أحكام، فلا يصلى فيه التحية، وينتابه الجنب ويجلس فيه الحائض وغيرهما.

ولا علاقة لإقامة الصلوات الخمس أو بعضها في مفهوم المسجد، فقد تصلى الصلوات الخمس في مكان ولا يُعد مسجداً كالمصليات التي يتخذها الناس في مواطن السكن مثلاً، صالة عمارة مثلاً، أو صالة في محل عمل أو ما أشبه ذلك، هذه لا تأخذ أحكام المسجد، وعلى هذا من كان في عمارة فيها مصلى عليه أن يصلي ويؤدي صلاة الجماعة حيث ينادى بها، يعني في المسجد، ولو أن مسجداً لا يصلى فيه جميع الأوقات لكنه مسجد بمعالمه من رآه قال: هذا مسجد، فهو مسجد ولو لم يصل فيه إلا وقت واحد، فمسجد نمرة مسجد له أحكام المسجد، ومع ذلك لا يصلى فيه إلا صلاة الظهر والعصر يوم عرفة وهكذا، فالمسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأن هذه أحكام، هل يصح الاعتكاف أو لا يصح؟ ويبحث أهل العلم هذه المسائل كثير منها في كتاب الاعتكاف، كثير من أحكام المساجد تبحث في أحكام الاعتكاف؛ لأنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد.

فإذا كان هناك في المسجد غرفة في سوره، وبابها إلى الشارع مثلاً، وليس لها باب إلى المسجد، هذه حكمها حكم الشارع، لكن إن كانت تفتح على المسجد فحكمها حكم المسجد ولو كانت بنايتها خارج المسجد، ولذا يقررون في المنارة مثلاً منارة المسجد، إن كانت تفتح إلى المسجد صح الاعتكاف فيها وإلا فلا.

أحياناً يكون هناك ملحقات في المسجد كالساحات مثلاً الخارجة عن سور المسجد هذه ليس لها أحكام المسجد، ولا يصلى فيها إلا إذا اتصلت الصفوف، أحياناً يكون في هذه الساحات دورات مياه، محل قضاء الحاجة مما يدل على أنها لم يقصد أن تكون مسجداً، وإنما هي من مرافق المسجد، قد يحتاج إليها إذا ضاق المسجد، واتصلت الصفوف هذا لا إشكال فيه.

ذكر المؤلف مسائل كثيرة متعلقة بالمسجد، واستدل لكل مسألة بحديث في الغالب، فبدأ في فضل بناء المساجد.

قال -رحمه الله-:

"عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من بنى مسجداً -قال بكير: حسبت أنه قال-: يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له مثله في الجنة)) متفق عليه" بل عده أهل العلم من المتواتر.

مما تواتر حديث: ((من كذب))
 
جج

 

ومن بنى لله بيتاً واحتسب


هذا من المتواتر.

((من بنى مسجداً)) وفي بعض الروايات: ((ولو كمفحص قطاة)) وهذه مبالغة في صغر المسجد، وإلا ما يمكن أن يكون هناك مسجد بمقدار مفحص قطاة، مفحص القطاة قدم واحد، ما يأخذ ولا القدم الثاني فضلاً عن بقية الجسم، إنما أريد بذلك المبالغة، وأن الإنسان مهما بنى وإن عده الناس صغيراً إلا أنه يمكن الصلاة فيه، بعض الناس يبني مسجداً بقدر حاله، عنده كذا مبلغ من المال فيبني به مسجداً عبارة عن غرفة صغيرة فيها معالم المسجد، فيها منارة، وفيها..، مسورة، ويتركها للناس يصلون فيها، ثم يأتي من يزدري هذا العمل؛ لأنه بالمقابل يوجد من يبالغ ويسرف في عمارة المساجد، فيكون مثل الذي ازدرى صاحب الصدقة القليلة المنصوص عليها، فمن بنى لله مسجداً أو بيتاً ولو كمفحص قطاة، قلنا: إنه لا يمكن أن يكون مسجد بمقدار مفحص قطاة، لكن هو مبالغة في أقل القدر الذي يمكن فيه الصلاة، أو هو إشارة إلى الاشتراك في بناء المسجد، اشتراك في بناء مسجد، يعني افترض أن المسجد أرضه غالية جداً، وعمارته مكلفة، واجتمع في بنائه عشرة آلاف شخص، أو مائة ألف شخص، كل واحد دفع له ألف، ألفين، ما يمكن أن يزدرى مثل هذا العمل، هذا تعاون على البر والتقوى، ويدخل في: ((من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة)).

البناية المقصود بها هنا البناية الحسية بالأدوات، باللبن والطين والخشب، أو ما يقوم مقامها من بناء مسلح بالإسمنت والحديد، هذا كله بناء، لكنه بناء حسي، وهناك بناء وعمارة معنوية، وهي أهم {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [(18) سورة التوبة الله] العمارة الحسية بإقامة الصلاة والعبادات التي تزاول في المسجد في عهده -عليه الصلاة والسلام-، وعهد من بعده من صحابته، وسلف هذه الأمة، فالمسجد كانت رسالته أوسع مما هي عليه الآن، يعني كان المسجد كل شيء، فبه تقام الصلاة نفلها وفرضها، وفيه تعليم العلم، وفيه تحفيظ القرآن، وفيه القضاء بين الناس، وإفتاء الناس، وفيه أيضاً بعث..، تنطلق منه السرايا والجيوش إلى الآفاق، وأكثر أعماله -عليه الصلاة والسلام- في المسجد، وجاء في حديث لكن فيه كلام لأهل العلم أن "المسجد بيت كل تقي" وسيأتي في أحب البقاع إلى الله، يقول ابن عبد القوي -رحمه الله-:

وخير مقام قمت فيه وحلية
 
ج

 

تحليتها ذكر الإله بمسجدِ


يعني لزوم المسجد تعلق القلب بالمسجد هذا له شأن، هذا يدل على إقبال، بخلاف بعض الناس، ومع الأسف أن هذا يوجد من بعض المنتسبين إلى العلم أنه كأنه في سجن، مجرد ما يسلم الإمام يسابق السرعان، هو محسوب على طلاب العلم، طالب العلم ينبغي أن يكون قدوة، يأتسي به العامة، فليكن أول من يدخل، وآخر من يخرج.

وخير مقام قمت فيه وحلية
 
ج

 

تحليتها ذكر الإله بمسجدِ


يعني كان مما ينشد من الأناشيد التي جاءت بعد قرون -يعني في العصر الحاضر- بعض القصائد التي منها يعني مما أحفظ منها، يقول:

إسلامنا لا يستقيم عموده
 

 

بدعاء شيخ في زوايا المسجدِ
ج

هذه من القصائد التي كانت تنشد في معاقل العلم أيضاً والمراكز وغيرها، لكن هذا الكلام صحيح وإلا لا؟ هذا الكلام ليس بصحيح، اللهم إلا إذا كان من معاناة، يعني بعض الزوايا في المساجد يعمرها بعض المتصوفة على غير هدي من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، يكون عندهم شيء من البدع، أذكار وأدعية وأشياء مبتدعة، إذا كان سببه هذا ومعوله على هذا، وأن هؤلاء ليس لهم من العمل الذي يمكن أن يستفاد منه إلا هذا مع أن الأمة بحاجة ماسة إلى عالم يوجه الأمة إلى ما ينفعها في دينها ودنياها، وأيضاً هي بحاجة إلى عابد يدفع الله عنها بسببه ما يدفع بسبب دعائه، يعني مما مر من الأمثلة في مصطلح الحديث في المتفق والمفترق ذكروا الأسود بن يزيد ويزيد بن الأسود، الأسود بن يزيد النخعي إمام في العلم والفقه والفتوى، إمام، جبل، من أئمة المسلمين في العلم، ويقابله يزيد بن الأسود الجرشي، هذا ليس من أهل العلم، ليس مشهوراً بالعلم، وإنما من أهل العمل، من أهل العبادة، استسقى معاوية -رضي الله تعالى عنه- به، يعني بدعائه، استدعاه معاوية فأمره أن يدعو ويستسقي وهم يؤمنون فسقوا، فالأمة تحتاج إلى هذا، وتحتاج إلى هذا، يعني لا نقلل من قيمة هذا ولا من قيمة هذا، يعني إذا قلنا: إن العلم شأنه عظيم، وهو كذلك عند الله -جل وعلا-، لكن ما قيمة العلم بلا عمل، نحن بحاجة إلى عالم عامل، ونحن بحاجة إلى الصنفين، قد يكون بعض الناس ميله واتصافه بالعلم أكثر وهذا مطلوب، والثاني مطلوب أيضاً، يعني يختلف أهل العلم في أفضل التابعين، فالإمام أحمد يفضل سعيد بن المسيب، ولا شك أنه من حيث العلم لو قيل: إنه أعلم التابعين ما بعُد، لكن منهم من يفضل أويس القرني، وقد جاء فيه الحديث الصحيح، وطلب منه عمر أن يدعو له، فما قالوا: والله أويس نفعه خاص غير متعدي، ماذا تستفيد منه الأمة؟ إلا تستفيد منه الأمة، فالأمة تستفيد من هذا وتستفيد من هذا، فلا يقال:

إسلامنا لا يستقيم عموده
 

 

بدعاء شيخ في زوايا المسجدِ
ج

لا سيما إذا كان الشيخ على الجادة، إذا كان على هدي من الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، أما إذا كان على غير الجادة هذا عبادته وجودها مثل عدمها، بل ضررها ظاهر إذا كان على ابتداع.

يعني يقابل هذا البيت كلام ابن عبد القوي:

وخير مقام قمت فيه وحلية
 
ج

 

تحليتها ذكر الإله بمسجدِ


هذه العمارة المعنوية، وإذا تعارضت العمارة المعنوية مع العمارة الحسية لا شك أن العمارة المعنوية هي الأنفع، العمارة الحسية أمرها سهل عند ذوي اليسار، ولذا لما تمدح المشركون وهذه من مسائل الجاهلية التي ذكرها الإمام المجدد، تمدحوا بعمارة المسجد الحرام عمارة حسية لا معنوية، قال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ} [(19) سورة التوبة] يعني في مقابل الإيمان؟ هذه من مسائل الجاهلية، إذا كانت في مقابل الإيمان، لكن إذا كانت مع الإيمان والعمارة المعنوية {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ} [(18) سورة التوبة].

((من بنى مسجداً -قال بكير: حسبت أنه قال-: يبتغي به وجه الله)) يعني شك هل قال هذه اللفظة، أو قال كلمة نحوها أو لم يقلها؟ وهي شرط لا بد منه، سواءً قيلت ذُكرت أو لم تذكر، لا بد أن يكون عامر المسجد يبتغي به وجه الله تعالى وإلا ما ينفعه ذلك، وكثير من الأمور التي يزاولها عمار المساجد تخدش في الإخلاص، وقد يذهب بعضها الإخلاص بالكلية، وإذا كان بعض العلماء لابن رجب كلام جميل جداً في عمارة المساجد في شرح حديث الأعمال بالنيات من جامع العلوم والحكم، ولابن الجوزي أيضاً كلام، ابن الجوزي بالغ وقال: إن عامر المسجد إذا كتب اسمه عليه فهذا نصيبه منه، يكفيه أن يقال: مسجد فلان، فيبتغي بذلك وجه الله، أمر في غاية الأهمية، يعني ينتبه لمثل هذا، الإخلاص شرط لقبول الأعمال كلها، الإخلاص لا بد منه ((إنما الأعمال بالنيات)).

((يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له مثله في الجنة)) المماثلة في كون هذا بيت وهذا بيت، لكن هل المماثلة أن هذا ألف متر وهذا ألف متر؟ هل تقتضي المماثلة هذا؟ وأن هذا بنى بيت طين يبنى له بيت طين في الجنة؟ أو بنى مفحص قطاة مساهمة مثله في الجنة؟ لا، المضاعفات فضل الله واسع، وأقل ما يقال في المفاضلة: إن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد جاء في المسند حديث تكلم فيه أهل العلم: ((إن الله يضاعف لبعض عباده إلى ألفي ألف ضعف)) مليونين ضعف، فضل الله لا يحد، وخزائنه لا تنفد، وإذا كان آخر من يدخل الجنة تنقطع به الأماني، ما يستطيع يتمنى، فيقال له: تمنى، فلا يذكر شيئاً لما عمله في الدنيا، يعني بأسلوب الناس اليوم ما له وجه يتمنى، إذا كان هذا وضعه، ولا يستطيع أن يتمنى يقال له: هل يرضيك أن يكون لك مثل ملك أعظم ملك في الدنيا؟ يقول: إي يا رب، يعني لو يقال: له مثل ملك هارون الرشيد يكفيه وإلا ما يكفيه؟ فيقال: لك مثله ومثله ومثله إلى عشرة أمثاله، ففضل الله واسع، لكن المعول على الإخلاص.

((بنى الله له مثله في الجنة)) فهذه المماثلة أن هذا بيت وهذا بيت، لكن ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، يعني يشاركه في الاسم، يعني في الجنة فاكهة، فيها أعناب مثلاً، لكن هل العنب في الجنة مثل العنب في الدنيا؟ يقول ابن عباس: "ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء" وإذا كان هذا بيت وذاك بيت نتصور مثل هذا.

"متفق عليه".

"وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببناء المساجد في الدور" في الدور ليس المراد بها البيوت والمساكن، كل واحد يبني مسجد في بيته، وإن قال به بعض العلماء، يبني ويخصص مكان للصلاة في بيته، ينظفه ويطيبه، وفعله كثير من السلف، لكن ليس معنى هذا أنه يصلي فيه الفرائض، يصلي فيه النوافل، عتبان بن مالك لما كف بصره وصار يشق عليه التردد إلى المسجد، كما تقدم طلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي في بيته مكاناً يتخذه مسجداً، وإذا كان لا يستطيع الحضور إلى المسجد، أو كان ممن لا تلزمه الجماعة، وسبق أن قلنا في حديث عتبان مع حديث ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الذي في طريقه وادٍ وسباع، وفي وصوله إلى المسجد شيء من العسر طلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يرخص له في بيته، فقال له: ((أتسمع النداء؟)) قال: نعم، قال: ((أجب، لا أجد لك رخصة)) فعتبان لا يسمع النداء، وقررنا هذا في درس مضى، وبيته في منتصف الطريق بين المسجد النبوي وقباء، فالمظنون أنه لا يسمع النداء من أجل التوفيق بين حديثه وحديث ابن أم مكتوم.

الدور كما قال المؤلف: القبائل والمحال، يعني الأحياء الحارات تبنى فيها المساجد لتيسر على أهل الحي أداء الجماعة في المسجد، ولو قيل: إنه لا يبنى في الأحياء ولا في القبائل مساجد لشق على الناس الصلاة مع الجماعة، وألزموا أن يحضروا إلى المسجد، مسجد البلد، لكن هذا فيه مشقة عظيمة، وجدت مساجد في عهده -عليه الصلاة والسلام- بالنسبة للصلوات الخمس، وأما بالنسبة للجمعة فشأنها أعظم وأشد على ما سيأتي.

القبائل يعني لما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((خير دور الأنصار بنو عبد الأشهل)) خير دور الأنصار يراد بذلك قبائل الأنصار، والمؤلف يقول: والدور القبائل والمحال، القبائل يطلق عليها دور، دور الأنصار يعني قبائل الأنصار، وقد تطلق الدور ويراد بها المحال والحارات والأحياء يقال لها: دور.

"وأن تنظف وتطيب" لأنها يعني المسجد بيت الله، ومحل العبادة، وتنظيفها وتطييبها يريح المصلين، ويجعلهم لا يتضايقون من المكث فيها، وأداء الصلاة فيها، بخلاف ما إذا أهملت ووجد فيها ما تنبعث منه روائح، أحياناً الفرشاة إذا طال بها العهد ولم تغسل وتنظف وتطيب بعض الناس يتضايق لا يستطيع أن يسجد، وبعض الناس ترك الصلاة في مسجد وذهب إلى غيره بحجة أن الفرشة إذا سجد انكتم من الروائح المنبعثة منها، فعلى هذا لا بد أن تنظف المساجد، ولا بد أن تطيب ليؤدي الناس هذه الفريضة على أكمل وجه، يعني الإنسان إذا لم يتمكن من السجود على الوجه المطلوب كيف يخشع في صلاته؟ نعم قد يضطر بعض الناس أو يحتاج إلى وضع شيء متصل به كالغترة والشماغ وطرف العمامة، وما أشبه ذلك، قد يحتاج إلى ذلك، وأهل العلم يكرهون السجود على المتصل، لكن إذا وجد مثل هذا فإنه كما قال أهل العلم: الكراهة تزول بأدنى حاجة، لا مانع من أن يصلي على طرف شماغه أو غترته أو عمامته.

"تنظف" يغسل ما أصابها من أذى، وأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بسجل من ماء أهريق على بول الأعرابي "وتطيب" لتكون روائحها طيبة تريح المصلين والداخلين والمقيمين في المسجد، ويمنع من أكل ما له رائحة كريهة من دخول المسجد، أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا، ومن باب أولى إذا كان ما تنبعث منه الرائحة محرماً كالدخان ونحوه فإن هذا أشد، ليس معنى هذا أن هذه رخصة لمن أكل أو شرب دخان أن يصلي في بيته ولا يأتي المسجد ويتذرع بذلك، لا، هذه عقوبة، هذا تعزير له حينما يمنع من المسجد، لكن لما اختلفت الموازين، وتغيرت المفاهيم، وتلوثت الفطر ما صارت في نظر كثير من الناس عقوبة، اعتبرها بعضهم رخصة، لكن لو يأتي إلى مكان فيه وليمة، ثم يقال له: والله ارجع من حيث أتيت لأن رائحتك كريهة، كيف يتصور هذا الموقف؟! يسهل عليه مثل هذا؟ لكن سهل أن يتذرع ويتعلل ويوجد لنفسه العذر أن يتخلف عن الجماعة؛ لأنه أكل ثوم أو بصل أو شرب دخان، كل هذا صيانة للمسجد، وتقدم ما يتعلق بهذا.

من احتاج إلى إرسال الرائحة الكريهة وهو في المسجد جالس، افترض أنه مقيم معتكف في المسجد، ثم احتاج إلى إرسال ما له رائحة كريهة، حاجة، يقول ابن العربي: "ويجوز إرسال ما له رائحة من الفساء ونحوه في المسجد لحاجة" لا بد أن يقيد بالحاجة؛ لأن هذا مثل الرائحة الكريهة بالثوم والبصل وما أشبه ذلك، على أن لا يؤذي أحداً بهذا، وإذا كان التنظيف والتطييب مطلوب، فإن ما له رائحة كريهة بمفهوم الحديث يكون ممنوعاً.

يقول: "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وإسناد بعضهم على شرط الصحيحين، ورواه الترمذي مرسلاً ومتصلاً، وقال في المرسل: هذا أصح" والحديث يعني ما فيه تعارض بين إرساله ووصله فهو مصحح مرسلاً وموصولاً.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))" ((قاتل الله اليهود)) كما جاء في الرواية الأخرى: ((لعن الله اليهود)) فقاتل بمعنى لعن، وفي هذا جواز لعن اليهود والنصارى، ومن يستحق اللعن مقروناً بسببه؛ لأنه قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ومن لعنه الله -جل وعلا- في كتابه ورسوله في سنته لا مانع من لعنه على أنهم يختلفون في المعين حتى من الكفار، وأما بالنسبة للمسلم فلا يجوز لعنه معيناً وإن لعن ضمن المجموعة لا على التعيين، لعن الله السارق، لعن الله الشارب، المتبرجة إذا رأيتموهن فالعنوهن، لكن ما يقال: فلان يشرب الخمر لعنه الله، أو يسرق لعنه الله، لا، فالمعين غير المبهم.

وأما بالنسبة لليهود والنصارى فيلعنون، وجاء في موطأ الإمام مالك قول التابعي أظنه ابن أبي مليكة قال: أدركنا الناس وهم يلعنون اليهود والنصارى، يعني في الوتر، فلا مانع من لعنهم، لكن إذا ترتب على ذلك مفسدة، ترتب عليه مفسدة، صار من باب {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [(108) سورة الأنعام] فالكلام على ما يحقق المصلحة، ولا يترتب عليه مفسدة، أما لعنهم فهو جائز، يعني إذا أمنت المفسدة ما في أدنى إشكال، لكن قد يكون في مجتمعاتهم في بلدانهم ممن يقيم بين أظهرهم من المسلمين يسمع مثل هذا الكلام فيجاهر بلعنهم، وهو لا يستطيع مقاومتهم فيتضرر بذلك، وقد يتضرر بذلك غيره، فالمسألة مسألة مصالح ومفاسد، وإلا فالأصل أن لعنهم جائز، جاء لعن اليهود في القرآن، جاء لعنهم في القرآن، وجاء لعنهم في السنة.

العلة في لعنهم أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والرواية الأخرى رواية مسلم: ((لعن الله اليهود النصارى)) اليهود لهم أنبياء، وهؤلاء الأنبياء لهم قبور واليهود الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد هم الذين كانوا يقتلون الأنبياء، إما أن يقتلوهم، أو يعظموهم حتى يصلوا بهم إلى حد الإشراك بالله -جل وعلا-.

اليهود يتجه لعنهم، والعلة أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لكن في رواية مسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) اليهود لهم أنبياء، ومات هؤلاء الأنبياء، ودفنوا في قبورهم، لكن النصارى ليس لهم إلا نبي واحد، وهو عيسى -عليه السلام-، ومع ذلكم لم يقبر، ما مات، بل رفع إلى السماء، فكيف يقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))؟ لأن اليهود والنصارى جمع قوبل بجمع، إذا قلنا: قبور أنبيائهم فلكل نبي قبر؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفراد، يعني لكل نبي قبر، وهذا ما فيه إشكال، لكن اليهود والنصارى جمع وأنبيائهم جمع هل تقتضي القسمة أفراد؟ النصارى ليس لهم نبي مدفون له قبر، إنما نبيهم عيسى -عليه السلام-، ما مات، بل رفع حياً إلى السماء، فكيف يقال: اليهود والنصارى؟

جاء في بعض الروايات: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ذلكم أنه إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا قبره مسجداً)) فاليهود اتخذوا قبور الأنبياء، والنصارى اتخذوا قبور الصالحين، ومنهم من يقول: إن أنبياء اليهود أنبياء للنصارى، ورسالة عيسى -عليه السلام- مكملة لرسالة موسى.

((اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فغلوا فيهم حتى عبدوهم من دون الله، ولذا جاء النهي عن الصلاة في المقبرة، ولا تصلوا إلى القبور، كل هذا من باب سد الذريعة الموصلة إلى الشرك، وسبب المنع ليس النجاسة الحسية حتى يفرق بين المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة، لا، إنما سبب المنع نجاسة الشرك المعنوية، الشرك نجاسة معنوية، والمشركون نجس، ولو كانت الصلاة لله عند قبر تُمنع.

((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فكما جاء في الحديث: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)) عمل فئام من المسلمين ما عملته اليهود والنصارى، فاتخذوا المساجد على قبور الصالحين، أو دفنوا هذه القبور في المساجد، وشيدوا عليها الأبنية، وأقاموا عليها الأضرحة، وطافوا بها، ودعوهم من دون الله -جل وعلا-، وحصل منهم الشرك الأكبر ((لتتبعن سنن من كان قبلكم)) ويعني بذلك اليهود والنصارى حتى قيل: "اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: ((فمن)) يعني من القوم إلا أولئك، فحصل في هذه الأمة مشابهة بل مطابقة لما فعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم وصالحيهم، فاتخذت المساجد على القبور، وبنيت الأضرحة على القبور، وصار يطاف بها من دون الله، يطاف بها كما يطاف ببيت الله، وتعبد وتطلب الحوائج من هؤلاء الصالحين كما تطلب من الله -جل وعلا-، بل بعضهم لا يطلب من الله شيئاً، وإنما يطلب من هذا المقبور الذي لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضراً، فكيف ينفع غيره؟!

وجدت الأبنية والاضرحة في كثير من أقطار المسلمين، وصاروا يلوذون بها، ويلجأون إلى هؤلاء المقبورين في الملمات.

يا خائفين من التتر
 

 

لوذوا بقبر أبي عمر
 

نسأل الله العافية، ومع الأسف أن شخص ينتسب إلى الحديث وعلم الحديث يؤلف في الأبنية والأضرحة على القبور، ويتساءل في مقدمة كتابه: هل البناء -بناء الأضرحة على القبور- سنة شرعية متبعة أو بدعة محرمة؟ ويسترسل ويقرر أنها سنة تتابع عليها المسلمون من أقدم العصور، وتوارثوها، وبنوا على قبور الصالحين، وبنوا على قبره -عليه الصلاة والسلام-، وعلى قبر غيره، حتى جاء من جاء من القرنيين يقصد بذلك دعوة الإمام المجدد ومن يقول بها، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن تبعه من أئمة الدعوة، فأساءوا وهدموا القباب والقبور واعتدوا، يقول: أما بلادهم فليس فيها من يستحق أن يبنى عليه، يقول هذا! وهذا ينتسب إلى السنة والحديث، ولا مانع أن يذكر اسمه؛ لأنه في كتاب مطبوع ومنشور، يعني أحمد بن الصديق الغماري ألف في المشاهد وذكر هذا الكلام، يعني قبور تعبد ويطاف بها، تعبد من دون الله، ويتساءل هل هي مشروعة وإلا محرمة؟ إذا كان الشرك الأكبر متردد في فاعله هل هو محرم وإلا لا فماذا بقي؟

في كشمير ضريح من أكبر الأضرحة في العالم اسمه: ضريح الشعرة، فيه شعرة تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، وتجرى من تحته الأنهار، يعني سواقي تمشي من تحته، ويباع الماء الذي يمر من تحت الضريح، والغبار الذي يجتمع حوله، يباع كما يباع الطيب، وأي شرك أعظم من هذا، ومن أراد أن ينظر إلى وقوع الشرك في هذه الأمة وافتتانهم بالقبور والأضرحة فليقرأ ما كتبه الرحالون لا سيما ابن بطوطة، يقرأ ليحمد الله -جل وعلا- على هذه النعمة نعمة التوحيد، يعني ما يمر ببلد إلا ويذهب إلى ما فيه من أضرحة ويتمرغ فيها، ويسأل الشفاء، ويسأل العفو والمغفرة -نسأل الله السلامة والعافية-.

المقصود أن هذه من أعظم الفتن وأعظم البلايا والرزايا؛ لأنه لا ذنب أعظم من الشرك، وسببه ما سمعتم، الغلو في الصالحين والأبنية على قبورهم والأضرحة، فضلاً عن الأنبياء الذين بنى عليهم اليهود والنصارى ما بنوا وغلوا فيهم، حتى اتخذوهم أرباباً من دون الله، والله المستعان.

قال: "وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-" قال: كذا رواه البخاري، وروى مسلم بنحوه" ابن عمر شاب أعزب، يعني لم يتزوج لا أهل له، يعني لا زوجة له، والأهل الزوجة، كان ينام في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففي هذا دليل على جواز النوم في المسجد، ونام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما حصل بينه وبين فاطمة ما حصل نام في المسجد، وعلق به شيء من التراب، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: قم أبا تراب، قم أبا تراب، فالنوم في المسجد مباح، ما لم يخش تلويث المسجد، إذا عرف الإنسان أنه لا يتصرف في نفسه إذا نام ويغلب على ظنه أنه يلوث المسجد لا يجوز له أن ينام في المسجد؛ لأن بعض الناس قد يكبر ويبلغ مبلغ الرجال، وهو يبول على نفسه، فمثل هذا إذا كان يغلب على ظنه أنه يلوث المسجد لا يجوز له أن ينام، ما عدا ذلك فلا مانع على أن يستتر، وسواء كان ذلك ذكراً أو أنثى، ما لم تخش فتنة، وسيأتي في حديث الوليدة أنها كانت تنام في المسجد، اتخذت خباءً تنام فيه في المسجد.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خيلاً قبل نجد" جهة نجد "فجاءت" هذه الخيل "برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال" وهو سيد من سادات بني حنيفة، جاءوا به "فربطوه بسارية من سواري المسجد" والمؤلف حينما أورد هذا الخبر يريد أن يستدل به على جواز دخول وإدخال المشرك للمسجد للحاجة، فهذا رُبط لحاجة، رُبط للمصلحة المترتبة على مشاهدته للمسلمين في صلاتهم، في تعاملهم، من مصلحة الدعوة، ولذا آل أمره إلى أن أسلم، فهذا قول لأهل العلم بجواز دخول المشرك المسجد للحاجة، ومنهم من يقول: لا يجوز للمشرك مطلقاً أن يدخل المسجد لا لحاجة ولا لغيرها، ومنهم من يستثني المسجد الحرام ويجيزه فيما عداه، إذا كان هنا مهندس أو بناء لا يقوم غيره مقامه يريد أن يصلح شيئاً في المسجد وهو ليس بمسلم، إذا دعت الحاجة إلى ذلك فالمرجح جواز دخوله، وإذا لم تدعُ الحاجة إلى ذلك فهو نجس {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [(28) سورة التوبة] ومنهم من يخص عدم الجواز بالمسجد الحرام فقط، وما عداه يجوز.

كثيراً ما نشاهد بعض السواقين سواقي الأسر يكون المسجد بجواره مدرسة، فإذا جاء للولد إلى هذه المدرسة ليوصل الولد من المدرسة إلى أهله وكان في وقت، والجو أحياناً لا يساعد أن يجلس خارج المسجد يدخل في المسجد، هذه حاجة، لكن هذه حاجة له، فإذا رجي إسلامه لا مانع من أن يمكن من الدخول في المسجد والبقاء في المسجد، لكن إذا لم يرجَ إسلامه، أو عُرف بشيء من المعاندة والإصرار مثل هذا لا يمكن من الدخول في المسجد.

"فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي -عليه الصلاة والسلام-" خرج عليه في اليوم الأول والثاني، ويسأله عن حاله، ثم في اليوم الثالث قال: ((أطلقوا ثمامة)) "فانطلق" لما أطلقوه "إلى نخل قريب من المسجد" انطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد "فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" هذه المعاملة أثرت فيه، وثلاثة أيام وهو ينظر إلى المسلمين في صلاتهم في تعاملهم، وبعض الدعاة قد يسلك هذا المسلك، يأتي ببعض الوافدين من غير المسلمين ويدخلهم المساجد ويطلعهم عليها، وعلى صنيع المسلمين، ولا شك أن اجتماع المسلمين على هيئة واحدة، وعلى إمام واحد، وانضباط وخشوع لا شك أنه يؤثر في النفوس، كثير ممن يدعى يعتنق الإسلام، ومن هنا أسلم ثمامة، وشهد أن لا إله إلا الله لحسن المعاملة، وهذه مسألة يسأل عنها كثير في التعامل مع من يحتاج إلى دعوته من المبتدعة ومن غير المسلمين كيف يتعامل معهم؟ هل يتعامل معهم بالرفق واللين والصلة والبشاشة أو يتعامل معهم على ما هو الأصل من الهجر؟ لا بد أن تقدر مصلحة الدعوة، فإذا رجي إسلامه لا مانع من أن يتعامل معه بالرفق واللين، حتى يدخل الإيمان في قلبه، مثل ما حصل لثمامة، وإذا كان الشخص ميئوساً منه فيهجر؛ لئلا يؤثر في غيره إذا كان لا يتأثر فقد يؤثر في غيره.

"فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" متفق عليه".

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب -أمير المؤمنين- مر بحسان بن ثابت" شاعر النبي -عليه الصلاة والسلام- "وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه عمر" عمر عنده حزم وعزم وقوة في الحق، لحظ إليه، نظر إليه نظرة إنكار، ففهم حسان أنه ينكر عليه "فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك" يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأمره النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يجيب، وأمره أن يهجو الكفار، فكان ينشد في المسجد في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: "كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك" ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله" يعني اسأل بالله "أسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال: نعم" متفق عليه".

فالنشيد هو أداء الشعر على طريقة معينة مع رفع الصوت فيه، والشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، لا يمنع بإطلاق ولا يباح بإطلاق كسائر الكلام، فإذا كان لفظه مباحاً ولم تصحبه آلة، وأدي بلحون العرب، يعني الذي أنشد بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- على نفس الطريقة طريقة العرب، لا بلحون الأعاجم وأهل الفسق فإنه يجوز، وقد أُنشد بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن إذا كان لفظه غير مباح كالغزل والهجاء والفخر وما أشبه ذلك فإنه يُمنع من أجل لفظه، كما يُمنع الكلام النثر إذا صحبته آلة منع من أجل الآلة، إذا أدي بلحون أهل الفسق ولحون الأعاجم منع للتشبه، وما عدا ذلك مباح، ومع ذلك لا يكثر منه، لا يكثر من الشعر بحيث يكون هو الغالب على الإنسان، وجاء في الحديث الصحيح: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه)) يعني يمتلئ امتلاءً بحيث لا يستوعب شيئاً غيره ((خير له من أن يمتلئ شعراً)) لأنه إذا امتلأ الجوف شعراً ماذا بقي للكتاب والسنة والعلم الشرعي المقرب إلى الله -جل وعلا-، فالمقصود به إذا كان بحيث لا يستوعب غيره.

أما وجود الشعر فالشعر ديوان العرب، يفسر به الغريب من الكتاب والسنة، كما كان ابن عباس يفعل، والعلماء يستدلون به ويستشهدون به في شرح الغريب، وفي تقرير القواعد، قد يقول قائل: إنه مر بنا في الشواهد الشعرية أبيات غزلية وأبيات فيها شيء من الممنوع، لكنها لتقرير قاعدة، أو لبيان غريب، إنما تقصد لهذه الكلمة الغريبة، ما قصد البيت من أجل ما فيه من غزل أو فخر أو هجاء، إنما قصد من أجل هذه الكلمة والشعر يحفظ العلم، ولذا يستدلون بأبيات الشعر على تقرير القواعد، كتاب سيبويه مملوء من الشواهد، شروح الألفية مملوءة من الشواهد، شروح الكافية فيها شواهد، كل كتب العربية فيها شواهد، لكن يشكل على هذا أنها أحياناً تقرأ في مسجد، واللفظ ليس بمناسب أن يقرأ في المسجد، وقد تمر هذه الأبيات في كتب التفسير، يعني في تفسير ابن كثير وفي غيره من التفاسير ما ينسب لابن عباس في تفسير الرفث ذكر بيت شعر منسوب لابن عباس:

وهن يمشين بنا هميساً


 

...................................


... البيت، ما يحتاج نقوله، وهو في تفسير ابن كثير وغير تفسير ابن كثير، وموجود في كتب اللغة، وقد يقرأ في مسجد، إنما يقصد مثل هذا الإيراد من أجل تقرير كلمة غريبة يشرح بها ما جاء في الكتاب أو في السنة، وقد يورد من أجل تقرير قاعدة في علم من العلوم، وكما قالوا: الشعر ديوان العرب.

فينظر إلى رجحان المصلحة على المفسدة، وإلا المعلقات فيها فخر، ويورد منها ما يحتاج إليه في كتب التفسير وفي غيرها، وغيرها من الأشعار، فهذه الأشعار يعني في وقت السعة حينما نريد أن نختار لا أن نقرأ شيئاً ألزمنا به؛ لأنه أحياناً الإنسان قد يلزم بقراءة شيء لرجحان المصلحة مثل هذا يتجاوز فيه لمصلحة راجحة، لكن في حال الاختيار أن تريد أن تحفظ أبيات شعر إما تتسلى بها، أو من أجل أن تتطارح بها غيرك، أو لأمر من الأمور، لا يجوز لك أن تحفظ شيئاً فيه محظور.

"ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال: نعم".

طيب كثير من العلوم نظمت في قصائد، وما من فن من الفنون إلا وفيه منظومات منها المختصرات، ومنها المتوسطات، ومنها المطولات، فنظم أهل العلم العلوم في شعر؛ لأنه أرسخ في الذهن، النثر قد يحفظ ثم ينسى، لكن الشعر يثبت في الذهن، فنظموا في جميع العلوم، نظموا في العقائد، نظموا في غريب القرآن، نظموا في غريب الحديث، نظموا في الفقه، نظموا في العلوم كلها، وتتابع العلماء على ذلك، وصاروا يحفظون ويقرءون ويقرئون هذه المنظومات من غير نكير في المساجد، ولا إشكال في هذا، لكن الشيء الذي لا يرتضى أن ينظم الحديث، الرسول -عليه الصلاة والسلام- ليس بشاعر {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [(69) سورة يــس] ثم آتي إلى كتاب في الحديث محض وأنظمه شعراً! يعني كما نظم بلوغ المرام، يعني هل من المناسب أن ينظم الحديث؟ متن حديثي كله قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... إلى آخره، ثم يأتي من يحوله إلى شعر، هذا في تقديري غير مناسب وغير لائق، وهو موجود يعني نظم بلوغ المرام من أكثر من شخص في منظومة للصنعاني نظم بلوغ المرام ومطبوعة ومتداولة، ونظمه بعض المعاصرين، المقصود أن مثل هذا يعني نظمنا الفقه، نظمنا العقائد مسائل، ما نظمنا أدلة، نظمنا مسائل، ولو أشير إلى الدليل من باب الاقتباس، هذا أمره أسهل من أن يقصد الدليل أصالة بالنظم، يعني نحول القرآن إلى شعر أو نحول السنة إلى شعر هذا في تقديري غير مناسب، وإن استساغه بعضهم.

أما أن يقتبس من القرآن في ضمن كلام طويل هذا لا يضر، فالاقتباس معروف عند أهل العلم.

درس الغد -إن شاء الله- من بعد الصلاة مباشرة، نصلي هنا العشاء ونشرع بالدرس بعد السلام بخمس دقائق بعد الأذكار وأداء الراتبة نشرع مباشرة -إن شاء الله-.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.