شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (28)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (28)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح مسلم
تاريخ النشر: 
اثنين 11/ Shawwal/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول الإمام مسلم -رَحِمَهُ اللهُ- فيما ترجم عليه النووي بقوله: "باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم، وإن قُتل كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قُتل كان في النار، وأن من قُتل دون ماله فهو شهيد".

يقول الإمام مسلم -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ-، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ" يعني أخبرني، "أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ»" هذا فيه وجوب المحافظة على المال، والنهي عن إضاعة المال، وجاءت فيه أحاديث، و"مالي" مفرد مضاف يعم جميع ما يُتمول. "يريد أخذ مالي، قال: «فلا تعطه مَالَكَ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ»".

 هذا مما يدل على أهمية المال في الإسلام، وأن له شأنًا، فيُطلب من وجوهه المباحة، ويصرف في الوجوه الشرعية بالتوسط، لا إسراف ولا تقتير: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29]، هذا هو المنهج الشرعي في المال، فلا إسراف ولا تقتير. وجاء النهي عن البخل والشح، كما جاء النهي عن الإسراف والتبذير.

وهنا "جاء يريد أخذ مالي، قال: «فلا تعطه مالك»"، لكن لو جاء سائل فأنت مأمور بالصدقة عليه، لكن هذا يريد أخذ المال بالقوة، هذا لا يجوز أن يعان على معصيته، لكن هناك أمور تحتف بمثل هذا: إذا كان المال يسيرًا وترتب عليه إزهاق نفس، ولو كان موعودًا بالشهادة، وهناك مصالح ومفاسد. بعض الناس يدفع عن نفسه الصائل بكل ما يريد، ولا يُلام على ذلك، لكن الأصل أن المال تجب المحافظة عليه. وإذا أدى الأمر إلى دفع الصائل بقتله أن تضيع الأنفس، وتُزهق بمثل هذا، ويختل الأمن بمثل هذا، فليأخذ ما شاء من الأموال؛ لأن المحافظة على الأمن، لا بد من النظر في المسائل الشرعية من جميع الوجوه. إذا ترتب على مثل هذه المدافعة للصائل إزهاق للنفوس وتضييع للأمن، فهذا شأن عظيم وأمر عظيم.

 جاء فيمن أراد أن يتخطى بين يدي المصلي: «إذا جاء فادفعه، فإن أبى فقاتله»، وفي رواية: «فإن معه القرين» معه شيطان. هذه الأمور لا يعني أنك تأخذ السلاح على كتفك وكل من أراد شيئًا من هذه الأمور تفرغه في رأسه، ليس هذا هو المقصود. المقصود الحرص على حفظ الصلاة من أن يذهب شيء منها بالتشويش، أو المال أن يذهب هدرًا وسدى وتضييع الحقوق. لا بد من الموازنة بين هذه الأمور، فلا يُتخذ مثل هذا الحديث ذريعة لإزهاق النفوس أو تضييع الأموال، لا، المسألة تسديد ومقاربة، وأنت تنظر إذا كان في بلد تؤخذ فيه الحقوق، وينصف فيها الناس فلا يجوز بحال أن يأخذ الإنسان حقه بيده، بل لا بد من رفع ذلك إلى ولي الأمر.

«قتل دون ماله فهو شهيد» والشهيد معروف فضل الشهادة، والشهادة عند أهل العلم تطلق ويراد بها الشهادة العظمى، وهي القتل في سبيل الله ممن يقاتل الكفار في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، مثل هذا هو الشهيد في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه تكفر ذنوبه، وفضله عظيم جاءت النصوص بفضله، وأنه في الدنيا لا يُغسل، ولا يُكفن، ويبعث ودمه يشهد له: «اللون لون الدم، والريح ريح المسك»، هذا شهيد الدنيا والآخرة. وفيه شهيد دنيا، مثل الغالّ أو من حصل في قتاله وجهاده خلل، أو في نيته وفي قصده في قتاله خلط؛ مثل هذا يعامل معاملة الشهداء في الدنيا، لا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، وأما في الآخرة فأمره إلى الله بخلاف الأول. وهناك شهيد في الآخرة فقط، وهو مثل من قُتل دون ماله، ومثله المطعون والمبطون، ومن جاء الحكم بالشهادة له غير المقتول في سبيل الله.

 "قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»"؛ لأنه صائل وباغٍ ومعتدٍ، مع أن الحكم عليه بالنار يحتاج إلى شيء من التفصيل إذا كان يستحل مال المسلم، ويستحل دمه إن قاتل دون ماله فهذا لا شك أنه مرتد، «في النار» مخلد فيها يعني كافر. وإن كان لا يعتقد ذلك، وإنما حمله البغي والعدوان وحب المال والشره على ذلك، فإنه متوعَّد بالنار، لا يصل إلى حد الكفر، لكنه متوعد بالنار.

ثم قال: "حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ" الكوسجي "وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ"، أحيانًا يقول: اللفظ لفلان من الثلاثة، وأحيانًا ينص على أن ألفاظهم متفقة، وأحيانًا تكون ألفاظهم متقاربة وليست متطابقة كما هنا.

"قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا" الحسن الحلواني ومحمد بن رافع قالا: حدثنا، وإسحاق بن منصور قال: أخبرنا. وهذه دقة من الإمام مسلم كما تقدم له نظائر كثيرة في تفريقه بين صيغ الأداء من الرواة.

"وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ" يعني من الخلاف "تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ" يعني تأهَّبوا للقتال، "فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَعَظَهُ خَالِدٌ"؛ ليبين له أن القتال من أجل هذه الأمور، أمور الدنيا والمنافسة فيها أمره عظيم، وشأنه خطير، فمثل هذا يُسعى فيه بالصلح بالكلمة الطيبة، بالنية الصالحة، ويحصل مثل هذا.

"فَوَعَظَهُ خَالِدٌ" المسألة ما تستأهل ولا تستحق أنك تقاتل من أجل أمور الدنيا، "فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»" عبد الله بن عمرو يرى أن المدافعة عن الحقوق التي يترتب عليها الشهادة، وترتيب الشهادة على المدافعة حثٌّ عليها؛ ولذلك استدل بالحديث على المدافعة والمقاتلة، والمقاتلة لا تعني القتل، لكن إذا أدت المقاتلة ومدافعة الصائل إلى أن يموت؛ بسبب هذه المدافعة فالحكم ما ذُكر: الصائل إذا قُتِل فهو في النار، والمبغى عليه إذا قُتل فشهيد، يعني لو تُركت الأمور فوضى بدون هذه المدافعة والمقاتلة لصارت أموال الناس نهبًا بينهم، كل من سوَّلت له نفسه أن يدخل بيت فلان أو حديقة فلان ومزرعة فلان، ثم يأخذ منها ما يشاء من غير مدافعة ولا مقاتلة ضاعت الحقوق. فلا بد من وجود مثل هذا الحديث لردع الناس، وليس معنى ذلك أن الإنسان يحمل سلاحه؛ ليدافع، نعم إذا كثر مثل هذا الأمر واحتيج إلى أن يُهيب الناس بالسلاح، فلا مانع إذا لم يكن ثَمّ والٍ يردع الناس، ويزع الله به البغاة، فإن الناس يحتاطون لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ويتخذون السلاح؛ للدفاع عنهم. وإذا كانت الأمور راكدة والأمن منتشر، فلا حاجة إلى مثل هذه الأمور.

"وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ" والحاء هذه مرت بنا مرارًا، وهي حاء التحويل من إسناد إلى آخر، "ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ" وهو النبيل الضحاك بن مَخلد "كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ" يعني مثل ما تقدم.

ثم قال الإمام مسلم فيما ترجم عليه الإمام النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ".

قال: "حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ" فروخ لفظ أعجمي ممنوع من الصرف، "قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ" جعفر بن حيان، "عَنِ الْحَسَنِ" يعني البصري، "قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ" عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، أو ابن أبيه بمن قالوا بالتشكيك في نسبه، كان واليًا على جهات من العراق، ومنها البصرة، ولما مرض عاده عبد الله بن عمر، فلما عاده قال له: إن الله لا يَقبل صدقة من غلول، وكنتَ على البصرة، يعني عبيد الله بن زياد كان على البصرة، ومعلوم أن الولاة في الجملة بأيديهم الأموال، وتحت تصرفهم بيوت الأموال، ولا حسيب عليهم ولا رقيب، فيعظه: كنت على البصرة، احتمال أنك أخذت شيئًا؛ لأنه ما فوقك أحد.

هنا: "عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ"، في حديث ابن عمر، عبد الله بن عمر هو الذي عاد عبيدَ الله بن زياد ونصحه، يريد منه أن يتوب ويتخلص إذا كان قد أخذ شيئًا من غير وجهه. وهنا عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار المزني الصحابي الجليل في مرضه الذي مات فيه.

 "قَالَ مَعْقِلٌ": عبيد الله بن زياد وُلد سنة اثنتين وثلاثين، ومات، قُتل سنة سبع ستين، عمره خمس وثلاثون سنة، وُلي الإمامة وعمره اثنتان وعشرون، واستمر فيها ثنتي عشرة سنة.

على كل حال هو فيه شيء من الحزم، وفيه شيء من القوة، وفيه شيء قد يكون الجور، ولذلك وُلي وهو صغير؛ من أجل ضبط الأمور، بغض النظر عن الأمور الأخرى.

على كل حال عبيد الله بن زياد زار أو عاد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه. "قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ" يعني الآن ضاق الوقت، وإذا ضاق الوقت تعيَّن العمل، يعني مثل من بقي عليه من وقت الصلاة عشر دقائق، يجوز أن يؤخر؟ لا. هذا في مرض الموت، وعنده حديث تحمَّله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا بد أن يؤديه، لا سيما إذا كان السامع ممن يعنيه هذا الحديث وينطبق عليه.

"لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ»" الغش ضد النصيحة، "«يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»" كثير من الناس يسمع هذا الحديث ويقول في نفسه: الحمد لله أني ما تولَّيت ولايات! أنت في بيتك والٍ وراعٍ ومسئول عن رعيتك، أنت مسئول عن رعيتك، عن أولادك، أبنائك وبناتك، وزوجاتك، وخدمك، وكل من ولاك الله أمره أنت مسئول عنهم، فلا بد من بذل النصيحة لهم؛ لأن بعض الناس يسمع هذا الحديث يقول: الحمد لله ما تولينا ولايات، ولا برقابنا شيء للمسلمين.

بلى، عندك بيت، عندك أولاد وبنات وزوجات وموالٍ وخدم، كلهم في عنقك، لا بد أن تمحضهم النصيحة، وأَولى ما يُنصحون به ما يحفظ أديانهم. بعض الناس يُيسّر لمن ولّاه الله عليهم أمور أو أسباب الفساد، يقول: من باب الرحمة لهم ومن باب ترفيههم، أن ييسّر لهم هذه الآلات التي عثت في البيوت، إذا قالت الأم: الأولاد يحتاجون كذا، أو عيال الناس كلهم عندهم كذا... هذا الغش، والنصيحة أن تمنعهم مما يضرهم سواء كان ذلك في أمور دينهم أو أمور دنياهم، لا بد من منعهم وإلا فأنت مسئول عنهم؛ «كل راعٍ مسئول عن رعيته»؛ لأن أنظار الناس وعامة الناس متعلقة بالولاة الذين بأيديهم الحل والعقد، ويحصل منهم ما يحصل، شيء بعلمهم، وشيء من غير علمهم، فلا بد بدءًا من الوالي الذي هو الإمام الأعظم إلى أصغر من ولاه الله ولاية على شيء.

فلو وُليت على بهائم فلا بد أن تحفظها وتحوطها بنصيحتك، ما تتركها تموت جوعًا أو تُجيعها أو ما أشبه ذلك، أو تظلمها، أو تحمل عليها فوق ما تطيق، أنت وُليت عليها، هذه بهيمة، لا بد من بذل النصيحة لها، ما تُحملها فوق ما تطيق، أو تُجيعها أكثر مما تتحمل. فالحديث عام شامل من الولاة الذين هم ولاة الأمور والحكام إلى من دونهم من أمراء ووزراء وقضاة وعلماء، كلهم مسئولون عن هذا الدين، العالِم إذا لم يمحض الناس، الرعية أو غشَّهم بما لا ينفعهم أو أفتاهم بما يضرهم فهو مسئول عنهم.

يقول: "«ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»"، عبيد الله بن زياد هذا عنده مخالفات، ووُلي على البصرة، وولي على أطراف من العراق وعمره ثنتان وعشرون سنة، عنده ضبط، وعنده حزم؛ بل شيء من الظلم، وسكن الأمر بسببه بإذن الله -جَلَّ وعَلا-؛ لأنه حمل على الناس بالقوة والسلاح، فقد يكون له مما يُمدح به من هذا الباب؛ لأن إرساء قواعد الأمن هذه منقبة، لكن شريطة ألا يترتب عليها ظلم لأحد، وإلا الظالم مصيره وحكمه معروف.

قال: "حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قال: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ" ابن يزيد "عَنِ الْحَسَنِ" البصري، "قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ، عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ" يعني مريض، "فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ" يعني من قبل: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَا يَسْتَرْعِي اللهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟" حت يكون فيه فرصة للمراجعة، "قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: «مَا حَدَّثْتُكَ»، أَوْ «لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ».

وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قال: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ -يَعْنِي الْجُعْفِيَّ-، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا".

ثم قال: "وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ" واسمه مالك بن عبد الواحد "وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ" إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه الإمام المشهور، "قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا" وهو لا يكاد يقول في صيغة الأداء إلا: أخبرنا. "قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ" أبو غسان ومحمد بن المثنى، "وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ" ابن دعامة السدوسي، "عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ" واسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة الهزلي، "عن أبي المَليح أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ" يعني في مرض الموت، "لَمْ أُحَدِّثْكَ"، العلماء يقولون: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، هذا وقت الحاجة؛ لأنه في مرض الموت. وعندهم يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وأما تأخيره عن وقت الحاجة فلا يجوز.

 "لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ»" يبذل جهده، ويستفرغ وسعه، "«ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ»" يمحضهم النصيحة، "«إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ»"، وهذا في الغاش لرعيته. قد يقول قائل: إن الأمور توسَّعت، والولايات كثرت، وأمور الناس تشعَّبت، وضبطها صعب، فلا بد أن يحصل شيء من الخلل؛ إما بعلمه وعدم استطاعته أو بعدم علمه؟

هذه الله -جَلَّ وعَلا- كما قال في محكم تنزيله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ومعلوم أن الوالي بشر، يفوت عليه ما يفوت، ويحصل منه ما يحصل، ومعلوم أنه ليس بمعصوم، يعني عموم الولاة ليسوا بمعصومين، يحصل منهم الخطأ؛ ولذا جاء في النصوص التعامل مع الولاة وإن جاروا، وأنه بذلك لا يجوز الخروج عليهم. يبقى فيه مساحة لمن أراد أن يزداد من أعمال الآخرة، ولمن أراد أن يفرط، ويتساهل، فيحصل له من الوعيد ما يحصل. هذا الحديث فيه وعيد شديد: «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة»، وفرق بين أزمان يكون الغالب فيها الصلاح، وعموم الناس مع ولي الأمر يحوطونه النصيحة، ويخبرونه بما يحصل، ويتعاونون معه على حل الإشكالات ورفع المظلمات، وبين أن يكون الفساد غالبًا وكثيرًا في الناس، وكل واحد يتربص كلَّ شخص، حينئذٍ ولي الأمر يحتاج إلى من يعينه.

على كل حال: هذه النصوص تجعل الإنسان يبحث عن السلامة والعافية، ولا يُقحم نفسه في أمور من أمور الدنيا بحيث لا يستطيع التخلص منها. «لا تسأل الإمارة»، قول النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، «لا تسأل الإمارة، فإنها حسرة وندامة يوم القيامة»، ثم قال: «فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة» يعني الولايات نعم المرضعة باعتبار أنك تحصل من أمور الدنيا ما تحصل، يحصل لك من الأموال، ويحصل لك من الجاه، ويحصل لك من تقدير الناس واحترامهم، «نعمت المرضعة»، لكن الفطام غدًا: «وبئست الفاطمة»!

فعلى الإنسان أن يطلب السلامة، لكن قد يكون شخص أو مجموعة تجتمع فيهم الشروط، ويغلب على الظن أنهم يُصلحون، مثل هؤلاء لا مانع أن يطلبوا الإمارة، لا سيما إذا تعيَّن الأمر عليهم: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف: 55]، فمثل هذا صحيح أنه مزلة قدم ومسئوليات كبرى، لكن إذا تخلى عنها الأكفاء تسلَّمها غيرهم، فلا يجوز للكفء إذا كلَّفه ولي الأمر بأمر من الأمور، ويستطيع القيام به، ويغلب على ظنه أنه يتخلص من تبعاته، فلا يجوز له أن يعتذر عنه. كثير من طلاب العلم يُرشَّحون للقضاء، وقد سمعوا وقرءوا مواقف السلف من هذا وتعذّرهم بل رفضهم للقضاء، وبعضهم يُضرب عليه، ويريد أن يتشبه بهم. في وقت السلف إذا رفض فلان أو فلان، فرفض عشرة أو مائة، فيه ألوف مؤهَّلون لهذا العمل. لكن الآن لو تركه الأخيار يكون بيد من؟ يكون بيد الأشرار؛ لأنه إما أخيار وإما أشرار، فلا يجوز حينئذٍ أن يعتذر عنه وهو يرى من نفسه الكفاءة. وإلا فمثل هذه النصوص تجعل الإنسان يفر من هذه الأمور فراره من الأسد، نصوص وعيد شديدة، «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة».

وعلى كل حال الأصل أن السلامة لا يعدلها شيء، لكن قد يتعيَّن على الإنسان أن يقبل مثل هذه الأمور، ويجتهد، وإذا اجتهد فله أجره عند الله -جَلَّ وعَلا-، وإن اجتهد وأخطأ صار له أجر واحد، وإن أصاب كان له أجران.

ثم قال -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- فيما تُرجم عليه بـ"بَابُ رَفْعِ الْأَمَانَةِ وَالْإِيمَانِ مِنْ بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ".

قال الإمام مسلم: "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ" وهو الضرير محمد بن خازم، "وَوَكِيعٌ" وكيع بن الجراح، "ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ" سليمان بن مهران الأعمش، "عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ" حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل صاحب سر النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، "قَالَ" حذيفةُ: "حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا" هذا الحديث الأول: "حَدَّثَنَا «أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»".

 نزلت الأمانة في جَذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فتعلم الناس من القرآن ما يؤيد هذه الأمانة التي غُرست في قلوب الرجال، وعلموا من السنة وما جاءهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يزيد ويثبت ويرسخ هذه الأمانة التي نزلت في جَذر قلوب الرجال. "ثُمَّ حَدَّثَنَا" هذا الحديث الثاني، "ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ قَالَ" الأمانة أكثر الشراح على أنها هي التي أشير إليها في آخر سورة الأحزاب: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: 72]، وهي مجموع التكاليف الأوامر والنواهي، فتُمتثل بفعل الأوامر واجتناب النواهي، "ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ".

وقد يراد بها الأمانة التي هي ضد الخيانة، ويدل على ذلك بعض ألفاظ الحديث كما سيأتي، "ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ»" كما سيأتي في آخر الزمان «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويسمي مؤمنًا ويصبح كافرًا»، نسأل الله الثبات على دينه.

 "قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ»" يعني شيء يسير في قلبه، "«ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ»" يعني تُقبض على دفعات، لكن "«فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ»" الوكت الأثر شيء كاللون يبقى، ثم تقبض الأمانة في النومة الثانية من قلبه "«فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ»" المجل ما يكون من أثر العمل في الأيدي، الإنسان إذا عمل في المزرعة أو في البناء من حَمل البلك أو من مسك الفئوس والمعاول، تجد اليد خشنة جدًّا.

 "«فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ»" لو جئت بجمرة ودحرجتها على يدك أو رِجلك انتفخت "«كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفَطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا»" يعني مرتفعًا، ومنه أُخذ المنبر؛ لأنه مرتفع، ويرتفع عليه الخطيب "«فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ -ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ-، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ»" يعني بعد أن قُبضت الأمانة من قلوب كثير منهم، "«فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ»"، وإنما الغالب على الناس الغش والخيانة، نسأل الله العافية.

 "«حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا»" متى يقال هذا؟ إذا كان نادرًا، واحد في القبيلة، "«إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ»" يُمدح بين الناس، وينظرون إليه نظر تعظيم، "«إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ»" رجل جَلد ويتحمل الشدائد، ورجل ظريف يتعامل مع الناس ببراعة ومهارة، عنده شيء من اللباقة "«مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ!»" يوصف بهذه الأوصاف "«وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ»"؛ لأن الموازين الشرعية بعد قبض الأمانات اختلت، تجد الإنسان يُمدح ويثنى عليه في المجالس، وليس فيه شيء من هذه الأوصاف التي مُدح بها، وبعض الناس يمدح غفلة، وبعضهم لمصلحة، وهو يعرف أن هذا الذي يمدحه ما فيه شيء مما يُمدح به تبعًا للمصالح. "«وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ»".

 يقول حذيفة: "وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ" يدخل السوق ويشتري وخلاص يقبض السلعة ويدفع الثمن ولا عليه من أحد. "وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا" يعني هذا الذي يبيع ويشتري مسلم "لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ" يمنعه من الغش والكذب والخيانة الدين؛ لأنه يتدين بحق، ما يتدين في الظاهر، وإذا جاءت أمور الدنيا والطمع نسي الدين كحال كثير من الناس، نسأل الله السلامة والعافية. "لئن كان مسلمًا ليردنه علي دينه، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ" الوالي المسلم على هؤلاء من اليهود والنصارى يمنعونهم ويأطرونهم على البيع بالصدق والأمانة.

 "لئن كان مسلمًا ليردنه علي دينه، ولئن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنه علي ساعيه" الوالي عليه من المسلمين يرده، "وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا" أما اليوم فلما ضعف الدين في قلوب الناس، وضعف الولاة من تطبيق الحدود على الناس؛ فشت الخيانة وفشى الكذب وفشى الغش، فالمسلم لا يرده دينه والكافر لا يرده ساعيه "إلا فلانًا وفلانًا". "ما كنت لأبايع" هذا في البيع والشراء في أمور الدنيا، قال بعض الشراح: "ما كنت لأبايع" من البيعة وهي الولاية والخلافة، وهذا ليس بصحيح؛ لأن المسلم لا يمكن أن يبايع يهوديًّا أو نصرانيًّا، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141].

"وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ".

يقول: ذكر النووي -رَحِمَهُ اللهُ- في شرحه على صحيح مسلم أن لابن المنذر كتابًا فيه فوائد من حديث جابر في الحج؟ ما رأيتُ الكتاب.

يقول: هل هو موجود أم غير موجود؟

أنا ما رأيت الكتاب.

وما رأيكم في طبعة دار التأصيل لصحيح مسلم؟

دار التأصيل طبعت أصول السنة كلها، طبعت الكتب الستة والمسند والموطأ وغيرها من الكتب، وطبعاتهم في الجملة معتنى بها، وهي صحيحة في الجملة.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.